ملحمة جلجامش أقدم أدب عرفه العالم القديم ـــ د.كارين صادر
تحمل هذه الملحمة حيرة البشر منذ آلاف السنين في أسرار هذا الكون، وحباً كبيراً للحياة وخوفاً أكبر من الموت، ورغبة جارفة في تجاوز الفناء نحو الخلود. وكأنها دوّنت لتنقل للأجيال التي ستأتي يقيناً مطلقاً بأن مصير كل حيّ هو الموت مهما كانت صفته وقوته، وحتى لو كان يملك التحكم بمصيره وبمصير من يملكهم على الأرض شأن الملك القهّار "جلجامش" الذي صرع كل أقوياء هذه الأرض، والذي ثلثاه إله وثلثه بشر، غير أن مصيره بقي مصير مملوكيه وهو الموت، لأنه ورث عن والده شيئاً بشرياً ولو كان ناقصاً. وليس أمام الإنسان إلاَّ أن يخلد بأعماله الصالحة.
فما هو الفن الملحمي؟ وما هي ملحمة جلجامش تحديداً؟ ومن هو جلجامش هذا؟ وما هي مكانة هذه الملحمة تاريخياً وأدبياً؟ أسئلة سيجيب عنها هذا البحث.
تعريف الفن الملحمي:
هو فن أدبي قديم يعنى بالبطولات المعجزة ويعبر عن تصوّر الأمة الفكري وقوميتها ومثلها. إنه نشيد أحادي الصوت مرتبط بهيمنة الأرستقراطية، يبني عالمها في مناخ أسطوري راسخ في القدم مرتبط بالخرافات، بعيد عن الزمن المعاش.
وعادة يكون للملحمة عالمها الخاص وهو عالم الأولين، ويكون الماضي البطولي هو موضوعها. وقد أفرزها العصر الكلاسيكي القديم وعصر القرون الوسطى.
وكان زمن ازدهار الملحمة في عهود الشعوب الفطرية حين كان الناس يخلطون بين الخيال والحقيقة، والحكاية والتاريخ. وفيها يتجاوز الحوار مع الوصف وصور الشخصيات والخطب.
قوامها الشعر الغنائي أو الإنشادي دون أن يخلو الأمر من الصياغة اللغوية الروائية، فالملحمة قصة شعرية طويلة ذات اهتمامات بطولية، وتكون الملحمة مدوّنة أو شفهية أو الاثنين معاً.
وقد استخدم معظم شعوب العالم القديم الملاحم الشعرية لحفظ تاريخها وموروثاتها من جيل إلى جيل تنشد وتغني دون الحاجة إلى الكتابة في مجتمعات كانت تغلب عليها الأمية.
ملحمة جلجامش:
إن ملحمة جلجاش هي ملحمة انحدرت إلى البابليين من السومريين فأضافوا إليها فصولاً وأعادوا بناءها حتى غدت أقدم ملحمة عرفها العالم القديم قاطبة، وظلت معروفة ومتواترة على طول التاريخ الكلاسيكي.
إنها نص شعري طويل مكتوب بالأكادية البابلية، موزّع على اثني عشر لوحاً فخارياً تروي حياة وأعمال الملك جلجامش ملك "أوروك" بطريقة يمتزج فيها التاريخ بالأسطورة. وقد وجدت الألواح في مكتبة الملك "آشور بانيبال" بالعاصمة "نينوى". ويدعى هذا النص بالنص الأساس لأنه الشكل الأدبي الأخير الذي اتخذته الملحمة بعد فترة طويلة من التطور والتغير دامت ألف عام.
جلجامش بطل الملحمة:
هو الملك السومري الذي تأرجح ما بين الواقع والأسطورة. كان في تاريخ أدب وادي الرافدين من أشهر القصص والملاحم، وأعماله أضحت مادة لملاحم وقصص سومرية وبابلية عديدة.
وحقيقة جلجامش التاريخية، فهي أن اسمه قد ورد في إثبات الملوك السومريين من سلالة مدينة "أوروك" الأولى؛ وهي السلالة الثانية التي حكمت بعد الطوفان. وكانت سلالة "كيش" هي الأولى، ويأتي ترتيبه في الحكم خامس ملك من ملوكها ودام حكمه 126 عاماً، وهو باني سور مدينة أوروك العظيم.
وتحكي لنا المصادر القديم أن أمه كانت الإلهة "ننسون"، وأن أباه كان الكاهن "كلاب".
ويبدو من مجموع الأدلة الكتابية والأثرية أنه كان أحد حكّام دول المدن السومرية في العصر المسمى "عصر السلالات" (2800 ــ 24 ــ ق.م).
وقد حكم الأوروك، ونسبت إليه أعمال البطولة المختلفة في القصص والأساطير السومرية.
وغدا بعد موته أحد الأسلاف المؤلّهين الذين تنتشر عبادتهم ضمن النطاق الشعبي بعد موتهم بسبب الأعمال الجليلة التي قاموا بها في حياتهم، والنفع العام الذي جلبوه لجماعتهم.
وتوجد نصوص طقسية من مدينة "لجش" السومرية ترجع إلى القرن الرابع والعشرين تشير إلى قرابين كانت تقرّب إلى جلجامش بصفته شخصية إلهية. وبعدها اتخذ دور القاضي في العالم الأسفل واستمر في دوره حتى أواخر الألف الأول، على ما تدلّ عليه النصوص الطقسية التي تعود إلى تلك الحقبة.
وهناك شواهد كتابية تشير إلى أن دورة ألعاب رياضية كانت تقام على شرف جلجامش في شهر آب من كل عام يتبارى خلالها الشباب في المصارعة وألعاب القوى الأخرى.
معنى اسم جلجامش:
لسنا نعلم معنى اسمه بشكل قطعي جازم، ولكن بعض المصادر والنصوص الأكادية أوردت ترجمة له باللغة الأكادية فجاء معناه: "البطل الذي في المقدمة" كما أفادت مصادر أخرى بأن أصل الاسم سومري يكتب بجلامس أو بلجاموس، ومعناه: "العجوز الذي لا يزال شاباً" وأيضاً: "الرجل الذي سينبت شجرة جديدة". وهو في فن النحت البطل الذي يصارع الحيوانات المفترسة. وهذا الاسم ورد أيضاً ضمن الأسماء الأسطورية للآلهة السومرية.
وبما أن الملحمة الأكادية لا تحتوي اسماً سومرياً مركباً سابقاً لشكله المعتمد في الملحمة، يكون الاسم في هذه الحال إبداعاً بابلياً محضاً. إذ لا يوجد في اللغة السومرية ملحمة متكاملة عن جلجامش، بل نصوص متفرقة تدور في فلك الموضوع، وتحوّلت هذه النصوص المتفرقة إلى ملحمة شعرية كاملة ومنسجمة.
وقد ورد اسمه في نسخ الملحمة المختلفة بأشكال عدة نوردها كما يأتي:
ــ بالسومرية: Gish-Bil-Ga-Mesh
ــ وبالبابلية: II Gish
ــ وبالحثية: Gish -Gim-Mash
ــ الآرامية: جميموس ــ جلجموس
ــ ولدى الرومان: Gilymos
مكان أحداث ملحمة جلجامش وزمانها:
تبدأ أحداث هذه الملحمة وتنتهي في مدينة أوروك، وهي مدينة سومرية كانت موجودة فعلاً، بل هي حسب ما أسفرت عنه أبحاث المؤرخين وعلماء الآثار أول مدينة حقيقية في التاريخ والنموذج الأسبق لكل المدن التي قامت بعدها. وقد بلغت مرحلة المدنية الحقيقية قبل غيرها من المراكز الحضرية في وادي الرافدين الجنوبي، ووصل عدد سكانها إلى 50 ألف نسمة. وكان يحميها سور عظيم بني عام 2600 ق.م، ويحيط بمساحة تقدر بأربعمائة هكتار.
مضمون الملحمة:
تحكي لنا هذه الملحمة أن جلجامش بطلها كان ابناً للإلهة "ننسون" حملت به من ملك أوروك المدعو "لوجلبندا" فجاء ثلثه إنساناً وثلثاه إله، متفوقاً على جميع الرجال بخصائصه الجسمية والعقلية.
ومما ورد في الملحمة في وصف مآثره وحكمته وتجاربه في الحياة:
"هو الذي رأى كل شيء فغنّي بذكره يا بلادي
وهو الذي عرف جميع الأشياء وأفاد من عبرها
وهو الحكيم العارف بكل شيء
لقد أبصر الأسرار وعرف الخفايا المكتومة
وجاء بأنباء أزمان ما قبل الطوفان
لقد سلك طرقاً قاصية في أسفاره
حتى حلّ به التعب
فنقش في نصب من الحجر كل ما عاناه وخبره
بنى أسوار أوروك وحرم "أي ــ أنا" المقدس والمستودع الطاهر
فانظر إلى سوره الخارجي تجد شرفاته تتألق كالنحاس"...
حكم في مقتبل العمر فطغى؛ جار على أهلها حتى ضاقت بهم السبل، فحملوا شكواهم إلى مجمع الآلهة يطلبون العود على ردّ مليكهم إلى جادة الصواب.
ومما جاء في الملحمة في وصف جلجامش وقوته وتسلطه على شعبه:
"وبعد أن خلق جلجامش، وأحسن الإله العظيم خلقه
حباه "شمس" السماوي بالحسن وخصّه "أدد" بالبطولة
وجعل الآلهة العظام صورة جلجامش كاملة تامة
كان طوله أحد عشر ذراعاً وعرض صدره تسعة أشبار
ثلثان منه إله وثلثه الآخر بشر
وهيئة جسمه لا نظير لها
وفتك سلاحه لا يصدّه شيء
لم يترك جلجامش، هو راعي أوروك، السور والحمى
هو راعينا القوي كامل الجمال والحكمة...
لم يترك جلجامش عذراء طليقة لحبيبها
ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل"
ولهذا ارتأى الآلهة خلق ندّ له يعادله قوة وجبروتاً ليدخل الاثنان في تنافس دائم يلهي جلجامش عن رعيته؛ فكان "أنكيدو" الذي نشأ في البراري بين الغزلان كواحد منهم. ولما علم جلجامش بأمره استقدمه إليه بحيلة، ودخل الاثنان في صراع اهتزت له جدران المعبد وكانت الغلبة فيه لجلجامش الذي أحب في أنكيدو قوته وشجاعته فتصادقا.
وعقب هذا اللقاء غيّر جلجامش من سلوكه القاسي في الحكم، وراح يتأمل في مسألة الحياة والموت، ويبحث عن عمل يخلده بعد مماته، وأطلع صديقه على نيته في الوصول إلى غابة الأرز في أقصى الغرب وقتل حارسها المريع. ويمضي الاثنان في طريقهما نحو الغابة، وبعد رحلة مليئة بالمخاطر والأهوال ومعركة حامية مع "خمبابا" الحارس الجبار تمكنا من قطع رأسه بمعونة الإله "شمس". وعاد البطلان إلى أوروك منتصرين.
وحدث أن وقعت عشتار بحب جلجامش وعرضت عليه الزواج فرفض بسبب خياناتها المتكررة لعشاقها وأزواجها، فثارت ثائرتها بسبب إهانته لها، وطلبت من كبير الآلة "آنو" أن يسلمها قياد ثور السماء لتقتله به، ففعل، فأطلقته في المدينة يعيث فساداً فيها، ويهلك المئات من أهلها. لكن جلجامش وأنكيدو تصديا له وقتلاه بعد صراع مرير.
وبعد هذا الحدث الجلل قرر الآلهة أن يموت أحد البطلين عقوبة لهما على قتل خمبابا وثور السماء، ووقع الخيار على أنكيدو فمرض ومات، وبكاه جلجامش كثيراً، ورفض أن يدفنه حتى بدأ الدود يتساقط من أنفه. وهكذا أفاق على الحقيقة المرة، وأقام له طقوس حداد لائقة وراح يهيم في البراري باحثاً عن حقيقة الحياة والموت وعن السبيل إلى الخلود.
وما قاله في الملحمة بعد موت صديقه:
"إذا ما مت أفلا يكون مصيري مثل أنكيدو
لقد حلّ الحزن والأسى بروحي
خفت من الموت، وها أنا أهيم في القفار والصحارى"
وبعد أحداث ومغامرات قاسية يصل إلى جده المُخلّد يسأله أن يطلعه على سر الخلود لأنه لا يريد أن يموت ويأكله الدود كما حصل لصديقه أنكيدو.
ومما ورد فيها عن سر الحياة والموت الذي كان يشغل بال الإنسان منذ آلاف السنين وحتى اليوم:
"وقصد جبل ماشو عابراً البحار الشاقة
فسأله الرجل العقرب: أبنْ لي القصد من المجيء إليّ
فأجابه جلجامش قائلاً:
أتيت قاصداً أبي "أوتو ــ نبشتم" الذي دخل مجمع الآلهة ونال الحياة الخالدة
جئت لأسأله عن لغز الحياة والموت"
فأخبره جده قصة الطوفان العظيم الذي انتهى بمكافأته بنعمة الخلود بعد أن بنى سفينة أنقذ بها بذرة الحياة إلى الأرض، ودعا جلجامش إلى قهر الموت الأكبر بقهر الموت الأصغر وهو النوم مدة سبعة أيام، لكنه فشل. وبعد أن رجته زوجته، ساعده مجدداً وأطلعه على سرّ نبتة شوكية تعيش في أعماق المياه وتحمل خصيصة تجديد شباب كل من يأكل منها. ولكنه بعد أن حصل عليها فقدها بإهماله وأكلتها الحية منه، فقد الأمل وعاد أدراجه برفقة "أورشنابي" الذي أرسله معه جده إلى مدينته أوروك.
وعند وصوله إلى سور المدينة قال له: "أي أورشنابي، أعل فوق سور أوروك، امش عليه، المس قاعدته، تفحّص صنعة آجره، أليست لبناته من آجر مشوي والحكماء السبعة من أرسى له الأساس؟"
وبعد هذه الكلمات نختم الملحمة بمثل ما بُدئت به من وصف لمدينة أوروك. هذا بحسب النص الأكادي، أما في النص السومري فنجد أن المنية توافيه في حينها مع إشارة غامضة على مقاومته لها ورفضه القبول بمصير البشر.
أهمية ملحمة جلجامش تاريخياً:
تنتمي هذه الملحمة إلى أدب وادي الرافدين القديم، وهو أقدم أدب عرفه العالم القديم، ومعظم الألواح المدونة بالأدب السومري والبابلي مما جاء إلينا لا يتجاوز عهد تدوينه أواخر الألف الثالث وبداية الألف الثاني ق.م، إلا أن هذه الآداب قد تم إبداعها في الألف الثالث ق.م.
وإذا قارنا قدمها من ناحية زمن إنتاجها أو زمن تدوينها بأقدم آداب البشرية الأخرى وجدناها تسبق جميع ما أنتجه الفكر البشري؛ فمصر لم يصلنا شيء من أدبها في عصر الأهرام (ق 3 ق.م).
وأما المدينة الكنعانية القديمة "أوغاريت" أو "رأس شمرا" فيرقى تأريخ أدبها الكنعاني إلى منتصف القرن الثاني ق.م. ومثل هذا يقال في الأدب العبري الذي منه التوراة، فهو متأخر جداً ولا يتعدى زمن تدوينه في القرنين السادس والخامس ق.م، وأما الإلياذة والأوديسة المنسوبتان لهوميروس واللتان تمثلان أقدم نماذج الأدب اليوناني، "والريجفيدا" الممثلة للأدب الهندي القديم، و"أفستا" أقدم آداب إيران، فهي جميعاً لم تدوّن قبل النصف الأول من الألف الأول ق.م. وهذا يعني أن زمن تدوين أدب العراق يسبقها بألف عام.
وفضلاً عن أقدمية هذا الأدب الذي منه هذه الملحمة الخالدة، فإن له ميزة أخرى هي عدم تعرّضه للتحوير والتبديل والإضافة والحذف على أيدي الشرّاح والنسّاخ والجامعين كما حصل لغيره من الآداب العالمية القديمة.
وقد وجدت منها نسخ كثيرة منها في الحضارة البابلية في الألف الثاني ق.م، وكانت آخر نسخة منها تعود للقرن السابع ق.م، وهي النسخة الآشورية التي وجدت في خزانة الملك "آشور بانيبال" الشهيرة. كما وجدت منها نسخ في فلسطين، وتركيا. ويلاحظ وجود شبه عقيم بين رواية الطوفان فيها ورواية الطوفان الواردة في التوراة، ولعل الحدث كان حقيقياً، وكان من جسامة التأثير وفداحته أنه ترك أثراً بليغاً في عقول الأجيال وتناقلته الروايات جيلاً بعد جيل.
ملحمة جلجامش بنائياً:
إن ملحمة جلجامش هي أقدم نوع من أدب الملاحم البطولية في تاريخ الحضارات، وإلى هذا فهي أطول وأكمل ملحمة عرفتها حضارات العالم القديم.
بل هي أقدم من كل ما هو معروف من الملاحم في العالم، إذ إنها دوّنت قبل 4000 عام، وترجع حوادثها إلى أزمان أخرى أبعد. وإن المدى الواسع الذي انتشرت فيه في العالم القديم يظهر من تداولها بين سكان القسم الجنوبي والشمالي والأوسط من العراق.
وهي مؤلفة من قطع أو أجزاء عدة تدور حول حوادث مختلفة منها: مغامراته مع صاحبه أنكيدو، ومنها خبر الطوفان الوارد في التوراة، ومنها وصف العالم السفلي الذي ليس له صلة منطقية بموضوع الرواية، لذلك فهو غالباً ما يهمل وغيرها. وهي ملحمة غير مترابطة كما يظهر، اعتُمد فيها أسلوب السرد المتبع في قصص ألف ليلة وليلة، أو كليلة ودمنة من حيث طريقة ربط القصص ببعضها.
وتتألف الملحمة من أحد عشر نشيداً أو لوحاً شعرياً، ثم أضيف إليها اللوح الثاني عشر كملحق والشعر في وادي الرافدين أسوة بأدب الأمم الأخرى القديمة كان يخضع لفن خاص من النظم والتأليف. والعادة في الشعر البابلي كما في ملحمة جلجامش أن القصيدة فيه تنقسم إلى وحدات تتكون الوحدة منها من بيتين من الشعر، والغالب أن يكون الثاني إما مغايراً لمعنى البيت الأول وإما مشابهاً له أو مكملاً.
ومن السمات الفنية الأخرى التي تقاربت بها شكلاً ومضموناً من غيرها من الآداب القديمة: كثرة التكرار والإعادة، واستباق الأحداث؛ فالرواية تبدأ بمقدمة تعرفنا بالبطل وتتغنى بأمجاده وقدرته وحكمته، وتنوه بمجمل موضوع الرواية وحتى بنتيجتها أو خاتمتها.
أما ما تميزت به عن سواها فهو كونها أحسن نموذج يمثل أدب العراق القديم، وقد أثارت قضايا لا تزال تشغل بالنا اليوم مثل: مشكلة الحياة والموت، وما بعد الموت. وهي تمثل الصراع المحتوم بين إرادة الإنسان في الحياة والموت المحتوم.
وفضلاً عن هذه القضايا الإنسانية الكبرى التي تناولتها هذه الملحمة، سيجد القارئ أنها تزخر بصور رائعة لمواضيع إنسانية حساسة منها: الحب، والصداقة، والتعاون، والبغض والكره، والحزن، والحنين، وحب المغامرة، والبحث عن المعرفة. وهي مهمة لدارس الحضارة لأن فيها مقومات الحياة في العراق القديم.
مجلة الموقف الأدبي – اتحاد الكتاتب العرب بدمشق - العدد 458 السنة الثامنة و الثلاثون حزيران 2009
دمتم .......... يتبع
تحمل هذه الملحمة حيرة البشر منذ آلاف السنين في أسرار هذا الكون، وحباً كبيراً للحياة وخوفاً أكبر من الموت، ورغبة جارفة في تجاوز الفناء نحو الخلود. وكأنها دوّنت لتنقل للأجيال التي ستأتي يقيناً مطلقاً بأن مصير كل حيّ هو الموت مهما كانت صفته وقوته، وحتى لو كان يملك التحكم بمصيره وبمصير من يملكهم على الأرض شأن الملك القهّار "جلجامش" الذي صرع كل أقوياء هذه الأرض، والذي ثلثاه إله وثلثه بشر، غير أن مصيره بقي مصير مملوكيه وهو الموت، لأنه ورث عن والده شيئاً بشرياً ولو كان ناقصاً. وليس أمام الإنسان إلاَّ أن يخلد بأعماله الصالحة.
فما هو الفن الملحمي؟ وما هي ملحمة جلجامش تحديداً؟ ومن هو جلجامش هذا؟ وما هي مكانة هذه الملحمة تاريخياً وأدبياً؟ أسئلة سيجيب عنها هذا البحث.
تعريف الفن الملحمي:
هو فن أدبي قديم يعنى بالبطولات المعجزة ويعبر عن تصوّر الأمة الفكري وقوميتها ومثلها. إنه نشيد أحادي الصوت مرتبط بهيمنة الأرستقراطية، يبني عالمها في مناخ أسطوري راسخ في القدم مرتبط بالخرافات، بعيد عن الزمن المعاش.
وعادة يكون للملحمة عالمها الخاص وهو عالم الأولين، ويكون الماضي البطولي هو موضوعها. وقد أفرزها العصر الكلاسيكي القديم وعصر القرون الوسطى.
وكان زمن ازدهار الملحمة في عهود الشعوب الفطرية حين كان الناس يخلطون بين الخيال والحقيقة، والحكاية والتاريخ. وفيها يتجاوز الحوار مع الوصف وصور الشخصيات والخطب.
قوامها الشعر الغنائي أو الإنشادي دون أن يخلو الأمر من الصياغة اللغوية الروائية، فالملحمة قصة شعرية طويلة ذات اهتمامات بطولية، وتكون الملحمة مدوّنة أو شفهية أو الاثنين معاً.
وقد استخدم معظم شعوب العالم القديم الملاحم الشعرية لحفظ تاريخها وموروثاتها من جيل إلى جيل تنشد وتغني دون الحاجة إلى الكتابة في مجتمعات كانت تغلب عليها الأمية.
ملحمة جلجامش:
إن ملحمة جلجاش هي ملحمة انحدرت إلى البابليين من السومريين فأضافوا إليها فصولاً وأعادوا بناءها حتى غدت أقدم ملحمة عرفها العالم القديم قاطبة، وظلت معروفة ومتواترة على طول التاريخ الكلاسيكي.
إنها نص شعري طويل مكتوب بالأكادية البابلية، موزّع على اثني عشر لوحاً فخارياً تروي حياة وأعمال الملك جلجامش ملك "أوروك" بطريقة يمتزج فيها التاريخ بالأسطورة. وقد وجدت الألواح في مكتبة الملك "آشور بانيبال" بالعاصمة "نينوى". ويدعى هذا النص بالنص الأساس لأنه الشكل الأدبي الأخير الذي اتخذته الملحمة بعد فترة طويلة من التطور والتغير دامت ألف عام.
جلجامش بطل الملحمة:
هو الملك السومري الذي تأرجح ما بين الواقع والأسطورة. كان في تاريخ أدب وادي الرافدين من أشهر القصص والملاحم، وأعماله أضحت مادة لملاحم وقصص سومرية وبابلية عديدة.
وحقيقة جلجامش التاريخية، فهي أن اسمه قد ورد في إثبات الملوك السومريين من سلالة مدينة "أوروك" الأولى؛ وهي السلالة الثانية التي حكمت بعد الطوفان. وكانت سلالة "كيش" هي الأولى، ويأتي ترتيبه في الحكم خامس ملك من ملوكها ودام حكمه 126 عاماً، وهو باني سور مدينة أوروك العظيم.
وتحكي لنا المصادر القديم أن أمه كانت الإلهة "ننسون"، وأن أباه كان الكاهن "كلاب".
ويبدو من مجموع الأدلة الكتابية والأثرية أنه كان أحد حكّام دول المدن السومرية في العصر المسمى "عصر السلالات" (2800 ــ 24 ــ ق.م).
وقد حكم الأوروك، ونسبت إليه أعمال البطولة المختلفة في القصص والأساطير السومرية.
وغدا بعد موته أحد الأسلاف المؤلّهين الذين تنتشر عبادتهم ضمن النطاق الشعبي بعد موتهم بسبب الأعمال الجليلة التي قاموا بها في حياتهم، والنفع العام الذي جلبوه لجماعتهم.
وتوجد نصوص طقسية من مدينة "لجش" السومرية ترجع إلى القرن الرابع والعشرين تشير إلى قرابين كانت تقرّب إلى جلجامش بصفته شخصية إلهية. وبعدها اتخذ دور القاضي في العالم الأسفل واستمر في دوره حتى أواخر الألف الأول، على ما تدلّ عليه النصوص الطقسية التي تعود إلى تلك الحقبة.
وهناك شواهد كتابية تشير إلى أن دورة ألعاب رياضية كانت تقام على شرف جلجامش في شهر آب من كل عام يتبارى خلالها الشباب في المصارعة وألعاب القوى الأخرى.
معنى اسم جلجامش:
لسنا نعلم معنى اسمه بشكل قطعي جازم، ولكن بعض المصادر والنصوص الأكادية أوردت ترجمة له باللغة الأكادية فجاء معناه: "البطل الذي في المقدمة" كما أفادت مصادر أخرى بأن أصل الاسم سومري يكتب بجلامس أو بلجاموس، ومعناه: "العجوز الذي لا يزال شاباً" وأيضاً: "الرجل الذي سينبت شجرة جديدة". وهو في فن النحت البطل الذي يصارع الحيوانات المفترسة. وهذا الاسم ورد أيضاً ضمن الأسماء الأسطورية للآلهة السومرية.
وبما أن الملحمة الأكادية لا تحتوي اسماً سومرياً مركباً سابقاً لشكله المعتمد في الملحمة، يكون الاسم في هذه الحال إبداعاً بابلياً محضاً. إذ لا يوجد في اللغة السومرية ملحمة متكاملة عن جلجامش، بل نصوص متفرقة تدور في فلك الموضوع، وتحوّلت هذه النصوص المتفرقة إلى ملحمة شعرية كاملة ومنسجمة.
وقد ورد اسمه في نسخ الملحمة المختلفة بأشكال عدة نوردها كما يأتي:
ــ بالسومرية: Gish-Bil-Ga-Mesh
ــ وبالبابلية: II Gish
ــ وبالحثية: Gish -Gim-Mash
ــ الآرامية: جميموس ــ جلجموس
ــ ولدى الرومان: Gilymos
مكان أحداث ملحمة جلجامش وزمانها:
تبدأ أحداث هذه الملحمة وتنتهي في مدينة أوروك، وهي مدينة سومرية كانت موجودة فعلاً، بل هي حسب ما أسفرت عنه أبحاث المؤرخين وعلماء الآثار أول مدينة حقيقية في التاريخ والنموذج الأسبق لكل المدن التي قامت بعدها. وقد بلغت مرحلة المدنية الحقيقية قبل غيرها من المراكز الحضرية في وادي الرافدين الجنوبي، ووصل عدد سكانها إلى 50 ألف نسمة. وكان يحميها سور عظيم بني عام 2600 ق.م، ويحيط بمساحة تقدر بأربعمائة هكتار.
مضمون الملحمة:
تحكي لنا هذه الملحمة أن جلجامش بطلها كان ابناً للإلهة "ننسون" حملت به من ملك أوروك المدعو "لوجلبندا" فجاء ثلثه إنساناً وثلثاه إله، متفوقاً على جميع الرجال بخصائصه الجسمية والعقلية.
ومما ورد في الملحمة في وصف مآثره وحكمته وتجاربه في الحياة:
"هو الذي رأى كل شيء فغنّي بذكره يا بلادي
وهو الذي عرف جميع الأشياء وأفاد من عبرها
وهو الحكيم العارف بكل شيء
لقد أبصر الأسرار وعرف الخفايا المكتومة
وجاء بأنباء أزمان ما قبل الطوفان
لقد سلك طرقاً قاصية في أسفاره
حتى حلّ به التعب
فنقش في نصب من الحجر كل ما عاناه وخبره
بنى أسوار أوروك وحرم "أي ــ أنا" المقدس والمستودع الطاهر
فانظر إلى سوره الخارجي تجد شرفاته تتألق كالنحاس"...
حكم في مقتبل العمر فطغى؛ جار على أهلها حتى ضاقت بهم السبل، فحملوا شكواهم إلى مجمع الآلهة يطلبون العود على ردّ مليكهم إلى جادة الصواب.
ومما جاء في الملحمة في وصف جلجامش وقوته وتسلطه على شعبه:
"وبعد أن خلق جلجامش، وأحسن الإله العظيم خلقه
حباه "شمس" السماوي بالحسن وخصّه "أدد" بالبطولة
وجعل الآلهة العظام صورة جلجامش كاملة تامة
كان طوله أحد عشر ذراعاً وعرض صدره تسعة أشبار
ثلثان منه إله وثلثه الآخر بشر
وهيئة جسمه لا نظير لها
وفتك سلاحه لا يصدّه شيء
لم يترك جلجامش، هو راعي أوروك، السور والحمى
هو راعينا القوي كامل الجمال والحكمة...
لم يترك جلجامش عذراء طليقة لحبيبها
ولا ابنة المقاتل ولا خطيبة البطل"
ولهذا ارتأى الآلهة خلق ندّ له يعادله قوة وجبروتاً ليدخل الاثنان في تنافس دائم يلهي جلجامش عن رعيته؛ فكان "أنكيدو" الذي نشأ في البراري بين الغزلان كواحد منهم. ولما علم جلجامش بأمره استقدمه إليه بحيلة، ودخل الاثنان في صراع اهتزت له جدران المعبد وكانت الغلبة فيه لجلجامش الذي أحب في أنكيدو قوته وشجاعته فتصادقا.
وعقب هذا اللقاء غيّر جلجامش من سلوكه القاسي في الحكم، وراح يتأمل في مسألة الحياة والموت، ويبحث عن عمل يخلده بعد مماته، وأطلع صديقه على نيته في الوصول إلى غابة الأرز في أقصى الغرب وقتل حارسها المريع. ويمضي الاثنان في طريقهما نحو الغابة، وبعد رحلة مليئة بالمخاطر والأهوال ومعركة حامية مع "خمبابا" الحارس الجبار تمكنا من قطع رأسه بمعونة الإله "شمس". وعاد البطلان إلى أوروك منتصرين.
وحدث أن وقعت عشتار بحب جلجامش وعرضت عليه الزواج فرفض بسبب خياناتها المتكررة لعشاقها وأزواجها، فثارت ثائرتها بسبب إهانته لها، وطلبت من كبير الآلة "آنو" أن يسلمها قياد ثور السماء لتقتله به، ففعل، فأطلقته في المدينة يعيث فساداً فيها، ويهلك المئات من أهلها. لكن جلجامش وأنكيدو تصديا له وقتلاه بعد صراع مرير.
وبعد هذا الحدث الجلل قرر الآلهة أن يموت أحد البطلين عقوبة لهما على قتل خمبابا وثور السماء، ووقع الخيار على أنكيدو فمرض ومات، وبكاه جلجامش كثيراً، ورفض أن يدفنه حتى بدأ الدود يتساقط من أنفه. وهكذا أفاق على الحقيقة المرة، وأقام له طقوس حداد لائقة وراح يهيم في البراري باحثاً عن حقيقة الحياة والموت وعن السبيل إلى الخلود.
وما قاله في الملحمة بعد موت صديقه:
"إذا ما مت أفلا يكون مصيري مثل أنكيدو
لقد حلّ الحزن والأسى بروحي
خفت من الموت، وها أنا أهيم في القفار والصحارى"
وبعد أحداث ومغامرات قاسية يصل إلى جده المُخلّد يسأله أن يطلعه على سر الخلود لأنه لا يريد أن يموت ويأكله الدود كما حصل لصديقه أنكيدو.
ومما ورد فيها عن سر الحياة والموت الذي كان يشغل بال الإنسان منذ آلاف السنين وحتى اليوم:
"وقصد جبل ماشو عابراً البحار الشاقة
فسأله الرجل العقرب: أبنْ لي القصد من المجيء إليّ
فأجابه جلجامش قائلاً:
أتيت قاصداً أبي "أوتو ــ نبشتم" الذي دخل مجمع الآلهة ونال الحياة الخالدة
جئت لأسأله عن لغز الحياة والموت"
فأخبره جده قصة الطوفان العظيم الذي انتهى بمكافأته بنعمة الخلود بعد أن بنى سفينة أنقذ بها بذرة الحياة إلى الأرض، ودعا جلجامش إلى قهر الموت الأكبر بقهر الموت الأصغر وهو النوم مدة سبعة أيام، لكنه فشل. وبعد أن رجته زوجته، ساعده مجدداً وأطلعه على سرّ نبتة شوكية تعيش في أعماق المياه وتحمل خصيصة تجديد شباب كل من يأكل منها. ولكنه بعد أن حصل عليها فقدها بإهماله وأكلتها الحية منه، فقد الأمل وعاد أدراجه برفقة "أورشنابي" الذي أرسله معه جده إلى مدينته أوروك.
وعند وصوله إلى سور المدينة قال له: "أي أورشنابي، أعل فوق سور أوروك، امش عليه، المس قاعدته، تفحّص صنعة آجره، أليست لبناته من آجر مشوي والحكماء السبعة من أرسى له الأساس؟"
وبعد هذه الكلمات نختم الملحمة بمثل ما بُدئت به من وصف لمدينة أوروك. هذا بحسب النص الأكادي، أما في النص السومري فنجد أن المنية توافيه في حينها مع إشارة غامضة على مقاومته لها ورفضه القبول بمصير البشر.
أهمية ملحمة جلجامش تاريخياً:
تنتمي هذه الملحمة إلى أدب وادي الرافدين القديم، وهو أقدم أدب عرفه العالم القديم، ومعظم الألواح المدونة بالأدب السومري والبابلي مما جاء إلينا لا يتجاوز عهد تدوينه أواخر الألف الثالث وبداية الألف الثاني ق.م، إلا أن هذه الآداب قد تم إبداعها في الألف الثالث ق.م.
وإذا قارنا قدمها من ناحية زمن إنتاجها أو زمن تدوينها بأقدم آداب البشرية الأخرى وجدناها تسبق جميع ما أنتجه الفكر البشري؛ فمصر لم يصلنا شيء من أدبها في عصر الأهرام (ق 3 ق.م).
وأما المدينة الكنعانية القديمة "أوغاريت" أو "رأس شمرا" فيرقى تأريخ أدبها الكنعاني إلى منتصف القرن الثاني ق.م. ومثل هذا يقال في الأدب العبري الذي منه التوراة، فهو متأخر جداً ولا يتعدى زمن تدوينه في القرنين السادس والخامس ق.م، وأما الإلياذة والأوديسة المنسوبتان لهوميروس واللتان تمثلان أقدم نماذج الأدب اليوناني، "والريجفيدا" الممثلة للأدب الهندي القديم، و"أفستا" أقدم آداب إيران، فهي جميعاً لم تدوّن قبل النصف الأول من الألف الأول ق.م. وهذا يعني أن زمن تدوين أدب العراق يسبقها بألف عام.
وفضلاً عن أقدمية هذا الأدب الذي منه هذه الملحمة الخالدة، فإن له ميزة أخرى هي عدم تعرّضه للتحوير والتبديل والإضافة والحذف على أيدي الشرّاح والنسّاخ والجامعين كما حصل لغيره من الآداب العالمية القديمة.
وقد وجدت منها نسخ كثيرة منها في الحضارة البابلية في الألف الثاني ق.م، وكانت آخر نسخة منها تعود للقرن السابع ق.م، وهي النسخة الآشورية التي وجدت في خزانة الملك "آشور بانيبال" الشهيرة. كما وجدت منها نسخ في فلسطين، وتركيا. ويلاحظ وجود شبه عقيم بين رواية الطوفان فيها ورواية الطوفان الواردة في التوراة، ولعل الحدث كان حقيقياً، وكان من جسامة التأثير وفداحته أنه ترك أثراً بليغاً في عقول الأجيال وتناقلته الروايات جيلاً بعد جيل.
ملحمة جلجامش بنائياً:
إن ملحمة جلجامش هي أقدم نوع من أدب الملاحم البطولية في تاريخ الحضارات، وإلى هذا فهي أطول وأكمل ملحمة عرفتها حضارات العالم القديم.
بل هي أقدم من كل ما هو معروف من الملاحم في العالم، إذ إنها دوّنت قبل 4000 عام، وترجع حوادثها إلى أزمان أخرى أبعد. وإن المدى الواسع الذي انتشرت فيه في العالم القديم يظهر من تداولها بين سكان القسم الجنوبي والشمالي والأوسط من العراق.
وهي مؤلفة من قطع أو أجزاء عدة تدور حول حوادث مختلفة منها: مغامراته مع صاحبه أنكيدو، ومنها خبر الطوفان الوارد في التوراة، ومنها وصف العالم السفلي الذي ليس له صلة منطقية بموضوع الرواية، لذلك فهو غالباً ما يهمل وغيرها. وهي ملحمة غير مترابطة كما يظهر، اعتُمد فيها أسلوب السرد المتبع في قصص ألف ليلة وليلة، أو كليلة ودمنة من حيث طريقة ربط القصص ببعضها.
وتتألف الملحمة من أحد عشر نشيداً أو لوحاً شعرياً، ثم أضيف إليها اللوح الثاني عشر كملحق والشعر في وادي الرافدين أسوة بأدب الأمم الأخرى القديمة كان يخضع لفن خاص من النظم والتأليف. والعادة في الشعر البابلي كما في ملحمة جلجامش أن القصيدة فيه تنقسم إلى وحدات تتكون الوحدة منها من بيتين من الشعر، والغالب أن يكون الثاني إما مغايراً لمعنى البيت الأول وإما مشابهاً له أو مكملاً.
ومن السمات الفنية الأخرى التي تقاربت بها شكلاً ومضموناً من غيرها من الآداب القديمة: كثرة التكرار والإعادة، واستباق الأحداث؛ فالرواية تبدأ بمقدمة تعرفنا بالبطل وتتغنى بأمجاده وقدرته وحكمته، وتنوه بمجمل موضوع الرواية وحتى بنتيجتها أو خاتمتها.
أما ما تميزت به عن سواها فهو كونها أحسن نموذج يمثل أدب العراق القديم، وقد أثارت قضايا لا تزال تشغل بالنا اليوم مثل: مشكلة الحياة والموت، وما بعد الموت. وهي تمثل الصراع المحتوم بين إرادة الإنسان في الحياة والموت المحتوم.
وفضلاً عن هذه القضايا الإنسانية الكبرى التي تناولتها هذه الملحمة، سيجد القارئ أنها تزخر بصور رائعة لمواضيع إنسانية حساسة منها: الحب، والصداقة، والتعاون، والبغض والكره، والحزن، والحنين، وحب المغامرة، والبحث عن المعرفة. وهي مهمة لدارس الحضارة لأن فيها مقومات الحياة في العراق القديم.
مجلة الموقف الأدبي – اتحاد الكتاتب العرب بدمشق - العدد 458 السنة الثامنة و الثلاثون حزيران 2009
دمتم .......... يتبع
تعليق