لغتنا العربية وهويتنا القومية
كيف ننقذ لغتنا وهويتنا العربية ؟!
بقلم : نبيل عودة
كيف ننقذ لغتنا وهويتنا العربية ؟!
بقلم : نبيل عودة
أهمية اللغة العربية لأبنائها العرب ولدارسي الحضارة العربية ، وقيمة هذه اللغة وحيويتها . وطرق تطويرها وتقريبها للقارئ ، هي من المواضيع التي بات طرحها في الآونة الأخيرة يتزايد نظرا لتخلف اللغة العربية في استيعاب المصطلحات العلمية ، وعدم رؤية بادرة ما لتطوير هذه اللغة بما يتلائم مع المناخ الفكري والثقافي المتغير دوما والمختلف عمات كان سائدا في الماضي ، عبر مختلف المراحل الثقافية . ان بعض المشاكل التي لم تطرح تشكل عائقا في سبيل رقي لغتنا وتطويرها وملاءمتها لعصرنا.
حقا اللغة وسيلة وليست غاية ، .. ولكني لا أرى أن اللغة هي من أهم العوامل التي تكون هوية الشعوب ، هذا الطرح غير علمي تماما . ان الهوية اللغوية المشتركة بين الفلسطيني والسعودي لا تجعلهم شعبا واحدا ، وثقافة واحدة وفكر اجتماعي واحد وطباع واحدة ، رغم الرابط القومي العام الذي يجري أيضا التنكر له ، ورغم الايمان الديني الواحد ، على الأغلب .. عمليا هناك مسافة واسعة في فهم مسائل دينية مختلفة .
اللغة بلا شك لها دورها في تكوين الهوية القومية . ولكنها ليست من أهم العوامل . والواقع العربي القائم يثبت ما أذهب اليه .ان لغتنا لا تشكل هوية قومية مترابطة بين الشعوب العربية . واليوم صرنا نستعمل اصطلاح الشعوب العربية أو الأمم العربية باشارة الى أن الشعوب العربية غير متكاملة من حيث هوية قومية واحدة ، رغم ما يوحدها من لغة واحدة.. ودين واحد على الأغلب .. بل وبات اصطلاح "الأمة الاسلامية" يطرح شكلا اوسع من "الأمة العربية " ، في رفض ضمني لمفهوم القومية العربية . ولا أرى ان هذا الطرح يقدم شيئا للواقع العربي او الاسلامي عدا النشوة العابرة ... لأنه في الحقيقة لكل دولة مشاكها الخاصة ، وصراعاتها الخاصة ، التي لا تخضع لمفهوم "العلاقة العابرة للحدود والقارات " في اطار انتماء ديني او قومي ..
يجب عدم التجاهل ان نسبة الأمية المرتفعة في العالم العربي ومستوى القراءة متدن ، وعدم فهم المقروء من أوساط عربية واسعة جدا ، يجعل من لغتنا أداة لا تخدم قضية تكوين الهوية القومية او الفكرية او الثقافية . وأن لا ننسى أيضا ان العالم العربي مليء باللهجات المحلية التي لا يفهما العرب الآخرون . وهناك عشرات اللهجات الغريبة الغائبة عن فهم مواطني الدول العربية ، والمأساة ان متحدثي اللهجات المحلية ، أحيانا لا يعرفون لغة أخرى غيرها ، اي ان اللغة لا تشكل اداة تكامل قومي ، بل في هذه الحالة أداة تباعد وتشرذم . المواطن العربي الذي يعيش تحت خط الفقر بدخل دولار واحد أو دولارين يوميا لا يحتاج الى لغة وهوية قومية ، يحتاج الى رغيف خبز بات الحصول عليه صعبا .. وانا اتحدث عن أكثر من 50% – 60 % من المواطنين في العالم العربي. في مصر مثلا ، ما يقارب 80% من الشعب المصري يعيشون بدخل بين دولار الى 3 دولارات يوميا ، و 20% أكثر من 3 دولارات يوميا ، مهم 1.5 % يعرفون بالقطط السمان يسيطرون على ما يقارب نصف الانتاج القومي المصري.
فهل ستصلح اللغة هذا الواقع المأساوي لتجعل المصريين ينتمون لهوية قومية واحدة؟ هل يفكر المصري أو العربي الفقير باللغة والهوية ام برغيف الخبز .؟
الذي يؤثر على خلق هوية قومية متماسكة هو الاقتصاد ، هذه نظرية طرحها أحد أهم فلاسفة ومفكري القرن التاسع عشر ، كارل ماركس. وقد ثبت صحتها . الدول المتطورة تطورت فيها الهوية القومية والانتماء القومي واللغة القومية والقوة القومية أيضا لحماية مصالحها ، وبنفس الوقت لم يتأثر وضع الدين او الهوية الدينية ، ظلت لها مكانتها وتأثيرها ، والنموذج الأقرب لنا هي دولة اسرائيل ، أحببنا ذلك أم لم نحبه. من مجموعة مهاجرين مختلفي الثقافة والانتماء القومي ، بنوا دولة وشعبا متماسكا واقتصاد يعتبر اليوم من الأقوى والأكثر ثباتا في العالم.
اذن الموضوع يتعلق بالواقع الاقتصادي والعلمي والتعليمي ومستوى الجامعات وابحاثها والقضاء على الأمية ونشر التعليم باللغة العربية وتطوير اللغة وعدم البقاء في اسر سيبويه والكسائي ، والمجامع اللغوية المتمسكة بالقديم كقضية حياة أو موت .
الموضوع ليس اعتزازنا وحبنا للغتنا ، انما قضية جعل اللغة العربية لغة علوم وتكنلوجيا . هناك مشكلة في ايجاد الاصطلاحات العلمية والتقنية باللغة العربية . والجريمة التي ترتكب هي محاولة ايجاد صياغات بديلة تولد ميتة ومحنطة وغير قابلة للاستعمال .
لا شك ان اللغة العربية هي جزء من الهوية القومية ، ولكن بوضعها البائس هي هم قومي .
نبيل عودة – كاتب واعلامي فلسطيني - الناصرة
nabiloudeh@gmail.com
nabiloudeh@gmail.com
تعليق