السلخ
و أخيرا استطعت الظفر بموعد مع المسؤول عن قسم التوظيفات...
طرقت الباب و فتحته دون أن أقف منتظرا سماع الإذن بالدخول...
تقدمت منه بخطْوات حاولت أن تكون ثابتة، غير أني فشلت في ذلك ، في الوقت الذي أفلحت في وضع ابتسامة باهتة على شفتي...
أشار إلى كرسي أمامه...
و قبل أن أجلس، انحنيت نصف انحناءة، واضعا أمامه على السطح الزجاجي للمكتب مغلفا أخضر يضم بين دفتيه مجموعة من الوثائق تتحدث بالنيابة عني...
فتح المغلف، تصفح الأوراق بأصابع بيضاء غليظة مشعرة مدربة، ثم أغلقه ضاربا عليه بكفه...
زم على شفتيه، و من خلف نظارتيه الطبيتين، حدجني بنظرات لا تحمل معنى...
بل لها معنى لكني أجهله...
و مبتسما، خاطبني قائلا:
ـ هل أنت محظوظ؟
أغرقني السؤال أكثر في صمتي.... كنت طوال الوقت صامتا...
و لم يكن الصمت خوفا منه و لا حكمة و إنما اقتناعا من عدم جدوى الكلام...
شل السؤال لساني تماما، فلم أدر جوابا...
ما يقصد من ورائه !؟ ...
كرر السؤال لكن بصيغة أخرى:
ـ هل ترى نفسك من أصحاب الحظ؟...
و كيف أعرف !..
أغلب المحظوظين في هذه الدنيا هم ممن لا يحتاجون للحظ..
ما أراني عليه يمنحني و بامتياز صفة المقرود..
لقب زعيم المقرودين و بلا منازع...
أنا سيء الحظ...
و ما أحوجني لقليل من التوفيق...
ردان حضرا في خاطري..
الأول: و هل كنت تراني هنا ، أمامك الآن، يا بني آدم، لو كنت من أصحاب الحظ؟...
الثاني: أعتقد أني كذلك...
الرد الأول، احتفظت به لنفسي..
و أما الثاني فكان ردا مخاتلا، الهدف منه مسايرة أفكاره في مناورة لكسب ثقته...
المؤسسات، كل المؤسسات،تسعى إلى النجاح و تتمنى جادة أن يكون موظفوها ممن يحالفهم الحظ و التوفيق في كل ما يقدمون عليه من أعمال...
قلت:
ـ أعتقد أني من أولئك المحظوظين..
فأسرع إلى القول:
ـ هذا لا يكفي،...
لابد من أن أتأكد من ذلك عمليا، أعني بالواضح والملموس و عاجلا...
صمت لحظة، رشقني بنظرة فاحصة، ثم أردف:
ـ هل معك نقود؟..
ـ عفوا ! ...
ـ دريهمات؟...
ـ معي..
ـ اذهب إذن إلى أقرب محل واشتر بطاقة حظ " اكشط و اربح" و عد سريعا إلى هنا، ستجدني في انتظارك...
و أوضح:
ـ انتبه،يجب أن تكون من النوع الذي يحك..
استغربت طلبه، وأمام الضعف الإنساني الذي استحوذ على عقلي و كياني في تلك اللحظة، لم أجد من حل سوى أن أخضع لأمره ...
أسرعت إلى أقرب محل لبيع السجائر و أنواع العلك و أقراص الحلوى و الشوكلاطة و الطوابع البريدية و طبعا بطاقات الحظ من النوع الذي يحك و التي غير ما مرة، رأيت الناس يتهافتون على شرائه ادون أن أعيرها اهتماما يذكر، بل كنت أستهجنها..
عدت أركض...
عرق غزير يسيل من جبهتي و إبطي..
خشيت أن يتحول العرق إلى رائحة كريهة... شممت تحت إبطي، كانت الرائحة لا تزال في بداية تكونها، و خمنت أن اللقاء، على كل حال، لن يدوم طويلا.. وأن الرائحة لن تعلن عن نفسها بكل جرأة و وقاحة إلا حين أكون في الشارع، و في الفضاء الواسع....
و دون أن أطرق الباب، دفعته و دخلت...
وضعت أمامه بطاقة صغيرة مزركشة بخطوط و رسوم و ألوان مرجانية و أنا أجلس. لاحظت أنه يتحاشى النظر إليها،كما لو أنه يخشى منها أذى يصيبه.. أو يخشى أذى يصيبها منه...
و هو يمد إلي قطعة نقدية فضية، أمرني أن أحك الشريط الرمادي الذي يتوسطها...
لم أستغرب طلبه،والبطاقة لا بد لها من حاك...
كان يراقبني و أنا أحك...
و خطر على بالي خاطرخطير..
ألاَ تكون طريقتي في حك البطاقة، اختبارا آخر لمعرفة مدى ما أتمتع به من كفاءات و مهارات؟..
ألا يكون عاملا من عوامل نجاحي أو فشلي..
و دون أن أشغل نفسي كثيرا بمعرفة الجواب، شرعت في الحك... و بإتقان...
سلكت منهجا في ذلك، لاهو بحك شديد و لا هو بحك خفيف...
بين بين...
يقتضي أن أبدأ أولا بالزوايا، يلي ذلك الحك من فوق تارة و من تحت تارة أخرى، راسما في ما قبل الحكة الأخيرة ما يشبه شريطا دقيقا مستطيلا...
وبحكة واحدة خفيفة، مضبوطة و رشيقة أزلت الطبقة الرمادية فبدت الأرقام...
و لست أدري كيف تملكتني لحظتها، رغبة شديدة في أن أحك جلدة رأسي...
و سرعان ما اجتاحتني رغبة لاذعة حارقة في حك كامل جسدي...
شيء ما يأكلني...
أحسست أني أتعرض لجريمة افتراس...
كما لو أن جحافل نمل تغزوني من الرأس و إلى أخمص القدمين، تقرصني قرصا...
لم أهتم لأمر الأرقام التي بدت جلية..
كانت الرغبة الشرسة في الحك تلهيني عن التفكير حتى في ما سيؤول إليه اللقاء من نتائج..
أما هو، فما أن رأى الأرقام، حتى اتسعت حدقتا عينيه،احمر وجهه و اصفر، فغر فاهه و هو ينظر إلى البطاقة أمامه...
بلع ريقه في صعوبة تفضح ما أحدثته الأرقام في داخله، وسرعان ما دارى اندهاشه بمسحة من الهدوء و الاتزان المفتعلين، أما أنا فكنت في تلك الأثناء أقاوم...
وجدت متعة و راحة في الحك...
و بخفة تنم عن تجربة و حنكة، وضع البطاقة في درج من مكتبه، و خاطبني معلقا:
ـ محظوظ، محظوظ... يعني... سننظر في ملفك خلال اجتماع هذا المساء...
ومد يده إلي مودعا، فمددت إليه يدا، بينما اليد الأخرى كانت منشغلة بالحك..
ضغطت أصابعه الغليظة على أصابعي بقوة...
كانت الضغطة موجعة، لكن ألم الافتراس الذي أتعرض إليه كان أوجع..
خرجت...
في الشارع، سرت على الرصيف بدماغ يملأه البياض دون أن أتوقف عن الحك...
و كالتماعة برق، و في غفلة من الوعي الذي يشدني إلى الواقع، بدا لي أن هذا الحك الذي بلغت حدته الذروة، سلخ عن جسمي طبقة الجلد الرفيعة لتحل محلها أرقام...
طرقت الباب و فتحته دون أن أقف منتظرا سماع الإذن بالدخول...
تقدمت منه بخطْوات حاولت أن تكون ثابتة، غير أني فشلت في ذلك ، في الوقت الذي أفلحت في وضع ابتسامة باهتة على شفتي...
أشار إلى كرسي أمامه...
و قبل أن أجلس، انحنيت نصف انحناءة، واضعا أمامه على السطح الزجاجي للمكتب مغلفا أخضر يضم بين دفتيه مجموعة من الوثائق تتحدث بالنيابة عني...
فتح المغلف، تصفح الأوراق بأصابع بيضاء غليظة مشعرة مدربة، ثم أغلقه ضاربا عليه بكفه...
زم على شفتيه، و من خلف نظارتيه الطبيتين، حدجني بنظرات لا تحمل معنى...
بل لها معنى لكني أجهله...
و مبتسما، خاطبني قائلا:
ـ هل أنت محظوظ؟
أغرقني السؤال أكثر في صمتي.... كنت طوال الوقت صامتا...
و لم يكن الصمت خوفا منه و لا حكمة و إنما اقتناعا من عدم جدوى الكلام...
شل السؤال لساني تماما، فلم أدر جوابا...
ما يقصد من ورائه !؟ ...
كرر السؤال لكن بصيغة أخرى:
ـ هل ترى نفسك من أصحاب الحظ؟...
و كيف أعرف !..
أغلب المحظوظين في هذه الدنيا هم ممن لا يحتاجون للحظ..
ما أراني عليه يمنحني و بامتياز صفة المقرود..
لقب زعيم المقرودين و بلا منازع...
أنا سيء الحظ...
و ما أحوجني لقليل من التوفيق...
ردان حضرا في خاطري..
الأول: و هل كنت تراني هنا ، أمامك الآن، يا بني آدم، لو كنت من أصحاب الحظ؟...
الثاني: أعتقد أني كذلك...
الرد الأول، احتفظت به لنفسي..
و أما الثاني فكان ردا مخاتلا، الهدف منه مسايرة أفكاره في مناورة لكسب ثقته...
المؤسسات، كل المؤسسات،تسعى إلى النجاح و تتمنى جادة أن يكون موظفوها ممن يحالفهم الحظ و التوفيق في كل ما يقدمون عليه من أعمال...
قلت:
ـ أعتقد أني من أولئك المحظوظين..
فأسرع إلى القول:
ـ هذا لا يكفي،...
لابد من أن أتأكد من ذلك عمليا، أعني بالواضح والملموس و عاجلا...
صمت لحظة، رشقني بنظرة فاحصة، ثم أردف:
ـ هل معك نقود؟..
ـ عفوا ! ...
ـ دريهمات؟...
ـ معي..
ـ اذهب إذن إلى أقرب محل واشتر بطاقة حظ " اكشط و اربح" و عد سريعا إلى هنا، ستجدني في انتظارك...
و أوضح:
ـ انتبه،يجب أن تكون من النوع الذي يحك..
استغربت طلبه، وأمام الضعف الإنساني الذي استحوذ على عقلي و كياني في تلك اللحظة، لم أجد من حل سوى أن أخضع لأمره ...
أسرعت إلى أقرب محل لبيع السجائر و أنواع العلك و أقراص الحلوى و الشوكلاطة و الطوابع البريدية و طبعا بطاقات الحظ من النوع الذي يحك و التي غير ما مرة، رأيت الناس يتهافتون على شرائه ادون أن أعيرها اهتماما يذكر، بل كنت أستهجنها..
عدت أركض...
عرق غزير يسيل من جبهتي و إبطي..
خشيت أن يتحول العرق إلى رائحة كريهة... شممت تحت إبطي، كانت الرائحة لا تزال في بداية تكونها، و خمنت أن اللقاء، على كل حال، لن يدوم طويلا.. وأن الرائحة لن تعلن عن نفسها بكل جرأة و وقاحة إلا حين أكون في الشارع، و في الفضاء الواسع....
و دون أن أطرق الباب، دفعته و دخلت...
وضعت أمامه بطاقة صغيرة مزركشة بخطوط و رسوم و ألوان مرجانية و أنا أجلس. لاحظت أنه يتحاشى النظر إليها،كما لو أنه يخشى منها أذى يصيبه.. أو يخشى أذى يصيبها منه...
و هو يمد إلي قطعة نقدية فضية، أمرني أن أحك الشريط الرمادي الذي يتوسطها...
لم أستغرب طلبه،والبطاقة لا بد لها من حاك...
كان يراقبني و أنا أحك...
و خطر على بالي خاطرخطير..
ألاَ تكون طريقتي في حك البطاقة، اختبارا آخر لمعرفة مدى ما أتمتع به من كفاءات و مهارات؟..
ألا يكون عاملا من عوامل نجاحي أو فشلي..
و دون أن أشغل نفسي كثيرا بمعرفة الجواب، شرعت في الحك... و بإتقان...
سلكت منهجا في ذلك، لاهو بحك شديد و لا هو بحك خفيف...
بين بين...
يقتضي أن أبدأ أولا بالزوايا، يلي ذلك الحك من فوق تارة و من تحت تارة أخرى، راسما في ما قبل الحكة الأخيرة ما يشبه شريطا دقيقا مستطيلا...
وبحكة واحدة خفيفة، مضبوطة و رشيقة أزلت الطبقة الرمادية فبدت الأرقام...
و لست أدري كيف تملكتني لحظتها، رغبة شديدة في أن أحك جلدة رأسي...
و سرعان ما اجتاحتني رغبة لاذعة حارقة في حك كامل جسدي...
شيء ما يأكلني...
أحسست أني أتعرض لجريمة افتراس...
كما لو أن جحافل نمل تغزوني من الرأس و إلى أخمص القدمين، تقرصني قرصا...
لم أهتم لأمر الأرقام التي بدت جلية..
كانت الرغبة الشرسة في الحك تلهيني عن التفكير حتى في ما سيؤول إليه اللقاء من نتائج..
أما هو، فما أن رأى الأرقام، حتى اتسعت حدقتا عينيه،احمر وجهه و اصفر، فغر فاهه و هو ينظر إلى البطاقة أمامه...
بلع ريقه في صعوبة تفضح ما أحدثته الأرقام في داخله، وسرعان ما دارى اندهاشه بمسحة من الهدوء و الاتزان المفتعلين، أما أنا فكنت في تلك الأثناء أقاوم...
وجدت متعة و راحة في الحك...
و بخفة تنم عن تجربة و حنكة، وضع البطاقة في درج من مكتبه، و خاطبني معلقا:
ـ محظوظ، محظوظ... يعني... سننظر في ملفك خلال اجتماع هذا المساء...
ومد يده إلي مودعا، فمددت إليه يدا، بينما اليد الأخرى كانت منشغلة بالحك..
ضغطت أصابعه الغليظة على أصابعي بقوة...
كانت الضغطة موجعة، لكن ألم الافتراس الذي أتعرض إليه كان أوجع..
خرجت...
في الشارع، سرت على الرصيف بدماغ يملأه البياض دون أن أتوقف عن الحك...
و كالتماعة برق، و في غفلة من الوعي الذي يشدني إلى الواقع، بدا لي أن هذا الحك الذي بلغت حدته الذروة، سلخ عن جسمي طبقة الجلد الرفيعة لتحل محلها أرقام...
تعليق