هـزيــمـة عـلى يـد الـجـوع
بقلم: رزيقة حزير
يستيقظ "جمال" بمجهود جبار، يجد نفسه سجين نوبات الغضب والشّجار، يبدأ في استعراض العضلات وكلّ أنواع الشّتم والسبّ طيلة النّهار، يبقى مدّة ثلاثين يوما يتلوى في قبضة الجوع بعيدا عن استنشاق السّيجار.
لا يترك الجوع جانبا من جسده إلا أعلن سطوته عليه وأوضح انعكاسه على فصول يومياته، يهزأ به، لا يتوقف عن وخز معدته وخزا حادا، يتدفق جوفه الخاوي ألما لا يقاوم، يظهر ذهنه نائما برغم بروز عينين مفتوحتين تلوح من تحت حاجبين شعرهما أسود كثيف، تتجلىّ منهما نظرات مؤرقة، يتجاذبها تعب شديد وعطش عظيم كأنّه لم يأكل من عهد قديم.. تغيب عن وجهه الابتسامة، تصفرّ بشرته، يشعر بالغثيان.. يشكو لأصدقائه معاناته.. يدخل في رحلة هذيان مستمر لا لذنب سوى أنه ورث عادة الصّوم عن أهله.يستيقظ "جمال" بمجهود جبار، يجد نفسه سجين نوبات الغضب والشّجار، يبدأ في استعراض العضلات وكلّ أنواع الشّتم والسبّ طيلة النّهار، يبقى مدّة ثلاثين يوما يتلوى في قبضة الجوع بعيدا عن استنشاق السّيجار.
تتضارب أفكاره كلّ يوم بشريط صور مختلف الأطباق والحلويات والمشروبات وأنواع السّجائر.. يتسلل كقط جائع إلى السّوق الشّعبية الواقع على مقربة من مقر سكنه "بباش جراح"، يبدأ في ممارسة عادة شراء غريبة شرهة.. لا يمارسها خلال الأيّام العادية وكأنّه يعيدّ العدّة لأيام قحط، يبتاع كلّ شيء دون استثناء مقابل مال موظّف بسيط كان قد تعب في جمعه، يتخلّص بصعوبة من قبضة السّوق..... يعرّج على محلّ خباز الحيّ.. يشتم رائحة الخبز.. يموء انفه.. ترتجف شفتاه.. يشتري كلّ أنواع الخبز الموجودة على الرّفوف كخبز السّميد وخبز الشّعير وخبز الزّيتون وخبز الزّبيب و"المطلوع" الذّي يحب التهامه مع حساء الشّوربة...
ينحى مستسلما كلما عاد إلى البيت.. ينطوي على نفسه في غرفته.. يرمي بجسده على السّرير.. تئنّ مسامير بطنه.. تتوجّع أعماقه.. تتلاشى نظراته المتعبة.. يظهر جثّة بلا روح.. يغطّ في نوم عميق لا يستفيق منه إلّا لحظات قبيل موعد آذان المغرب.
بمجرد سماع صوت المؤذن يشعل سيجارته.. يجذب الأنفاس منها.. يبدأ في امتصاص قطرات الحياة شيئا فشيئا.. يتنفس بعمق.. ينكمش الجوع في أعماق جوفه.. يهدأ بطنه عن الصراخ.. يودع عطش وتعب ساعات الامتناع عن الطعام.. تتجدد الروح فيه.. يشعر بنشوة بالغة.. يعود إلى نفسه ويداعب أفراد أسرته.
بعد الفطور يخرج إلى المقهى الذي تعوّد الذهاب إليه، يجلس في إحدى زواياه ينتظر أصدقاءه الذين يسامر ويلعب معهم لعبة "الدومينو" كلّ مساء إلى غاية منتصف اللّيل.
وهو يحتسي الشّاي، يراقب وفود المصلّيين من النّساء والرّجال التي تروح وتأتي، تتوافد في مواكب إلى المساجد لأداء صلاة التّراويح، يحسّ في قرارة نفسه وبطنه شبعان لا جوعان أنّه مقصّر في حق ربه! يبدأ ضميره الحاضر ليلا الغائب نهارا في تأنيبه بالتلميح والإفصاح، تحتدم ذاته حول طريقة صومه.. تستوقفه صورته قبل صلاة الفجر حيث يستيقظ من أجل السحور.. يملأ ما تبقى من فراغ في بطنه، يلبي نداء الآذان الأخير معلنا توقفه عن الطعام، يأوي إلى فراشه.... يتنهد....ويتمتم في قرارة نفسه: "ما أغربني!".. يرتعش.. يتصبب عرقه...
ولم يزل جالسا مكانه، يتذكر زوجته "حورية" التي تقوم ككلّ ربّات البيوت الجزائرية بطبخ ألذّ الأطعمة، مستخدمة في ذلك مختلف الأواني التّقليدية.. النّحاسية والفخارية.. تجتهد في تزيين مائدة الطعام لتبدو في أجمل حلّة، وتغدو غرفة الاستقبال صالة تتهيأ لاستقبال وليمة فخمة...
ولأنّه رجل مهزوم على يد الجوع فإنّه يبكي هزيمته وفشله في المقاومة بدموع شجار خانق مع رفيقة دربه.. يكبّ على النّبش في زوايا البيت حتى يعثر على ما يوصله إلى قمّة الغضب.. يتشاجر معها حتى ولو كان السّبب تافها. وإن لم تحضّر ما يطلبه منها، محاولة معارضة تبذيره المفرط.. يضربها الضّرب المبرح إرضاء لبكاء معدته البائسة.. تبكي الزّوجة.. تأكل الحسرة قلبها.. تذيب نفسها في رغباته اللاّمعقولة.
وذات يوم كان "جمال" نائما على سريره غير بعيد من شرفة غرفته المطلّة على السّوق الشّعبية، دغدغت أنفه رائحة أكلته المفضّلة مع قطع اللّيمون.. نهض مسرعا وهو على وشك الهلاك جوعا! توجه إلى الشّرفة، أخذت نظراته تشرئب في زقاق السّوق، لفت انتباهه بائع شاب كان يبيع "البوراك".. عصفت معدته.. أخذت تصرخ بلا حدود.. تسمّرت عيناه برهة.. رمق بدهشة هذه اللّفائف المقليّة.. الذّهبية.. المحشيّة باللّحم المفروم والبقدونس والبصل وبعض التّوابل.
ولمّا لاحظ أنّ الطابور كان طويلا، ظنّ أن هذا "البوراك" ألذّ مما تحضّره زوجته "حورية".. غازلته فكرة شرائها.. نسي هاجس جوعه.. حشد قوته.. انطلق كصقر جارح يبحث في الأرض عن فريسته.
وما إن مرّت خمس دقائق من الزّمن، حتى وجد نفسه من جديد بين أحشاء هذه السّوق المكتظّة بالنّاس من مختلف الأعمار وطاولات مدّت على طول الأرّصفة، تبيع كلّ أنواع الحلويات .. الزّلابية.. "قلب اللّوز"...."المحنشة".... "الصامصة".... "الحلقومة" .. "المقروط".. "دقلة نور".. الخ. بالإضافة إلى أنواع المشروبات كالشّاربات والكوكا كولا و"حمود بوعلام"... يخرج نفسا عميقا.. يسرع في خطواته.. يكلّم نفسه: "يا له من مكان! ما أروعه!"
أخذ مكانا في الطّابور، راح يقاوم لفحات الجوع التي تحاشاها بنومه منذ عودته من العمل.. يتنهد بصعوبة وقد نال منه الجهد.. يصارح ذاته بشفافية قائلا:
-"ليت هذه الرّائحة لم تسترق الدّخول إلى غرفتي." لقد دفعته هذه اللفائف إلى عمق جوف الجوع، جعلته يشحت "البوراك" تحت وقع هزات معدته المؤلمة.
تولّدت لديه رغبة في التهام كلّ ما هو موجود أمام عينيه التي تطلّ منهما ساعات الاحتضار!.. كاد لسانه يمتدّ إلى حبات التّمر على الطاولة المجاورة.. شحب لون وجهه.. هرول التّعب إلى جسده.. التوت أمعاؤه.. تلاطمت وذبلت.. ترسبت طبقات جوعه.. إنّها أقسى اللّحظات التي يمرّ بها في حياته!
لم يبق إلاّ دقائق قليلة على رفع آذان الإفطار، ولا يزال شأنه في الطابور الذي كان يتقدم ببطء إلى الإمام، يقف جامدا بلا حراك.
ولمّا بقى أمامه شخصان كان ثالثهم، التفت صوبه شاب في الخامسة والعشرين من عمره، كانت تفصلهما خطوة واحدة، وأخبره بأنّه سيشتري كلّ ما تبقى من صينية "البوراك" ولن يترك له "حبة" واحدة.. صعقه كلام هذا اللّعين.. لم تصدّق أذناه ما سمعت.. شقّ الغضب عقله.. احتضنته ثورة عنيفة..
أبعد رأسه، اسودّ وجهه، جحظت عيناه.. مسح العرق من على جبينه.. تمعن جيّدا هذا الوقح الذي يريد استفزازه.. التهب التهابا.. غشا الغيظ قلبه، شعر أن قدميه واقفتان على فوهة لسعات الجليد.. جمع قوته.. لكمه لكمة عنيفة قوية، فسقط الشاب أرضا.. قبّل "جمال" بفخر يده التي انتقمت لمعدته!
سرعان ما نهض الشّاب، تبادلا اللّكمات ودخلا في عراك عنيف.. سالت الدّماء.. تمزّقت ملابسهما.. تجمهر الصّائمون من حولهما.. عمّت المكان حمى الصّراخ والصّياح، حاول بعضهم فض النّزاع..
استل الشاّب خنجرا من بين ثيابه معلنا انتحار يوم صومه، وفي لمح البصر غرسه في صدره.. نزف الدّم .. سقط جثّة هامدة.. اقشعرّت الأبدان.. احتلّ السّكون الرّهيب المكان.
بمجرد سماع صوت المؤذن يشعل سيجارته.. يجذب الأنفاس منها.. يبدأ في امتصاص قطرات الحياة شيئا فشيئا.. يتنفس بعمق.. ينكمش الجوع في أعماق جوفه.. يهدأ بطنه عن الصراخ.. يودع عطش وتعب ساعات الامتناع عن الطعام.. تتجدد الروح فيه.. يشعر بنشوة بالغة.. يعود إلى نفسه ويداعب أفراد أسرته.
بعد الفطور يخرج إلى المقهى الذي تعوّد الذهاب إليه، يجلس في إحدى زواياه ينتظر أصدقاءه الذين يسامر ويلعب معهم لعبة "الدومينو" كلّ مساء إلى غاية منتصف اللّيل.
وهو يحتسي الشّاي، يراقب وفود المصلّيين من النّساء والرّجال التي تروح وتأتي، تتوافد في مواكب إلى المساجد لأداء صلاة التّراويح، يحسّ في قرارة نفسه وبطنه شبعان لا جوعان أنّه مقصّر في حق ربه! يبدأ ضميره الحاضر ليلا الغائب نهارا في تأنيبه بالتلميح والإفصاح، تحتدم ذاته حول طريقة صومه.. تستوقفه صورته قبل صلاة الفجر حيث يستيقظ من أجل السحور.. يملأ ما تبقى من فراغ في بطنه، يلبي نداء الآذان الأخير معلنا توقفه عن الطعام، يأوي إلى فراشه.... يتنهد....ويتمتم في قرارة نفسه: "ما أغربني!".. يرتعش.. يتصبب عرقه...
ولم يزل جالسا مكانه، يتذكر زوجته "حورية" التي تقوم ككلّ ربّات البيوت الجزائرية بطبخ ألذّ الأطعمة، مستخدمة في ذلك مختلف الأواني التّقليدية.. النّحاسية والفخارية.. تجتهد في تزيين مائدة الطعام لتبدو في أجمل حلّة، وتغدو غرفة الاستقبال صالة تتهيأ لاستقبال وليمة فخمة...
ولأنّه رجل مهزوم على يد الجوع فإنّه يبكي هزيمته وفشله في المقاومة بدموع شجار خانق مع رفيقة دربه.. يكبّ على النّبش في زوايا البيت حتى يعثر على ما يوصله إلى قمّة الغضب.. يتشاجر معها حتى ولو كان السّبب تافها. وإن لم تحضّر ما يطلبه منها، محاولة معارضة تبذيره المفرط.. يضربها الضّرب المبرح إرضاء لبكاء معدته البائسة.. تبكي الزّوجة.. تأكل الحسرة قلبها.. تذيب نفسها في رغباته اللاّمعقولة.
وذات يوم كان "جمال" نائما على سريره غير بعيد من شرفة غرفته المطلّة على السّوق الشّعبية، دغدغت أنفه رائحة أكلته المفضّلة مع قطع اللّيمون.. نهض مسرعا وهو على وشك الهلاك جوعا! توجه إلى الشّرفة، أخذت نظراته تشرئب في زقاق السّوق، لفت انتباهه بائع شاب كان يبيع "البوراك".. عصفت معدته.. أخذت تصرخ بلا حدود.. تسمّرت عيناه برهة.. رمق بدهشة هذه اللّفائف المقليّة.. الذّهبية.. المحشيّة باللّحم المفروم والبقدونس والبصل وبعض التّوابل.
ولمّا لاحظ أنّ الطابور كان طويلا، ظنّ أن هذا "البوراك" ألذّ مما تحضّره زوجته "حورية".. غازلته فكرة شرائها.. نسي هاجس جوعه.. حشد قوته.. انطلق كصقر جارح يبحث في الأرض عن فريسته.
وما إن مرّت خمس دقائق من الزّمن، حتى وجد نفسه من جديد بين أحشاء هذه السّوق المكتظّة بالنّاس من مختلف الأعمار وطاولات مدّت على طول الأرّصفة، تبيع كلّ أنواع الحلويات .. الزّلابية.. "قلب اللّوز"...."المحنشة".... "الصامصة".... "الحلقومة" .. "المقروط".. "دقلة نور".. الخ. بالإضافة إلى أنواع المشروبات كالشّاربات والكوكا كولا و"حمود بوعلام"... يخرج نفسا عميقا.. يسرع في خطواته.. يكلّم نفسه: "يا له من مكان! ما أروعه!"
أخذ مكانا في الطّابور، راح يقاوم لفحات الجوع التي تحاشاها بنومه منذ عودته من العمل.. يتنهد بصعوبة وقد نال منه الجهد.. يصارح ذاته بشفافية قائلا:
-"ليت هذه الرّائحة لم تسترق الدّخول إلى غرفتي." لقد دفعته هذه اللفائف إلى عمق جوف الجوع، جعلته يشحت "البوراك" تحت وقع هزات معدته المؤلمة.
تولّدت لديه رغبة في التهام كلّ ما هو موجود أمام عينيه التي تطلّ منهما ساعات الاحتضار!.. كاد لسانه يمتدّ إلى حبات التّمر على الطاولة المجاورة.. شحب لون وجهه.. هرول التّعب إلى جسده.. التوت أمعاؤه.. تلاطمت وذبلت.. ترسبت طبقات جوعه.. إنّها أقسى اللّحظات التي يمرّ بها في حياته!
لم يبق إلاّ دقائق قليلة على رفع آذان الإفطار، ولا يزال شأنه في الطابور الذي كان يتقدم ببطء إلى الإمام، يقف جامدا بلا حراك.
ولمّا بقى أمامه شخصان كان ثالثهم، التفت صوبه شاب في الخامسة والعشرين من عمره، كانت تفصلهما خطوة واحدة، وأخبره بأنّه سيشتري كلّ ما تبقى من صينية "البوراك" ولن يترك له "حبة" واحدة.. صعقه كلام هذا اللّعين.. لم تصدّق أذناه ما سمعت.. شقّ الغضب عقله.. احتضنته ثورة عنيفة..
أبعد رأسه، اسودّ وجهه، جحظت عيناه.. مسح العرق من على جبينه.. تمعن جيّدا هذا الوقح الذي يريد استفزازه.. التهب التهابا.. غشا الغيظ قلبه، شعر أن قدميه واقفتان على فوهة لسعات الجليد.. جمع قوته.. لكمه لكمة عنيفة قوية، فسقط الشاب أرضا.. قبّل "جمال" بفخر يده التي انتقمت لمعدته!
سرعان ما نهض الشّاب، تبادلا اللّكمات ودخلا في عراك عنيف.. سالت الدّماء.. تمزّقت ملابسهما.. تجمهر الصّائمون من حولهما.. عمّت المكان حمى الصّراخ والصّياح، حاول بعضهم فض النّزاع..
استل الشاّب خنجرا من بين ثيابه معلنا انتحار يوم صومه، وفي لمح البصر غرسه في صدره.. نزف الدّم .. سقط جثّة هامدة.. اقشعرّت الأبدان.. احتلّ السّكون الرّهيب المكان.
بوزريعة جوان 2009
تعليق