الانحدار
قصة قصيرة
محمد المنصور الشقحاء
*** علمت مؤخرا بأنني ممنوع من الكتابة، اكتشفت هذا من همس حضور المناسبات الاجتماعية التي تقوم بعض الصحف بعمل لقاءات أو ندوات حولها من باب الالتحام بالجهات المعنية بالتطور الإنمائي فتغيب مشاركتي ويتجاوز تعليقاتي من خلال مطبخ النشر0
أخذت افكر بقسوة في الانتصاب العدواني الذي مارسه شيء في داخلي دون مراعاة للظرف الذي أمر به والإرهاق الفكري الذي أعانيه بسبب عوامل عده منها العزلة والانحدار نحو الهاوية وحيدا متخليا عن كل المواقع التي استطعت مع الزمن ربحها0
لم أجد بعد هذه المرحلة أفضل من كلمة الربح لأن هذه الكلمة هي الوصف الحقيقي لكل المكتسبات التي خلقتها وحتى تكون المعادلة صحيحة، لابد من الخسارة وها أنا اركض في طريق الهاوية وكل ما أخشاه أن أرباحي تنتهي وبالتالي أفقد رأس المال وأشهر إفلاسي كما هو وارد في سوق الاقتصاد0
انتظرت كثيرا هذه اللحظة التي أقف فيها مستقبلا الضيوف0 الأضواء تملأ المكان كما أنها تضيء داخلي بقوة، انه زواج ابنتي المكسب الأول الحقيقي في حياتي وبرغم الضياء اشعر إنني بحاجة إلى البكاء، وأخذت ابحث عن مكان منفرد حتى أحقق رغبتي في البكاء جميع الزوايا والغرف تعج بالزوار والمشاركين في المناسبة0
أنها تقف وحيدة00دب هاجس أخر في داخلي وعدت إلى الحركة وقد أجلت رغبتي في البكاء، في داخلي نقطة داكنة أشعر بحرقتها وحجم مساحتها0 العيون تتابع خطواتي تبحث عن الأشياء المربكة والناقصة في صوتي وفي اكتمال أدوات الحفل، وأنا افتح كوة للريح الطيبة لتعبر كواليس أعماقي المعتمة المتوقفة عن الأشرئباب والتجاوز 0 أنها النهاية الحتمية0
ـ حامد00حامد
الصوت قريب أتذكره0 إنما من يكون وقد تجاوزت عقدي الخامس، الشيب يملأ راسي ودمعة مازالت منذ عقد تستقر في مقلتي0
ـ حامد00حامد
الصوت يقترب أكثر0 انه يرفض كل الهواجس ويحقق الانتماء وطيب رائحة الوطن، الشارع المترب، بيوت الطين، وشآبيب المطر والأسقف الواطئة وقد أخذت تنز بالماء معبرة عن فرحها بالشتاء0
ـ حامد
ـ نعم
ـ مبارك 00زواج سماح
ـ سماح
الصوت يصل يأخذني بقوة إلى الزمن القديم الذي رفضته بتصرف أحمق ذات يوم، كنت اركض حتى تعثرت وقد تقطعت أنفاسي لأفيق على صوت سماح00 التي انتقلت معي إلى العالم الحر في هروب سحق وجودي، لتصبح وقد غدت شابة / أفنان / وامرأة مكتملة ناجحة في عملها0
الصوت يزداد معرفة وقوة0كان المطر ينهمر وسقف الغرفة ينز بالماء، دوائر الزمن تدور في رأسي وانهرت في مكاني ونقر الدفوف والغناء تشتعل في الداخل، وشبح الماضي المتناهي طولا يغادر المكان حاجبا الضوء المنتشر في كل زاوية0
( 2 )
طريق الانحدار عميق أطول من كل المعادلات الحقيقية0 يخيم الهدوء عليه وكل الأشياء التي أتجاوزها ثابتة، شخوص آخرون توقف بهم السير في أماكن متباعدة، حتى الآن المؤشرات افضل00انه الوطن، أخذت اكتب الكلمة بأشكال متعددة وأقلام متفرقة وأحبار مختلفة، ثم أخذت ارسم حروف الكلمة كما يتم نطقها واو00طاء00نون00واو 00طاء00نون، ومع كل حرف أجتاز مسافة اكبر ويتكون في داخلي طاقة أكبر0
ـ حامد 00هل أكملت دراسة قضية الأستاذ فاضل
ـ قربت أنجز تدوين ملاحظاتي
ـ لقد تأخرت
ـ إنها ملاحظة ديوان المراقبة العامة
كان مدير الإدارة التي انتمي إليها يستعجلني بمضاعفة الجهد لإنهاء دراسة أوراق قضية احد اقاربه0
ـ الأستاذ حامد
ـ أهلا
ـ فاضل عبد الدايم
قفزت من مقعدي واقفا كمن لدغته افعى0 ترددت في مد يدي نحو الكف الممدودة، هناك قوة تتعامل في داخلي فأخذت أتفرس في الوجه المنتصب أمامي وأخيرا صافحته مرحبا ودعوته للجلوس وواصلت كتابة ملاحظاتي 0
ـ لو سمحت كرت العائلة
أخذت أطابق الأرقام والأسماء 00سماح زوجه00 سماح ابنة سعد000سمر 00واكتمل عدد الأسماء ومطابقة البيانات
ـ هل الكرت جديد
ـ نعم وهنا بين الأوراق صور من الكروت القديمة
ثم وقفت وأنا أمد كفي
ـ سوف يتم صرف باقي الاستحقاق بعد يومين
نهض وغادر الغرفة 00وعدت للأوراق 00اخذت ادقق في الأسماء المكررة ولما انتهيت سلمت الملف للمراسل لتوصيله لمكتب المدير العام لتوقيع أمر اعتماد الصرف0
ـ تفضل أوصلك
تزامن خروجي من المكتب مع تحرك عربة فاضل الفاخرة وآنا اتجه لعربتي الواقفة في فناء مبنى الدائرة، أرعبني الصوت، قررت أن أعود للمكتب، كانت تجلس في المقعد المجاور ، شيء يدعوني لتلبية الدعوة، ابتسامتها الصغيرة تكبر 00أخذت أتراجع 00خطوة 00خطوتين، ابتلعني المبنى وأخذت جدرانه تسحق جسدي0
( 3 )
الزمن كان قويا 00قويا اكبر من عشق المكان0 شعرت فيه بالإرهاب، عندما قررت الزواج جاء الاختيار وجاء الانفصال/ هربت إلى خارج الحدود لعلي أجد الهدوء الذي فقدته0
وتوقف الزمن0 لم يعد الرفيق الحتمي الذي يسير كمرافق فعدت وقد غطى الشعر الأبيض رأسي، أنهم يدفعون الإنسان إلى الموت، حتى الأصدقاء00كلهم عفن00كلهم عفن
ـ أبي خير
ـ أبدا أنها ذكريات النزوح00 والوطن
سوف يكون لنا بيت
ـ أجل 00أجل
ـ وسوف نواصل
حطت الطائرة في المطار0 لم يكن هنا أحد في صالة القادمين المكتظة بالمستقبلين00المكان ضيق العيون تلاحق المتحركين ارتبكت خطواتي ومع ملاحقة سائقي سيارات الأجرة أخذت استنشق الهواء الرطب0
اختلطت الصور00تتراكم الرؤى، الهاجس00أكبر00أكبر ، واعتدت السكون القاتل، مشاركاتي تسحل على أبواب الصحف وان استشهد الكتاب بأفكاري00هاهم جميعا في حفل زفاف افنان0
سوف اجلس وحيدا في الدار0 ولكن الصوت القادم من الماضي سماح؛ وأخذت أتذكر الخطى الوئيدة، والجمع ينسحب بقيت جالسا على احد مقاعد صالة الاستقبال حتى أحقق رغبتي المؤجلة في البكاء0
ــــــــــــــــــــــــــــ
إحدى قصص كتاب ( الانحدار ) حكايات وقصص قصيرة 0 الصادر عن دار الفارابي ببيروت 2009م
قصة قصيرة
محمد المنصور الشقحاء
*** علمت مؤخرا بأنني ممنوع من الكتابة، اكتشفت هذا من همس حضور المناسبات الاجتماعية التي تقوم بعض الصحف بعمل لقاءات أو ندوات حولها من باب الالتحام بالجهات المعنية بالتطور الإنمائي فتغيب مشاركتي ويتجاوز تعليقاتي من خلال مطبخ النشر0
أخذت افكر بقسوة في الانتصاب العدواني الذي مارسه شيء في داخلي دون مراعاة للظرف الذي أمر به والإرهاق الفكري الذي أعانيه بسبب عوامل عده منها العزلة والانحدار نحو الهاوية وحيدا متخليا عن كل المواقع التي استطعت مع الزمن ربحها0
لم أجد بعد هذه المرحلة أفضل من كلمة الربح لأن هذه الكلمة هي الوصف الحقيقي لكل المكتسبات التي خلقتها وحتى تكون المعادلة صحيحة، لابد من الخسارة وها أنا اركض في طريق الهاوية وكل ما أخشاه أن أرباحي تنتهي وبالتالي أفقد رأس المال وأشهر إفلاسي كما هو وارد في سوق الاقتصاد0
انتظرت كثيرا هذه اللحظة التي أقف فيها مستقبلا الضيوف0 الأضواء تملأ المكان كما أنها تضيء داخلي بقوة، انه زواج ابنتي المكسب الأول الحقيقي في حياتي وبرغم الضياء اشعر إنني بحاجة إلى البكاء، وأخذت ابحث عن مكان منفرد حتى أحقق رغبتي في البكاء جميع الزوايا والغرف تعج بالزوار والمشاركين في المناسبة0
أنها تقف وحيدة00دب هاجس أخر في داخلي وعدت إلى الحركة وقد أجلت رغبتي في البكاء، في داخلي نقطة داكنة أشعر بحرقتها وحجم مساحتها0 العيون تتابع خطواتي تبحث عن الأشياء المربكة والناقصة في صوتي وفي اكتمال أدوات الحفل، وأنا افتح كوة للريح الطيبة لتعبر كواليس أعماقي المعتمة المتوقفة عن الأشرئباب والتجاوز 0 أنها النهاية الحتمية0
ـ حامد00حامد
الصوت قريب أتذكره0 إنما من يكون وقد تجاوزت عقدي الخامس، الشيب يملأ راسي ودمعة مازالت منذ عقد تستقر في مقلتي0
ـ حامد00حامد
الصوت يقترب أكثر0 انه يرفض كل الهواجس ويحقق الانتماء وطيب رائحة الوطن، الشارع المترب، بيوت الطين، وشآبيب المطر والأسقف الواطئة وقد أخذت تنز بالماء معبرة عن فرحها بالشتاء0
ـ حامد
ـ نعم
ـ مبارك 00زواج سماح
ـ سماح
الصوت يصل يأخذني بقوة إلى الزمن القديم الذي رفضته بتصرف أحمق ذات يوم، كنت اركض حتى تعثرت وقد تقطعت أنفاسي لأفيق على صوت سماح00 التي انتقلت معي إلى العالم الحر في هروب سحق وجودي، لتصبح وقد غدت شابة / أفنان / وامرأة مكتملة ناجحة في عملها0
الصوت يزداد معرفة وقوة0كان المطر ينهمر وسقف الغرفة ينز بالماء، دوائر الزمن تدور في رأسي وانهرت في مكاني ونقر الدفوف والغناء تشتعل في الداخل، وشبح الماضي المتناهي طولا يغادر المكان حاجبا الضوء المنتشر في كل زاوية0
( 2 )
طريق الانحدار عميق أطول من كل المعادلات الحقيقية0 يخيم الهدوء عليه وكل الأشياء التي أتجاوزها ثابتة، شخوص آخرون توقف بهم السير في أماكن متباعدة، حتى الآن المؤشرات افضل00انه الوطن، أخذت اكتب الكلمة بأشكال متعددة وأقلام متفرقة وأحبار مختلفة، ثم أخذت ارسم حروف الكلمة كما يتم نطقها واو00طاء00نون00واو 00طاء00نون، ومع كل حرف أجتاز مسافة اكبر ويتكون في داخلي طاقة أكبر0
ـ حامد 00هل أكملت دراسة قضية الأستاذ فاضل
ـ قربت أنجز تدوين ملاحظاتي
ـ لقد تأخرت
ـ إنها ملاحظة ديوان المراقبة العامة
كان مدير الإدارة التي انتمي إليها يستعجلني بمضاعفة الجهد لإنهاء دراسة أوراق قضية احد اقاربه0
ـ الأستاذ حامد
ـ أهلا
ـ فاضل عبد الدايم
قفزت من مقعدي واقفا كمن لدغته افعى0 ترددت في مد يدي نحو الكف الممدودة، هناك قوة تتعامل في داخلي فأخذت أتفرس في الوجه المنتصب أمامي وأخيرا صافحته مرحبا ودعوته للجلوس وواصلت كتابة ملاحظاتي 0
ـ لو سمحت كرت العائلة
أخذت أطابق الأرقام والأسماء 00سماح زوجه00 سماح ابنة سعد000سمر 00واكتمل عدد الأسماء ومطابقة البيانات
ـ هل الكرت جديد
ـ نعم وهنا بين الأوراق صور من الكروت القديمة
ثم وقفت وأنا أمد كفي
ـ سوف يتم صرف باقي الاستحقاق بعد يومين
نهض وغادر الغرفة 00وعدت للأوراق 00اخذت ادقق في الأسماء المكررة ولما انتهيت سلمت الملف للمراسل لتوصيله لمكتب المدير العام لتوقيع أمر اعتماد الصرف0
ـ تفضل أوصلك
تزامن خروجي من المكتب مع تحرك عربة فاضل الفاخرة وآنا اتجه لعربتي الواقفة في فناء مبنى الدائرة، أرعبني الصوت، قررت أن أعود للمكتب، كانت تجلس في المقعد المجاور ، شيء يدعوني لتلبية الدعوة، ابتسامتها الصغيرة تكبر 00أخذت أتراجع 00خطوة 00خطوتين، ابتلعني المبنى وأخذت جدرانه تسحق جسدي0
( 3 )
الزمن كان قويا 00قويا اكبر من عشق المكان0 شعرت فيه بالإرهاب، عندما قررت الزواج جاء الاختيار وجاء الانفصال/ هربت إلى خارج الحدود لعلي أجد الهدوء الذي فقدته0
وتوقف الزمن0 لم يعد الرفيق الحتمي الذي يسير كمرافق فعدت وقد غطى الشعر الأبيض رأسي، أنهم يدفعون الإنسان إلى الموت، حتى الأصدقاء00كلهم عفن00كلهم عفن
ـ أبي خير
ـ أبدا أنها ذكريات النزوح00 والوطن
سوف يكون لنا بيت
ـ أجل 00أجل
ـ وسوف نواصل
حطت الطائرة في المطار0 لم يكن هنا أحد في صالة القادمين المكتظة بالمستقبلين00المكان ضيق العيون تلاحق المتحركين ارتبكت خطواتي ومع ملاحقة سائقي سيارات الأجرة أخذت استنشق الهواء الرطب0
اختلطت الصور00تتراكم الرؤى، الهاجس00أكبر00أكبر ، واعتدت السكون القاتل، مشاركاتي تسحل على أبواب الصحف وان استشهد الكتاب بأفكاري00هاهم جميعا في حفل زفاف افنان0
سوف اجلس وحيدا في الدار0 ولكن الصوت القادم من الماضي سماح؛ وأخذت أتذكر الخطى الوئيدة، والجمع ينسحب بقيت جالسا على احد مقاعد صالة الاستقبال حتى أحقق رغبتي المؤجلة في البكاء0
ــــــــــــــــــــــــــــ
إحدى قصص كتاب ( الانحدار ) حكايات وقصص قصيرة 0 الصادر عن دار الفارابي ببيروت 2009م