بعث

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ابراهيم عبد المعطى داود
    أديب وكاتب
    • 10-12-2008
    • 159

    بعث


    انتفضت من جلستى مذهولاً .. حملقت فى وجه الجالس الغير بعيد عنى .. إنه هو .. بوجهه الأبيض المكوّر وخصلة الشعر البيضاء المتدلية فوق جبينه وشاربه
    الكث القصير .. دق قلبى بعنف .. إنه هو ..أبى .. بجلسته المتربعة الهادئة ..ونظراته العميقة الفاحصة ..التفت حولى .. شاطىء الاسكندرية ..أمواج البحر تضرب
    الشاطىء فى صخب والشمس تسقط فى استسلام خلف الامواج البعيدة .. المارة رائحون وغادون فى مرح وحبور ..حملقت فيه ثانية ..إنه أبى فعلا .. ورب الكعبة
    هو هو .. لم يتغير مذ أن شاهدته آخر مرة من عشرين عاماً .. كان ممدداً على فراشه وأمى تحوطه بدموعها ولسانها يتمتم بالقرآن بينما أختى الكبيرة قابعة فى
    ركن الحجرة تشهق فى نحيب مكتوم .. كانت تحُفه سكينة عجيبة ..ومقلتاه تنظران فى استسلام عبر زجاج النافذة إلى السماء الرمادية ..لازلت أذكر كيف هوى الكوب
    الزجاجي من يد أختى وصراخها يصم الآذان ..وأمى منكفئة على جسده السابح فى السكون تبكى وتنتحب ..كان يوماً مروعاً حقًا ..
    عدت ابحلق نحوه ..كان يتابع المارة فى فضول .. راقب فتاة وهى تتكلم فى هاتفها حتى ابتلعها الزحام .. ثم عاد يتابع صبياً يسير فى تكاسل ..لمحته يبتسم ..! ربما
    تذكرني عندما كان يراقبنى أثناء عودتى من المدرسة ... ولكن أليس قد مات ..؟! هل يعود الميت إلى الحياة من جديد ..؟ هل يُبعث من قبره ..؟ يعتقد النصارى
    أن السيد المسيح قام من موته .. وأُؤمن أنا كمسلم بأن الجسد يُبلى فى القبر والروح تسكن البرزخ حتى يُنفخ فى الصور فأخرج من جدثي .. إذن كيف عاد أبى ..؟
    ولماذا ..؟! أراك ياأبى تلتفت حولك فى تعجب ..تغيًرت الدنيا كثيراً وبدت أكثر كآبة ..لا يغُرنًك تلك المناظر المبهجة التى تراها .. إنه خواء ياأبى .. خواء فى خواء ..
    لاهدف ..لاخُلق .. لا نُبل .. لاشهامة .. إفتقدنا تلك القيم ياأبى كما إفتقدتك .. ألمح نظرة إزدراء على وجهك وأنت تتابع شاباً يكاد بنطلونه يسقط من خاصره ..لا تغضب
    أيها الحبيب انها الموضة والتقليد الأعمى .. نظرت إلى الساعة فى معصمى ..الوقت يمر .. إلى متى سأظل جالساً أرقبه من بعيد وهو لايرانى وأظن لن يعرفنى ..؟
    إذن سأتقدم نحوه وأرتمى فى حضنه ألثم جسده بدموعى ثم أصحبه إلى المنزل .. سيعرفه أولادى ..أليست صورته فى إطارها الذهبي تزيًن جدار الصالون .. ! ترى
    هل ستتقبًله زوجتى ..؟ اللعنة .. ستجدها فرصة لإثارة المتاعب كعادتها ..لا يهم .. فلتبرح المنزل إلى غير رجعة ..
    نهضت من مكاني متجهاً صوبه ..اختلطت المشاهد أمامي بينما ومضات مصابيح الشارع تنعكس في لُجّة الأمواج الهادرة .
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    رد: بعث

    المشاركة الأصلية بواسطة ابراهيم عبد المعطى داود مشاهدة المشاركة
    انتفضت من جلستى مذهولاً .. حملقت فى وجه الجالس الغير بعيد عنى .. إنه هو .. بوجهه الأبيض المكوّر وخصلة الشعر البيضاء المتدلية فوق جبينه وشاربه
    الكث القصير .. دق قلبى بعنف .. إنه هو ..أبى .. بجلسته المتربعة الهادئة ..ونظراته العميقة الفاحصة ..التفت حولى .. شاطىء الاسكندرية ..أمواج البحر تضرب
    الشاطىء فى صخب والشمس تسقط فى استسلام خلف الامواج البعيدة .. المارة رائحون وغادون فى مرح وحبور ..حملقت فيه ثانية ..إنه أبى فعلا .. ورب الكعبة
    هو هو .. لم يتغير مذ أن شاهدته آخر مرة من عشرين عاماً .. كان ممدداً على فراشه وأمى تحوطه بدموعها ولسانها يتمتم بالقرآن بينما أختى الكبيرة قابعة فى
    ركن الحجرة تشهق فى نحيب مكتوم .. كانت تحُفه سكينة عجيبة ..ومقلتاه تنظران فى استسلام عبر زجاج النافذة إلى السماء الرمادية ..لازلت أذكر كيف هوى الكوب
    الزجاجي من يد أختى وصراخها يصم الآذان ..وأمى منكفئة على جسده السابح فى السكون تبكى وتنتحب ..كان يوماً مروعاً حقًا ..
    عدت ابحلق نحوه ..كان يتابع المارة فى فضول .. راقب فتاة وهى تتكلم فى هاتفها حتى ابتلعها الزحام .. ثم عاد يتابع صبياً يسير فى تكاسل ..لمحته يبتسم ..! ربما
    تذكرني عندما كان يراقبنى أثناء عودتى من المدرسة ... ولكن أليس قد مات ..؟! هل يعود الميت إلى الحياة من جديد ..؟ هل يُبعث من قبره ..؟ يعتقد النصارى
    أن السيد المسيح قام من موته .. وأُؤمن أنا كمسلم بأن الجسد يُبلى فى القبر والروح تسكن البرزخ حتى يُنفخ فى الصور فأخرج من جدثي .. إذن كيف عاد أبى ..؟
    ولماذا ..؟! أراك ياأبى تلتفت حولك فى تعجب ..تغيًرت الدنيا كثيراً وبدت أكثر كآبة ..لا يغُرنًك تلك المناظر المبهجة التى تراها .. إنه خواء ياأبى .. خواء فى خواء ..
    لاهدف ..لاخُلق .. لا نُبل .. لاشهامة .. إفتقدنا تلك القيم ياأبى كما إفتقدتك .. ألمح نظرة إزدراء على وجهك وأنت تتابع شاباً يكاد بنطلونه يسقط من خاصره ..لا تغضب
    أيها الحبيب انها الموضة والتقليد الأعمى .. نظرت إلى الساعة فى معصمى ..الوقت يمر .. إلى متى سأظل جالساً أرقبه من بعيد وهو لايرانى وأظن لن يعرفنى ..؟
    إذن سأتقدم نحوه وأرتمى فى حضنه ألثم جسده بدموعى ثم أصحبه إلى المنزل .. سيعرفه أولادى ..أليست صورته فى إطارها الذهبي تزيًن جدار الصالون .. ! ترى
    هل ستتقبًله زوجتى ..؟ اللعنة .. ستجدها فرصة لإثارة المتاعب كعادتها ..لا يهم .. فلتبرح المنزل إلى غير رجعة ..
    نهضت من مكاني متجهاً صوبه ..اختلطت المشاهد أمامي بينما ومضات مصابيح الشارع تنعكس في لُجّة الأمواج الهادرة .

    نص مملوء بمشاعر فياضة لذكريات وردية تحنو على واقع أشبه بالفراغ
    مضمون رائع وموحي..
    تحية وتقدير استاذ ابراهيم عبد المعطي
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      رد: بعث

      الزميل القدير
      ابراهيم عبد المعطي
      نص شجي يحمل من الشجن الكثير
      أحسست بحرقة تسري في قلبي وانا أقرأ النص وتألمت معك لما آلت إليه الأحوال
      تشبع النص بالحنين لكل ماهو أصيل والعودة إليه
      جميل أن تحمل أرواحنا ذاك الحنين
      أشكرك
      تحياتي لك
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      يعمل...
      X