العودة إلى الأوراق المنسية… العودة إلى الغواية سعيف علي شهادة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سعيف علي
    عضو أساسي
    • 01-08-2009
    • 756

    العودة إلى الأوراق المنسية… العودة إلى الغواية سعيف علي شهادة

    العودة إلى الأوراق المنسية… العودة إلى الغواية سعيف علي
    كثيرا ما كنت أصطلي بحرقه الكتابة، كالجسد المسفوح الذي ينتظر لفافات الطبيب ليضمد جروحا ‏غائرة بعيده. حاولت لسنوات أن أعود إلى الكتابة بعد أن أخذني الشغل إلى الهموم اليومية المتراكمة والالتزامات التي لم تكن تنته حتى رمتني أرضا، ولكم كنت أعرف إنها ستطرحني . ضلت الاختلاجات النفسية تفعل بي فعلا رهيبا، تعقد كل غريب الشعور وتصطفي كلاما معقودا ‏مركبا نائيا عن الكلام ونائيا عن الفهم أحيانا فاضطر للكتابة ملقيا الكلام على عواهنه ليتسنى لي الرجوع إليه حينا آخر أعيد فيه الحياة.
    ‏بين رزم الأوراق البيضاء النائمة خلف الدولاب. كتابات بلا عنوان ولا تاريخ . هي بعض كلمات أو ‏ا بعض فقرات. وهي كذلك بضع صفحات كان التشويش والاضطراب هو قاسمها المشرك بي. كنت اكتبها في فترات متقطعة، وأنا أحاول في كثير من الحين أن أدفق فيها إحساسا عابرا أو أسجل فكرة ‏تعبرني كسحابة وما أكثر ما تعبرني.
    ‏قررت أن أتخلص من هذا المارد النائم وأنا أنفض عنه الغبار. لم أكن خائفا من لعنته، لكني قررت أن أستغله في مشروع كتابة جديدة .‏كانت الفكرة في حد ذاتها تحديا لي وملامسة لقدرتي على استيعاب ما لا أستطع استيعابه. فقد ‏كان علي أن أجعل وعاء كتابة مركبة، ومزدوجة، ومضطربة حتى تستطيع ‏أن تستوعب كل هذا الزخم.
    ‏كان التحدي الرئيس أن أقوم بعميلة فرز متعبة، وأن أبوبها بقدر المستطاع لأدسها بين ‏تقلباتها. كان هذا الأمر يشاكل الغرق بقدرما يشاكل السباحة، ويشاكل الحقيقة بقدر ما يشاكل الوهم ويشاكل مكوثك أرضا بقدر ما يشاكل طيرانك ويشاكل وقوفك بقدر ما يشاكل سقوطك.
    ‏لست بحق متأكدا من نجاحي في هذا الرهان، ولا استطاعتي أن أغامر معها في بلاد عجيبة، لكني ‏كنت هذه المرة مصرا على الأمر لذلك قررت أن أختار بعض الحلول. الميسرة التي تمكن من الاهتمام بالكتابة بعيدا عنها و بالكتابة داخلها. كان على أول الأمر أن أعيد كتابتها على جهاز الكمبيوتر بنفسي حتى أكون قد أعدت قراءتها و كتابتها في آن واحد و هذا ما يمكنني فيما بعد من دسها بين الصور بتقنية النسخ و الإلصاق.
    ‏كان الأمر يحق ملهما فالعودة بالخاطر إلى ذكريات صغيرة و ملحوظات قد تعيدك ثوان ثم تتركك يأخذك مثلما يأخذك جمال فتاة عابرة ثم تنساه. كان الأمر بحق بديعا مكتملا في نقصه و في لغته التي تكون في بعض الأحيان منقوصة متشظية و كان تبويبها في شكل ‏جذاذات يقوي رصيد الأفكار التي أنا بصددها .
    ‏أن تبدع كان يعني دائما أن تطارح و تقارع امتدادك الفيزيائي في الفضاء و بين عالم الحلم الذي هو كتابة هنا و أن تهادن و تراوغ العالم المحيط أو أن تطب منه الصفح على عالم الغياب الذي تنغمس فيه لحين و تعود فيه لنفسك، وكان هذا الأمر يطالبني بالمثابرة و المجاهدة و تحمل نظرات العتاب و ما أكثرها،وأن أنازع نفسي في علياءها حتى تعود إلى وحيها مثل صدفة ممهورة بالذهب .
    ‏أخذت مني إعادة الكتابة حوالي الأسبوعين الكاملين من المداومة و التعب و نقلها و ‏وترصفها وتشذيبها . كان أصعبها صفحات لا تحوي غير جمل صغيرة أو ألفاظا متناثرة. كان علي إما أن أعيد كتابتها محترما كل الخطوط التي تتعقب عباراتها المتناثرة و التي تصلها بالأسهم أو أن أتركها و كان الأجدى بعد تفكير أن أسحبها إلى داخل الحاسوب كما هي بتقنية السكنار
    ‏[ كيف تعود إلى أوراقك القديمة، و كيف تقرأها . كان الأمر محيرا حقا و ممتعا في صعوبته و في انزياحه، فالمسألة اعتبارية بحتة بمعنى أنه كان علي اما أن أعتبرها لحظات إبداع أو أعتبرها تسجيلا و لخبطة قلم لم يكن يستطيع أن يرسم جملة واحدة. كان هذا مهما لأن الزمن قيد مثلما هو انفلا ت، فلحظة الإبداع تضل مصدرا بالمعنى اللغوي غير خاضعة للزمن و غير مقيدة إلى الآلة الحاسبة كما أن التسجيل يمكنك من تتبع الخيط الرفيع الذي يربط فكرة بأخرى، و يلجم الأسماء من أن تتقيح حشوا زائدا و كذا
    ‏تتمدد الفكرة كما يتمدد الجسد المسجى في لفائف الحلم و الخيال و يتمدد كما تتمدد سحابة غنية بالماء في سماء أرض مجدبة . تدعوا الأرض و تتسربل بالصلاة حتى تكون خصبة ندية متعبة بخضرتها وسيقان أشجارها مكبلة بجذور زيتونها و تينها و خربوها و فومها و قثائها.
    و كذا أنا ممعن في الصلاة و ممعن في التيه والبحث والحفر. لا أقلم أظافري إلا لماما ولا أقص شعري إلا قليلا ولا تمشطني أمي وقد نسيت أني مازلت بحق طفلا اخرق ‏كثير السفه و كثير الغلط .
    ‏يتمتدد الكلام على هذه الصفحات مثلما تتمدد حبيبة على فراشي ويتمدد الحب كما تتمدد على خديك قبلة، ومثلما أنام على شفة فاتنة، أحلم فيها القبل. فالكتابة حب والحب تيه وإغواء ونقيصة ،والحب شعر والشعر إغواء ومناسبة فرح وترح فى آن
    ‏كان الشعر مناسبة فى كل الذي قرأته قبل هذه الجملة فله عندي قصة وله عندي صعوبة. فقد كان في بعض الأحيان يقترفني حتى كأنني مجنون يخور مثل ثور أسطوري، كنت مضطرا إلى الكلمات البسيطة القليلة والغنية عوض فسحة النثر. ولطالما استبد بي الشعر حتى أنه لا يتركن إلا في مخاض عسير وفي مدار هو بحق مدار الرعب والرهبة ومدار ‏الجنون
    ‏كان الشعر يأسرني ويغمض عينيا ويكبلني إليه مثل ورقة التوت التي تغطي عورة حواء ‏وما أجمل حواء بلا ورقة التو ت، وما أجمل أن تكون التضاريس عورة المنبسط. كان الشعر يمنعني عن النثر، وكان النثر يرجوني وأرجوه وكان يرفعني ثم يلقنيى، كأنني إذ أطير أقع وإذ أقع أطير مثل جناح بلا تجربة .
    قد تقف أمام الجنون والحكمة في آن واحد . وتقف عند النثر وعند المفردة البسيطة التي تهدي ‏لك المعنى متسقا ومتعاونا غير صعب ولا طاغ .‏ كنت أريد بحق أن أحكم كل تك الخيول البيض التي ترتع في خضرة المعنى وتجعلها كما يجعلها مدرب السرك، تسير على تلك المساحة فى انتظام حلو ورتابة قوية لا تهتز بعاصفة كحافر يطأ اليبس و يطأ أيضا اللين، لكنه يتقدم على نغم السياط وقد تكون الإرادة نورا بين عالم الكلمة الشعرية و عالم الكلمة التي تنطقها سلالة النثر.
    ‏كنت أود في بعض الحين أن أفلح في مناصفة الطريق وإخراج بعض بريق الضوء إلى الكلمة الناطقة واذا أفلحت فسيكون بإمكاني أن أوجه الكتابة نحو إشراق الحلم والخطف واللمعان المعشي… لا أزال في الأنين حتى أكون موتا وحتى تكون الورقة حجرا يدمغ السهولة. هل يمكن أن يكون الصراع بين جلال الشعر وجلال النثر معركة صارخة تدور في ذهني، تشغل أكثر ما تشغل مهجتي وكياني ولا تدعني إلا نبضا متفرجا ونبضا عميقا في أرض المعركة لا تستطيع المشي فيها دون أن تقطع الجثة طريقك وتقتحمك الرصاصة .
    ‏الغريب أن كل هذه التداخلات قد توحي بالخصوبة، لكنها عقم، يجعلك بليدا متنافرا غير قادرا على الترصيف وهو أمر صارمقلقا حقا. فأنا أريد أن أحكم أمواج تلك التأملات وأخضعها إلى سياق الجملة والنسق وسياق الحكاية الذي لا يكون إلا وليد تتابع الحدث ودخول الزمن وارتفاع الكلمة
    ‏كيف تمضي بعيدا بنفسك وبآلائك و كيف تمضي بعيدا عنك وبعيدا عني وبعيدا عن بوارق السحب وكيف تمتص الصاعقة إذا لم تكن قادرا على استيعاب الشحنة التي تستبد بك وتجعلك أسيرا فارغ الفاه مترصدا بغير النزول من الشعر
    ‏النزول هنا ليسر عملا فكريا أو تمرينا فقط ولكنه تصميم على أمر قد لا يكون لك. يقترب منك ليبعدك في عنف نحو الجدران ولك أن تتصور كل هذا الألم وكل ما يمكن أن يجاوز معنى الألم. أليس الحطام ألما داميا وصورة تضلل.؟
    ‏. النثر…النثر هكذا كنت أنادي وأنا على غير عادتي أصارح الكتابة إني كنت اتبع في الشعر الإيقاع لا الوزن وهذا ما جعلني مضطربا بين صورة شعرية ونفس دافق المجاز وبين وزن يأسرني. كانت الطامة الكبرى يوم عمدت إلى شعر محمود درويش أمارس قراءته وأمارس عشقه. وكان أكثر ما يأسرني فيه هو قوته وإيحاءه بالموت والتغني بالنهاية وكان ظني به أنه ينظر إلى كل حياته ويقولها وهو يقدم كفنه ويعد جسده للتحلل وللتراب.
    ‏كان قويا باهرا، جليلا،خارقا، مفعما ومقيدا ومرسلا. كان رسوليا وجداريا. ضل كل هذا يدفعني إلى قول الشعر ويدفعني معه الى التورط فيه وكان خطنى في قراءة شعره مأسورا بشعرتيه الفذة واقترابه من التفاصيل التي كانت تطيني الانطباع أنه انفك عن الوزن و دحا إلى النثر أو ما بات يعرف بقصيدة النثر و كان هذا الأمر خطيرا
    ‏تلد الرحلة المسافة و تلد المسافة البعد و يلد البعد الرقم و يلد الرقم انغماسك في العد . فان كان بسيطا كفته أصابعك وأن تعقد لم يكن لك إلا أن تأخذ ورقة و تمتطي جداول الضرب و الجمع و الطرح، أي أن انشغالك يجب أن يكون مؤسسا على الحقيقة الرياضية وعلى النسق
    ‏النثر إذا أسر و عوانله و خدمه مردة كزبانية جهنم تدخله بالرغبة و تتمتع فيه بالمثابرة، و إلا لفظك وطرحك أمام قضبانه بعد أن يكون جعلك ظلا من الضلال الكثيرة التي تحيط حياتك و تجعلك شغلا في مدار العادة والحاجة و الفاقة الدائمة رغم الغنى.
    إلا أن النثر صنو الشعر ممارسة محرمة و اشتغال بالحب و العشق و البدعة و الحلم و الإحلام و بارتكاب الحياة. و هو إذ يكون كتابة يكون نصا و إذ يكون نصا يكون جسدا يخضع عند الولادة للمشرط وللأداة و هذه محنته الأزلية و محنة كل كتابة مبدعة قريبة ‏ من الحلم و منغمسة في الانفصام و الازدواج و الإرتواز. وكذا متعة و متعة و لحظات عذاب متمتع في اللذة. هو لحظات من السحر و أصوات من مزمار داود وقوة سليمان .
    ‏أنت كما أنت ضالع في أسمائك و متجذر داخلها،و متأجج في أنانيتك و وحدتك وعزلتك و ليس هذا غير بعض الحقيقة التي لا ترض أن يعقدها في صوتك و لا ترض أن تفسح لها سماء غير السماء التي تؤويني و تؤويك .تمتطي السماوات السبع لان سماء واحدة لا تكفيك. و كذا يكون النثر مثل الشعر و القص مثل القصيدة و كذا تعود لتغني ألمك بكلمات ليست إلا مجازا كالشعر ينتصر فيها لأنه لمعانها و كذا الكتابة كل الكتابة .

    سعيف علي


    اني مغادر صوتي..
    لكني عائد اليه بعد حين !
  • سعيف علي
    عضو أساسي
    • 01-08-2009
    • 756

    #2
    شكرا دكتور وسام البكري
    دمت مبدعا متالق الكلمة
    ثابت القدم راسخا
    ابداع و تواصل
    محبة
    سعيف علي
    اني مغادر صوتي..
    لكني عائد اليه بعد حين !

    تعليق

    يعمل...
    X