كتب مصطفى بونيف
مع موستافا في سجنه !

كنت أجلس مع عمي رشيد في مقهى الحارة ..عندما سألني عن رأيي في مستوى رئيس الجمهورية الدراسي ...فأجبته " رؤساء الجمهورية في العالم العربي دائما من خريجي المدارس العسكرية .."
سحب عمي رشيد نفسا كبيرا من السيجارة التي يحملها في يده دائما ثم أطلق دخانها في الهواء و قال لي " وهل تمنحهم هذه المدارس دبلون رئاسة الدولة "
فقلت له : - من ناحية أنهم يأخذون دبلونا نعم ، أما دبلون تسيير الدولة فأشك في ذلك .
سخر مني قائلا : - لماذا لم تلتحق بمدرسة عسكرية لتصبح رئيسا للبلد بدل ليسانس الحقوق الذي قلبت به دماغنا !
فأجبته غاضبا : - لمعلوماتك أغلب رؤساء العرب لا يعرفون القراءة والكتابة ووصلوا إلى سدة الحكم بالافتراء وقوة السلاح ،هم لا يفرقون بين الألف وأصبع الموز !.
رفعت رأسي لم أجد عمي رشيد...لست أدري كيف تبخر أمامي فجأة ...هو دائما يورطني في ثمن المشاريب التي يطفحها في المقهى ويهرب !
وقف (سكرة) القهوجي أمام طاولتي يطالبني بثمن أكواب الشاي والقهوة والعصير ...حاولت أن أشرح لسكرة القهوجي ظروفي المادية الصعبة لكنه لم يتفهم ..وبلغ الشرطة عني ...
- سوف تدفع ثمن المشاريب في مركز الشرطة يا موس ..مادمت لست قادرا على دفع ثمن ما تشربه لماذا تجلس في المقهى وتدعو أصحابك !.
رفعت يدي إلى السماء وأنا أدخل (بوكس) الشرطة : " إلهي وأنت جاهي أرى عمي رشيد أعمى يمد يده في الشارع ..".
عصب أحد العساكر عيني بقماشة سوداء ... " هل سيتم إعدامي بسبب عدم دفعي لمشاريب في القهوة ؟ " ..
دفعني العسكري إلى داخل البوكس قائلا ..( أدخل وأنت ساكت ) .
ولم أفتح عيوني إلا على قاعة مظلمة ..ينزوي فيها مكتب ...دخل الضابط يحمل في يده ملفا ...جلس على مكتبه ، أشعل سيجارة ...رمقني بنظرات ثاقبة ثم قال لي : " لماذا لم تدفع ثمن القهوة والشاي التي تشربها في المقهى كل يوم ، ألا يكفي أنك شخصية مشاغبة يشتكي منها الناس ، لتشرب أموالهم بالباطل أيضا ؟".
أجبته بصوت متقطع : " أين عمي رشيد ، أريد عمي رشيد ؟ ".
فأجابني : " عمك رشيد عند ضابط زميل آخر يحقق معه " .
فأجبته ودموعي تسيل أنهارا " أين المحامي ، أريد محاميا ، ولن أتكلم إلا في وجوده " .
- ألست خريج كلية الحقوق ؟، تستطيع أن تدافع عن نفسك ، ثم إنك تعرف جيدا الفرق بين الألف وإصبع الموز . قل لي ماهو الفرق بين الألف وإصبع الموز ؟.
بلعت ريقي وأدركت بأنني وقعت في شر أعمالي ...( سيدي أنا لا أعرف الموز أصلا ..لم يدخل بيتنا إلى يومنا هذا ) .
صرخ الضابط طلبا لأحد المخبرين وكان اسمه (سلومة ) : تعال يا سلومة وأر موس أصابع الموز .
وقفت من مكاني وأنا أتراجع إلى الجدار بينما سلومة يتقدم نحوي وهو يفتح قميصه ، فكان الموقف أشبه بمشهد سعاد حسني في فيلم الكرنك .
" ماذا ستفعل يا سلومة ؟ ..عيب ، هذا سلوك ضد الديمقراطية...أليس عندك بنات ..أنا أعرف أعمالكم السوداء في المخافر ..".
حملني سلومة من قفايا ..وأخذني إلى السجن وقذفني إلى الداخل .
حمدت الله على أن سلومة اكتفى بحملي من القفا ..فقط .
وجدت نفسي في غرفة ضيقة ...وحولي عشرات من المسجونين .
سألني الذي عن يميني ( ماهي قضيتك يا أخ ؟) .
فأجبته : أنا هنا في قضية اختلاس يا عم . وأنت ما هي قضيتك ؟
فأجابني :- أنا هنا في قضية اغتصاب .
هربت منه ، ودنوت إلى المسجون الذي يجلس شمالي وسألته " وأنت ماهي قضيتك ؟ ".
فأجابني أيضا : " أنا هنا في قضية اغتصاب " .
وقفت من مكاني ، ونظرت في جمع المسجونين .." يبدو أنكم جميعا هنا في قضية اغتصاب ..اسمعوا أنا مجرم مختلس ..الذي سيقترب مني سأضيعه .."
حتى وصلت إلى باب الزنزانة ..وصرخت ( النجدة ، النجدة ) ! .
تم تحويلي إلى النيابة ، ثم إلى المحكمة بتهمة اختلاس أموال الشعب وعدم دفع مستحقات المشاريب في مقهى ( سكرة) ...وحكم علي القاضي بالسجن لعشر سنوات نافذة .
دخلت العنبر ، وألقيت التحية على زملائي ..( السلام عليكم يا حثالة الأمة يا زبالة المجتمع ) .
فردوا التحية بأحسن منها ( وعليكم السلام يا مجرم يا حرامي الشاي والقهوة ) .
وأصبح اسم شهرتي في السجن ( حرامي الشاي والقهوة) .
كنت ألقي المحاضرات حول حقوق السجين على زملائي في السجن وأنا أتربع على سريري في الطابق العلوي ..
" زملائي المساجين ..يا حثالة المجتمع ، أتعس الله مساءكم ، سوف نتناول في درسنا اليوم ، حق السجين في الزواج والإنجاب ..."، تذكرت بأنني سوف أقضي مدة السجن لأجد قطار الزواج قد فاتني ...وأنا طوال عمري أحلم بأن يكون لي زوجة وأطفالا .
طلبت مقابلة مأمور السجن ، فاستقبلني كعادته عابس الوجه يتأفف :
" نعم ماذا تريد أيضا يا موس ، طالبت بحق مشاهدة التلفزيون للسجناء ، أحضرنا لكم تلفزيونا بثلاثين محطة فضائية ، وأصبحتم تشاهدون قناة الجزيرة ، وكليبات نانسي عجرم وهيفاء وهبي ... ثم طالبت بحق السجين في التواصل مع العالم الخارجي فأحضرنا لكم الأنترنت إلى زنازينكم ...كل سجين معه كمبيوتر شخصي مربوط بالشبكة العالمية ، ثم طالبت بحق السجناء في استخدام الهواتف المحمولة ...أحضرناها لكم ..ماذا تريد أيضا ؟ " .
- أريد امرأة يا سيدي المأمور !
انتفض من مكانه مذعورا : ماذا تقول ، امرأة ، أنت وقح وقليل الأدب !.
هدأت من روعه قائلا : المادة 150 من قانون حقوق السجين تنص على حق المسجون في الزواج ، ولقاء زوجته مرة كل خمس وأربعين يوما في زنزانة مفروشة . معدة لهذا الغرض .
زاد غضب المأمور الذي كاد أن يصاب بالشلل وهو يستمع إلى كلامي ..ثم صرخ " أنت مخبول ...هذا لن يكون "
شعرت بالاستفزاز وقلت له متحديا :- سوف أبلغ عنكم هيئة الأمم ، وبانكي مون شخصيا ...سأرفع عريضة إلى منظمات حقوق الإنسان ، ومنظمات سجناء الرأي ، واليونسكو ، ومنظمة حماية المرأة ...سأقول لهم بأنني في الزنزانة بلا زواج ..وبأنني رجعت إلى عادات المرحلة الإعدادية ...!.
جلس المأمور على مكتبه ثم قال : - هل لديك عروس معينة أم نبحث لك عن واحدة ...وما هي مواصفاتها ؟ .
- أريدها عملاقة ...طول وعرض تملأ علي الزنزانة ..يقولون أن سجن النساء يضج بالحسان .
سخر المأمور قائلا : - نعم ، ولكنهن محبوسات في قضايا دعارة .
ضحكت وأنا أضع رجلا على رجل : - والذي نحن فيه أليس دعارة أيضا ،هل يعقل أن أدخل السجن في قضية شاي وقهوة !.
انفجر المأمور ضاحكا : - شاي و قهوة ؟ ، أنت هنا مسجون سياسي .
نزلت كلمة سياسي على دماغي كالصاعقة ...
- و ما علاقة السياسة بالقهوة والشاي .؟
ابتسم المأمور وواصل حديثه : - مكتوب أمامي في الملف بأنك سخرت من رموز الدولة ، في مكان عام ، وقلت بأن رمز الدولة لا يفرق بين الألف وأصبع الذرة !.
قاطعت المأمور هامسا -" أصبع الموز ..و ليس الذرة يا سيدي !".
مصطفى بونيف
مع موستافا في سجنه !

كنت أجلس مع عمي رشيد في مقهى الحارة ..عندما سألني عن رأيي في مستوى رئيس الجمهورية الدراسي ...فأجبته " رؤساء الجمهورية في العالم العربي دائما من خريجي المدارس العسكرية .."
سحب عمي رشيد نفسا كبيرا من السيجارة التي يحملها في يده دائما ثم أطلق دخانها في الهواء و قال لي " وهل تمنحهم هذه المدارس دبلون رئاسة الدولة "
فقلت له : - من ناحية أنهم يأخذون دبلونا نعم ، أما دبلون تسيير الدولة فأشك في ذلك .
سخر مني قائلا : - لماذا لم تلتحق بمدرسة عسكرية لتصبح رئيسا للبلد بدل ليسانس الحقوق الذي قلبت به دماغنا !
فأجبته غاضبا : - لمعلوماتك أغلب رؤساء العرب لا يعرفون القراءة والكتابة ووصلوا إلى سدة الحكم بالافتراء وقوة السلاح ،هم لا يفرقون بين الألف وأصبع الموز !.
رفعت رأسي لم أجد عمي رشيد...لست أدري كيف تبخر أمامي فجأة ...هو دائما يورطني في ثمن المشاريب التي يطفحها في المقهى ويهرب !
وقف (سكرة) القهوجي أمام طاولتي يطالبني بثمن أكواب الشاي والقهوة والعصير ...حاولت أن أشرح لسكرة القهوجي ظروفي المادية الصعبة لكنه لم يتفهم ..وبلغ الشرطة عني ...
- سوف تدفع ثمن المشاريب في مركز الشرطة يا موس ..مادمت لست قادرا على دفع ثمن ما تشربه لماذا تجلس في المقهى وتدعو أصحابك !.
رفعت يدي إلى السماء وأنا أدخل (بوكس) الشرطة : " إلهي وأنت جاهي أرى عمي رشيد أعمى يمد يده في الشارع ..".
عصب أحد العساكر عيني بقماشة سوداء ... " هل سيتم إعدامي بسبب عدم دفعي لمشاريب في القهوة ؟ " ..
دفعني العسكري إلى داخل البوكس قائلا ..( أدخل وأنت ساكت ) .
ولم أفتح عيوني إلا على قاعة مظلمة ..ينزوي فيها مكتب ...دخل الضابط يحمل في يده ملفا ...جلس على مكتبه ، أشعل سيجارة ...رمقني بنظرات ثاقبة ثم قال لي : " لماذا لم تدفع ثمن القهوة والشاي التي تشربها في المقهى كل يوم ، ألا يكفي أنك شخصية مشاغبة يشتكي منها الناس ، لتشرب أموالهم بالباطل أيضا ؟".
أجبته بصوت متقطع : " أين عمي رشيد ، أريد عمي رشيد ؟ ".
فأجابني : " عمك رشيد عند ضابط زميل آخر يحقق معه " .
فأجبته ودموعي تسيل أنهارا " أين المحامي ، أريد محاميا ، ولن أتكلم إلا في وجوده " .
- ألست خريج كلية الحقوق ؟، تستطيع أن تدافع عن نفسك ، ثم إنك تعرف جيدا الفرق بين الألف وإصبع الموز . قل لي ماهو الفرق بين الألف وإصبع الموز ؟.
بلعت ريقي وأدركت بأنني وقعت في شر أعمالي ...( سيدي أنا لا أعرف الموز أصلا ..لم يدخل بيتنا إلى يومنا هذا ) .
صرخ الضابط طلبا لأحد المخبرين وكان اسمه (سلومة ) : تعال يا سلومة وأر موس أصابع الموز .
وقفت من مكاني وأنا أتراجع إلى الجدار بينما سلومة يتقدم نحوي وهو يفتح قميصه ، فكان الموقف أشبه بمشهد سعاد حسني في فيلم الكرنك .
" ماذا ستفعل يا سلومة ؟ ..عيب ، هذا سلوك ضد الديمقراطية...أليس عندك بنات ..أنا أعرف أعمالكم السوداء في المخافر ..".
حملني سلومة من قفايا ..وأخذني إلى السجن وقذفني إلى الداخل .
حمدت الله على أن سلومة اكتفى بحملي من القفا ..فقط .
وجدت نفسي في غرفة ضيقة ...وحولي عشرات من المسجونين .
سألني الذي عن يميني ( ماهي قضيتك يا أخ ؟) .
فأجبته : أنا هنا في قضية اختلاس يا عم . وأنت ما هي قضيتك ؟
فأجابني :- أنا هنا في قضية اغتصاب .
هربت منه ، ودنوت إلى المسجون الذي يجلس شمالي وسألته " وأنت ماهي قضيتك ؟ ".
فأجابني أيضا : " أنا هنا في قضية اغتصاب " .
وقفت من مكاني ، ونظرت في جمع المسجونين .." يبدو أنكم جميعا هنا في قضية اغتصاب ..اسمعوا أنا مجرم مختلس ..الذي سيقترب مني سأضيعه .."
حتى وصلت إلى باب الزنزانة ..وصرخت ( النجدة ، النجدة ) ! .
تم تحويلي إلى النيابة ، ثم إلى المحكمة بتهمة اختلاس أموال الشعب وعدم دفع مستحقات المشاريب في مقهى ( سكرة) ...وحكم علي القاضي بالسجن لعشر سنوات نافذة .
دخلت العنبر ، وألقيت التحية على زملائي ..( السلام عليكم يا حثالة الأمة يا زبالة المجتمع ) .
فردوا التحية بأحسن منها ( وعليكم السلام يا مجرم يا حرامي الشاي والقهوة ) .
وأصبح اسم شهرتي في السجن ( حرامي الشاي والقهوة) .
كنت ألقي المحاضرات حول حقوق السجين على زملائي في السجن وأنا أتربع على سريري في الطابق العلوي ..
" زملائي المساجين ..يا حثالة المجتمع ، أتعس الله مساءكم ، سوف نتناول في درسنا اليوم ، حق السجين في الزواج والإنجاب ..."، تذكرت بأنني سوف أقضي مدة السجن لأجد قطار الزواج قد فاتني ...وأنا طوال عمري أحلم بأن يكون لي زوجة وأطفالا .
طلبت مقابلة مأمور السجن ، فاستقبلني كعادته عابس الوجه يتأفف :
" نعم ماذا تريد أيضا يا موس ، طالبت بحق مشاهدة التلفزيون للسجناء ، أحضرنا لكم تلفزيونا بثلاثين محطة فضائية ، وأصبحتم تشاهدون قناة الجزيرة ، وكليبات نانسي عجرم وهيفاء وهبي ... ثم طالبت بحق السجين في التواصل مع العالم الخارجي فأحضرنا لكم الأنترنت إلى زنازينكم ...كل سجين معه كمبيوتر شخصي مربوط بالشبكة العالمية ، ثم طالبت بحق السجناء في استخدام الهواتف المحمولة ...أحضرناها لكم ..ماذا تريد أيضا ؟ " .
- أريد امرأة يا سيدي المأمور !
انتفض من مكانه مذعورا : ماذا تقول ، امرأة ، أنت وقح وقليل الأدب !.
هدأت من روعه قائلا : المادة 150 من قانون حقوق السجين تنص على حق المسجون في الزواج ، ولقاء زوجته مرة كل خمس وأربعين يوما في زنزانة مفروشة . معدة لهذا الغرض .
زاد غضب المأمور الذي كاد أن يصاب بالشلل وهو يستمع إلى كلامي ..ثم صرخ " أنت مخبول ...هذا لن يكون "
شعرت بالاستفزاز وقلت له متحديا :- سوف أبلغ عنكم هيئة الأمم ، وبانكي مون شخصيا ...سأرفع عريضة إلى منظمات حقوق الإنسان ، ومنظمات سجناء الرأي ، واليونسكو ، ومنظمة حماية المرأة ...سأقول لهم بأنني في الزنزانة بلا زواج ..وبأنني رجعت إلى عادات المرحلة الإعدادية ...!.
جلس المأمور على مكتبه ثم قال : - هل لديك عروس معينة أم نبحث لك عن واحدة ...وما هي مواصفاتها ؟ .
- أريدها عملاقة ...طول وعرض تملأ علي الزنزانة ..يقولون أن سجن النساء يضج بالحسان .
سخر المأمور قائلا : - نعم ، ولكنهن محبوسات في قضايا دعارة .
ضحكت وأنا أضع رجلا على رجل : - والذي نحن فيه أليس دعارة أيضا ،هل يعقل أن أدخل السجن في قضية شاي وقهوة !.
انفجر المأمور ضاحكا : - شاي و قهوة ؟ ، أنت هنا مسجون سياسي .
نزلت كلمة سياسي على دماغي كالصاعقة ...
- و ما علاقة السياسة بالقهوة والشاي .؟
ابتسم المأمور وواصل حديثه : - مكتوب أمامي في الملف بأنك سخرت من رموز الدولة ، في مكان عام ، وقلت بأن رمز الدولة لا يفرق بين الألف وأصبع الذرة !.
قاطعت المأمور هامسا -" أصبع الموز ..و ليس الذرة يا سيدي !".
مصطفى بونيف
تعليق