عسر و يسر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمين خيرالدين
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 04-04-2008
    • 554

    عسر و يسر

    عسر و يسر


    الشارع نهر عريض، طويل، شَرِه، يلتهم السيارات وهي تلهث، راكضة كالذئاب المطارَدةـ تمر كلمح البصر ، والناس بين مار وواقف ، يئن تحت ضغط الشمس المراهقة المعتزة ببهائها ونظارتها وشبابها.. والمباني علب من الإسمنت، أبوابها مشرعة، وشبابيكها تشد خيوط الشمس نحوها، بعضها معْرَض للغسيل، وبعضها يشحن شبابه المرهق تحت وطأة الشمس، لتطهره من عرق الليل ورطوبته، والناس في الشارع يمرون كالآلات، كل في محاور مبرمجة، قبل الخروج من عتبات البيوت.
    وعلى جانبي الشارع أشجار متناثرة ، تلقي بظلالها على الإسفلت، فتخلق جوا من الراحة ، يلوذ فيه أصحاب الرؤوس اللامعة ، والأيدي الناعمة، الذين جعلوا من ظلال الأشجار محطات ينتظرون فيها سيارة أو باصا، ينحشرون فيه ليمتزجوا بالجالسين أو الواقفين في بطونها.
    وقفت في ظل شجرة نمت وصارت محطة، يطل الواقف بظلها على الشارع يراقبه كرجل المخابرات.يتفحص السيارات الآتية من بعيد، ويرافقها ببصره حتى يبتلعها الالتفاف الذي يبعد عنه مئات الأمتار، وسائقو السيارات معظمهم من أبناء القرى الصغيرة ، أعرفهم جيدا ، عمالا أو مقاولين أو تجارا ، يمرون بسرعة ، بعضهم يومئ برأسه إيماءة التحية، وبعضهم يدير رأسه إلى الجهة المعاكسة، متجاهلا، وبعضهم يغرز نظره ويتصنع التجاهل عن عمد، وقد مرّ الكثيرون ولم يقف أيّ منهم يدعوني لأسافر معه في سيارته.
    وحين أطلّ فهمي، لم أتوقع أن يقف فجأة ويدعوني لركوب سيارته الجديدة التي تلمع كالمرآة، وكانت تجلس بجانبه ابنته نجاة، وهي صبية جميلة وجهها قمر يحتضنه شعر أسود فوضوي ، يرتاح على كتفيها كما يحلو له ، ونهداها يهتزان تلقائيا رغم رزانة السيارة الجديدة، وشفتاها كحبتي كرز أحمر، تتوسلان كعصفورين حبيسين ، ينتظران الانطلاق في الفضاء الرحب بحثا عن الحرية التي تقرأ عنها في الكتب وتشاهدها في الأفلام الأجنبية،
    فهمي رجل، يملأ كرسيه، يلامس رأسه سقف السيارة، هرم، عريض الكتفين، حليق الشارب ، صار يصبغ شعره كالشباب، بعد أن غزاه الشيب والتجاعيد التي تحفر بصماتها قنوات على صفحة وجهه،فخور جدا بابنته الجميلة، وبسيارته الجديدة، وبأبيه الذي لم يترك له شيئا في الدنيا ، بعد أن رماه في وجه الحياة، فواجهها وانتصر، انتصر عليها بعد جُهد وتعب واجتهاد وجوع وحرمان، صار يحسّّ بثروته وقيمته ووجوده، ولم ينس أن يعترف بفضل أبيه في كل ما وصل إليه من هذه الثروة وهذا النجاح.
    سألته، خوفا على السيارة:
    - أيمكن أن أدخن؟
    سألني:
    أتكره أباك
    أجبته: أكره زوجتي لأنها أجمل من القمر!
    قال: ماذا تعمل
    قلت: لا أزال عاطلا عن العمل
    قال : تظل أفضل حالا من غيرك، ما عليك إلاّ أن تحمد الله .
    قلت: سأعمل بنصيحتك!
    وبدأت أتمتم بصوت منخفض سورة الفاتحة، عملا بنصيحته،وقبل أن أُتمّ سورة الفاتحة فطنت بجارنا السابع بعد العشرين الذي يعيل سبعة أطفال إضافة إلى أُمّهم، ومع ذلك طردوه من عمله بعد خمس سنوات عمل، ووظفوا مكانه فتاة جميلة، زوجها يتقاضى راتبا محترما ثابتا آخر كل شهر، ويديران دكانا بعد دوامهما بالإضافة إلى مخصصات الأطفال!!
    وتخيلت جارنا "المحرر" من عمله، يتألم أمام أطفاله، حين يطلبون الطعام، فأفقت على صوت ألمي من شرودي الذي تغلغل في عروقي، وتذكرت ألم فاطمة التي كانت تعمل معنا والتي جاءت تسكن قريتنا من بعيد، ودفعها فقرها إلى ان تبيع جسدها الطيب إلى نصف رجال القرية، وعندما فضح أمرها،قررت أن تبيع القرية، لكنها عدلت عن قرارها وباعت الحياة كلها.
    كان فهمي قد تفرغ لابنته الجميلة،الناضجة كعناقيد حمراء... لم أع ما دار بينهما من حديث لم ينته، ولم ينته أيضا شرودي إلاّ حين ألقاني بين أنياب المدينة، لأضيع بين الناس المتسكعين في شوارعها الواسعة، ترجلت واندمجت بين المارة بخطوات ثقيلة، تلتهم عيناي كل ما تشاهده في الشارع الصاخب من رجال ونساء مغبرة وجوههم، متعبة أجسامهم، يمشون بتثاقل كأنهم قطع قصيرة من القطن تنساب بإرهاق.. وأنا ممزق من الداخل، اجترّ أفكاري التي تتّحِدُ ضدي مع واجهات الدكاكين المتلألئة ، المبعثرة على جانبي الشارع.. اضرب أخماسي.. وأتساءل كيف سأقف في المحكمة؟ وماذا سأقول للقاضي ؟؟
    كيف سأقنع خصمي أنه مخطئ، خصمي ليس عدوي، وخلافنا لم يتعد خلافا في جهات النظر، لم يكن السبب جريمة أو مسّا بالشرف !! وبموافقته قررنا التوجه إلى المحكمة، ليفصل القاضي بيننا، مع الاحتفاظ بالصداقة والاحترام المتبادل..
    قاعة المحكمة صغيرة، ليس فيها أكثر من ستة مقاعد خصصت للجمهور المكوّن من مدّعين ومدّعى عليهم، ومتفرجين، احتلّها أكثر من اثني عشر محاميا، يلبسون، جميعهم، قمصانا بيضاء ، وربطات عنق سوداء، ونظارات صغيرة أو كبيرة بيضاء أيضا، وفيها طاولة خصصت لأربع محامين آخرين، يجلسون خلفها بقمصانهم البيضاء أيضا، وكان في القاعة محاميان واقفان لا يختلفان عن غيرهما بلباسهما، وفي القاعة منصّة مرتفعة يجلس خلفها قاض شاب، أصلع الرأس ، يلبس عباءة سوداء ، ونظارة بيضاء صغيرة كنظارات المحامين، وسكرتيرة للقاضي في الثلاثينات من عمرها، غير متزوجة، لأنها لا تضع محبسا في إصبعها، تضع على نصفها العلوي قطعة من القماش على شكل ثوب حريري ضيّق أحمر، يُبْرِز ما يخبئ باستفزاز، لا تزيد مساحته عن مساحة ورقة تين متشعبة ، وزعت على تضاريس جسمها بمقتضى السرية والعضوية والقانون!!
    وكان في القاعة مكيّف مرهق، بدأ أحد المحامين الواقفين يستجوبه، ولم يصل معه إلى اتفاق، وكان في القاعة أيضا أربعة من الجمهور بين متهمين أو مدّعين آو متفرجين.
    بدأ القاضي بفتح الملفات والاستماع إلى المحامين، كل يطرح وجهة نظره، وادعائه ويطلب البراءة لموكله، وإدانة خصمه، والقاضي يعلق بين الحين والآخر.
    لم يكن حوارا أو ارتفاع أصوات، سوى من رجل متهم ببيع سيارة بأكثر من سعرها القانوني ، وقد دافع عن التهمة الموجّهة له بضراوة وبصوت مرتفع، والقاضي يسمعه بهدوء وابتسام، وما عدا ذلك كان المحامون يتناوبون مثنى وبحوار هادئ، في كثير من الأحيان لم يُسمع ما كانوا يقولونه رغم صغر القاعة.
    كنت جالسا على طرف أحد المقاعد الذي امتلأ بالمحامين ذوي القمصان البيضاء، حين امتدت يد من الخلف تضغط على كتفي، وانتشلتني من شرودي، وكانت اليد لأحد المحامين الذي تعلمت معه قبل أكثر من ثلاثين سنة.
    بماذا تفكر؟
    قلت أفكر في قضية لم ترد على كل المحامين، ذوي القمصان البيضاء في هذه القاعة!
    - وما هي؟
    - كنت أفكر لو كنت أنا القاضي، وبماذا كنت سأحكم!
    ابتسم صديقي المحامي وقال:
    - فكرة غريبة حقا، بماذا كنت ستحكم؟؟
    قلت: أترى كل هؤلاء المحامين ، ذوي القمصان البيضاء في قاعة المحكمة؟
    - أرى.
    - سأرضيهم جميعا، ,ابعث بهم إلى مكاتبهم منفوشي القمصان.. كالطواويس، يتباهون بانتصاراتهم ومكاسبهم ومهاراتهم وقدراتهم!!
    - كيف!؟.
    - سأجعلهم يربحون القضايا التي جاؤوا يدافعون عنها
    - وماذا أيضا!!؟؟
    - سأُزوِّج السكرتيرة الجميلة الجالسة أمام الحاسوب، واجعلها من شدّة السعادة تتكتك بأصابعها الجميلة على آلة موسيقية بدلا من الآلة الكاتبة!!
    - وماذا بعد!؟
    - سأسجن كل تجار السيارات، وأقفل محالّهم، وأوزّع السيارات التي في معارضهم على الذين يشتهون اقتناء سيارة ولا يقدرون ، حتى يصير كل مواطن صاحب سيارة، وافتح أماكن العمل، ليتساوى الناس، وأنادي بهم، أن يرجعوا إلى أرضهم ، فهم من تراب وإلى التراب يعودون، وسأفرض على الناس أن يقيموا الأفراح والليالي الملاح ، بدون مكبرات صوت لمدة سنة كاملة، حتى يعَوا أن الحياة جميلة لا تستحق الدموع!!
    قال صديقي المحامي : لي طلب، هل تجيبني عليه؟
    - أُطلب، ما دام الأمر في حدود الأحلام!
    - لا تنسى أن تذكر أمام الناس مهارتي في الدفاع عن موكلي، وقدرتي على تبرئته، مهما كانت تهمته، إن كان قاتلا أُحوله إلى ضحية، وإن كان مهربا أجعل منه مصلحا اجتماعيا، وإن كان خائنا، اجعله قائدا وطنيا، ينتخبه الشعب رئيسا للبلاد مدى الحياة، ومعلما في الأمانة والوطنية والتضحية، يعطي كل مواطن وجبة دافئة ، ومرتبا دافئا، ويقلب حياته من عسر إلى يسر!!
    قلت: هل نسيت شيئا؟
    قال: ربما، دعني أتذكر!
    قلت: وأنا، دعني أخرج من القاعة لأني أكاد أختنق





    من كتاب " الشيطان يحاضر" للمؤلف 2001
    [frame="11 98"]
    لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

    لكني لم أستطع أن أحب ظالما
    [/frame]
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    رد: عسر و يسر

    أحسست بأجنحة الظلم تحلق في سماء القصة
    تمكن جميل بسرد التفاصيل الصغيرة ..ولغة أكثر من راقية

    دام يراعك استاذ أمين الدين
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • أمين خيرالدين
      عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
      • 04-04-2008
      • 554

      #3
      رد: عسر و يسر

      المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
      أحسست بأجنحة الظلم تحلق في سماء القصة
      تمكن جميل بسرد التفاصيل الصغيرة ..ولغة أكثر من راقية

      دام يراعك استاذ أمين الدين

      ألكاتبة الكريمة مها راجح
      الظلم والتهافت والسرقات المشروعة
      واغتيال الحق من أجل المكاسب والمصالح
      وحسب تقديري قد يرى القارئ ما لم يره الكاتب في نصه
      لكن الشيء المؤكد هو شكري للقارئ
      وشكري لك على مرورك الكريم
      [frame="11 98"]
      لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

      لكني لم أستطع أن أحب ظالما
      [/frame]

      تعليق

      • مجدي السماك
        أديب وقاص
        • 23-10-2007
        • 600

        #4
        رد: عسر و يسر

        اخي امين خير الدين..تحياتي
        استمتعت هنا بقص جميل راق..صور كثيرة ورائعة. تفاصيل الحياة اليومية وهمومها. لكن لي تحفظ على العنوان..هو يعبر عن مضمون القصة..لكن يوجد مجال لعنوان افضل.
        رائع اخي بكل المقاييس.
        مودتي
        عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

        تعليق

        • أمين خيرالدين
          عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
          • 04-04-2008
          • 554

          #5
          رد: عسر و يسر

          المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
          اخي امين خير الدين..تحياتي
          استمتعت هنا بقص جميل راق..صور كثيرة ورائعة. تفاصيل الحياة اليومية وهمومها. لكن لي تحفظ على العنوان..هو يعبر عن مضمون القصة..لكن يوجد مجال لعنوان افضل.
          رائع اخي بكل المقاييس.
          مودتي
          أخي مجدي السماك
          شكرا على مرورك الكريم وكلماتك الرقيقة وتعليقك البناء والمقبول
          النفس تطمح دائما إلى الأفضل
          شكرا ولك احترامي وتقديري ومودتي
          [frame="11 98"]
          لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

          لكني لم أستطع أن أحب ظالما
          [/frame]

          تعليق

          يعمل...
          X