بسم الله الرحمن الرحيم

استلقيتُ على الفراشِ بعد سهرةٍٍ قضيتها وثلةٍ من أصدقائي القدماء، رفعتُ بصري إلى السقف
استرجعتُ ما كان منّا فتداخلت عليَّ الصور وأسرني الأرق، وتمثّلَ أمامي وجهي الطفولي فتهيجتْ أشواقي وترققتْ دمعتي وانبعثتْ فيّ رغبةٌ ملحةٌ للعودة إلى ذلك العهد، رغبةٌ منبعها افتقادي لشفافية الحياة وصدقها، إذ ذاك هو السبيل للهروب من المسؤوليات التي أثقلتْ كاهلي..ونَطَـقتُها ولم أستح من قولها، وأطبقت جفوني ولساني ظل يرددها..ليتني أعود طفلا..ليتني أعود طفلا !!
انسابتْ أشعةُ الشمس عبر النافذة في الصباح فأيقظتني، و أحسستُ حينها أن أمرًا قد طرأ غيّر كل المعالم من حولي، فحجرتي أصبحت أكبر، وأقدامي لم تعد تلمس أطراف السرير فهي بالكاد تصل إلى منتصفه، بذلتُ جهـدًا لأزيح عني الغطاء.. نزلتُ من سريرٍ ارتفعتْ أقدامه، ووقفتُ فألفيتُ رأسي يحاذي قبضة الباب، هرعتُ إلى المرآة لأعاينَ نفسي غير أني لم أر صورتي، فاستعنت بمنضدةٍ ووقفتُ عليها بأطراف أصابعي لأبصر وجهي وقد استحال إلى وجهٍ طفولي تغشاه البراءة ويكسوه النقاء، فغمرتني السعادة وأخذتُ أقفز في أنحاء الغرفة وعلى السرير وأنا أصرخ قائلاً ( عادت براءتي ..عادت طفولتي )
دَخلتْ عليَّ أمي وبَدتْ لي في هيئتها امرأة أخرى يعتريها شبابٌ زاهر و يكسوها جمالٌ باهر، واسْـتنكرَتْ ما رَأتْه مني وقالت مرتبكة ( لقد تأخرتَ مجددًا يا أحمد ..أراك مازلت في ثياب النوم و تلعب؟! إليك ثياب المدرسة ) ارتديتها وخرجتُ من الغرفة وتوجهتُ إلى الباب.. ألفيتُ عنده أبي على هيئةٍ صلبة إذ بدا لي قوي البنية مستقيم الظهر، مستوي البطن ممتلأ الشعر أسوده، وكان وجهه يقطر عباسًا ويفور غضبًا فقال حين أبصرني ( فاتتك الحافلة يا أحمد...سأتأخر على عملي بسببك )
دفعتْ أمي إليه حقيبتي وخرجنا سوية إلى سيارته، وبقيتُ فيها بلا حراك فمقدمتها حجبت عني الطريق، فانشغلت بالتأمل بداخلها، فأبصرتُ جيب المقدمة مخلوع وقماش المقاعد منزوع، وسقف السيارة يوشك أن يتهاوى وأرضيتها تهتز بفعل محركها، وفي أوسطها مذياعٌ قديم ذو مؤشرٍ يحركه قرص يدوي مستدير، انصتُ قليلاَ لأحداثه القديمة ثم عدتُ أدقق في السيارة أحصي عيوبها حتى استقرّتْ، فعلمتُ أني وصلتُ لوجهتي، وأعطاني والدي درهمين وأعقبها ثالثـًا وقال ( هذا الأخير لحسن سلوك ).. استنكرتُ منه قِلّتها واستنـكر مني تعابير وجهي الدالة عن عدم رضاي، و نزلتُ من السيارة متوجهًا إلى باب مدرستي ومعي حقيبتي.
دخلتُ شعبتي وتلقاني المدرسُ مهللاً ثمّ أمسكني من أذني وسحبني بها إلى ركن في الفصل حيث كان يقف أحد المتأخرين أيضا، ومددتُ يدي لـتنالها عصاه بعد أن نالت من زميلي، وزادَ من شدّتها حين وجد صلابتي وافتقد دمعتي،
جلستُ على طاولتي واستمعتُ لحصة الحساب وكانت عن جمع الأرقام وطرحها، وتلتها حصة العربية والعلوم ثم توالت الدروس حتى قرع جرس النهاية، فخرجتُ من المدرسة واستقلّت الحافلة وعدت إلى المنزل، و هناك دعيتُ إلى طعام لا أحبه، وأجبرتُ على إتمامه كاملاً.
أقبلَ العصر وانبعثتْ فيّ رغبة ملحّة للعب، فتسللتُ إلى الباب بخفْيةٍ محاذرًا إثارةَ جلبة، ولكن تنبّهت لي أمي بحدْسها وأعادتني إلى الصالة وأمرتني بإتمام واجباتي، وكان الكتاب مستنـدًا على الطاولة وإلى جواره دفترٌ يعتصر قلمَ الرصاص، وكان علي إعادةُ نسخ ثلاثة أحرف أبجدية خمس مرات...الألف والباء والتاء، فاستخففت بها وظننتُ إني سأنجز العمل بثوان لكن خذلتني يدي وأثقل عليها القلم، فكانت أناملي ترتعش فيرتعش معها قلمي، فتهتزُ الألف مرة وتميلُ مرة فتقابلها أمي بالممحاة في كل مرة، و بقيتُ على هذا النحو أجتهد في رسم الحرف حتى ذاب رأس القـلم وتبيست يدي .
خرجتُ إلى الحي ورأيتُ أطفالاً يلعبون فهرعتُ إليهم، وحينَ رَأوني أَعْرضوا عني وتَوْلّوا لسبب لا أعلمه، كذلك ما نفعني كُلّ اعتذارٍ قدمته لهم، فتنحيت عنهم وجلستُ على الرصيف المقابل، يدفعني الملل لأفتّش عن شئ يشغلني، فأمسكتُ بالدراهم التي زهدت عنها صباحًا أعْبثُ بها فأصدرت رنينَا خالط صيحاتهم العالية، فأحدثتُ من حيث لا أدري أمرَا انهارت أمامه إرادتهم، وامتدت الأيادي من حولي في قبضةٍ تحرر منها الإبهام بما يعبر عن الصلح، و حينَ قَبلت أَخذوا ما بيدي وهَرَعُوا إلى الدّكان ليشْتروا.
وعادوا بعدَ دقائق وأثرُ الطعامِ والشرابِ على ثيابهم ومن حول أفواههم، وبقيَ سلطانُ الدرهم حاضرًا فيهم فأمّروني عليهم وعرضوا عليّ أن أتخيّر إحدى ألعابهم، فرفضتها جميعا إذ لم أر من اللائق أن أشاركهم في نعجة الراعي ولص الحي، فلما رأوا إصراري قالوا ( إذا نلعب الكرة) فجاءَ أَحـدُهم على الفورِ بعلبةٍ معدنيةٍ كانت ملقاةً على الطريق وركلها نحوي فطار بعض ما تبقى من سائلها على ملابسي فملأها واتسخت، فضحك الصبية من منظري، فتحركت عندهم غريزة اللهو فجعلوا ينثرون الأتربة على بعضهم، وقام آخِرُهم فأصابنا برشاش ماءٍ راكد، واتخذوا من هذا العبث لعبتهم!!،
اعتزلتهم بعيدا وجعلت أتفّرس وجوههم فرأيتها تشع سعادة !! وظلّوا يلعبون فما أوقفـهم إلا الشمس حين واشكت على المغيب..وتفرّق بعد ذلك الجمع.
ودخلتُ منزلي ولقـيتني أمي بالضرب لما وجدت حالي وأمرتني أن أغتسل فوراً، وسمعتُ صوت التلفاز يصدر من الصالة فاقتحمتها واتكأت على الأريكة، ثم دخل أبي ونهرني معللاً أن وقت المشاهدة الخاص بي قد مضى، وأخذتْ أمي يدي وجرتني إلى غرفتي وأشارتْ إلى الفراش وأطفأت الضوء وقالت (غدًا لديك مدرسة لن أسمح لك أن تتأخر ثانية ).
وفي الصباح استيقظتُ على رنينِ الساعة وكانت تشيرُ إلى السابعة، و حينها وجدتُ أني أشغلُ حيزا من السرير وأن أقدامي تلمس حافته، فقفـزت كالطفل إلى المرآة، وعاينتُ نفسي من غير منضدة، وسررت بلحيتي وشاربي، ثم استلقيت على الفراش مجددًا وزفرتُ زفراتِ انبعثت من جواي.
عدت ثانية للتأمل تشغلني الأسئلة وتملؤني الحيرة، فالآن أحمل مشاعر متناقضة وقناعات مختلفة عما كنت عليه قبل هذا الحلم..
أدركت أن الطفولة عهدٌ يمر على المرءِ مرةً في العمر ولا سبيل لتكراره حتى و إن لبس الإنسان جسد طفل، فللطفولة عذريةٌ يفقدها من فقد روحها، ويفقد روحها من تجاوز عهدها....ذلك الذي يدخل عالم الحساب والمنطق، فأمتعها ما يكون فيها العقل غائبـًا والمنطق مغفلاً، فالطفل ماضيه منسي وحاضره يومه ومستقبله يوم بعده، فلو أعطي من المال درهمًا أو قنطارًا لأنفقها كلها في ما يقيم سعادته ثم لن يدخر منها شيئا ولن يهتم أو يغتم لرزق الغد !! و كل شي يكبر عن دائرة عينه يعده كبيرا، وما دامت عينه صغيرة فإنّ كل مايراه كبيرا، ومادامت تشبعه لقيمات فلن يطلب ما يزيد عنها ولن يعمل لما يزيد عنها، ثم لن ينظر إلى إناء أخيه ولن يتعدى أو يظلم، وذلك منطق من لا منطق له.
دخل عليّ ولدي الصغير وقاطع سيل افكاري، وألقى علي تحية الصباح وقبل يدي ومد يده ينتظر مني شيئا، فأعطيته درهمين وأعقبتها ثالثا وقلت ( هذا الأخير لحسن سلوكك )..وناظرته فرأيت البهجة تملأ وجهه ثم انقلب وولى يفقز فرحًا.
8-10-2009
تعليق