ألوان الخطاب القرآني وتأثيرها
لعظمة الخطاب القرآني في لون الخطاب حكم بالغة، فما يستوي :
1.لون صافح العقل وقدم الحجج، وولج بحر الجدل ولج في أمواجه إرخاء للعنان، حتى ظن الخصم أن الأمر إليه آل وبيده الحجج الثقال، ومقود السفينة في يده منال، انقلب الأمر رأسا على عقب، واصطاد غريمه فريسة سهلة بلا تعب، وظهر الحق جليا بلا نصب، واستسلم الخصم العنيد، أمام عقل بالوحي سديد؛
2. ولون دغدغ المشاعر، وحرك نياط القلوب، وعزف على وشائجها أنشودة، أفضت لها جوانحها بسر أسرارها، وباعت كل ممتلكاتها فداء لدينها ونصرة لكلمة ربها؛
3.ولون أبدى يدا الكريم بارزة، ولا ترى إلا ربا وفضائل جاهزة، اضمحل كل شيء في عين البصيرة، وغدا الكل معان بلا صورة .
وتنوع الخطاب يمدنا بنكهة خاصة، وذوق جديد لم يذق طعمه إلا الربانيون أولو الألباب، والقلوب الرقيقة والتي تهفوا خطواتها الهيفاء لتقرأ ما يجول حول مداركها من سمع وبصر وفؤاد وبصيرة باسم ربها، سعيا لاستخلاص واجب وقتها، نحو نفسها ونحو مجتمعها ونحو ربها: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ؟}[الملك : 14]
وممعن النظر في أنواع الخطاب القرآني يجدها ثلاث مستويات :
خطاب للعقل؛
وخطاب للقلب؛
وخطاب للبصيرة النيرة،
ومن الإجمال إلى التفصيل:
1-خطاب العقل:
لندخل الرواق الأقدس نستلهمه أنواع الخطاب، فإن تعلق الأمر بخطاب العقل جاءت الأمور متوازنة يدركها الخاص، والعام، والعالم، والأمي، ومثاله :
{قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ}[العنكبوت : 20] فهذه الآية تدعونا لاستكشاف علم البيولوجية،
وأما الثانية: {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ}[الروم : 42]، فدعتنا لإدراك مصير الأمم وتحولاتها، وفقه تداول الأيام بين الناس، وأسباب أفول الدول والحضارات ونهوضها؛
وأما الثالثة : {أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ [17] وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ [18] وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ [19] وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [20]} [الغاشية]، فجاءت دعوة لتأمل خلق الله...
فهل ركبنا صهوة عزة الخطاب، وكشفنا زخرفة الوجود لثمر رطاب، وفقهنا سنة تداول الناس والحضارات، وسترنا للمؤمنين أنفسا، ودولا، وعورات؟ أم تبرمنا جنبا ونزلنا الدركات، وولجنا دروب التبعية الضيقات؟ وانشطرت بيضتنا إلى دويلات؟ وتكالبت علينا الأمم تكالبها على القصعات؟
ومن مآسينا احتل الغرب القمر، ولم ندرك بعد متى يولد الهلال، جعل الله الشمس والقمر حسبانا، ولعلة فينا رخص شهادة الهلال لنا، واتخذنا الرخصة عزيمة رغم زوال العلة عنا؟؟؟ وما درينا للشهادة رؤية عيون وعقول نيرين؟؟؟
يتضح الخلاف أحيانا بين الغربيين في ولادته بين دقيقة ودقيقتين، ويتسع الرتق لدينا بين يوم وثلاثة أيام، أهـ يا مسلمين! يا خير أمة أخرجت للناس!!!
وسقف بيت العقل قناعته:
فإما كون المسألة خبرا يحتمل الصدق والكذب؛
وإما تصورا لسنن الله جاء مطابقا، أو انكشف جوهره وبانت معرفة مرماه وحيثيات مقتضياته؛
وإما نظرية تقتضي البحث عن فقه كنهها حتى تنضج أسرارها ويتضح أمرها وتظهر حقائقها.
ولنترك رزمة أدوات العقل وبراهنه، والمنطق ودلائله، والبحث ومناهجه، لنندرج في بحبوحة الإيمان حيث لا مجال للفلسفة والجدل والبراهين والاستدلال.
2-خطاب القلب:
مجاله وشائج القلب، ودغدغة المشاعر، والعزف على أوتار العواطف، لنستمع إلى هذه الآيات تستمد قوتها من تحريك وشائج الإيمان، وهز وتر المودة، والعزف على رنات القلوب، واهتزاز شخصية المرء أمام هذه القوة العاتية من الجمال حيث تشابكت الروابط بين العبد والرب بحبل المودة والمحبة فضلا عن قوة التعبير الدافعة لاقتحام الصعاب وركوب المخاطر حبا في الله ودوذا عن حماه، وإعلاء لكلماته:
{قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ }[آل عمران31]
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ }[الحجرات : 1]
إنها دعوة للارتقاء إلى العلياء حيث محبة الله والاقتداء برسوله في تقديم التضحيات إعلاء لكلمات الله ونصرة لشريعته، ما جاءت أمرا عسكريا جافا لا نداوة فيه، ولا يقبل النقاش، رغم كونه خطاب الله الواحد القهار؛ وإنما هي دعوة عزفت على وشائج الإيمان، وروابط المحبة، وكوامن الصدق، حيث يذوب القلب حياء وتعلوه الحشمة، ويذوب محبة، ويجود بما أوتيت يداه بل ويدفع روحه لتفيض استجابة منه لما سلم به العقل وارتاح له الضمير، وظن أنه اليقين الذي لا يتزعزع مهما اشتدت به العواصف، وتأزمت الفتن، إذ لا يمكن تصور غيره ولا التسليم لعكسه.
ولم يترك الله العبد لذاته : والمغريات تتوزعه والمثبطات تناوشه، وتفتت عزمه الشواغل؛ بل دعاه للاستعانة بالله ليمده بحوله وقوته ما لا يستطيع إدراكه بجهد واجتهاد، وتتدخل يد الغيب لتفيض بفيضها وتمد بمددها حين تنقطع الروابط ويساء الظن بالرفيق والصديق بله غيرهما...
تجود يدا الكريم جل في علاه، وتقدم الجوائز تكفيرا للذنوب ومغفرة لها؛ لعل تلك الحوافز تنهض الهمم، وتستفز المشاعر، وتوقظ النيام لتسابق الخيرات.
وإذا كان سقف بيت العقل القناعة، واليقين الراسخ، فإن طرق باب القلب يفتح باب السخاء على مصراعيه حتى لم يترك المرء لنفسه شيئا، بل يجود بروحه سخية بها نفسه: هدية لرب العالمين، أو هدية للشيطان كحال من مات بعيدا عن الحمى الرباني ومقبلا على ....
يقين لا يمكن أن يتصور غيره، يثبت المرء عند اهتزاز المرايا واضطراب الرؤى والتصورات وخلخلة الروابط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والحزبية ووو...
وزلزال الأرض التي يقف المرء عليها لا علاقة له ولا يستطيع تفكيك العلاقة الوثيقة بين عبد ورب وبخاصة روابط المحبة والتي كلما اهتزت ازداد حبلها متانة وقوة صلابة في دين المرء.
والمواقف الرجولية تعد من أغلى لحظات العمر ونسبتها ضئيلة مع ما يعرفه المرء من طمأنينة وسكينة تنعشها بحبوحة الإيمان بالري والسقي المتواصل، فضلا عن السهر على مصالح العبد الدنيوية والأخروية.في جمال تعلو محياه رقة المشاعر وخفة الروح، وجمال الكلمة، وجلال القدر.
والكلام عن الرجولة لا يعني في شيء الذكورة، والفحولة ؛ إذ المقام ليس مقام ذكر وأنثى بل مقام مواقف تعلو محياها الطمأنينة ويشدها ثبات على الحق المبين، ولا يستفز مشاعرها غرور، ولا تنتقم لنفس، وهنا قد تفوق مواقف القوارير نعيمات العواطف، رقيقات المشاعر، لطيفات الحس، صمود صناديد الرجال : فالرجولة موقف تتقاسمه الرجال والنساء الذين امتطوا العزة مبدأ، والكرامة سبيلا، والنبل والإخلاص لله ملاذا، ورشفوا من الثريا في عليائها ترفعها عن تجار النخاسة مرنوا على شراء الضمائر، ودع الكلام آنئذ عن أشباه الرجال، فضلا عن الغواني المائعات اللائي زهت بمشاعرهم العواطف، وألقت بهن في بحر الخسران للدين والدنيا.
وزمن المواقف لحظات تاريخية وفرص العمر النادرة يستغلها الأديب استغلالا بشعا يدفع بها التحدي إلى أقصاه من غير تهور، ولا وقاحة ليلمس وعد ربه الكامن في قوله : {لئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة : 150]
وإن قَلََّت زمن المواقف، فإن زمن الحضور مع الله، والتأدب معه والقيام بفرائض الوقت، شمل باقي الأوقات: إنه زمن البصيرة النيرة والفهم عن الله.
وهو وقت إشراق القلب واستمداده من باب فضل الله وإمداده الخلق بغيث السماء. ومن ذاك المحراب يستلهم الأديب أدبه، وينحو نحوه في طمأنينة ضمير، وسكينة نفس، ويقين لا يتزلزل، فهل يستوي من يرتوي من أحضان هذا المعين الصافي مع من يرتشف من كدورات السواقي؟
وغدا أديبنا كرمة، أينعت بين سفوح الجبال، وتدلى منها عنقود عنب، بللت الطير منه الشفاه، وفاحت بأحلى ألحانها، وأعذب ترانيمها، واهتز اخضرارها في تعانق وتجاذب زقزقتها، وحلت برحابها النحل بطنينها تسقي الجو عسلا، في مشهد فريد وبديع يتخطاه موتى كأن من هناك لم يمروا، وتطرب له أفئدة زهت بمسامعها قبل معانقة منظرها، حيث رقصت بلا كلل...ترى من أوجدها؟ من أفاض فضلها؟ ومن حبا الطير بحبوحة ريها؟ ومن أنبت عشبها؟ ومن جاء بالنحل تسقي سقياها؟ من ومن ومن... ومن تلك الأعالي يتأتى الكلام عن البصيرة النيرة : فما البصيرة إذن؟
3-خطاب البصيرة:
هناك بصر الجسد : العينان، وبصرها لا يبلغ الأفق في أحسن الأحوال إن لم تحل الحوائل، وهناك بصر الروح وهو بصر حديد لا يحده سقف ولا جدار ولا ولا... يبصر ما فتح الله له من أمور دنيوية، وأخروية، يبصر الجنة والنار ومن فيها، وما فيها، يرى الملائكة ويصافحها،... ،يبصر ويبصر فقط وفقط من زاوية واحدة بأن لا فاعل في الوجود حقيقة إلا الله ؛ وذلك ليستلهم: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى }[الأنفال : 17].
ولئن شحذ العقل من باب {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق : 1] كما استمطر القلب رحمة من رخيم نداء {َيا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ }، فالبصيرة تستلهم رفدها من {فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم : 50].
نظر لا يبصر إلا يدا الكريم تركت آثار رحمة ربها فازدهت الأرض ولبست اخضرار ألوانها، وقدمت جني ثمارها هدية من ربها تحقق وعده {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلاَّ عَلَى اللّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ} [هود : 6].
لم يعد لديها تلكؤ كما يفعل العقل ولا توقف وهي تقرأ{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات : 96]، بل على العكس يجادل العقل ويشاكس الضمير وما تناور البصيرة، بل ترشد لقوله تعالى: {ذَلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }[الأنعام : 102]،
حين تكشف البصيرة اللبس الخطاب ويستيقن العقل ويستقر الفؤاد، ويراجع دروسه في الفقه الكبير والأكبر.
حينما ينغمس الأديب في هذه البحبوحة الإيمانية يبصر الأشياء على غير ما يبصره الآخرون، ويدرك ما لا يدركه الآخرون، ويزداد يقينا وثباتا ويستلهم عالم الغيب والشهادة سبحانه من علام الغيوب ليكشف له من وراء حجب غيب الأمور ليس فقط على ما هي عليه؛ وإنما على ما ستئول إليه.
آنئذ يصدح بلبلنا بجميل الشدو مما لم يسمع من قبل، فتقبل عليه الرياض ويقبل عليها ويعلو ويعلو فوق أشجارها مستلهما أشجانها، متفرسا حاجاتها، ساعيا في احتياجاتها سعي رءوف رحيم.
ولئن اشتدت الرياح الهوجاء وصات كَلَََبها، تعلق بشعاع نور أضاء الأرجاء وازدادت نبراته حده حتى صالت الجياد، وأمسكت بزمام الأمور، وهدأت العواصف.
آنئذ وآنئذ فقط، امتلك ناصية الوتر الحساس للعزف على ضمير الأمة فيسوقها سوق الأطياف بخفة روح لا تضاهى، واستجابة لا تردد فيها، إلا عند من عشش الكفر لديهم فوق الرؤوس، ولووا وأعرضوا إعراض الطاووس، أو ركبوا العناد والجحود، على درب عاد وثمود، وبلبلنا يصدح في إيباء لا تلين له قناة، في تحد لا ينثني، لا ولا ينحني.
فتارة ينقر وتيرة العقل حينما تستدعيه الدواعي وتارة يهمس برقة الإيمان وبغية الإحسان، وتارة يعزف على رنة البصيرة وبخاصة حين يعمى البصر ويقل النظر، وتتبعثر الهمم، كل ذلك ولسان حاله يقول : "تلك أمور تجلت بإذن حكيم خبير".
أبان فضل ربه وانثنى في حياء من عزيز وهاب، فليس لمستشرق أن ينهض بهذا، ولا لمستغرب أن يحدُوَ حَدْو هذه العلوم الجليلة والتي تستحوذ على مدارك المرء، وتسلب لبه، ويتعلق بها قلبه وتستولي على مشاعره وتعانقها خلجات روحه في مناجاة ربانية، شاكرة، ذاكرة.
بين خطاب العقل والقلب:
تجاذب وتجاوب بين نوعيهما، فالعقل يسلم قناعته للقلب؛ إذ هو قيده الذي يكبل شهواته، والقلب يحشد جيوش العواطف ويؤجج حميتها ويسخرها وفق تعاليم العقل، ولولا كبح العقل لجمح العواطف، لأنذر هذا التلاق بشر مستطير ، وبين خطاب العقل والقلب بون شاسع نلمسه في تصفح الآيات التالية:
يقول سبحانه وتعالى في خطاب عقلي واضح بيِّن:
{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [الحشر : 7]
ويقول سبحانه وتعالى في خطاب قلبي رءوف {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الحجرات : 1]
د لت الآيات على نفس المعنى؛ إذ ليس هناك فرقا بين لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، وبين ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا؛ لكن دلالة الخطاب عنيفة وقوية في الآية الأولى وانتهى خطابها بتلويح وتخويف من الله شديد العقاب، بينما امتلأت الآية الثانية رواء، وجادت حكمة ولطفا ، وانتهى خطابها باستدعاء لباب الله السميع العليم والذي تعهد بتزكية الأنفس، في قوله:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور : 21].
وتأتي هذه الآية استكمالا لمعنى الآيتين برقة تفيض حنانا، تمتلئ رواء، تدغدغ المشاعر تحرك نياط القلوب، تيئس من اعتماد على غير الله سواء على أعمال صالحات أو غيرها، وتبني على الثقة بالله والاعتداد به وحده ليسيل علينا فضله رحمة من ربك ترفعنا الدرجات العلى، وأين ما يفعله المرء بنفسه وحسه مما يفيء به عليه ربه؟(يتبع)
تعليق