قراءة ثيماتية وتفكيكية لقصيدة "أغنية للحب و البحر" للشاعر : جمال مرسي
بقلم : د. عبد الله كراز
القصيدة :
أغنية للحب و البحر
شعر : د. جمال مرسي
وحيداً
أُطِلُّ على البَحرِ أرقُبُ أمواجَهُ
و الظلامُ رويداً رويداً يسيرُ إليهِ
تَلُفُّ الخِضَمَّ مُلاءَتُهُ
و السكونُ شِراعٌ تَعَرَّضَ في البَحرِ
لَوَّحَ لي بالسَّلامْ .
و لا شيئَ حولِيَ غيرُ الرِّمالِ
تُداعِبُها موجةٌ في هُدوءْ .
و عيناكِ تَرتَسِمَانِ على مَوجَتَينِ
كأنَّهًما قَمَرانِ استفاقا لِتَوِّهِمَا
مِن مَنامْ .
و قلبيَ قاربُ عِشقٍ كبيرٍ
تَحَمَّلَ بالشَّوقِ و الوردِ
و النَّرجِسِ الجَبَلِيِّ
لِيُبحِرَ في مُقلتيكِ
إليكِ
يُصارعَ كُلَّ لُصوصِ البحارِ
ليرسوَ فوقَ شواطئِ قلبٍكِ
حيثُ يطيبُ المُقامْ .
فَهلاَّ فتَحتِ مَوانِئَ عينيكِ للفارسِ العَرَبِِيِّ
فَقَد آَنَ بَعدَ عَناءِ الطَّريقِ الطَّويلَةِ
أن يستريحْ .
يسوحَ بِروضاتِ فًلِّكِ ،
كَرزِكِ .
عِزِّكِ،
يقطفَ ما شاءَ مِنها
و من ثمَّ يغفو على ساعديكِ
و يكتم أسرارَ حِضنِكِ ـ يا عمرَهُ ـ
لا يَبُوحْ .
و كَفُّكِ مثلُ نسيمِ الصَّباحِ
تَمُرُّ بِرِفقٍ على وجنَتَيهِ
و تمسحُ عنهُ غبارَ السِّنينَ
و نزفَ الجُروحْ .
أيا ربَّّةَ البَحرِ :
يعلمُ فارسُكِ العَرَبِيُّ الجَرِيحُ
بأنَّكِ آخرُ أسفَارِهِ
مثلما كُنتِ أَوَّلَهَا للخُلُودْ .
و يعلمُ أنَّكِ مهما ابتعدتِ
فأنتِ القريبةُ
أنتِ الحبيبةُ
أنتِ رسولُ الضِّياءِ إليهِ
و أنتِ الحياةُ و نبضُ الوَرِيدْ .
أُحِبُّكِ يا ربَّةَ البَحرِ مُذ خَلقَ اللهُ هذا الخِضَمَّ
و تَوَّجَكِ العاشقونَ عليهِ المليكَةَ
يأتمرُ الماءُ و الموجُ
دهراً بأمرِكْ .
و أدفعُ عمريَ ، مُلكيَ ، روحيَ
مَهراً لطُهرِكْ .
يُحَدِّثًني البَحرُ عنكِ
و كيف تلوَّنَ من مُقلَتَيكِ
و كيف اكتَسَت شَمسُهُ حينَ نامت
على صَدرهِ فِي الغُروبِ
بتبرِكْ .
يُحَدِّثُني عن لآلئَ خبَّأتِها خلف ثغرِكْ
و عن ليلِهِ المُستَحِمِّ بشَعرِكْ .
و عن موجِهِ كيف صارَ رقيقاً
إذا ما ترنَّمَ كالطيرِ صُبحاً بشِعرِكْ .
و لا يعلمُ البحرُ أنِّيَ أعلمُ عنكِ الذي ليس يعلمُ
لكنَّني لا أبوحُ بِِسِرِّكْ .
و أن السَّعادةَ ،
كُلَّ السَّعادةِ
قد ذُقتُها مُذ وَقَعتُ بأسرِكْ .
و أن الرَّبيعَ الذي عِشتُهُ في فراديسِ عينيكِ
كان الخريفَ قُبيلَ امتِطَائيَ صَهوَةَ بَحرِكْ .
أحبُّكِ يا ربَّةَ البحرِ ، هل تسمعين وجيبَ الفؤادِ
و نبضَ المدادِ
و هل تشعرين بنارِ اشتياقيَ
يا شهرَ زادي ؟
و هل تعلمينَ بأنيَ ما كنت يوماً أبوحُ
بما في الضلوع لغيرِكْ ؟
أيا رَبّةَ البحرِ إني غريقٌ
يرومُ النجاةَ
و لا شئَ ، لا شئَ ينقذُهُ غير إطلالةٍ
من نوافذِ قصرِكْ .
فهل تُشرقينْ ؟
القراءة :
قراءة ثيماتية وتفكيكية لقصيدة "أغنية للحب و البحر" للشاعر جمال مرسي
بقلم : د. عبد الله كراز
العنوان يجئ بدلالة رومانسية كونية حيث التجاور بين الحب – كقيمة معنوية وشعورية وإنسانية متسيدة – والبحر – كعنصر هام في الطبيعة الكونية وذي دلالات متعددة ومتحولة منها الإيجابي ومنها السلبي، منها ما هو خير ونعمة ومنها ما هو شر ونقمة، ولكن يبدو أن الشاعر يتحيز لكليهما بدلالاتهما الإيجابية، ومسكوناً بهما لدرجة انه يغني لهما أغنية الملاح في عهود سابقة عندما كان يتبوأ سطح البحر عرشاً للبطولة والحب والعشق كشهادة لمحبوبته بتفوقه في ركوب البحر وخوض عبابه واستكناه خباياه ودرره وتفاصيل العيش في موجاته وأعماقه، واقعاً وخيالاً.
ومن هذا البوح الاستهلالي الغنائي يبدأ الشاعر رحلته وحيداً متفاعلاً مع طبيعة الكون المتجسدة خصيصاً في البحر وموجاته وقت تسربل ظلام الليل على ناصية الشاعرية والتجربة الرومانسية، مع عزم إنساني في مواكبة الخضم المتجسد إنساناً يرتدي حلته وملاءته التي تلف خضم البحر، راسماً لوحة بحرية تتسيدها لحظات صمت وسكون تنطوي على تأمل ومناجاة وحوار صامت بين الشاعر والبحر بكل طقوسه وتضاريس المغامرة في ركوب أمواجه. وهنا نحس أننا أمام تجربة رمزية وخيالية لا تنأى بعيداً عن واقعية الحدث ومعانيه في استلهام صورة البحر واستحضار كل ما يدور في فضاءاته الكونية حيث،
وحيداً
أُطِلُّ على البَحرِ أرقُبُ أمواجَهُ
ومن هناك يشتبك الشاعر مع البحر في رقصة حوارية تفضي لأن تجعل البحر نفسه "يلَوَّحَ لي بالسَّلامْ" (تم إضافة ياء المضارع للفعل لوّح حتى نجعل حركية الصورة أكثر إثارة وحيوية ودلالةً)
لكن نفاجأ بفكرة العدمية عندما يخبرنا الشاعر أنه يقف في عزلته البحرية وتكتنف مساحة وجوده هناك الرمال التي تطالعها أمواج البحر رقصاً ومداعبةً هادئةً ودالة على انحياز الشاعر لموقف العزلة والانفراد بتأمل البحر وأشيائه دون تشتيت أو منغصات أو تعكير لصفو الحوار الجميل المرسوم على شاطئ لا يعرف أحداً أو شيئاً سوى صورة البحر نفسه وتنهض من بين رمال البحر المغتسلة بالماء المتحرك صورة المداعبة والتي ترتسم أمام عيني الحبيبة "على موجتين" تتكرران وتتدافعان على الرمال، وتتحوّل عيناي الحبيبة الموسومة إلى قمرين "استفاقا لتوهما" وبحركة تعبيرية مفاجئة ومدهشة وبلغة شاعرية وفنية وبليغة وتصوير دلالي ورمزي يحيل التجربة برمتها لطقوس تتراءى في لوحة غزيرة الدلالة والمغزى وتحمل جزءاً وافياً من هموم الشاعر، حيث:
لا شيئَ حولِيَ غيرُ الرِّمالِ
تُداعِبُها موجةٌ في هُدوءْ .
و عيناكِ تَرتَسِمَانِ على مَوجَتَينِ
كأنَّهًما قَمَرانِ استفاقا لِتَوِّهِمَا
وسرعان ما يتحول الخطاب بشكل حيوي وصادق في التعبير والدلالة والفصاحة ليغطي مساحة توازي ما سبق حدوثه مع العينين والموجات المداعبة لرمل الشاطئ في:
و قلبيَ قاربُ عِشقٍ كبيرٍ
تَحَمَّلَ بالشَّوقِ و الوردِ
و النَّرجِسِ الجَبَلِيِّ
لِيُبحِرَ في مُقلتيكِ
إليكِ
لنرى أن قلب الشاعر المفعم بالحيوية والنشاط والحركة والنبض العاطفي والشاعرية تحوّل لقارب يملأه العشق المدجج "بالشوق والورد والنرجس الليلي" كي ينتشي فعل الإبحار في مقلتي الحبيبة التي تتصارع مع البحر في مرأى وخيال الشاعر ووجدانه وأقطاب هواه، على أن هذا التجاور وبطريقة الانزياح الفني والشعوري والانطباعي يسمو بالقصيدة فوق أشرعة البحر ذاتها ويضفي على عالم الحسيات عمقاً إبداعياً وفكرياً وثيماتياً يطيب للشاعر نفسه ولهواه، خاصةً إذا ما رأينا تداعي الصورة وبؤرها النصية والسياقية في ذات النص المفتوح على تأويلات عديدة وقيمٍ لا تنتهي في دلالاتها وإيحاءاتها الرمزية والإشارية، عندما نتأكد أن القارب يشبه في قارب النجاة والمرساة التي تعيد ثقة البحار للبحر، وهنا لا بد من استنباط تناص نوعي مع رواية "الرجل العجوز والبحر" لإرنست همنجواي الروائي والمسرحي الأمريكي العملاق، حيث يصبح القارب بمن عليه،
يُصارعَ كُلَّ لُصوصِ البحارِ
ليرسوَ فوقَ شواطئِ قلبٍكِ
حيثُ يطيبُ المُقامْ .
وبعد ذلك المفتتح الجميل والملحمي، يأخذنا الشاعر العارف بحياة البحار و تلافيفها لأعماق تاريخية تأتي لنا بالفارس العربي - الذي نحسبه هنا الشاعر ذاته – لكي تستقبله الحبيبة بواسع عينيها الكونيتين، ويذكرنا بالعالقة من شعراء الجاهلية والفروسية عندما كانوا يكتبون أشعارهم ممزوجة بالعاطفة والغزليات وهم يهيمون بغبار الحرب وصليل السيوف فتخرج مدججة بالحيوية والحركة والصدق والتأثير:
فَهلاَّ فتَحتِ مَوانِئَ عينيكِ للفارسِ العَرَبِِيِّ
فَقَد آَنَ بَعدَ عَناءِ الطَّريقِ الطَّويلَةِ
أن يستريحْ .
ثم تنهال في اللوحة الممتدة من النص صورٌ شاعرية تخرج من أتون التجربة على حركيتها وفيزيائها وتدل على ذات النبرة الحالمة بطقوس الطبيعة الرائعة محيلاً النص برمته لرومانسية وصفية – أو وصف رومانسي - تستحيل لأسطورة على يد الشاعر وقلمه بما تحمله من دلالات رمزية وإشارات مجازية توحي بصدق التجربة وحيوية الخيال لدى الشاعر وقصيدته، حيث،
و كَفُّكِ مثلُ نسيمِ الصَّباحِ
تَمُرُّ بِرِفقٍ على وجنَتَيهِ
و تمسحُ عنهُ غبارَ السِّنينَ
و نزفَ الجُروحْ .
وبنفس وتيرة التكثيف الإيحائي والتصويري الفني البليغ يأخذنا عالم النص لفضاءات حوارية مع البحر مرةً أخر ولكن هذه المرة يوجه الخطاب الشعري لربة البحر بعد أن اكتفى بمغازلة البحر ذاته وشبع منه، ومشتبكاً مع التاريخي والتراثي والثقافي بصوت عصري وحداثي ملهم ومتجدد ومؤثر،
أيا ربَّّةَ البَحرِ :
يعلمُ فارسُكِ العَرَبِيُّ الجَرِيحُ
بأنَّكِ آخرُ أسفَارِهِ
مثلما كُنتِ أَوَّلَهَا للخُلُودْ .
ويعود من نافذة الإبداع ذاتها وبصورة متجددة البهاء والفنية والجمالية ليصف المحبوبة – بما تحمل من دلالات وإيحاءات تتعدى حدود الأنثى الإنسانة – بشكل يتماهى مع الخطاب الصوفي والروحي في:
أنتِ رسولُ الضِّياءِ إليهِ
و أنتِ الحياةُ و نبضُ الوَرِيدْ .
أُحِبُّكِ يا ربَّةَ البَحرِ مُذ خَلقَ اللهُ هذا الخِضَمَّ
و تَوَّجَكِ العاشقونَ عليهِ المليكَةَ
ولي تعقيب بسيط – لو سمح لي شاعر النصوص الخالدة والحيوية – بخروج الصورة في "يأتمرُ الماءُ و الموجُ ، دهراً بأمرِكْ" هنا نلمس تداخلاً دينياً أتمنى أن أكون مخطئاً في استيعابه، حيث "الأمر يومئذٍ لله" ولا أمر إلا أمر الله وسلطانه فهو الآمر والناهي والمعطي والمانع.!! وأنا على يقين بامتناع حدوث هذه الهفوة عند وعي الشاعر وثقافته وعالمه المعرفي.
وبالرغم من ذلك، يتحفنا الشاعر بشخصيات يستلهمها من وحي البحر وطبيعته وطقوسه وأشيائه محركاً في خيالنا ما يستعصي علينا تصويره وتخييله، حيث يجعل البحر يتحدث جاعلاً منه إنساناً يحاوره ويكسر عليه عزلته بعد أن طفح به الكيل والميزان، مقتفياً درب الشعراء العظام ممن استأنسوا بالبحر "مؤنسنينه" على ما يكتنزه – وأشياؤه - من عالم السحر الجمالي والدلالي والمعرفي والأسرار:
يُحَدِّثًني البَحرُ عنكِ
و كيف تلوَّنَ من مُقلَتَيكِ
و كيف اكتَسَت شَمسُهُ حينَ نامت
على صَدرهِ فِي الغُروبِ
بتبرِكْ .
ولا يخفى على أحدٍ من المتلقين في وجود مباشرة في التعبير إزاء هذا الوصف في "و عن ليلِهِ المُستَحِمِّ بشَعرِكْ "، على يقيني ببراءة الفكرة والمغزى والدلالة لدى الشاعر الذي يتمتع بسمو أخلاقه ودماثته وعلو قامته وأصالته، أنا مطمئن لذلك، ولكن ليطمئن قلب القراء أيضاً ويبتعدوا عن الظن والتخمين والتأويل بما ليس مقصوداً هنا من إثارة حسية أو صورة مؤثرة وتدخل باب الفحش من القول! هذا ليس قصد الشاعر هنا، بل كل ما تحمله الصورة من دلالات وإشارات تتأتى من صميم خيال الشاعر الذي يؤنسن البحر ليجعله يمارس طقوساً إنسانيةً في حضرة الجمال وبراءة المغزى.
ولنا أن نتأكد من تلك الرؤية في تداعيات الصورة البحرية في:
إذا ما ترنَّمَ كالطيرِ صُبحاً بشِعرِكْ .
و لا يعلمُ البحرُ أنِّيَ أعلمُ عنكِ الذي ليس يعلمُ
لكنَّني لا أبوحُ بِِسِرِّكْ .
ثم استدعاء صورة الربيع واشتباكه مع الخريف على ما تحمله من دلالات أسطورية ومنمذجة في العرف الطقوسي لكل شعوب الأرض وحضاراتها على مر الزمن:
و أن الرَّبيعَ الذي عِشتُهُ في فراديسِ عينيكِ
كان الخريفَ قُبيلَ امتِطَائيَ صَهوَةَ بَحرِكْ .
ولكن يصر الشاعر على إخبارنا بعد هذه التجربة العاصفة والحيوية في فركتها وتفاصيل طقوسها أنه يبقى يحب "ربة البحر" متوقعاً استجابتها له ولشغفه بها مصرحاً بها ب"شهر زاده" هذه المرة وبنفس طريقة الانزياح المتسيدة في نص عالمي التجربة والجماليات:
أحبُّكِ يا ربَّةَ البحرِ ، هل تسمعين وجيبَ الفؤادِ
و نبضَ المدادِ
و هل تشعرين بنارِ اشتياقيَ
يا شهرَ زادي ؟
ثم يتوسل الشاعر – على ضعف حيلته وقلتها – لحبيبته أن تصنع له – أو أن تكون هي ذاتها – قارب النجاة من عثرات الزمن والمخبوء من الآتي، والذي يشكل إشراقةً كونية للشاعر تأخذه لعالم أكثر أمناً واستقراراً وهدأة بال:
أيا رَبّةَ البحرِ إني غريقٌ
يرومُ النجاةَ
و لا شئَ ، لا شئَ ينقذُهُ غير إطلالةٍ
من نوافذِ قصرِكْ .
فهل تُشرقينْ ؟
وبهذا يكون الشاعر قد صمم لنا قارب نجاة يلزمنا لننجو من محطات الغرق والمغامرة وذلك بلغة سامقة في الفنيات والجماليات والبديع من القول و التصويرات وفصاحة اللفظة على اكتنازها بدلالات حيوية وكونية اشتبكت مع موسيقى ذات نبض إنساني و شاعرية متمكنة من قاموس الشاعر الذي لا يشق له غبار.
دمت حبيبي بكل الخير والألق
د. عبدالله حسين كراز
بقلم : د. عبد الله كراز
القصيدة :
أغنية للحب و البحر
شعر : د. جمال مرسي
وحيداً
أُطِلُّ على البَحرِ أرقُبُ أمواجَهُ
و الظلامُ رويداً رويداً يسيرُ إليهِ
تَلُفُّ الخِضَمَّ مُلاءَتُهُ
و السكونُ شِراعٌ تَعَرَّضَ في البَحرِ
لَوَّحَ لي بالسَّلامْ .
و لا شيئَ حولِيَ غيرُ الرِّمالِ
تُداعِبُها موجةٌ في هُدوءْ .
و عيناكِ تَرتَسِمَانِ على مَوجَتَينِ
كأنَّهًما قَمَرانِ استفاقا لِتَوِّهِمَا
مِن مَنامْ .
و قلبيَ قاربُ عِشقٍ كبيرٍ
تَحَمَّلَ بالشَّوقِ و الوردِ
و النَّرجِسِ الجَبَلِيِّ
لِيُبحِرَ في مُقلتيكِ
إليكِ
يُصارعَ كُلَّ لُصوصِ البحارِ
ليرسوَ فوقَ شواطئِ قلبٍكِ
حيثُ يطيبُ المُقامْ .
فَهلاَّ فتَحتِ مَوانِئَ عينيكِ للفارسِ العَرَبِِيِّ
فَقَد آَنَ بَعدَ عَناءِ الطَّريقِ الطَّويلَةِ
أن يستريحْ .
يسوحَ بِروضاتِ فًلِّكِ ،
كَرزِكِ .
عِزِّكِ،
يقطفَ ما شاءَ مِنها
و من ثمَّ يغفو على ساعديكِ
و يكتم أسرارَ حِضنِكِ ـ يا عمرَهُ ـ
لا يَبُوحْ .
و كَفُّكِ مثلُ نسيمِ الصَّباحِ
تَمُرُّ بِرِفقٍ على وجنَتَيهِ
و تمسحُ عنهُ غبارَ السِّنينَ
و نزفَ الجُروحْ .
أيا ربَّّةَ البَحرِ :
يعلمُ فارسُكِ العَرَبِيُّ الجَرِيحُ
بأنَّكِ آخرُ أسفَارِهِ
مثلما كُنتِ أَوَّلَهَا للخُلُودْ .
و يعلمُ أنَّكِ مهما ابتعدتِ
فأنتِ القريبةُ
أنتِ الحبيبةُ
أنتِ رسولُ الضِّياءِ إليهِ
و أنتِ الحياةُ و نبضُ الوَرِيدْ .
أُحِبُّكِ يا ربَّةَ البَحرِ مُذ خَلقَ اللهُ هذا الخِضَمَّ
و تَوَّجَكِ العاشقونَ عليهِ المليكَةَ
يأتمرُ الماءُ و الموجُ
دهراً بأمرِكْ .
و أدفعُ عمريَ ، مُلكيَ ، روحيَ
مَهراً لطُهرِكْ .
يُحَدِّثًني البَحرُ عنكِ
و كيف تلوَّنَ من مُقلَتَيكِ
و كيف اكتَسَت شَمسُهُ حينَ نامت
على صَدرهِ فِي الغُروبِ
بتبرِكْ .
يُحَدِّثُني عن لآلئَ خبَّأتِها خلف ثغرِكْ
و عن ليلِهِ المُستَحِمِّ بشَعرِكْ .
و عن موجِهِ كيف صارَ رقيقاً
إذا ما ترنَّمَ كالطيرِ صُبحاً بشِعرِكْ .
و لا يعلمُ البحرُ أنِّيَ أعلمُ عنكِ الذي ليس يعلمُ
لكنَّني لا أبوحُ بِِسِرِّكْ .
و أن السَّعادةَ ،
كُلَّ السَّعادةِ
قد ذُقتُها مُذ وَقَعتُ بأسرِكْ .
و أن الرَّبيعَ الذي عِشتُهُ في فراديسِ عينيكِ
كان الخريفَ قُبيلَ امتِطَائيَ صَهوَةَ بَحرِكْ .
أحبُّكِ يا ربَّةَ البحرِ ، هل تسمعين وجيبَ الفؤادِ
و نبضَ المدادِ
و هل تشعرين بنارِ اشتياقيَ
يا شهرَ زادي ؟
و هل تعلمينَ بأنيَ ما كنت يوماً أبوحُ
بما في الضلوع لغيرِكْ ؟
أيا رَبّةَ البحرِ إني غريقٌ
يرومُ النجاةَ
و لا شئَ ، لا شئَ ينقذُهُ غير إطلالةٍ
من نوافذِ قصرِكْ .
فهل تُشرقينْ ؟
القراءة :
قراءة ثيماتية وتفكيكية لقصيدة "أغنية للحب و البحر" للشاعر جمال مرسي
بقلم : د. عبد الله كراز
العنوان يجئ بدلالة رومانسية كونية حيث التجاور بين الحب – كقيمة معنوية وشعورية وإنسانية متسيدة – والبحر – كعنصر هام في الطبيعة الكونية وذي دلالات متعددة ومتحولة منها الإيجابي ومنها السلبي، منها ما هو خير ونعمة ومنها ما هو شر ونقمة، ولكن يبدو أن الشاعر يتحيز لكليهما بدلالاتهما الإيجابية، ومسكوناً بهما لدرجة انه يغني لهما أغنية الملاح في عهود سابقة عندما كان يتبوأ سطح البحر عرشاً للبطولة والحب والعشق كشهادة لمحبوبته بتفوقه في ركوب البحر وخوض عبابه واستكناه خباياه ودرره وتفاصيل العيش في موجاته وأعماقه، واقعاً وخيالاً.
ومن هذا البوح الاستهلالي الغنائي يبدأ الشاعر رحلته وحيداً متفاعلاً مع طبيعة الكون المتجسدة خصيصاً في البحر وموجاته وقت تسربل ظلام الليل على ناصية الشاعرية والتجربة الرومانسية، مع عزم إنساني في مواكبة الخضم المتجسد إنساناً يرتدي حلته وملاءته التي تلف خضم البحر، راسماً لوحة بحرية تتسيدها لحظات صمت وسكون تنطوي على تأمل ومناجاة وحوار صامت بين الشاعر والبحر بكل طقوسه وتضاريس المغامرة في ركوب أمواجه. وهنا نحس أننا أمام تجربة رمزية وخيالية لا تنأى بعيداً عن واقعية الحدث ومعانيه في استلهام صورة البحر واستحضار كل ما يدور في فضاءاته الكونية حيث،
وحيداً
أُطِلُّ على البَحرِ أرقُبُ أمواجَهُ
ومن هناك يشتبك الشاعر مع البحر في رقصة حوارية تفضي لأن تجعل البحر نفسه "يلَوَّحَ لي بالسَّلامْ" (تم إضافة ياء المضارع للفعل لوّح حتى نجعل حركية الصورة أكثر إثارة وحيوية ودلالةً)
لكن نفاجأ بفكرة العدمية عندما يخبرنا الشاعر أنه يقف في عزلته البحرية وتكتنف مساحة وجوده هناك الرمال التي تطالعها أمواج البحر رقصاً ومداعبةً هادئةً ودالة على انحياز الشاعر لموقف العزلة والانفراد بتأمل البحر وأشيائه دون تشتيت أو منغصات أو تعكير لصفو الحوار الجميل المرسوم على شاطئ لا يعرف أحداً أو شيئاً سوى صورة البحر نفسه وتنهض من بين رمال البحر المغتسلة بالماء المتحرك صورة المداعبة والتي ترتسم أمام عيني الحبيبة "على موجتين" تتكرران وتتدافعان على الرمال، وتتحوّل عيناي الحبيبة الموسومة إلى قمرين "استفاقا لتوهما" وبحركة تعبيرية مفاجئة ومدهشة وبلغة شاعرية وفنية وبليغة وتصوير دلالي ورمزي يحيل التجربة برمتها لطقوس تتراءى في لوحة غزيرة الدلالة والمغزى وتحمل جزءاً وافياً من هموم الشاعر، حيث:
لا شيئَ حولِيَ غيرُ الرِّمالِ
تُداعِبُها موجةٌ في هُدوءْ .
و عيناكِ تَرتَسِمَانِ على مَوجَتَينِ
كأنَّهًما قَمَرانِ استفاقا لِتَوِّهِمَا
وسرعان ما يتحول الخطاب بشكل حيوي وصادق في التعبير والدلالة والفصاحة ليغطي مساحة توازي ما سبق حدوثه مع العينين والموجات المداعبة لرمل الشاطئ في:
و قلبيَ قاربُ عِشقٍ كبيرٍ
تَحَمَّلَ بالشَّوقِ و الوردِ
و النَّرجِسِ الجَبَلِيِّ
لِيُبحِرَ في مُقلتيكِ
إليكِ
لنرى أن قلب الشاعر المفعم بالحيوية والنشاط والحركة والنبض العاطفي والشاعرية تحوّل لقارب يملأه العشق المدجج "بالشوق والورد والنرجس الليلي" كي ينتشي فعل الإبحار في مقلتي الحبيبة التي تتصارع مع البحر في مرأى وخيال الشاعر ووجدانه وأقطاب هواه، على أن هذا التجاور وبطريقة الانزياح الفني والشعوري والانطباعي يسمو بالقصيدة فوق أشرعة البحر ذاتها ويضفي على عالم الحسيات عمقاً إبداعياً وفكرياً وثيماتياً يطيب للشاعر نفسه ولهواه، خاصةً إذا ما رأينا تداعي الصورة وبؤرها النصية والسياقية في ذات النص المفتوح على تأويلات عديدة وقيمٍ لا تنتهي في دلالاتها وإيحاءاتها الرمزية والإشارية، عندما نتأكد أن القارب يشبه في قارب النجاة والمرساة التي تعيد ثقة البحار للبحر، وهنا لا بد من استنباط تناص نوعي مع رواية "الرجل العجوز والبحر" لإرنست همنجواي الروائي والمسرحي الأمريكي العملاق، حيث يصبح القارب بمن عليه،
يُصارعَ كُلَّ لُصوصِ البحارِ
ليرسوَ فوقَ شواطئِ قلبٍكِ
حيثُ يطيبُ المُقامْ .
وبعد ذلك المفتتح الجميل والملحمي، يأخذنا الشاعر العارف بحياة البحار و تلافيفها لأعماق تاريخية تأتي لنا بالفارس العربي - الذي نحسبه هنا الشاعر ذاته – لكي تستقبله الحبيبة بواسع عينيها الكونيتين، ويذكرنا بالعالقة من شعراء الجاهلية والفروسية عندما كانوا يكتبون أشعارهم ممزوجة بالعاطفة والغزليات وهم يهيمون بغبار الحرب وصليل السيوف فتخرج مدججة بالحيوية والحركة والصدق والتأثير:
فَهلاَّ فتَحتِ مَوانِئَ عينيكِ للفارسِ العَرَبِِيِّ
فَقَد آَنَ بَعدَ عَناءِ الطَّريقِ الطَّويلَةِ
أن يستريحْ .
ثم تنهال في اللوحة الممتدة من النص صورٌ شاعرية تخرج من أتون التجربة على حركيتها وفيزيائها وتدل على ذات النبرة الحالمة بطقوس الطبيعة الرائعة محيلاً النص برمته لرومانسية وصفية – أو وصف رومانسي - تستحيل لأسطورة على يد الشاعر وقلمه بما تحمله من دلالات رمزية وإشارات مجازية توحي بصدق التجربة وحيوية الخيال لدى الشاعر وقصيدته، حيث،
و كَفُّكِ مثلُ نسيمِ الصَّباحِ
تَمُرُّ بِرِفقٍ على وجنَتَيهِ
و تمسحُ عنهُ غبارَ السِّنينَ
و نزفَ الجُروحْ .
وبنفس وتيرة التكثيف الإيحائي والتصويري الفني البليغ يأخذنا عالم النص لفضاءات حوارية مع البحر مرةً أخر ولكن هذه المرة يوجه الخطاب الشعري لربة البحر بعد أن اكتفى بمغازلة البحر ذاته وشبع منه، ومشتبكاً مع التاريخي والتراثي والثقافي بصوت عصري وحداثي ملهم ومتجدد ومؤثر،
أيا ربَّّةَ البَحرِ :
يعلمُ فارسُكِ العَرَبِيُّ الجَرِيحُ
بأنَّكِ آخرُ أسفَارِهِ
مثلما كُنتِ أَوَّلَهَا للخُلُودْ .
ويعود من نافذة الإبداع ذاتها وبصورة متجددة البهاء والفنية والجمالية ليصف المحبوبة – بما تحمل من دلالات وإيحاءات تتعدى حدود الأنثى الإنسانة – بشكل يتماهى مع الخطاب الصوفي والروحي في:
أنتِ رسولُ الضِّياءِ إليهِ
و أنتِ الحياةُ و نبضُ الوَرِيدْ .
أُحِبُّكِ يا ربَّةَ البَحرِ مُذ خَلقَ اللهُ هذا الخِضَمَّ
و تَوَّجَكِ العاشقونَ عليهِ المليكَةَ
ولي تعقيب بسيط – لو سمح لي شاعر النصوص الخالدة والحيوية – بخروج الصورة في "يأتمرُ الماءُ و الموجُ ، دهراً بأمرِكْ" هنا نلمس تداخلاً دينياً أتمنى أن أكون مخطئاً في استيعابه، حيث "الأمر يومئذٍ لله" ولا أمر إلا أمر الله وسلطانه فهو الآمر والناهي والمعطي والمانع.!! وأنا على يقين بامتناع حدوث هذه الهفوة عند وعي الشاعر وثقافته وعالمه المعرفي.
وبالرغم من ذلك، يتحفنا الشاعر بشخصيات يستلهمها من وحي البحر وطبيعته وطقوسه وأشيائه محركاً في خيالنا ما يستعصي علينا تصويره وتخييله، حيث يجعل البحر يتحدث جاعلاً منه إنساناً يحاوره ويكسر عليه عزلته بعد أن طفح به الكيل والميزان، مقتفياً درب الشعراء العظام ممن استأنسوا بالبحر "مؤنسنينه" على ما يكتنزه – وأشياؤه - من عالم السحر الجمالي والدلالي والمعرفي والأسرار:
يُحَدِّثًني البَحرُ عنكِ
و كيف تلوَّنَ من مُقلَتَيكِ
و كيف اكتَسَت شَمسُهُ حينَ نامت
على صَدرهِ فِي الغُروبِ
بتبرِكْ .
ولا يخفى على أحدٍ من المتلقين في وجود مباشرة في التعبير إزاء هذا الوصف في "و عن ليلِهِ المُستَحِمِّ بشَعرِكْ "، على يقيني ببراءة الفكرة والمغزى والدلالة لدى الشاعر الذي يتمتع بسمو أخلاقه ودماثته وعلو قامته وأصالته، أنا مطمئن لذلك، ولكن ليطمئن قلب القراء أيضاً ويبتعدوا عن الظن والتخمين والتأويل بما ليس مقصوداً هنا من إثارة حسية أو صورة مؤثرة وتدخل باب الفحش من القول! هذا ليس قصد الشاعر هنا، بل كل ما تحمله الصورة من دلالات وإشارات تتأتى من صميم خيال الشاعر الذي يؤنسن البحر ليجعله يمارس طقوساً إنسانيةً في حضرة الجمال وبراءة المغزى.
ولنا أن نتأكد من تلك الرؤية في تداعيات الصورة البحرية في:
إذا ما ترنَّمَ كالطيرِ صُبحاً بشِعرِكْ .
و لا يعلمُ البحرُ أنِّيَ أعلمُ عنكِ الذي ليس يعلمُ
لكنَّني لا أبوحُ بِِسِرِّكْ .
ثم استدعاء صورة الربيع واشتباكه مع الخريف على ما تحمله من دلالات أسطورية ومنمذجة في العرف الطقوسي لكل شعوب الأرض وحضاراتها على مر الزمن:
و أن الرَّبيعَ الذي عِشتُهُ في فراديسِ عينيكِ
كان الخريفَ قُبيلَ امتِطَائيَ صَهوَةَ بَحرِكْ .
ولكن يصر الشاعر على إخبارنا بعد هذه التجربة العاصفة والحيوية في فركتها وتفاصيل طقوسها أنه يبقى يحب "ربة البحر" متوقعاً استجابتها له ولشغفه بها مصرحاً بها ب"شهر زاده" هذه المرة وبنفس طريقة الانزياح المتسيدة في نص عالمي التجربة والجماليات:
أحبُّكِ يا ربَّةَ البحرِ ، هل تسمعين وجيبَ الفؤادِ
و نبضَ المدادِ
و هل تشعرين بنارِ اشتياقيَ
يا شهرَ زادي ؟
ثم يتوسل الشاعر – على ضعف حيلته وقلتها – لحبيبته أن تصنع له – أو أن تكون هي ذاتها – قارب النجاة من عثرات الزمن والمخبوء من الآتي، والذي يشكل إشراقةً كونية للشاعر تأخذه لعالم أكثر أمناً واستقراراً وهدأة بال:
أيا رَبّةَ البحرِ إني غريقٌ
يرومُ النجاةَ
و لا شئَ ، لا شئَ ينقذُهُ غير إطلالةٍ
من نوافذِ قصرِكْ .
فهل تُشرقينْ ؟
وبهذا يكون الشاعر قد صمم لنا قارب نجاة يلزمنا لننجو من محطات الغرق والمغامرة وذلك بلغة سامقة في الفنيات والجماليات والبديع من القول و التصويرات وفصاحة اللفظة على اكتنازها بدلالات حيوية وكونية اشتبكت مع موسيقى ذات نبض إنساني و شاعرية متمكنة من قاموس الشاعر الذي لا يشق له غبار.
دمت حبيبي بكل الخير والألق
د. عبدالله حسين كراز
تعليق