ســاعة طفولة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد مطيع صادق
    السيد سين
    • 29-04-2009
    • 179

    ســاعة طفولة

    بسم الله الرحمن الرحيم



    استلقيتُ على الفراشِ بعد سهرةٍٍ قضيتها وثلةٍ من أصدقائي القدماء، رفعتُ بصري إلى السقف
    استرجعتُ ما كان منّا فتداخلت عليَّ الصور وأسرني الأرق، وتمثّلَ أمامي وجهي الطفولي فتهيجتْ أشواقي وترققتْ دمعتي وانبعثتْ فيّ رغبةٌ ملحةٌ للعودة إلى ذلك العهد، رغبةٌ منبعها افتقادي لشفافية الحياة وصدقها، إذ ذاك هو السبيل للهروب من المسؤوليات التي أثقلتْ كاهلي..ونَطَـقتُها ولم أستح من قولها، وأطبقت جفوني ولساني ظل يرددها..ليتني أعود طفلا..ليتني أعود طفلا !!


    انسابتْ أشعةُ الشمس عبر النافذة في الصباح فأيقظتني، و أحسستُ حينها أن أمرًا قد طرأ غيّر كل المعالم من حولي، فحجرتي أصبحت أكبر، وأقدامي لم تعد تلمس أطراف السرير فهي بالكاد تصل إلى منتصفه، بذلتُ جهـدًا لأزيح عني الغطاء.. نزلتُ من سريرٍ ارتفعتْ أقدامه، ووقفتُ فألفيتُ رأسي يحاذي قبضة الباب، هرعتُ إلى المرآة لأعاينَ نفسي غير أني لم أر صورتي، فاستعنت بمنضدةٍ ووقفتُ عليها بأطراف أصابعي لأبصر وجهي وقد استحال إلى وجهٍ طفولي تغشاه البراءة ويكسوه النقاء، فغمرتني السعادة وأخذتُ أقفز في أنحاء الغرفة وعلى السرير وأنا أصرخ قائلاً ( عادت براءتي ..عادت طفولتي )


    دَخلتْ عليَّ أمي وبَدتْ لي في هيئتها امرأة أخرى يعتريها شبابٌ زاهر و يكسوها جمالٌ باهر، واسْـتنكرَتْ ما رَأتْه مني وقالت مرتبكة ( لقد تأخرتَ مجددًا يا أحمد ..أراك مازلت في ثياب النوم و تلعب؟! إليك ثياب المدرسة ) ارتديتها وخرجتُ من الغرفة وتوجهتُ إلى الباب.. ألفيتُ عنده أبي على هيئةٍ صلبة إذ بدا لي قوي البنية مستقيم الظهر، مستوي البطن ممتلأ الشعر أسوده، وكان وجهه يقطر عباسًا ويفور غضبًا فقال حين أبصرني ( فاتتك الحافلة يا أحمد...سأتأخر على عملي بسببك )


    دفعتْ أمي إليه حقيبتي وخرجنا سوية إلى سيارته، وبقيتُ فيها بلا حراك فمقدمتها حجبت عني الطريق، فانشغلت بالتأمل بداخلها، فأبصرتُ جيب المقدمة مخلوع وقماش المقاعد منزوع، وسقف السيارة يوشك أن يتهاوى وأرضيتها تهتز بفعل محركها، وفي أوسطها مذياعٌ قديم ذو مؤشرٍ يحركه قرص يدوي مستدير، انصتُ قليلاَ لأحداثه القديمة ثم عدتُ أدقق في السيارة أحصي عيوبها حتى استقرّتْ، فعلمتُ أني وصلتُ لوجهتي، وأعطاني والدي درهمين وأعقبها ثالثـًا وقال ( هذا الأخير لحسن سلوك ).. استنكرتُ منه قِلّتها واستنـكر مني تعابير وجهي الدالة عن عدم رضاي، و نزلتُ من السيارة متوجهًا إلى باب مدرستي ومعي حقيبتي.
    دخلتُ شعبتي وتلقاني المدرسُ مهللاً ثمّ أمسكني من أذني وسحبني بها إلى ركن في الفصل حيث كان يقف أحد المتأخرين أيضا، ومددتُ يدي لـتنالها عصاه بعد أن نالت من زميلي، وزادَ من شدّتها حين وجد صلابتي وافتقد دمعتي،
    جلستُ على طاولتي واستمعتُ لحصة الحساب وكانت عن جمع الأرقام وطرحها، وتلتها حصة العربية والعلوم ثم توالت الدروس حتى قرع جرس النهاية، فخرجتُ من المدرسة واستقلّت الحافلة وعدت إلى المنزل، و هناك دعيتُ إلى طعام لا أحبه، وأجبرتُ على إتمامه كاملاً.

    أقبلَ العصر وانبعثتْ فيّ رغبة ملحّة للعب، فتسللتُ إلى الباب بخفْيةٍ محاذرًا إثارةَ جلبة، ولكن تنبّهت لي أمي بحدْسها وأعادتني إلى الصالة وأمرتني بإتمام واجباتي، وكان الكتاب مستنـدًا على الطاولة وإلى جواره دفترٌ يعتصر قلمَ الرصاص، وكان علي إعادةُ نسخ ثلاثة أحرف أبجدية خمس مرات...الألف والباء والتاء، فاستخففت بها وظننتُ إني سأنجز العمل بثوان لكن خذلتني يدي وأثقل عليها القلم، فكانت أناملي ترتعش فيرتعش معها قلمي، فتهتزُ الألف مرة وتميلُ مرة فتقابلها أمي بالممحاة في كل مرة، و بقيتُ على هذا النحو أجتهد في رسم الحرف حتى ذاب رأس القـلم وتبيست يدي .

    خرجتُ إلى الحي ورأيتُ أطفالاً يلعبون فهرعتُ إليهم، وحينَ رَأوني أَعْرضوا عني وتَوْلّوا لسبب لا أعلمه، كذلك ما نفعني كُلّ اعتذارٍ قدمته لهم، فتنحيت عنهم وجلستُ على الرصيف المقابل، يدفعني الملل لأفتّش عن شئ يشغلني، فأمسكتُ بالدراهم التي زهدت عنها صباحًا أعْبثُ بها فأصدرت رنينَا خالط صيحاتهم العالية، فأحدثتُ من حيث لا أدري أمرَا انهارت أمامه إرادتهم، وامتدت الأيادي من حولي في قبضةٍ تحرر منها الإبهام بما يعبر عن الصلح، و حينَ قَبلت أَخذوا ما بيدي وهَرَعُوا إلى الدّكان ليشْتروا.
    وعادوا بعدَ دقائق وأثرُ الطعامِ والشرابِ على ثيابهم ومن حول أفواههم، وبقيَ سلطانُ الدرهم حاضرًا فيهم فأمّروني عليهم وعرضوا عليّ أن أتخيّر إحدى ألعابهم، فرفضتها جميعا إذ لم أر من اللائق أن أشاركهم في نعجة الراعي ولص الحي، فلما رأوا إصراري قالوا ( إذا نلعب الكرة) فجاءَ أَحـدُهم على الفورِ بعلبةٍ معدنيةٍ كانت ملقاةً على الطريق وركلها نحوي فطار بعض ما تبقى من سائلها على ملابسي فملأها واتسخت، فضحك الصبية من منظري، فتحركت عندهم غريزة اللهو فجعلوا ينثرون الأتربة على بعضهم، وقام آخِرُهم فأصابنا برشاش ماءٍ راكد، واتخذوا من هذا العبث لعبتهم!!،
    اعتزلتهم بعيدا وجعلت أتفّرس وجوههم فرأيتها تشع سعادة !! وظلّوا يلعبون فما أوقفـهم إلا الشمس حين واشكت على المغيب..وتفرّق بعد ذلك الجمع.

    ودخلتُ منزلي ولقـيتني أمي بالضرب لما وجدت حالي وأمرتني أن أغتسل فوراً، وسمعتُ صوت التلفاز يصدر من الصالة فاقتحمتها واتكأت على الأريكة، ثم دخل أبي ونهرني معللاً أن وقت المشاهدة الخاص بي قد مضى، وأخذتْ أمي يدي وجرتني إلى غرفتي وأشارتْ إلى الفراش وأطفأت الضوء وقالت (غدًا لديك مدرسة لن أسمح لك أن تتأخر ثانية ).

    وفي الصباح استيقظتُ على رنينِ الساعة وكانت تشيرُ إلى السابعة، و حينها وجدتُ أني أشغلُ حيزا من السرير وأن أقدامي تلمس حافته، فقفـزت كالطفل إلى المرآة، وعاينتُ نفسي من غير منضدة، وسررت بلحيتي وشاربي، ثم استلقيت على الفراش مجددًا وزفرتُ زفراتِ انبعثت من جواي.

    عدت ثانية للتأمل تشغلني الأسئلة وتملؤني الحيرة، فالآن أحمل مشاعر متناقضة وقناعات مختلفة عما كنت عليه قبل هذا الحلم..
    أدركت أن الطفولة عهدٌ يمر على المرءِ مرةً في العمر ولا سبيل لتكراره حتى و إن لبس الإنسان جسد طفل، فللطفولة عذريةٌ يفقدها من فقد روحها، ويفقد روحها من تجاوز عهدها....ذلك الذي يدخل عالم الحساب والمنطق، فأمتعها ما يكون فيها العقل غائبـًا والمنطق مغفلاً، فالطفل ماضيه منسي وحاضره يومه ومستقبله يوم بعده، فلو أعطي من المال درهمًا أو قنطارًا لأنفقها كلها في ما يقيم سعادته ثم لن يدخر منها شيئا ولن يهتم أو يغتم لرزق الغد !! و كل شي يكبر عن دائرة عينه يعده كبيرا، وما دامت عينه صغيرة فإنّ كل مايراه كبيرا، ومادامت تشبعه لقيمات فلن يطلب ما يزيد عنها ولن يعمل لما يزيد عنها، ثم لن ينظر إلى إناء أخيه ولن يتعدى أو يظلم، وذلك منطق من لا منطق له.

    دخل عليّ ولدي الصغير وقاطع سيل افكاري، وألقى علي تحية الصباح وقبل يدي ومد يده ينتظر مني شيئا، فأعطيته درهمين وأعقبتها ثالثا وقلت ( هذا الأخير لحسن سلوكك )..وناظرته فرأيت البهجة تملأ وجهه ثم انقلب وولى يفقز فرحًا.


    8-10-2009
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد مطيع صادق; الساعة 14-10-2009, 10:51.
  • فاطمة الزهراء العلوي
    نورسة حرة
    • 13-06-2009
    • 4206

    #2
    رد: ســاعة طفولة

    علي باعادة القراءة ووضع نظارتي فالخط صغير جدا استاذي مطيع اضطرني الى قراءات اخرى
    في سريالة الواقع حين تتحول امنياته

    ساكون لحظة اخرى بعونه تعالى

    مودتي
    لا خير في هاموشة تقتات على ما تبقى من فاكهة

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      رد: ســاعة طفولة

      المشاركة الأصلية بواسطة محمد مطيع مشاهدة المشاركة
      بسم الله الرحمن الرحيم




      استلقيتُ على الفراشِ بعد سهرةٍٍ قضيتها وثلةٍ من أصدقائي القدماء، رفعتُ بصري إلى السقف
      واسترجعتُ ما كان منّا فتداخلت عليَّ الصور وأسرني الأرق، وتمثلَ أمامي وجهي الطفولي تغشاه البراءة ويكسوه النقاء، فتهيجتْ أشواقي وترققتْ دمعتي وانبعثتْ فيّ رغبةٌ ملحةٌ للعودة إلى ذلك العهد، رغبةٌ كان منبعها افتقادي لشفافية الحياة وصدقها، إذ ذاك هو السبيل للهروب من المسؤوليات التي أثقلتْ كاهلي..ونطـقتُها ولم أستح من قولها، وأطبقت جفوني ولساني ظل يرددها..ليتني أعود طفلا..ليتني أعود طفلا !!


      وانسابتْ أشعةٌ الشمس عبر النافذة في الصباح فأوقذتني، و أحسستُ حينها أن أمرًا قد طرأ غيّر كل المعالم من حولي، فحجرتي أصبحت أكبر، وأقدامي لم تعد تلمس أطراف السرير فهي بالكاد تصل إلى منتصفه، بذلتُ جهـدًا لأزيح عني الغطاء، ونزلتُ من سريرٍ ارتفعتْ أقدامه، ووقفتُ فألفيتُ رأسي يحاذي قبضة الباب، وهرعتُ إلى المرآة لأعاينَ نفسي غير أني لم أر صورتي، فاستعنت بمنضدةٍ ووقفتُ عليها بأطراف أصابعي لأبصر وجهي وقد استحال إلى وجهٍ طفولي تغشاه البراءة ويكسوه النقاء، فغمرتني السعادة وأخذتُ أقفز في أنحاء الغرفة وعلى السرير وأنا أصرخ قائلاً ( عادت براءتي ..عادت طفولتي )


      ودَخلتْ عليَّ أمي وبَدتْ لي في هيئتها امرأة أخرى يعتريها شبابٌ زاهر و يكسوها جمالٌ باهر، واسْـتنكرَتْ ما رَأتْه مني وقالت مرتبكة ( لقد تأخرتَ مجددًا يا أحمد ..أراك مازلت في ثياب النوم و تلعب؟! إليك ثياب المدرسة ) وارتديتها وخرجتُ من الغرفة وتوجهتُ إلى الباب، وألفيتُ عنده أبي على هيئةٍ صلبة إذ بدا لي قوي البنية مستقيم الظهر، مستوي البطن ممتلأ الشعر أسوده، وكان وجهه يقطر عباسًا ويفور غضبًا فقال لي حين أبصرني ( فاتتك الحافلة يا أحمد...سأتأخر على عملي بسببك )


      ودفعتْ أمي إليه حقيبتي وخرجنا سوية إلى سيارته، وبقيتُ فيها بلا حراك فمقدمتها حجبت عني الطريق، فانشغلت بالتأمل بداخلها، فأبصرتُ جيب المقدمة مخلوع وقماش المقاعد منزوع، وسقف السيارة يوشك أن يتهاوى وأرضيتها تهتز بفعل محركها، وفي أوسطها مذياعٌ قديم ذو مؤشرٍ يحركه قرص يدوي مستدير، انصتُ قليلاَ لأحداثه القديمة ثم عدتُ أدقق في السيارة أحصي عيوبها حتى استقرّتْ، فعلمتُ أني وصلتُ لوجهتي، وأعطاني والدي درهمين وأعقبها ثالثـًا وقال ( هذا الأخير لحسن سلوك ).. استنكرتُ منه قِلّتها واستنـكر مني تعابير وجهي الدالة عن عدم رضاي، و نزلتُ من السيارة متوجهًا إلى باب مدرستي ومعي حقيبتي.
      ودخلتُ شعبتي وتلقاني المدرسُ مهللاً ثمّ أمسكني من أذني وسحبني بها إلى ركن في الفصل حيث كان يقف أحد المتأخرين أيضا، ومددتُ يدي لـتنالها عصاه بعد أن نالت من زميلي، وزادَ من شدّتها حين وجد صلابتي وافتقد دمعتي، وجلستُ على طاولتي واستمعتُ لحصة الحساب وكانت عن جمع الأرقام وطرحها، وتلتها حصة العربية والعلوم ثم توالت الدروس حتى قرع جرس النهاية، فخرجتُ من المدرسة واستقلّت الحافلة وعدت إلى المنزل، و هناك دعيتُ إلى طعام لا أحبه، وأجبرتُ على إتمامه كاملاً.

      وأقبلَ العصر وانبعثتْ فيّ رغبة ملحّة للعب، فتسللتُ إلى الباب بخفْيةٍ محاذرًا إثارةَ جلبة، ولكن تنبّهت لي أمي بحدْسها وأعادتني إلى الصالة وأمرتني بإتمام واجباتي، وكان الكتاب مستنـدًا على الطاولة وإلى جواره دفترٌ يعتصر قلمَ الرصاص، وكان علي إعادةُ نسخ ثلاثة أحرف أبجدية خمس مرات...الألف والباء والتاء، فاستخففت بها وظننتُ إني سأنجز العمل بثوان ولكن خذلتني يدي وأثقل عليها القلم، فكانت أناملي ترتعش فيرتعش معها قلمي، فتهتزُ الألف مرة وتميلُ مرة فتقابلها أمي بالممحاة في كل مرة، و بقيتُ على هذا النحو أجتهد في رسم الحرف حتى ذاب رأس القـلم وتبيست يدي .

      وخرجتُ إلى الحي ورأيتُ أطفالاً يلعبون فهرعتُ إليهم، وحينَ رَأوني أَعْرضوا عني وتَوْلّوا لسبب لا أعلمه، كذلك ما نفعني كُلّ اعتذارٍ قدمته لهم، فتنحيت عنهم وجلستُ على الرصيف المقابل، ودفعني الملل لأفتّش عن شئ يشغلني، فأمسكتُ بالدراهم التي زهدت عنها صباحًا و أخذتُ أعْبثُ بها فأصدرت رنينَا خالط صيحاتهم العالية، فأحدثتُ من حيث لا أدري أمرَا انهارت أمامه إرادتهم، وامتدت الأيادي من حولي في قبضةٍ تحرر منها الإبهام بما يعبر عن الصلح، و حينَ قَبلت أَخذوا ما بيدي وهَرَعُوا إلى الدّكان ليشْتروا.
      وعادوا بعدَ دقائق وأثرُ الطعامِ والشرابِ على ثيابهم ومن حول أفواههم، وبقيَ سلطانُ الدرهم حاضرًا فيهم فأمّروني عليهم وعرضوا عليّ أن أتخيّر إحدى ألعابهم، فرفضتها جميعا إذ لم أر من اللائق أن أشاركهم في نعجة الراعي ولص الحي، فلما رأوا إصراري قالوا ( إذا نلعب الكرة) فجاءَ أَحـدُهم على الفورِ بعلبةٍ معدنيةٍ كانت ملقاةً على الطريق وركلها نحوي فطار بعض ما تبقى من سائلها على ملابسي فملأها واتسخت، فضحك الصبية من منظري، فتحركت عندهم غريزة اللهو فجعلوا ينثرون الأتربة على بعضهم، وقام آخِرُهم فأصابنا برشاش ماءٍ راكد، واتخذوا من هذا العبث لعبتهم!!، واعتزلتهم بعيدا وجعلت أتفّرس وجهوهم فعاينت فيها سعادة لم أع سببها!! وظلّوا يلعبون فما أوقفـهم إلا الشمس حين واشكت على المغيب..وتفرّق بعد ذلك الجمع.

      ودخلتُ منزلي ولقـيتني أمي بالضرب لما وجدت حالي وأمرتني أن أغتسل فوراً، وسمعتُ صوت التلفاز يصدر من الصالة فاقتحمتها واتكأت على الأريكة، ثم دخل أبي ونهرني معللاً أن وقت المشاهدة الخاص بي قد مضى، وأخذتْ أمي يدي وجرتني إلى غرفتي وأشارتْ إلى الفراش وأطفأت الضوء وقالت (غدًا لديك مدرسة لن أسمح لك أن تتأخر ثانية ).

      وفي الصباح استيقظتُ على رنينِ الساعة وكانت تشيرُ إلى السابعة، و حينها وجدتُ أني أشغلُ حيزا من السرير وأن أقدامي تلمس حافته، فقفـزت كالطفل إلى المرآة، وعاينتُ نفسي من غير منضدة، وسررت بلحيتي وشاربي، ثم استلقيت على الفراش مجددًا وزفرتُ زفراتِ انبعثت من جواي.

      عدت ثانية للتأمل تشغلني الأسئلة وتملؤني الحيرة، فالآن أحمل مشاعر متناقضة وقناعات مختلفة عما كنت عليه قبل هذا الحلم..
      أدركت أن الطفولة عهدٌ يمر على المرءِ مرةً في العمر ولا سبيل لتكراره حتى و إن لبس الإنسان جسد طفل، فللطفولة عذريةٌ يفقدها من فقد روحها، ويفقد روحها من تجاوز عهدها....ذلك الذي يدخل عالم الحساب والمنطق، فأمتعها ما يكون فيها العقل غائبـًا والمنطق مغفلاً، فالطفل ماضيه منسي وحاضره يومه ومستقبله يوم بعده، فلو أعطي من المال درهمًا أو قنطارًا لأنفقها كلها في ما يقيم سعادته ثم لن يدخر منها شيئا ولن يهتم أو يغتم لرزق الغد !! و كل شي يكبر عن دائرة عينه يعده كبيرا، وما دامت عينه صغيرة فإنّ كل مايراه كبيرا، ومادامت تشبعه لقيمات فلن يطلب ما يزيد عنها ولن يعمل لما يزيد عنها، ثم لن ينظر إلى إناء أخيه ولن يتعدى أو يظلم، وذلك منطق من لا منطق له.

      ودخل عليّ ولدي الصغير وقاطع سيل افكاري، وألقى علي تحية الصباح وقبل يدي ومد يده ينتظر مني شيئا، فأعطيته درهمين وأعقبتها ثالثا وقلت ( هذا الأخير لحسن سلوكك )..وناظرته فرأيت البهجة تملأ وجهه ثم انقلب وولى يفقز فرحًا.


      8-10-2009
      اللـــــــــه..
      استعرت الأدوات القصصية الرائعة لتوصيل ذكرى طفولية عايشها كل واحد منا يوميا
      بنكهة تحسسنا كأننا نعيشها تماما الآن
      للطفولة عذرية يفقدها من فقد روحها..أصبت استاذ محمد مطيع
      ثلاثة أرباع الجمال ينبع من الوجدان ..
      تحية اكبار واجلال
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • محمد مطيع صادق
        السيد سين
        • 29-04-2009
        • 179

        #4
        رد: ســاعة طفولة

        علي باعادة القراءة ووضع نظارتي فالخط صغير جدا استاذي مطيع اضطرني الى قراءات اخرى
        في سريالة الواقع حين تتحول امنياته

        ساكون لحظة اخرى بعونه تعالى

        مودتي
        الأخت الكاتبة فاطمة شرفني مرورك على القصة وأسعدني
        أعتذر كثيرا على تأخري في التعقيب..في الحقيقة لقد فضلت الخط الصغير لأن الخط الكبير يجعل فقرات النص غير متناسقة ..على أية حال قامت الأخت مها بتعديل الخط وأعتقد أنه أصبح مناسبا للقراءة.. بانتظار عودتك الثانية

        كل الشكر والتقدير

        تعليق

        • محمد مطيع صادق
          السيد سين
          • 29-04-2009
          • 179

          #5
          رد: ســاعة طفولة

          اللـــــــــه..
          استعرت الأدوات القصصية الرائعة لتوصيل ذكرى طفولية عايشها كل واحد منا يوميا
          بنكهة تحسسنا كأننا نعيشها تماما الآن
          للطفولة عذرية يفقدها من فقد روحها..أصبت استاذ محمد مطيع
          ثلاثة أرباع الجمال ينبع من الوجدان ..
          تحية اكبار واجلال

          __________________


          الأخت الكاتبة مها راجح

          أرى أن النص قد تكلل بباقة وردية بعد تعقيبك الجميل ...أعتذر كثيرا على تأخري في الرد فقد كنت في سفر ومازلت

          أسعدني مرورك حقا وأتحفتي رأيك...

          نعم أتفق معك في وجدانية النص البارزة رغم التفكك الإنشائي الذي عابه قليلا ما أعزوه للوسط الذي كتب فيها هذا النص.. سيكون النص في المرة القادمة أكثرا إحكاما - ان شاء الله-

          مع خالص الود والتقدير

          تعليق

          • علي التاجر
            أديب وكاتب
            • 21-12-2008
            • 88

            #6
            الأخ المبدع/ محمد مطيع،،

            ما أجمل هذا النص،،

            استخدمت تقنيةً سرديةً جميلة جداً،،

            تسلسلٌ سردي أجدته ببراعةٍ من أمنيةٍ يتيمة، إلى ذكرياتٍ بعيدة، إلى حاضرٍ تعيشه الآن،،

            ونهاية النص كانت رائعةً كبدايته،،

            صديقي محمد،،

            تقبل إعجابي ومودتي،،

            تعليق

            • سمية البوغافرية
              أديب وكاتب
              • 26-12-2007
              • 652

              #7
              الأخ المبدع محمد مطيع
              تحية ابداعية عطرة
              سرني التوقف في حيزك الإبداعي الجميل
              أعجبني السرد وأعجبتني الفكرة المعالجة
              أظن أن لو قدر لنا أن نحيا الطفولة مرتين
              لضقنا بها ذرعا ولكرهنا هذا القدر وتحايلنا على القفز عليه بكل نملك من حيل ودهاء
              فجمال هذه المرحلة وحلاوتها نشعر بها كذلك حينما ننظر إليها من القمة
              أما الذي في الأسفل " الطفل " فمعاناته أشد لذا لو أسعفته قوته وقدراته لمطط أيامه حتى يتساوى ممن هم أكبر منه سنا ونضجا.. وهذا لا يخفي علينا..
              أكرر أني قد أعجبنت جدا بسردك ولغتك.. فقط الفقرة ما قبل الأخيرة رغم منطقيتها وعمقها وجدتها تقريرية أسأت بها إلى فنية القصة..
              فشكرا مسبقا على تفهمك
              أصدق تحياتي

              تعليق

              • عائده محمد نادر
                عضو الملتقى
                • 18-10-2008
                • 12843

                #8
                ليت الإنسان يستطيع أن يعود طفلا كلما أحس بحاجته لذلك
                نفتقد البراءة التي كنا نتمتع بها صغارا
                وتلك الأشياء الصغيرة التي كانت تسعدنا
                الزميل القدير
                محمد مطيع
                نص جميل وأنت تعود بنا لطفولتنا
                لني رأيت أن ارتكنت للتقريرية ماقبل نهاية النص
                نسخت لك السطور كي تحذفها أو تعدل فيها الرأي لك أولا وأخيرا
                جاء سردك سلسا وشيقا
                تحياتي ومودتي لك
                ذلك الذي يدخل عالم الحساب والمنطق، فأمتعها ما يكون فيها العقل غائبـًا والمنطق مغفلاً، فالطفل ماضيه منسي وحاضره يومه ومستقبله يوم بعده، فلو أعطي من المال درهمًا أو قنطارًا لأنفقها كلها في ما يقيم سعادته ثم لن يدخر منها شيئا ولن يهتم أو يغتم لرزق الغد !! و كل شي يكبر عن دائرة عينه يعده كبيرا، وما دامت عينه صغيرة فإنّ كل مايراه كبيرا، ومادامت تشبعه لقيمات فلن يطلب ما يزيد عنها ولن يعمل لما يزيد عنها، ثم لن ينظر إلى إناء أخيه ولن يتعدى أو يظلم، وذلك منطق من لا منطق له

                الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                تعليق

                • إيمان الدرع
                  نائب ملتقى القصة
                  • 09-02-2010
                  • 3576

                  #9
                  الأستاذ الفاضل : محمّد مطيع:
                  الطفولة... الطفولة هذا العالم الخصب الذي غادرناه بسرعة البرق دون أن نلحظ ، كم نفتقده أخي الغالي، وكم نبحث عنه؟؟؟
                  أتصدّق أنّ الطفولة لاتبارحني ،وأنّي أُبقيها في القلب جذوة لاتنطفئ.
                  حتى لاتغالبني هموم الحياة وتراكمات أحداثها...
                  مقارنة حلوة بين زمنين ، ساقها أسلوبك المحكم في السرد ،وذلك الغوص الرائع في عالم النفس وخواطرها .
                  دامت مودّتك أديبنا الغالي: تحيّاتي....

                  تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                  تعليق

                  • محمد مطيع صادق
                    السيد سين
                    • 29-04-2009
                    • 179

                    #10

                    الأخ المبدع/ محمد مطيع،،

                    ما أجمل هذا النص،،

                    استخدمت تقنيةً سرديةً جميلة جداً،،

                    تسلسلٌ سردي أجدته ببراعةٍ من أمنيةٍ يتيمة، إلى ذكرياتٍ بعيدة، إلى حاضرٍ تعيشه الآن،،

                    ونهاية النص كانت رائعةً كبدايته،،

                    صديقي محمد،،

                    تقبل إعجابي ومودتي،،
                    الأخ الكاتب القدير الغالي علي التاجر،

                    تحية طيبة وردية..أحرج جدا من مجاملتك وأعتز بشهادتك...أشكرك على المرور
                    لا أخفيك كنت أتمنى أن يبقى الموضوع دفينا..لا أشعر أن هذا العمل يرتقي ليكون ضمن قائمة أعمال الملتقى

                    سعيد بمرورك وأتمنى أن نتشرف بحضورك دائما

                    تعليق

                    • محمد مطيع صادق
                      السيد سين
                      • 29-04-2009
                      • 179

                      #11
                      الأخ المبدع محمد مطيع
                      تحية ابداعية عطرة
                      سرني التوقف في حيزك الإبداعي الجميل
                      أعجبني السرد وأعجبتني الفكرة المعالجة
                      أظن أن لو قدر لنا أن نحيا الطفولة مرتين
                      لضقنا بها ذرعا ولكرهنا هذا القدر وتحايلنا على القفز عليه بكل نملك من حيل ودهاء
                      فجمال هذه المرحلة وحلاوتها نشعر بها كذلك حينما ننظر إليها من القمة
                      أما الذي في الأسفل " الطفل " فمعاناته أشد لذا لو أسعفته قوته وقدراته لمطط أيامه حتى يتساوى ممن هم أكبر منه سنا ونضجا.. وهذا لا يخفي علينا..
                      أكرر أني قد أعجبنت جدا بسردك ولغتك.. فقط الفقرة ما قبل الأخيرة رغم منطقيتها وعمقها وجدتها تقريرية أسأت بها إلى فنية القصة..
                      فشكرا مسبقا على تفهمك
                      أصدق تحياتي

                      الأخت الكاتبة سمية البوغافرية

                      بداية أشكرك على قراءة العمل وعلى بادرتك الطيبة في الرد على عضو لم يقرأ موضوعا لك...
                      في اعتقادي لم تكن الفقرة قبل الأخيرة تقريرة فحسب بل كانت فلسفية انعزلت عن روح القصة، كان الأولى أن تنثر ضمنيا بشفافية القصة ... هذه الجدليات تكثر في كتابتي ذلك لأني لم أكن قاصا من قبل، فقد برعت في المقال والقصة الحوارية ثم اضررت للتحويل إلى القصة لحبي لها أولا ولأن تلك الفنون الأدبية لا مكان لها هنا

                      ... أشكرك جزيل الشكر على قراءتك وتعقيب على أمل أن نتشرف بتواجدك دائما هنا

                      تعليق

                      • محمد مطيع صادق
                        السيد سين
                        • 29-04-2009
                        • 179

                        #12
                        ليت الإنسان يستطيع أن يعود طفلا كلما أحس بحاجته لذلك
                        نفتقد البراءة التي كنا نتمتع بها صغارا

                        وتلك الأشياء الصغيرة التي كانت تسعدنا
                        الزميل القدير
                        محمد مطيع
                        نص جميل وأنت تعود بنا لطفولتنا
                        لني رأيت أن ارتكنت للتقريرية ماقبل نهاية النص
                        نسخت لك السطور كي تحذفها أو تعدل فيها الرأي لك أولا وأخيرا
                        جاء سردك سلسا وشيقا
                        تحياتي ومودتي لك



                        الأخت الكاتبة عائدة الفاضلة
                        كم واو سقطت في هذا النص؟؟
                        أصلح الله أخي التاجر..هو الذي رفع هذا النص بعد قرابة ستة أشهر، ما كنت أرغب بذلك حقا ولو لم أتفقد بريدي لما علمت بذلك


                        من عادتي أن أخضع كل موضوع أكتبه إلى التمحيص والقراءة والتعديل ثم بعد ذلك أعرضه على أصدقائي الأدباء ثم بعد ذلك أنشره في الملتقى...لم تتحقق أي من هذه العناصر في هذه القصة، فقد نشرتها لأني لازمت الصمت طويلا وكان الغرض منها عرض جانب وجداني ثم إبراز فكرة عذرية الطفولة، و القصة كتبت وسط أجواء مشحونة غير ملائمة...استطيع أن أجادلك في الوسواس ولا جدال هنا ولو لم يكن هذا الموضوع قديما لعدلت بالطبع تلك الفقرة

                        كما أني أدخل نظرتك في اعتبارتي خلال كتابتي للنصوص وأسأل ماذا سيكون رد عائدة هذه المرة؟ وربما أخذف وأضيف وأبني على توقع مسبق..ولم يتحقق ذلك هنا أيضا
                        في الحقيقة أنا أحترم صدقك ونبذك للمجاملات...و أتعهد بأن تنال الأعمال اللاحقة درجة أعلى في تقديرك وربما ستسلم من النقد قليلا..
                        فهل تصلح " سلمى " شيئا؟...أتمنى ..وأتمنى أن أراك حينها...وإلى حينها أستودعك وأشكرك جزيل الشكر
                        على مرورك وتعقيبك الذي شرفني.

                        تعليق

                        • محمد مطيع صادق
                          السيد سين
                          • 29-04-2009
                          • 179

                          #13
                          الأستاذ الفاضل : محمّد مطيع:
                          الطفولة... الطفولة هذا العالم الخصب الذي غادرناه بسرعة البرق دون أن نلحظ ، كم نفتقده أخي الغالي، وكم نبحث عنه؟؟؟
                          أتصدّق أنّ الطفولة لاتبارحني ،وأنّي أُبقيها في القلب جذوة لاتنطفئ.
                          حتى لاتغالبني هموم الحياة وتراكمات أحداثها...
                          مقارنة حلوة بين زمنين ، ساقها أسلوبك المحكم في السرد ،وذلك الغوص الرائع في عالم النفس وخواطرها .
                          دامت مودّتك أديبنا الغالي: تحيّاتي




                          من هنا ؟ الكاتبة إيمان الدرع

                          ما أسعدني بوجودك حقا... والله إني لأستح أن يقع بين يديك موضوع بهذا المستوى..لم يكن ذلك بمحض إرادتي.. أشكرك جزيل الشكر على المرور وأتمنى أن أرى تعقيبك البديع دائما... أهيب بك فقط أن تجردي اسمي من كلمة أديب فهذه كلمة صعبة جدا ونحن مازلنا من جملة الهواة...

                          دمت بخير وأشكرا جزيل الشكر على المرور

                          تعليق

                          • محمد سلطان
                            أديب وكاتب
                            • 18-01-2009
                            • 4442

                            #14
                            الأستاذ المبدع محمد مطيع ..

                            دخلت نصك الجميل وأعادني إلى الخلف سنوات عديدة .. حقيقة نحتاج لمثل هذه النصوص كي نجلى صدأ الأيام الذي غطى أيام البراءة فضاعت ومرت سريعا ..
                            حينما كنا صغار كنا نتمنى أن تأتي أيام الكبر بسرعة .. ولما جاءت تمنينا الرجوع إلى الطفولة بلا عودة ..
                            كنت رائعا أستاذ مطيع وذكرتني بقصتين لي " على المصاطب" .. و "اليوم سنأكل توتاً" ..

                            تحياتي وتقديري لإبداعك الطيب
                            صفحتي على فيس بوك
                            https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                            تعليق

                            • إيمان عامر
                              أديب وكاتب
                              • 03-05-2008
                              • 1087

                              #15
                              تحياتي بعطر الزهور

                              الفاضل
                              أستاذ محمد مطيع
                              حلم يقظة
                              كلنا بداخلنا الرغبة في العودة الى ايام الطفولة
                              جميل ومتألق بهذا السرد
                              وليت أيام الطفولة تعود
                              كانت جميلة بطعم البراءة

                              دمت بخير
                              لك ارق تحياتي
                              "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

                              تعليق

                              يعمل...
                              X