لحظة وداع
في ساعة الضجر والغضب ، والمطر يهطل بغزارة ، ودونما توقف ، والسنوات تنفلت من بين يديك ، وأمام ناظريك ، وأنت واقفة في حالة من الذهول تأبين الكشف والبوح.
في ساعة صمت رهيب ، والحافلة التي سترحل بالحلم بعيدا أوشكت على الإقلاع وأنت تلبسين بنطلونك ومعطفك الوبري وعيناك تشعان وقلبك ينفطر ألما .
في ساعة وكأنها أعوام والصراع والهواجس تطفو حينا ، وتخبو حينا آخر ، سياهجر الصدر الحنون ، القلب الكبير ، الأب والأخ ، سيهاجر حلم أينع بداخلك ، ستسرقه مدينة الأحلام .
وفي ظلمة الأشجان ستحيين ، ستنتحبين ، ستجدين نفسك أسيرة اللحظات ، الآهات وأنت.
يوم بارد وقاس ونقمة القدر هي ، أم سحابة في الأفق " سيرحل " ، تتسلل هذه الكلمة لذاكرتك دونما استئذان ، وأنت تأبين إلا ارتداء القناع ، لا تودين أن ينكشف ضعفك ، بيد أن القدر اقتنص الحلم سرقه.
قبل أيام كنت مع موعد النكسة ، أعترف لك أنه سيغادر أدراج مدينتك ، سيبحث بعيدا عن منفاه ، سيشق دربا آخر ، بيد أنك لم تحركي ساكنا ، ظللت صامدة ، كشجرة تأبى السقوط ، رغم أن جذورها تكاد تقتلع من تربتها الخصبة ، أوهمت نفسك بأنك قوية ، لاتنال منك جراح الزمن ، اليوم وهو يغادر مدينتك تتمزقين ، تنشطرين شيئا فشيئا، لكنك لازلت واقفة.
كان الإثنين والعاصفة والرياح الهوجاء ، والحنين والساحات الممتدة مبللة ، والطرقات فارغة إلا من بعض المارة المسرعين الذين فجأتهم الأمطار ، جئت قبل الموعد ساعة انتظرت قدومه إلى المحطة في مقهى تنبعث منه رائحة السمك المشوي ومختلف أنواع المأكولات الشعبية التي منحته أيادي المتفننات في الطبخ ميزة ونكهة خاصة ، ورائحة القهوة والشاي ، وأنت واقفة دونما حراك ، تلفحك النسمات تلعب بشعرك البني ، تنفلت قطرات المطر الندي من بين أحد ثقوب المقهى لتلامس وجهك ، فتسري فيك القشعريرة والزمهرير.
وأخيرا لاح لك من بعيد ، تستطعين تمييزه من بين آلاف الوجوه ، اعتدت تواجده ، غيابه وحضوره ، لكنك اليوم تعدمين الوسيلة لضمه إلى حضنك ، سيبتعد قريبا وترحل الحافلة وهو بدوره يكتم أنفاسه الجريحة وعبراته ، يتظاهر مثلك بالقوة.
وفي زمن الوجد ، وصلوات الموت ، تحنين وهو لا زال أمام عينيك ، فكيف سيكون الحنين حينما يغادرك ..؟؟.
تقولين في همسات : والتنهيدات في تصاعد وفتور ، كالغريق ، كزوبعة ، كبركان ثائر، كأم فقدت وليدها ، كأرض سلبت من صاحبها ، وكبتر عضو من جسدي ..تستمرين في الانتحاب والبكاء المرير ، وتهرولين مسرعة ، لا تأبهين بمن حولك ، تسابقين الرياح في مسارها ، لتستيقظي أخيرا على هول الصدمة ، لتغادري مملكة الأحلام ، وتصدمين بالواقع ...واقع تطوقينه بعلامات استفهام عدة.
تعليق