[frame="10 10"]

ما كنت أدري أن مجالسة الكبار سوف تجلب لي.. ما لا تحمد عقباه.
كنت أسعد عندما تجتمع العائلة..الأعمام والعمـّات وبعض الجيران والجارات.
شيءٌ ما كان يشدّني لعشق تلك الجلسات التي نسهر فيها على سطح منزلنا في ليالي صيفٍ صافيةٍ.. تتلألأ فيها النجوم.. ونور القمر كافٍ ليبعث في النفس مشاعر اطمئنانٍ وأمان.
كان بيتنا.. أقول كان لأنـّه اليوم في خبر كان..يقع قبالة البحر..ولا يفصِلـُنا عن الشاطئ أكثر من مائتي متر.. حيث كان باستطاعتنا سماعُ ضربات موجات البحر على حجارته في تلك الليالي الهادئة الساكنة.
لا بد أنكم تسألون عن كان.. لا أطيل عليكم.. فقد كان هذا البيت من بيوت مخيـّم نهر البارد الفلسطيني في لبنان الذي تم تدميره وتجريفه وردم البحر بحجارته في العام 2007.. وتلك قصة مأساةٍ أخرى لا مجال لسردها هنا.. ولا أريد أن أعكـّر صفو أوقاتكم.
مساحة مخيــّمنا لم تكن تزيدُ عن كيلو مترٍ مربّعٍ واحد.. وعدد سكـّانه يزيد عن الأربعين ألف نسمة.. وبيوته مكدّسةٌ بشكل غريب وطرقاته ضيــّقة.. فلو تقابل اثنان في طريق..وقف أحدهما للآخر كي يمر.
ورغم ذلك كانت لنا حياتنا.. فيها دفءٌ يفتقده الكثيرون من أصحاب الفلل والقصور ذوات الأشجار الوارفة الظلال
كنت في السادسة عشرة من عمري.. معتدًّا بنفسي.. إذا مشيت في طريقٍ أحاول شدَّ الأنظار نحوي بطيب عطري أو بثيابي.. أو تمشيطة شعري
أو مسبحة من عجم الزيتون أحملها.. أو سلسلة أفتلها يمنة ويسرة حول شاهدي بحركة جاذبة.
تلكَ أيام لا تعود فقد أكل الدّهرُ علينا وشرب كما يقولون.
المهم..على سطح المرحوم بيتنا.. اجتمعت العائلة كعادتها..
الأعمام والعمـّات.. وبعض الجيران والجارات.. للسهر والسمر كما في كل مساء.
تجذبني أحاديثهم ورواياتهم والقصص التي تروى عن أخبار أبو فلان أو أبو فلان.. وروايات النسوة عن فلانة وفلانة وأفتح أذني كي لا تفوتني أخبارهنّ..وأرتقب إن إحداهنّ أتت على ذكر اسم حبيبتي التي لم أجرؤ يومـًا على الحديث معها..رغم ظنـّي بنفسي الكثير..إنـّني ..وإنـّني.. وإنـّني.
فقد كنت كلما التقيتها في طريق.. وكثيرًا ما كنت أتعمـّد ذلك عازمـًا أن أحدّثها بمشاعري تجاهها.. فلم تسعفني شجاعتي.. سوى نظرات أسرقها.. فما أن تتجرأ هي وتبادلني تلك النظرات.. حتــّى أشيح برأسي وفي داخلي دماء تثور وضربات قلبٍ تتسارع.
وإني خشيت مرَّةً أن تتجرّأ هي لبدء الكلام معي..أو حتـّى السلام..فيُغشى عليَّ وأصبح حينها.. حديث الأصحاب ومحط سخريتهم.
كنت لا أعلم مشاعرها نحوي.. غير أن صوتـًا في داخلي كان دائمـًا يبعث في روحي الاطمئنان.. نعم إنها تحبك وإلا لماذا تلك النظرات.. إن في العيون لغة وكلامـًا ورسائل، ألا تفهم؟
كنت لا أنام دون أن أضع خطةً للاعتراف لها بحبي.. وشغفي لأن تكون زوجة المستقبل.. وقد باءت كل محاولاتي بالفشل..كان نتيجتها أن سافرت حبيبتي وتزوجت غيري.. وبقيت آكل في أصابعي ندمـًا جرّاء ضعفي وقلــّة حيلتي.
أعود بكم لسطح بيتنا.. وقد تنقـَّل الأهل والجيران من حديث لحديث.. وأذني تلتقط كل كلمة بحساسية عالية.. محاولاً أن أشحذ كل مهارتها في أن لا يفوتها ما يطفئ نار شغفي.. بأن أسمع ما يثلج صدري نحو حبيبتي. لكن دائرة المواضيع اتسعت لتشمل الحديث عن التدخين وأنواع السجائر وأسعاره.. وطعمها.. وعن اللذة التي تمنحها السيجارة للمدخنين بعد الطعام.. وعن الحاجة إليها في الصباح مع فنجان القهوة.. أو الحاجة إليها عند الأمر الجلل بعد مشكلة ما.. للتخفيف من العصبية.. فأول ما يفعله المدخّنون عقب كل مشكلة.. صَغـُرت أو كـَبُرت.. هو إشعال سيجارة
كنت أستمع باستهجانٍ واستغرابٍ لتلك الأحاديث التي لا طعم لها ولا رائحة سوى الدّخان.
قالت والدتي ليس صحيحــًا.. أنّ السجائر تخفف من عصبية الإنسان.. إذ أنها في يومٍ كانت فيه غاضبة من والدي رحمه الله.. لأمرٍ كان بينهما.. ولم تكن تدري ماذا تفعل للتخفيف من عصبيتها وغضبها.. فجاءت بعلبة سجائر فأشعلت السيجارة الأولى ونفثتها.. وأشعلت السيجارة الثانية من الأولى قبل أن تطفئ جمرها ونفثتها أيضًا.. وأشعلت الثالثة من الثانية.. والرابعة من الثالثة إلى السيجارة العاشرة دون أن تتوقف إلى أن انتبهت أنها لا تزال غاضبة.. وأن السجائر العشرة لم تخفف من غليان غضبها البتـّة..فألقت بعلبة السجائر بعيدًا وقالت.. لعن الله الدّخان والمدخـّنين إلى يوم الدّين. أجابها عمـّي رحمه الله..وما أدراك يا امرأة بِمتع التـّدخين..فالتـّدخين وجد للرّجال.. والرّجال فقط هم من لهم الحق بالإدلاء عن حسنات السيجارة ولذة طعمها.. وأردف قائلاً.. برأيي أن من لا يدخــّن ليس برجل.
لست أدري ما الذي أصابني عند سماعي لهذه العبارة.. وأنا الرجل الوحيد الذي لا يدخـّن بينهم.. لأني كنت أحس رغم أني في السادسة عشرة من عمري.. بأني رجلٌ بكل ما في الكلمة من معنى.
وثارت حميــّتي.. وانتفضت من مكاني.. وقفت غاضبـًا ونظرتُ نحو عمــّي شذرًا.. وخاطبته دون إدراكٍ لسرعة ردّي.. ما سوف ينتج عنه من عواقب وخيمة.
قلت.. لا بل المدخنون ليسوا رجالاً.. فسارع عمـّي بالإجابة غاضبــًّا قائلاً..ماذا تقول يا كلب؟
قلت مُصِرًّا على ما بدر مني.. لست بكلب.. نعم المدخنون ليسوا رجالاً.. لأنّ الرجل إرادة وموقف.. ومن تسلبه السيجارة إرادته ليس برجل.. مـَن مِنَ الرّجال هنا يستطيع أن يعاند السيجارة.. ويـُقـَطـِّع سجائره أمامنا.. ويُقلع إقلاعًا لا رجعة فيه.. في هذه اللحظة عن هذه العادة الكريهة؟
وأردفت قائلاً..القلـّة فقط من يفعلون ذلك ويعودون إلى قائمة الرّجال..وهنا فلتـُثبتوا رجولتكم.
ما كدت أنهي كلمتي..فإذا بصفعةٍ على وجهي سدّدها لي عمــّي.. ولعن أسّ تربيتي.. ووقف غاضبــًا ونظر إلى أبي وقال له.. رحمهما الله.. عندما تحسن تربية أولادك سوف أدخل بيتك..وتوجه نحو الباب مغادرًا قائلاً السلام عليكم.
صـُعقت من صفعة عمــّي.. ومن الموقف الذي تأجـّج دون سابق إنذار ودون أن يخطر على بال أحدٍ من الحضور.. أو حتى على بالي أنا.. أن موقفـًا كهذا ممكن أن يحصلَ ومعي بالتحديد..لأنني كنتُ أوصف بالهادئ والمتـّزن.. وكثيرًا ما كانوا يقولون عني أو أسمع أحدهم يلاطفني بالقول.. اسمٌ على مسمــّى.
فوجئَ الجميع وكأنَّ الطـّير نزلت على رؤوسهم..وساد صمتٌ للحظاتٍ.. قبل أن أسمع صوت والدي رحمه الله غاضبـًا يقول.. أُغرُب عن وجهي لا أريدُ أن أراك.. قبـّحك الله من ولد.
وأنا كنت لا أزال مأخوذًا بصعوبة الموقف الذي وضعت نفسي فيه.. فأتت كلماتُ والدي كرصاصةٍ خرقت صدري فترَغرغت أحداقي.. وذهبت مسرعـًا إلى غرفتي لأدفن رأسي تحت وسادتي، أذرف الدمع غزيرًا لقبحِ فعلي.
مضى اليوم التالي دون أن يكلمني والدي.. وأنا لم أعتد على ذلك.. وعلمت كم كان غاضبـًا من سلاطة لساني.. وسوءِ تربيتي..وقد أخبرتني شقيقتي أن والدي كان غاضبـًا أيضـًا من ردّة فعل عمــّي.
بقيت إلى المساء على هذا الحال..ونيرانٌ تأكل في جسدي وتؤجج حرارة دمي.. فلجأتُ إلى عمــّتي أرجوها أن تكلــّم والدي كي يصفح عنــّي.
تكللت جهود عمــّتي بالنجاح، وذهبت إلى والدي وقبــّلت يده معتذرًا..فطلب مني أن أذهب للاعتذار من عمي.
ذهبت برفقة عمــّتي وقدّمت اعتذاري له.. فقبل الأمر على مضض.
كانت تلك الحادثة تأريخـًا لما بعدها.. وحدًّا فاصلاً بين ماضٍ عشتُه ومستقبلٍ صُقلت فيه نفسي وبُنيت على أساسهِ شخصـيــّتي.
كان والدي رحمه الله يحبني كثيرًا.. فلم تترك تلك القصة أثرًا في نفسه تجاهي..لكن عمـّي بقي إلى أن توفـّي رحمه الله وهو لا يزال يحمل في قلبه شيئًا ما نحوي.[/frame]
ليلة صيفٍ دافئة
ما كنت أدري أن مجالسة الكبار سوف تجلب لي.. ما لا تحمد عقباه.
كنت أسعد عندما تجتمع العائلة..الأعمام والعمـّات وبعض الجيران والجارات.
شيءٌ ما كان يشدّني لعشق تلك الجلسات التي نسهر فيها على سطح منزلنا في ليالي صيفٍ صافيةٍ.. تتلألأ فيها النجوم.. ونور القمر كافٍ ليبعث في النفس مشاعر اطمئنانٍ وأمان.
كان بيتنا.. أقول كان لأنـّه اليوم في خبر كان..يقع قبالة البحر..ولا يفصِلـُنا عن الشاطئ أكثر من مائتي متر.. حيث كان باستطاعتنا سماعُ ضربات موجات البحر على حجارته في تلك الليالي الهادئة الساكنة.
لا بد أنكم تسألون عن كان.. لا أطيل عليكم.. فقد كان هذا البيت من بيوت مخيـّم نهر البارد الفلسطيني في لبنان الذي تم تدميره وتجريفه وردم البحر بحجارته في العام 2007.. وتلك قصة مأساةٍ أخرى لا مجال لسردها هنا.. ولا أريد أن أعكـّر صفو أوقاتكم.
مساحة مخيــّمنا لم تكن تزيدُ عن كيلو مترٍ مربّعٍ واحد.. وعدد سكـّانه يزيد عن الأربعين ألف نسمة.. وبيوته مكدّسةٌ بشكل غريب وطرقاته ضيــّقة.. فلو تقابل اثنان في طريق..وقف أحدهما للآخر كي يمر.
ورغم ذلك كانت لنا حياتنا.. فيها دفءٌ يفتقده الكثيرون من أصحاب الفلل والقصور ذوات الأشجار الوارفة الظلال
كنت في السادسة عشرة من عمري.. معتدًّا بنفسي.. إذا مشيت في طريقٍ أحاول شدَّ الأنظار نحوي بطيب عطري أو بثيابي.. أو تمشيطة شعري
أو مسبحة من عجم الزيتون أحملها.. أو سلسلة أفتلها يمنة ويسرة حول شاهدي بحركة جاذبة.
تلكَ أيام لا تعود فقد أكل الدّهرُ علينا وشرب كما يقولون.
المهم..على سطح المرحوم بيتنا.. اجتمعت العائلة كعادتها..
الأعمام والعمـّات.. وبعض الجيران والجارات.. للسهر والسمر كما في كل مساء.
تجذبني أحاديثهم ورواياتهم والقصص التي تروى عن أخبار أبو فلان أو أبو فلان.. وروايات النسوة عن فلانة وفلانة وأفتح أذني كي لا تفوتني أخبارهنّ..وأرتقب إن إحداهنّ أتت على ذكر اسم حبيبتي التي لم أجرؤ يومـًا على الحديث معها..رغم ظنـّي بنفسي الكثير..إنـّني ..وإنـّني.. وإنـّني.
فقد كنت كلما التقيتها في طريق.. وكثيرًا ما كنت أتعمـّد ذلك عازمـًا أن أحدّثها بمشاعري تجاهها.. فلم تسعفني شجاعتي.. سوى نظرات أسرقها.. فما أن تتجرأ هي وتبادلني تلك النظرات.. حتــّى أشيح برأسي وفي داخلي دماء تثور وضربات قلبٍ تتسارع.
وإني خشيت مرَّةً أن تتجرّأ هي لبدء الكلام معي..أو حتـّى السلام..فيُغشى عليَّ وأصبح حينها.. حديث الأصحاب ومحط سخريتهم.
كنت لا أعلم مشاعرها نحوي.. غير أن صوتـًا في داخلي كان دائمـًا يبعث في روحي الاطمئنان.. نعم إنها تحبك وإلا لماذا تلك النظرات.. إن في العيون لغة وكلامـًا ورسائل، ألا تفهم؟
كنت لا أنام دون أن أضع خطةً للاعتراف لها بحبي.. وشغفي لأن تكون زوجة المستقبل.. وقد باءت كل محاولاتي بالفشل..كان نتيجتها أن سافرت حبيبتي وتزوجت غيري.. وبقيت آكل في أصابعي ندمـًا جرّاء ضعفي وقلــّة حيلتي.
أعود بكم لسطح بيتنا.. وقد تنقـَّل الأهل والجيران من حديث لحديث.. وأذني تلتقط كل كلمة بحساسية عالية.. محاولاً أن أشحذ كل مهارتها في أن لا يفوتها ما يطفئ نار شغفي.. بأن أسمع ما يثلج صدري نحو حبيبتي. لكن دائرة المواضيع اتسعت لتشمل الحديث عن التدخين وأنواع السجائر وأسعاره.. وطعمها.. وعن اللذة التي تمنحها السيجارة للمدخنين بعد الطعام.. وعن الحاجة إليها في الصباح مع فنجان القهوة.. أو الحاجة إليها عند الأمر الجلل بعد مشكلة ما.. للتخفيف من العصبية.. فأول ما يفعله المدخّنون عقب كل مشكلة.. صَغـُرت أو كـَبُرت.. هو إشعال سيجارة
كنت أستمع باستهجانٍ واستغرابٍ لتلك الأحاديث التي لا طعم لها ولا رائحة سوى الدّخان.
قالت والدتي ليس صحيحــًا.. أنّ السجائر تخفف من عصبية الإنسان.. إذ أنها في يومٍ كانت فيه غاضبة من والدي رحمه الله.. لأمرٍ كان بينهما.. ولم تكن تدري ماذا تفعل للتخفيف من عصبيتها وغضبها.. فجاءت بعلبة سجائر فأشعلت السيجارة الأولى ونفثتها.. وأشعلت السيجارة الثانية من الأولى قبل أن تطفئ جمرها ونفثتها أيضًا.. وأشعلت الثالثة من الثانية.. والرابعة من الثالثة إلى السيجارة العاشرة دون أن تتوقف إلى أن انتبهت أنها لا تزال غاضبة.. وأن السجائر العشرة لم تخفف من غليان غضبها البتـّة..فألقت بعلبة السجائر بعيدًا وقالت.. لعن الله الدّخان والمدخـّنين إلى يوم الدّين. أجابها عمـّي رحمه الله..وما أدراك يا امرأة بِمتع التـّدخين..فالتـّدخين وجد للرّجال.. والرّجال فقط هم من لهم الحق بالإدلاء عن حسنات السيجارة ولذة طعمها.. وأردف قائلاً.. برأيي أن من لا يدخــّن ليس برجل.
لست أدري ما الذي أصابني عند سماعي لهذه العبارة.. وأنا الرجل الوحيد الذي لا يدخـّن بينهم.. لأني كنت أحس رغم أني في السادسة عشرة من عمري.. بأني رجلٌ بكل ما في الكلمة من معنى.
وثارت حميــّتي.. وانتفضت من مكاني.. وقفت غاضبـًا ونظرتُ نحو عمــّي شذرًا.. وخاطبته دون إدراكٍ لسرعة ردّي.. ما سوف ينتج عنه من عواقب وخيمة.
قلت.. لا بل المدخنون ليسوا رجالاً.. فسارع عمـّي بالإجابة غاضبــًّا قائلاً..ماذا تقول يا كلب؟
قلت مُصِرًّا على ما بدر مني.. لست بكلب.. نعم المدخنون ليسوا رجالاً.. لأنّ الرجل إرادة وموقف.. ومن تسلبه السيجارة إرادته ليس برجل.. مـَن مِنَ الرّجال هنا يستطيع أن يعاند السيجارة.. ويـُقـَطـِّع سجائره أمامنا.. ويُقلع إقلاعًا لا رجعة فيه.. في هذه اللحظة عن هذه العادة الكريهة؟
وأردفت قائلاً..القلـّة فقط من يفعلون ذلك ويعودون إلى قائمة الرّجال..وهنا فلتـُثبتوا رجولتكم.
ما كدت أنهي كلمتي..فإذا بصفعةٍ على وجهي سدّدها لي عمــّي.. ولعن أسّ تربيتي.. ووقف غاضبــًا ونظر إلى أبي وقال له.. رحمهما الله.. عندما تحسن تربية أولادك سوف أدخل بيتك..وتوجه نحو الباب مغادرًا قائلاً السلام عليكم.
صـُعقت من صفعة عمــّي.. ومن الموقف الذي تأجـّج دون سابق إنذار ودون أن يخطر على بال أحدٍ من الحضور.. أو حتى على بالي أنا.. أن موقفـًا كهذا ممكن أن يحصلَ ومعي بالتحديد..لأنني كنتُ أوصف بالهادئ والمتـّزن.. وكثيرًا ما كانوا يقولون عني أو أسمع أحدهم يلاطفني بالقول.. اسمٌ على مسمــّى.
فوجئَ الجميع وكأنَّ الطـّير نزلت على رؤوسهم..وساد صمتٌ للحظاتٍ.. قبل أن أسمع صوت والدي رحمه الله غاضبـًا يقول.. أُغرُب عن وجهي لا أريدُ أن أراك.. قبـّحك الله من ولد.
وأنا كنت لا أزال مأخوذًا بصعوبة الموقف الذي وضعت نفسي فيه.. فأتت كلماتُ والدي كرصاصةٍ خرقت صدري فترَغرغت أحداقي.. وذهبت مسرعـًا إلى غرفتي لأدفن رأسي تحت وسادتي، أذرف الدمع غزيرًا لقبحِ فعلي.
مضى اليوم التالي دون أن يكلمني والدي.. وأنا لم أعتد على ذلك.. وعلمت كم كان غاضبـًا من سلاطة لساني.. وسوءِ تربيتي..وقد أخبرتني شقيقتي أن والدي كان غاضبـًا أيضـًا من ردّة فعل عمــّي.
بقيت إلى المساء على هذا الحال..ونيرانٌ تأكل في جسدي وتؤجج حرارة دمي.. فلجأتُ إلى عمــّتي أرجوها أن تكلــّم والدي كي يصفح عنــّي.
تكللت جهود عمــّتي بالنجاح، وذهبت إلى والدي وقبــّلت يده معتذرًا..فطلب مني أن أذهب للاعتذار من عمي.
ذهبت برفقة عمــّتي وقدّمت اعتذاري له.. فقبل الأمر على مضض.
كانت تلك الحادثة تأريخـًا لما بعدها.. وحدًّا فاصلاً بين ماضٍ عشتُه ومستقبلٍ صُقلت فيه نفسي وبُنيت على أساسهِ شخصـيــّتي.
كان والدي رحمه الله يحبني كثيرًا.. فلم تترك تلك القصة أثرًا في نفسه تجاهي..لكن عمـّي بقي إلى أن توفـّي رحمه الله وهو لا يزال يحمل في قلبه شيئًا ما نحوي.
تعليق