الاجتهاد الأصولي بين جهود الصادقين وانتحال المبطلين
مدخــــــــــل :
لو كتب كاتب خارج عن الملة نقدا لاذعا لأصول الفقه لقيل إن الأمر لا يعدو أن يدخل في مفهوم قوله عز وجل :
] وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا[[ البقرة : 217].
ولا يسعنا إلا الصد عنه : لكونه مجرد حجر عثرة ينبغي أن نتقيه؛ لكن الأمر تبنته طائفة اتسمت بالعلم ووجهت سهامها لأصول الفقه لا لترميه بسهم قاتل في نظرها ومعتقدها, بل لتزرع فيه جدية الحياة ومفاهيم العلوم المعاصرة.
إنها دخلت أرضية علم أصول الفقه لتنبذ أو تضيف مفاهيم أو وسائل لإدراك أشياء غابت أو تغيب عند الأصوليين.
وصراع التقليد والتجديد صراع دفتين لباب واحد، ولكل منهما أنصار ومعارضون، والأمر مخالف عندنا في مسألة علم أصول الفقه، ذلك ليس لأننا نتبنى الجمود و التقليد؛ إذ الماء الراكد لا يصلح للوضوء، و لكن لا نستبيح الحمى لكل من هب ودب، وبخاصة للمترفعين عن النظر بعين التقدير والاحترام لتراث الأجداد من لدن بعض الباحثين من أصحاب الشواهد العليا، الذين يعمدون إلى تحطيم حصوننا من الداخل :
أولا : لكون علم أصول الفقه وضع للكشف بمسالكه الدلالية، وبقواعده الأصولية اللغوية ما يستنتج من فهم سليم للنص الرباني، أو النبوي من خلال الفهم العربي للنص.
ثانيا : أن علم أصول الفقه هو الحصن الحصين للشريعة، لكون الأصولي هو مستنبط الأحكام ومستخرجها من أصلها؛ الكتاب والسنة والأدلة المنبثقة عنها.
ثالثا : أن العالم الغربي يحاول بكل قواه مواجهة الأمة الإسلامية وروحها العنيدة واستماتتها في حفظ مقدساتها بدعوى تطوير العلوم، في وقت يئس فيه الاستعمار القديم من مواجهات الحل العسكري واستباحه الغزو الأمريكي بعد أحداث 11 شتنبر2001.
رابعا : وهو الأهم أن علم الكتاب والسنة إضافة لكونه علما منبثقا عن اللغة العربية فقد شمله وصف الربانية وتناولته مئات العقول النيرة وهذا ما يزيح عنه تهمة الفرق بين " المدلول" من النص " والمراد" بالنص.
خامسا : حبذت طائفة من بني جلدتنا المتكلمة بألسنتنا ولغتنا الدخول علينا لهدم حصوننا من الداخل من باب علم المنطق الذي منهج العلوم سواء الشرعية منها أو غيرها.
وإذا وافق السابقون على نهج المنهجية المنطقية للعلوم الإسلامية، فإنهم ألحوا دائما على شرط أساسي وهو كون العلوم تؤخذ من أفواه الرجال لا من الصحف, ذلك لكون العلماء الربانيين هم حملة المشعل الإيماني ينفون عنه تأويل المنحرفين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين.
سادسا : لا يتأتى الاجتهاد إلا لمن سبر أغوار علم السلف الصالح وأحاط به وتبينت له ثغرات قد يكون السلف لم يلتفتوا لها, أو لم تكن الحاجة داعية لذلك في زمانهم.
بعد كشف هذه الحقائق لتبيين عثرة الراغبين في تحطيم حصوننا من الداخل وجب أن نكشف لهم مصير جهودهم حتى لا تضيع سدى إن راموا الهدى وابتغوا الرشاد :
{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }[الصف : 8] .
كشف الملابسات :
تعرض علم أصول الفقه لعدة محاولات لتشويهه، وصد الناس عنه، إما من لدن من حاول جاهدا تجفيف ينابيع العلوم الشرعية الثرة المتدفقة، كما هو مسطر في برنامج عدة حكومات في عصرنا الراهن، وكما تعرض في السابق على يد حكام الجور بدعوى غلق باب الاجتهاد. وإما كما تتالت ضربات المستشرقين لهذا العلم؛ فكتاب جولد تسهر "مذاهب التفسير الإسلامي" يعد نموذجا يفتح شهية المنافقين والطاعنين في دين الله، وبالخصوص في علم أصول الفقه.
ومضت أقلام من كل حدب وصوب تصوب سهامها لأصول الفقه، وأقتصر على ذكر محمد أركون وكتابه " الفكر الأصولي واستحالة التأصيل" وقبله وبعده تعالت صيحات تنادي بدراسة علم المصطلح وجمع المصطلحات الشرعية في قاموس خاص، وها نحن أمام دعوات أخرى تنادي بالاعتناء بالهرمنيوطيقا وإقصاء كثير من القواعد والضوابط التي هي أساس الاستنباط في علم أصول الفقه.
إن الدعوات المغرضة تموت لوحدها وتنتهي بانتهاء صاحبها لكن الذي يعنينا ويهمنا الوقوف معهم هم دعاة المصطلح ودعاة الهرمنيوطيقا وقبلهم دعاة المنطق، لاعتقادهم أن هذه العلوم جادة في خدمة علم أصول الفقه ونظرا لصدق طوية أصحابها وإخلاصهم لدينهم.
مع دعاة المنطق ومعارضيه :
عارض أهل الحديث خصوصاً والفقهاء عموما إدراج علم المنطق في علم أصول الفقه أو في الاستشهاد بنتائجه، ومن جملتهم النووي وابن الصلاح اللذيْن أصدرا فتوى بتحريمه وأبو الوليد الباجي والقاضي عياض اللذيْن نهيا عن قراءته، والإمام أبو عبد الله المارزي الذي لم يقر رد أصول الفقه لأصول المنطق وعمر بن محمد الخليلي السكوني الإشبيلي صاحب كتاب "المنهج المشرق في الاعتراض على كثير من أهل المنطق".
ومن أشهر المعترضين على المنطق الإمام أحمد تقي الدين ابن تيمية في كتابه " نقض المنطق" واستعرض فيه مواقف العلماء الذين ذموه ونهوا عنه ورد على المغالين في التنويه به، بعد أن درس قوانينه وقواعده وسبرها، الشيء الذي مكنه من نقدها.
والإمام الشاطبي أحد تلامذة المقري يستخف بشأن ما رسمه المناطقة وما حددوه من أشكال وما ضبطوا له من قواعد.
وأبو عبد الله المقري من المستعملين لبعض أدوات علم المنطق لخدمة علوم أخرى, وأنه صاغ أحكامها في قالب الكليات خص بها القسم الثاني من كتاب " عمل من طب لمن حب" .
وابن حزم رحمه الله مع شدة رفضه للقياس الشرعي الأصولي فقد تبنى القياس المنطقي.
والغزالي ألف كتابه " معيار العلم في فن المنطق " قال فيه مبررا الباعث على تحريره : إن الباعث على تحرير هذا الكتاب الملقب بمعيار العلم غرضان مهمان :
أحدها تفهيم طرق الفكر والنظر وتنوير مسالك الأقيسة والعبر... فلما كثر في المعقولات مزلة الأقدام, ومثارات الضلال, ولم تنفك مرآة العقل عما يكدرها من تخليطات الأوهام وتلبيسات الخيال, رتبنا هذا الكتاب معيارا للنظر والاعتبار, وميزانا للبحث والافتكار، وصيقلا للذهن ومشحذا لقوة الفكر والعقل, فيكون بالنسبة إلى أدلة العقول كالعروض بالنسبة للشعر، والنحو بالإضافة إلى الإعراب...
والباعث الثاني الاطلاع على ما أودعناه كتاب تهافت الفلاسفة فإنا ناظرناهم بلغتهم وخاطبناهم على حكم اصطلاحاتهم التي تواطئوا عليها في المنطق، وفي هذا الكتاب تنكشف معاني تلك الاصطلاحات؛ فهذا أخص الباعثين، والأول أعمها وأهمها. أما كونه أهم فلا يخفى عليك وجهه وأما كونه أعم فمن حيث يشمل جدواه جميع العلوم النظرية : العقلية منها والفقهية, فإنا سنعرفك أن النظر في الفقهيات لا يباين النظر في العقليات في ترتيبه وشروطه وعياره بل في مآخذ المقدمات فقط. (معيار العلم في فن المنطق لأبي حامد الغزالي، ص 26.)
ووطد الغزالي رحمه الله السبيل لولوج علم المنطق فتدارسه الناس وقعدوا فنونه و أرجزوها كما فعل صاحب " السُّلم " وباشروا علومها وبقي علم الأصول منزها عن علم المنطق اللهم إلا ما خالطه في العلوم العقلية كالاستدلال والقياس على فارق بين المسميات.
ومن هذا الاستخلاص وجب عدم الوقوف مع دعاته لما طوى الزمان أغراضهم وبان علم أصول الفقه عن علم المنطق وسلك كل منهما سبيله.
وقفة مع دعاة علم المصطلح :
مع التطور الهائل في العلوم والتكنولوجية، والنمو السريع في التعاون الدولي في الصناعة والتجارة، والإقدام على استخدام الحاسبات الإلكترونية في تخزين المصطلحات ومعالجتها وتنسيقها، طور العلماء المتخصصون واللغويون المعجميون والمناطقة علما جديدا أطلق عليه اسم : "المصطلحية" (علم المصطلح).
تعريف علم المصطلح :
" العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية والمصطلحات اللغوية التي تعبر عنها "( مقدمة في علم المصطلح القاسمي, ص : 17- 18).
وهو علم مشترك بين علوم اللغة والمنطق والإعلاميات وحقول التخصص العلمي. و يهمّ المتخصصين في العلوم والتقنيات والمترجمين والعاملين في الإعلاميات وكل ما له علاقة بالاتصالات المهنية والتعاون العلمي.
هكذا نشأ علم المصطلح ليحافظ على مسار اللغة ولدراسة مصطلحات فن من الفنون. وبخاصة في عالم العلوم الصناعية من تكنولوجية وكيميائية الخ... واختار أقوام إقحام هذا العلم في علم أصول الفقه واعتبروه أصلا أصيلا يخدم الدين والعلم بل وأسسوا الوحدات العلمية الخاصة بذلك، وهنا نتساءل ما جدوى علم المصطلحات الذي أقحم في علم أصول الفقه؟
قد يقول قائل : " فالنظرية العامة للمصطلحية تبحث في المفاهيم والمصطلحات التي تعبر عنها، وتستخدم نتائج البحوث في هذه النظرية كأساس لتطوير المبادئ المعجمية المصطلحية وتوحيدها على النطاق العالمي ومن أهم موضوعات البحث في النظرية العامة لعلم المصطلح هو طبيعة المفاهيم، وتكوينها وخصائصها والعلاقات فيما بينها وطبيعة العلاقة بين المفهوم والشيء المخصوص, وتعريفات المفهوم, وكيفية تخصيص المصطلح للمفهوم والعكس بالعكس وطبيعة المصطلحات ووضعها". (مقدمة في علم المصطلح، القاسمي، ص20- 21).وهذه الأمور برمتها من اختصاص علم أصول الفقه، فما ينكره المنكر؟
وحتى يكون البرهان ناصعا والمثال واضحا ترى ما جدوى إقحام العلم المصطلحي في علم أصول الفقه؟ أتراه يزيد الفهوم إدراكا ويجمع كل ما قيل في المصطلح للاستهداء والاسترشاد بمضامين المصطلح؟
للإجابة عن هذا السؤال أسوق كلاما لطيفا لمحمد حسين فضل الله في الموضوع :
" أما توظيف المعارف الألسنية في التفسير فهي مسألة خاضعة لدراسة هذه المعارف على مستوى النظرية باعتبار أنها مما تخضع للجدل في طبيعتها العلمية من جهة في ميزان الخطأ والصواب, وفي التعرف على مدى انطباقها على قاعدة المناخ النفسي والاجتماعي الذي يحيط بالمرحلة التاريخية للنص, باعتبار أن أساليب التفاهم لدى الشعوب قد تخضع لما يشبه المصطلحات التي تختلف بين شعب وآخر أو بين مرحلة وأخرى, لأن الكلمة قد تشبه الرمز في دلالتها على ما يضمره الإنسان مما يريد التعبير عنه بحيث يتسالم أهل اللغة على أنه إذا أطلق هذا اللفظ أراد به هذا المعنى بحيث لو تجاوزه إلى خصوصيات أخرى لا علاقة لها باللفظ ولا بما يحيط به واجهوه بأنه لم يأت بدليل عليه, وفي ضوء ذلك لابد من دراسة معمقة على مستوى مفرداتها الفكرية ومرحلتها التاريخية وخلفياتها الاجتماعية, بحيث لا تكون غريبة عن الذهنية الشعبية العامة حتى على مستوى المثقفين فلا يتحقق التفاهم من خلالها... وبكلمة واحدة أن أية نظرية في الواقع الاجتماعي الإنساني في طبيعة العلاقات أو في طريقة التخاطب أو في قواعد التفسير لا بد أن تدرس كل خصوصيات المجتمع الذي يراد لها أن تحكمه وتتحرك فيه, وهذا هو ما تحتاجه مسألة الجمع بين ما هو الواقع في المسار التاريخي والنظريات الجديدة. لأن للشعوب مرتكزات عميقة في وجدانهم اللغوي والنفسي والاجتماعي. بحيث تتحول النظرية الجديدة إلى حالة فوقية تفرض عليه من الخارج في تصـــــــورات أصحابها وتحليلاتهم الذاتية بما لا ينسجم مع الواقع. (مجلة قضايا إسلامية معاصرة عدد 19، حوار مع محمد حسين فضل الله تحت عنوان: التأويل وتعدد القراءات، ص11).
وهذا ما ذهب إليه الدكتور يوسف القرضاوي حيث يقول : " فإن الألفاظ تتغير دلالتها من عصر لآخر ومن بيئة لأخرى، وهذا الأمر معروف لدى الدارسين لتطور اللغات وألفاظها وأثر الزمان والمكان فيها.
فقد يصطلح الناس على ألفاظ للدلالة على معان معينة، ولا مشاحة في الاصطلاح, ولكن المخوف هنا هو حمل ما جاء في السنة من ألفاظ (ومثل ذلك القرآن) على المصطلح الحادث. وهنا يحدث الخلل والزلل.
... لا يزال هذا التبديل يتسع, مع تغير الزمان, وتبدل المكان, وتطور الإنسان, إلى أن تصبح الشقة بعيدة بين المدلول الشرعي الأصلي للفظ, والمدلول العــــــــرفي أو الاصطلاحي الحادث المتأخر, وهنا ينشأ الغلط وسوء الفهم غير المقصود، كما ينشأ الانحراف والتحريف المتعمد".-( كيف نتعامل مع السنة، ص : 179- 180).
وحينما نعمد إلى تحديد المصطلحات للمفردة الواحدة عبر الأجيال والأماكن ونضع القاموس المصطلحي، ألا يمكن بعدئذ للمجتمعات أن تضيف معنى على مختلف معانيها لم يكن معروفا من ذي قبل، تفرضه الظروف البيئية، و يسهم في تطوير اللغة، ويزيد للمصطلح معنى إضافيا؟ أم ترانا نجمد ونكتفي بما ساقه السلف الصالح من معان للمصطلح الواحد عبر مختلف البيئات الاجتماعية؟ وآنئذ وجب الإدراك أنه لا ينبغي التصلب فنكسر ولا نلين أكثر من اللازم فنعصر. وعلى سبيل المثال : فإن لفظة " سيارة " استعملها العرب للدلالة على العير والجماعة من الناس و ندرك أن سيارة اليوم هي دابة حديدية ومن يدري أن سيارة الغد ستكون فضائية.
وبين ما يستخلص من مراد النص ومن دلالته تتدخل أيضا "الهرمينوطيقا " لإزاحة الإشكال. وهنا نتساءل أنحن في حاجة إلى علم المبهم لإزاحة المشكل أو التأويلية في فهم نصوص الكتاب؟ - كما يحلو لعبد الملك مرتاض تسميتها- (- مجلة عالم الفكر المجلد 29 العدد الأول، ص 263، مقال تحت عنوان التأويلية بين المقدس والمدنس.)
لقد تعامل سلفنا الصالح مع نصوص الكتاب منذ أمد بعيد فوقفوا مع اشكالاته وحلوا غوامضه دونما حاجة " لهرمينوطيقا " أفنكون نحن بحاجة إليها دونهم؟
وقفة مع دعاة الهرمينوطيقا :
يقول محمد مجتهد شبستري : " الفلسفة الهرمينوطيقية غير منفصمة عن التراث أساسا. إنها فلسفة متناسجة بطبيعتها مع التراث والسنة، والذين لا تربطهم بالسنة وشائج روحية لا يعبؤون بالهرمنيوطيقا, لأن الهرمينوطيقا في الأصل نظرية للتفسير والتأويل.
إن انبثاق الهرمينوطيقا في اليهودية والمسيحية والإسلام جاء على ضوء السؤال : كيف يمكن التوافر على فهم أعمق وأصوب لتعاليم الأنبياء والأئمة المتأتية عن الرسالة الإلهية والمتجلية في الكتب المقدسة؟ فحوى هذه العملية أننا نتحرى الحقيقة المودعة في الكتب المقدسة وتعاليم الأنبياء باستخدام أداة الهرمينوطيقا الفلسفية، نريد أن نفهم تلك الحقيقة ونعيشها. والذين يرون أنفسهم في غنى عن الأسفار المقدسة والإرشادات النبوية، ويعتقدون أن الإنسان المعاصر قادر على صياغة نماذج يعيش في ظل هديها ناسيا الماضي، لا يفكرون أبدا في تفسير مضامين الكتب المقدسة وتأويلها. ونحت مناهج ونظريات لعملية التفسير هذه". (مقال لمحمد مجتهد شبستري في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 19، ص 31- 32).
[COLOR="Blue"] إن حوزاتنا العلمية لن تكون قادرة على تبوء مكانتها بين الثقافات الإنسانية في عصر الحداثة, و التحرر من التضارب والتناشز والتخبط الذي يسودها, من دون مرتكزات في الهرمنيوطيقا الفلسفية, واتخاذ وجهة مكينة على صعيد الهرمنيوطيقا الدينية. إن رفع لواء الهرمنيوطيقا الفلسفية و الدعوة إلى تأسيس هرمينوطيقا دينية إسلامية هي عين الإخلاص لثقافة المسلمين و إسداء الخدمة لها.( نفس المصدر السابق، ص 35.)
الهرمينوطيقا الفلسفية تعني بجلاء أنها أداة لتحصين التراث الديني وإثرائه. وليست حيلة لإقصائه. ويعلم من له أدنى معرفة بالدراسات الهرمينوطيقية الفلسفية والدينية في العصر الحديث أن استخدامها في علم اللاهوت والمعارف الدينية يقصد منه إحياء " الحقيقة الدينية " والإبقاء عليها دون نبذها أو تغييبها.( نفس المصدر السابق، ص32)
ويقول حسن حنفي : " إن الهرمينوطيقا تعني علم التأويل والتفسير دون وضع فروق دقيقة بينهما إلا إذا قلنا : إن التفسير يضل هو التفسير الذي يعتمد على اللغة وأسباب النزول, دون أن ندخل في الباطنية ودون أن ندخل في مستويات أعماق النص.
أما الهرمينوطيقا أي علوم التأويل فهذه تتجاوز مستوى علوم اللغة ومستوى الواقع والعالم إلى مستوى المعاني الباطنية للنص وأبعاده المختلفة، نزل القرآن على سبعة أحرف، فهذا التأويل ينطبق أكثر على الهرمينوطيقا : لأن التأويل يتضمن الأبعاد الباطنية للنص إذا ما عاشه الشعور, في حين أن التفسير هو مجرد ضبط لغوي, وفهم عن طريق مباحث الألفاظ, ربما في العودة أيضا إلى ما سماه الأصوليون والقدماء تحقيق المناط وتنقيح المناط. الهرمينوطيقا الدينية هي منهج تتجلى من خلاله أخلاقيات النص، وتحاول أن تجعل المنهج أداة لكشف الحقيقة الدينية بصرف النظر عما إذا كانت حقيقة ميتافزيقية أم حقيقة طبيعية أم حقيقة أخلاقية اجتماعية. الهرمينوطيقا الدينية تحاول أن تبني عالم الدين كما كشف عنه النص دون أن تأخذ موقفا ودون أن تقوم بعملية نقدية" ( مجلة قضايا إسلامية معاصرة عدد 19، في مقال له تحت عنوان الهرمينوطيقا وعلوم التأويل، ص 88 إلى 116.)
ويكشف لنا حسن حنفي أن : " الخطاب الديني : سواء كان مقدسا أو دنيويا, إلهيا أم إنسانيا, وحيا أم إلهاما، نقلا أم عقلا، و هو أكثر الخطابات عمومية لأنه سلطوي أمري تسليمي إذعاني، يطالب بالإيمان بالغيب وبالعقائد, ويعتمد على التصوير الفني وإثارة الخيال، والحياة المستقبلية وما بها من وعود وخلاص من آلام البشر. قد يكون خطابا عقائديا كما هو الحال في علم الكلام، أو باطنيا كما هو الحال في التصوف، أو تشريعيا كما هو الحال في الفقه وأصوله، يقدسه الناس حتى ليصبح بديلا عن المقدس ذاته, له أصول وفروع, وله قلب وأطراف, وبه حق وباطل, فرقة ناجية وفرق هالكة, يعتمد على سلطة النص أكثر من اعتماده على سلطة العقل. يعتبر نفسه حكما ومقياسا لأنواع الخطابات الأخرى. يتوحد به الحكم بحيث يصبح الخطاب الديني والخطاب السياسي خطابا واحدا. تكثر المذابح والحروب، ويتم تكفير المخالفين باسمه. يدل على مرحلة تاريخية قديمة قاربت على الانتهاء لأنه أقدم على أنواع الخطاب. يؤدي أحيانا إلى الغرور والتعالي والتعصب ولا يقبل الحوار لأنه خطاب أخلاقي يعتمد على سلطة القائل وإرادته. لا يحتاج إلى مقاييس للصدق إلا من صدق القائل".( لمصدر السابق ضمن مقال له تحت عنوان : تحليل الخطاب، ص222).
وهنا يكتنفنا إضمار في هذه الأقوال وهي من مدرسة اعتزالية محضة. إنها الموضة الجديدة التي خرجت بها في حلة جديدة، ولا غرو إن سيقت من مدارس تفننت في اعتماد العقل وتبنته مدرسة آل البيت.
فهل يكفينا هذا لكونه جاءنا من معتزلة جدد للصد والإعراض عنه وإلى غير رجعة، أم نبيّن بالدليل والبرهان كما بين سلفنا الصالح انحراف الفكر الاعتزالي وانسياقه وراء الأوهام وانجرافه وراء تيارات قد تقذفه على شاطئ الخسران دنيا وأخرى؟ أم نكشف زلل القائل و ما ساقه من كفر صريح وزندقة ساقها من عند مشايخه مثل : شلاير ماخر واسبينوزا وماسينيون؟
ونتساءل مع دعاة الهرمينوطيقا هل ضاقت بكم السبل؟ وانسدت الآفاق أمام أعينكم حتى دخلتم جحر الضب تقلدون غيركم؛ بل وتتخذونهم أئمة هداة، وتنحتون أقوالهم كأنها تنزيل من التنزيل، لها مكانها الأقدس في قلوبكم، وتنزعون القدسية عن النصوص المقدسة لا لشيء إلا لأن تدنس برجس تعدد القراءات؟.
حتى نكون على بينة مما يريده مسوقو الهرمينوطيقا : وهو إخراج علم أصول الفقه بضوابطه الدقيقة، إلى تشتت وتنوع حيث تتضارب الآراء وتتناقض من أقصى الإفراط إلى أقصى التفريط، وما بالنا نسبق الحكم على الاستدلال؟ فحسن حنفي يعرفنا بعلم التأويل بقوله : " أما في علوم التأويل، فما البرهان؟ هنا تتعدد القراءات، إن المرآة أي النص ما هو إلا أنك تستطيع بالمرآة أن توجهها لكي تكشف منظورا، ولو غيرت اتجاهها فإنك تكشف منظورا آخر, أنت عندما تغير اتجاهك من المرآة فسترى منظورا، ففي التأويل لا توجد حقيقة موضوعية كما هو الحال في نظرية المعرفة، ولكن هناك عدة قراءات، عدة منظورات، عدة رؤى، فالتأويل رؤية, وكأن النص مثل البلورة، البلورة متعددة الأبعاد والجوانب، القراءة هي إقامة البلورة على أحد الجوانب، البلورة يمكن أن يكون بها مئة جانب، نستطيع أن ندرك كل جوانب البلورة بواسطة الحواس، لكن القراءة هي أن تأخذ هذه البلورة المتعددة الجوانب وتجعلها ترتكز فوق جانب واحد، وتراها وكأنها ثابتة، هذه هي الرؤية، وبالتالي تتعدد القراءات.
أنا أستطيع أن اقرأ لك القرآن الكريم وأبين أنه كتاب اشتراكي, من خلال استنطاق قوله تعالى :
{ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم (- سورة المعارج, الآية : 24 - 25)..
{ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ } (سورة النساء , الآية : 5.)
{ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } (سورة الحشر, الآية : 7 )
أستطيع أن أذكر لك عشرات الآيات التي تبين حقوق الفقراء في أموال الأغنياء، ويستطيع إنسان آخر أن يثبت لي العكس، ويبين أن القرآن فيه حرية التجارة, وأن التجارة والربح والخسارة إحدى الصور التي يستعملها القرآن الكريم للإقناع وللبرهان على الحياة الأخروية :
{هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}(سورة الصف، الآية 10).
فالتجارة شيء محبّب
(فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه}(الجمعة: 10)
فأي القراءتين أصح؟
كلتاهما تقوم على منهج الاجتزاء، فالقراءة هي قراءة انتقائية، وأنا أثبت أن القرآن فيه جوانب من العدالة الاشتراكية؛ لأنني صاحب موقف تجاه عصري، لأن عصري يطغى فيه التفاوت الشاسع بين الأغنياء والفقراء، فأنا بما أنني مصلح اجتماعي أريد أن أحقق العدالة الاجتماعية، فأقرأ القرآن من هذا المنظور.
بينما إنسان آخر في الخليج، ولأن عوائد النفط بالملايين، ويريد أن يستثمرها، ومستوى الدخل مرتفع جدا وليس هناك فقراء، لذلك تجد عوائد النفط مكدسة في البنوك الأجنبية في الخارج، ويحاولون هناك أن يدللوا على حرية التجارة, فما دام الإنسان يزكي, ويعطي زكاة المال ويتصدق على الفقراء, إذن هذا يكفي؛ لأنه كان من الصحابة من الأغنياء، كعثمان بن عفان، وكان منهم من الفقراء أبو هريرة وأبو ذر، وكان لا أحد يعيب على الآخر.
ومن ثم القراءة هي وجهة نظر، طبقا لوضع المفسر في العالم، ودوره الاجتماعي, وعلى هذا تتعدد القراءات، لا يوجد صواب وخطأ، كلتاهما قراءة، القراءات متعددة، فإذا ما تصارعت قراءة إسلامية وقراءة اشتراكية، فإن هذا التصارع ليس في النص ولكن في المواقف الاجتماعية، أنا بوعي الاجتماعي أنتمي إلى الطبقات الفقيرة، وأدافع عن الفقراء، وآخر بوعيه الاجتماعي ينتمي إلى الطبقات الغنية،فأنا أعطي للنص تفسيرا اشتراكيا، وهو يعطي تفسيرا رأسماليا, إذا تصادمنا، وكل منا يدعي أنه على حق والآخر على باطل فإنه في الحقيقة لا يوجد معيار للصواب والخطأ داخل النص, ولكن في المواقف الاجتماعية في الخارج، لذلك أقول يوجد يسار إسلامي ويمين إسلامي ووسط إسلامي, فاليسار الإسلامي هو صاحب المواقف الاجتماعية أولا، ثم يؤول النص من أجل تدعيم مواقفه الاجتماعية، واليمين الإسلامي هو صاحب المواقف الاجتماعية التي لا تدافع عن الفقراء، ولا تعتبر جريمة، ما دام الإنسان يدفع الزكاة.
ويقرأ النص بهذا المنظور، فالخلاف ليس في النص، وإنما في مناهج التأويل, فكل قراءة هي اجتزاء، كل قراءة هي خيانة للكل، لأنها ترد الكل إلى أحد أجزائه، والصراع هو صراع اجتماعي، أنا باعتباري أنتمي بوعي إلى الطبقات الفقيرة، والآخر باعتباره ينتمي بوعيه إلى الطبقات الغنية، كلانا في موقفين اجتماعيين متصارعين.
فتنوع مناهج التفسير واختلاف المفسرين ليس السبب فيها يرجع إلى النص ولكن لاختلاف المواقف الاجتماعية.
أما كيف يمكن التوفيق بين وحدة الأمة وتعدد القراءات؟ فإن وحدة الأمة لا تعني وحدة الفكر، ذلك أن حق الاختلاف حق شرعي، والله خلقنا مختلفين, شعوبا وقبائل لنتعارف.
من هنا تتنوع أساليب التفسير، فهناك التفسير بالمعقول، التفسير بالمأثور، التفسير بالرواية، التفسير بالدراية، التفسير باللغة، التفسير من منظور التصوف، ولذلك تعددت التفسيرات، فهناك التفسيرات العقائدية، والتفسيرات التاريخية كتفسير الطبري، والتفسيرات الاجتماعية كالمنار، وتفسيرات أدبية جمالية كتفسير القرآن لسيد قطب، فاختلافات التفسير هي اختلاف في المواقف الاجتماعية والسياسية، اختلاف في المنظور، وهذا لا يتنافى مع وحدة الأمة الممثلة في وحدة النص، هناك وحدة النص وهو القرآن الكريم، ثم تعدد القراءات طبقا لتنوع المنظور الشخصي للمفسر ومرجعياته ".( قضايا إسلامية معاصرة، مقال لحسن حنفي تحت عنوان الهرمينوطيقا وعلوم التأويل، ص : 103- 106).
فهل دعاة المحافظة على علم الأصول نقيا من شوائب الفكر الاعتزالي لديهم ما يرفع التحدي عاليا في وجه كل متهور، إذ ما جاء الفكر الأصولي إلا ليكون السد المنيع في وجه دعاة الانحلال والتحلل من القيم ـ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون دافعه الغيرة- وإبطال حجج الخصم كما يفعل كل مغلوب؟ لنفسح المجال لمصطفى ملكيان ليعرب عن رأيه في الموضوع : " يمكن النظر للقرآن بمنظار هرمينوطيقي كأي كتاب آخر وكأي نص منطوق أو مكتوب. بيد أن للسؤال برأيي جزءا آخر : هل بالإمكان تطبيق هذه النظرة الهرمينوطيقية على القرآن أيضا أم لا؟ أو إلى أي مدى يمكن تطبيقها على القرآن؟ أعتقد أن كثيرا مما في الهرمينوطيقا من الميسور تطبيقه على القرآن، إلا أن القرآن يختلف عن سواه من الكتب الدينية وغير الدينية اختلافين أساسين :
الأول : أن جميع الألفاظ وعبارات القرآن من إنشاء وقول الله تعالى، وهذا ما لم يزعم لأي كتاب غيره على الإطلاق، ومن يؤمن بسماوية القرآن يرى بوناً شاسعا بينه وبين باقي الكتب.
الثاني : أن الترتيب الحالي لمحتويات القرآن لا يمثل ترتيب التنزيل وتسلسله التاريخي.
هاتان السمتان تدعوان إلى التريث في تطبيق قواعد الهرمينوطيقا على هذا الكتاب, فجميع القواعد الهرمينوطيقا التي تطبق على النصوص المكتوبة والمنطوقة, تشترك على الأقل في كونها لا تطبق على نصوص لها الميزتان المذكورتان للقرآن" (نفس المصدر السابق، مقال لمصطفى مليكان تحت عنوان : تساؤلات العقل الحديث،121-122.)
ويضيف القول :
"الكثير مما سجله علماء الأصول في مباحث الألفاظ يرفضه الهرمينوطيقيون اليوم, وعليه نحتاج إلى إعادة النظر في هذه المسائل وقد لا تنتهي إعادة النظر إلى نفس النتائج التي خلص إليها الأصوليون ولا أقول إنها تتعارض معها أو تنسفها بالضرورة ولكن إعادة النظر ممارسة مهمة ونافعة على أية حال".-( نفس المصدر السابق، ص 122.)
إنها شهادة شاهد من أهلها فكيف بمن يدعون إلى إدخال علم الهرمينوطيقا في علم أصول الفقه؟ فكيف يستوي هذا القول وكيف يستقيم؟
إن من يدرس كتاب الخطيب الإسكافي " درة التنزيل وغُرَّة التأويل"، و"مشكل القرآن" و"مختلف الحديث" لابن قتيبة، وكتاب "حجج القرآن" لأحمد بن محمد الرازي، وبخاصة المنهاج في ترتيب الحجج " للوليد الباجي، وجل كتب الحجج والجدل عند الفقهاء ليقف وقفة إعجاب لما أفاء الله عليهم من فهم خاص، كما أن من يتعامل مع كتب الحكيم الترميذي يدرك ما خصه الله به من سعة الفهم والإدراك مما لم يحط به غيره، ودعنا مما ميز الله به ابن العربي المعافري من أراء فقهية نيرة في فتوحاته المكية، هذا فضلا عن كتب الدراسات المقارنة بصرف النظر عن جدل المتكلمين.
ولئن ساقت هذه السطور المحاولة لإبعاد علم المصطلح وعلم الهرمينوطيقا عن مجال علم الأصول، فهل من بديل والحاجة تعوزنا لاستخلاص الوحدة الموضوعية والنسقية الفكرية للعلوم الشرعية؟
نعم إنه سبيل العكوف بباب الله ليستهدي المرء ويبلغ مراده : إنها الربانية التي من خلالها ستنكشف الحقائق جالية واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، ولا مسايرة فيها للآراء المخطئة، ولا تداهن العاطفة المجنحة، ولا تماري أحدا، إذ تنبثق من قوانين ربانية صارمة لا تحابي أحدا، فضوابطها كلية شاملة لا نسبية فيها.
فهل بعد تسليط الأضواء على السنن الإلهية و قوانينها، ينسحب دعاة الهرمينوطيقا و تكون لهم الشجاعة ليعترفوا بانهزام النسبي أمام الكلي, ويعتبر دعاة الفلسفة الوجودية بخطأ مبدئها؟ أم يتمادون في جرأتهم ووقاحتهم؟ وقديما قيل : إن لم تستحي فاصنع ما شئت.
إن السنن الإلهية حجة الله على خلقه من مؤمن وكافر، ومن عاند أو كابر فسيجد له سنن الله في كونه له قاهرة، ولعزمه مثنية، وعن دربه موليا.
المحور الأول: الاجتهاد الأصولي؛
المحور الثاني: المنطق العقلاني والنصوص الشرعية؛
المحور الثالث: الدراسات المصطلحية؛
المحور الرابع:تعدد القراءات أو الهرمونيطيقا
مدخــــــــــل :
لو كتب كاتب خارج عن الملة نقدا لاذعا لأصول الفقه لقيل إن الأمر لا يعدو أن يدخل في مفهوم قوله عز وجل :
] وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا[[ البقرة : 217].
ولا يسعنا إلا الصد عنه : لكونه مجرد حجر عثرة ينبغي أن نتقيه؛ لكن الأمر تبنته طائفة اتسمت بالعلم ووجهت سهامها لأصول الفقه لا لترميه بسهم قاتل في نظرها ومعتقدها, بل لتزرع فيه جدية الحياة ومفاهيم العلوم المعاصرة.
إنها دخلت أرضية علم أصول الفقه لتنبذ أو تضيف مفاهيم أو وسائل لإدراك أشياء غابت أو تغيب عند الأصوليين.
وصراع التقليد والتجديد صراع دفتين لباب واحد، ولكل منهما أنصار ومعارضون، والأمر مخالف عندنا في مسألة علم أصول الفقه، ذلك ليس لأننا نتبنى الجمود و التقليد؛ إذ الماء الراكد لا يصلح للوضوء، و لكن لا نستبيح الحمى لكل من هب ودب، وبخاصة للمترفعين عن النظر بعين التقدير والاحترام لتراث الأجداد من لدن بعض الباحثين من أصحاب الشواهد العليا، الذين يعمدون إلى تحطيم حصوننا من الداخل :
أولا : لكون علم أصول الفقه وضع للكشف بمسالكه الدلالية، وبقواعده الأصولية اللغوية ما يستنتج من فهم سليم للنص الرباني، أو النبوي من خلال الفهم العربي للنص.
ثانيا : أن علم أصول الفقه هو الحصن الحصين للشريعة، لكون الأصولي هو مستنبط الأحكام ومستخرجها من أصلها؛ الكتاب والسنة والأدلة المنبثقة عنها.
ثالثا : أن العالم الغربي يحاول بكل قواه مواجهة الأمة الإسلامية وروحها العنيدة واستماتتها في حفظ مقدساتها بدعوى تطوير العلوم، في وقت يئس فيه الاستعمار القديم من مواجهات الحل العسكري واستباحه الغزو الأمريكي بعد أحداث 11 شتنبر2001.
رابعا : وهو الأهم أن علم الكتاب والسنة إضافة لكونه علما منبثقا عن اللغة العربية فقد شمله وصف الربانية وتناولته مئات العقول النيرة وهذا ما يزيح عنه تهمة الفرق بين " المدلول" من النص " والمراد" بالنص.
خامسا : حبذت طائفة من بني جلدتنا المتكلمة بألسنتنا ولغتنا الدخول علينا لهدم حصوننا من الداخل من باب علم المنطق الذي منهج العلوم سواء الشرعية منها أو غيرها.
وإذا وافق السابقون على نهج المنهجية المنطقية للعلوم الإسلامية، فإنهم ألحوا دائما على شرط أساسي وهو كون العلوم تؤخذ من أفواه الرجال لا من الصحف, ذلك لكون العلماء الربانيين هم حملة المشعل الإيماني ينفون عنه تأويل المنحرفين وتحريف الغالين وانتحال المبطلين.
سادسا : لا يتأتى الاجتهاد إلا لمن سبر أغوار علم السلف الصالح وأحاط به وتبينت له ثغرات قد يكون السلف لم يلتفتوا لها, أو لم تكن الحاجة داعية لذلك في زمانهم.
بعد كشف هذه الحقائق لتبيين عثرة الراغبين في تحطيم حصوننا من الداخل وجب أن نكشف لهم مصير جهودهم حتى لا تضيع سدى إن راموا الهدى وابتغوا الرشاد :
{يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ }[الصف : 8] .
كشف الملابسات :
تعرض علم أصول الفقه لعدة محاولات لتشويهه، وصد الناس عنه، إما من لدن من حاول جاهدا تجفيف ينابيع العلوم الشرعية الثرة المتدفقة، كما هو مسطر في برنامج عدة حكومات في عصرنا الراهن، وكما تعرض في السابق على يد حكام الجور بدعوى غلق باب الاجتهاد. وإما كما تتالت ضربات المستشرقين لهذا العلم؛ فكتاب جولد تسهر "مذاهب التفسير الإسلامي" يعد نموذجا يفتح شهية المنافقين والطاعنين في دين الله، وبالخصوص في علم أصول الفقه.
ومضت أقلام من كل حدب وصوب تصوب سهامها لأصول الفقه، وأقتصر على ذكر محمد أركون وكتابه " الفكر الأصولي واستحالة التأصيل" وقبله وبعده تعالت صيحات تنادي بدراسة علم المصطلح وجمع المصطلحات الشرعية في قاموس خاص، وها نحن أمام دعوات أخرى تنادي بالاعتناء بالهرمنيوطيقا وإقصاء كثير من القواعد والضوابط التي هي أساس الاستنباط في علم أصول الفقه.
إن الدعوات المغرضة تموت لوحدها وتنتهي بانتهاء صاحبها لكن الذي يعنينا ويهمنا الوقوف معهم هم دعاة المصطلح ودعاة الهرمنيوطيقا وقبلهم دعاة المنطق، لاعتقادهم أن هذه العلوم جادة في خدمة علم أصول الفقه ونظرا لصدق طوية أصحابها وإخلاصهم لدينهم.
مع دعاة المنطق ومعارضيه :
عارض أهل الحديث خصوصاً والفقهاء عموما إدراج علم المنطق في علم أصول الفقه أو في الاستشهاد بنتائجه، ومن جملتهم النووي وابن الصلاح اللذيْن أصدرا فتوى بتحريمه وأبو الوليد الباجي والقاضي عياض اللذيْن نهيا عن قراءته، والإمام أبو عبد الله المارزي الذي لم يقر رد أصول الفقه لأصول المنطق وعمر بن محمد الخليلي السكوني الإشبيلي صاحب كتاب "المنهج المشرق في الاعتراض على كثير من أهل المنطق".
ومن أشهر المعترضين على المنطق الإمام أحمد تقي الدين ابن تيمية في كتابه " نقض المنطق" واستعرض فيه مواقف العلماء الذين ذموه ونهوا عنه ورد على المغالين في التنويه به، بعد أن درس قوانينه وقواعده وسبرها، الشيء الذي مكنه من نقدها.
والإمام الشاطبي أحد تلامذة المقري يستخف بشأن ما رسمه المناطقة وما حددوه من أشكال وما ضبطوا له من قواعد.
وأبو عبد الله المقري من المستعملين لبعض أدوات علم المنطق لخدمة علوم أخرى, وأنه صاغ أحكامها في قالب الكليات خص بها القسم الثاني من كتاب " عمل من طب لمن حب" .
وابن حزم رحمه الله مع شدة رفضه للقياس الشرعي الأصولي فقد تبنى القياس المنطقي.
والغزالي ألف كتابه " معيار العلم في فن المنطق " قال فيه مبررا الباعث على تحريره : إن الباعث على تحرير هذا الكتاب الملقب بمعيار العلم غرضان مهمان :
أحدها تفهيم طرق الفكر والنظر وتنوير مسالك الأقيسة والعبر... فلما كثر في المعقولات مزلة الأقدام, ومثارات الضلال, ولم تنفك مرآة العقل عما يكدرها من تخليطات الأوهام وتلبيسات الخيال, رتبنا هذا الكتاب معيارا للنظر والاعتبار, وميزانا للبحث والافتكار، وصيقلا للذهن ومشحذا لقوة الفكر والعقل, فيكون بالنسبة إلى أدلة العقول كالعروض بالنسبة للشعر، والنحو بالإضافة إلى الإعراب...
والباعث الثاني الاطلاع على ما أودعناه كتاب تهافت الفلاسفة فإنا ناظرناهم بلغتهم وخاطبناهم على حكم اصطلاحاتهم التي تواطئوا عليها في المنطق، وفي هذا الكتاب تنكشف معاني تلك الاصطلاحات؛ فهذا أخص الباعثين، والأول أعمها وأهمها. أما كونه أهم فلا يخفى عليك وجهه وأما كونه أعم فمن حيث يشمل جدواه جميع العلوم النظرية : العقلية منها والفقهية, فإنا سنعرفك أن النظر في الفقهيات لا يباين النظر في العقليات في ترتيبه وشروطه وعياره بل في مآخذ المقدمات فقط. (معيار العلم في فن المنطق لأبي حامد الغزالي، ص 26.)
ووطد الغزالي رحمه الله السبيل لولوج علم المنطق فتدارسه الناس وقعدوا فنونه و أرجزوها كما فعل صاحب " السُّلم " وباشروا علومها وبقي علم الأصول منزها عن علم المنطق اللهم إلا ما خالطه في العلوم العقلية كالاستدلال والقياس على فارق بين المسميات.
ومن هذا الاستخلاص وجب عدم الوقوف مع دعاته لما طوى الزمان أغراضهم وبان علم أصول الفقه عن علم المنطق وسلك كل منهما سبيله.
وقفة مع دعاة علم المصطلح :
مع التطور الهائل في العلوم والتكنولوجية، والنمو السريع في التعاون الدولي في الصناعة والتجارة، والإقدام على استخدام الحاسبات الإلكترونية في تخزين المصطلحات ومعالجتها وتنسيقها، طور العلماء المتخصصون واللغويون المعجميون والمناطقة علما جديدا أطلق عليه اسم : "المصطلحية" (علم المصطلح).
تعريف علم المصطلح :
" العلم الذي يبحث في العلاقة بين المفاهيم العلمية والمصطلحات اللغوية التي تعبر عنها "( مقدمة في علم المصطلح القاسمي, ص : 17- 18).
وهو علم مشترك بين علوم اللغة والمنطق والإعلاميات وحقول التخصص العلمي. و يهمّ المتخصصين في العلوم والتقنيات والمترجمين والعاملين في الإعلاميات وكل ما له علاقة بالاتصالات المهنية والتعاون العلمي.
هكذا نشأ علم المصطلح ليحافظ على مسار اللغة ولدراسة مصطلحات فن من الفنون. وبخاصة في عالم العلوم الصناعية من تكنولوجية وكيميائية الخ... واختار أقوام إقحام هذا العلم في علم أصول الفقه واعتبروه أصلا أصيلا يخدم الدين والعلم بل وأسسوا الوحدات العلمية الخاصة بذلك، وهنا نتساءل ما جدوى علم المصطلحات الذي أقحم في علم أصول الفقه؟
قد يقول قائل : " فالنظرية العامة للمصطلحية تبحث في المفاهيم والمصطلحات التي تعبر عنها، وتستخدم نتائج البحوث في هذه النظرية كأساس لتطوير المبادئ المعجمية المصطلحية وتوحيدها على النطاق العالمي ومن أهم موضوعات البحث في النظرية العامة لعلم المصطلح هو طبيعة المفاهيم، وتكوينها وخصائصها والعلاقات فيما بينها وطبيعة العلاقة بين المفهوم والشيء المخصوص, وتعريفات المفهوم, وكيفية تخصيص المصطلح للمفهوم والعكس بالعكس وطبيعة المصطلحات ووضعها". (مقدمة في علم المصطلح، القاسمي، ص20- 21).وهذه الأمور برمتها من اختصاص علم أصول الفقه، فما ينكره المنكر؟
وحتى يكون البرهان ناصعا والمثال واضحا ترى ما جدوى إقحام العلم المصطلحي في علم أصول الفقه؟ أتراه يزيد الفهوم إدراكا ويجمع كل ما قيل في المصطلح للاستهداء والاسترشاد بمضامين المصطلح؟
للإجابة عن هذا السؤال أسوق كلاما لطيفا لمحمد حسين فضل الله في الموضوع :
" أما توظيف المعارف الألسنية في التفسير فهي مسألة خاضعة لدراسة هذه المعارف على مستوى النظرية باعتبار أنها مما تخضع للجدل في طبيعتها العلمية من جهة في ميزان الخطأ والصواب, وفي التعرف على مدى انطباقها على قاعدة المناخ النفسي والاجتماعي الذي يحيط بالمرحلة التاريخية للنص, باعتبار أن أساليب التفاهم لدى الشعوب قد تخضع لما يشبه المصطلحات التي تختلف بين شعب وآخر أو بين مرحلة وأخرى, لأن الكلمة قد تشبه الرمز في دلالتها على ما يضمره الإنسان مما يريد التعبير عنه بحيث يتسالم أهل اللغة على أنه إذا أطلق هذا اللفظ أراد به هذا المعنى بحيث لو تجاوزه إلى خصوصيات أخرى لا علاقة لها باللفظ ولا بما يحيط به واجهوه بأنه لم يأت بدليل عليه, وفي ضوء ذلك لابد من دراسة معمقة على مستوى مفرداتها الفكرية ومرحلتها التاريخية وخلفياتها الاجتماعية, بحيث لا تكون غريبة عن الذهنية الشعبية العامة حتى على مستوى المثقفين فلا يتحقق التفاهم من خلالها... وبكلمة واحدة أن أية نظرية في الواقع الاجتماعي الإنساني في طبيعة العلاقات أو في طريقة التخاطب أو في قواعد التفسير لا بد أن تدرس كل خصوصيات المجتمع الذي يراد لها أن تحكمه وتتحرك فيه, وهذا هو ما تحتاجه مسألة الجمع بين ما هو الواقع في المسار التاريخي والنظريات الجديدة. لأن للشعوب مرتكزات عميقة في وجدانهم اللغوي والنفسي والاجتماعي. بحيث تتحول النظرية الجديدة إلى حالة فوقية تفرض عليه من الخارج في تصـــــــورات أصحابها وتحليلاتهم الذاتية بما لا ينسجم مع الواقع. (مجلة قضايا إسلامية معاصرة عدد 19، حوار مع محمد حسين فضل الله تحت عنوان: التأويل وتعدد القراءات، ص11).
وهذا ما ذهب إليه الدكتور يوسف القرضاوي حيث يقول : " فإن الألفاظ تتغير دلالتها من عصر لآخر ومن بيئة لأخرى، وهذا الأمر معروف لدى الدارسين لتطور اللغات وألفاظها وأثر الزمان والمكان فيها.
فقد يصطلح الناس على ألفاظ للدلالة على معان معينة، ولا مشاحة في الاصطلاح, ولكن المخوف هنا هو حمل ما جاء في السنة من ألفاظ (ومثل ذلك القرآن) على المصطلح الحادث. وهنا يحدث الخلل والزلل.
... لا يزال هذا التبديل يتسع, مع تغير الزمان, وتبدل المكان, وتطور الإنسان, إلى أن تصبح الشقة بعيدة بين المدلول الشرعي الأصلي للفظ, والمدلول العــــــــرفي أو الاصطلاحي الحادث المتأخر, وهنا ينشأ الغلط وسوء الفهم غير المقصود، كما ينشأ الانحراف والتحريف المتعمد".-( كيف نتعامل مع السنة، ص : 179- 180).
وحينما نعمد إلى تحديد المصطلحات للمفردة الواحدة عبر الأجيال والأماكن ونضع القاموس المصطلحي، ألا يمكن بعدئذ للمجتمعات أن تضيف معنى على مختلف معانيها لم يكن معروفا من ذي قبل، تفرضه الظروف البيئية، و يسهم في تطوير اللغة، ويزيد للمصطلح معنى إضافيا؟ أم ترانا نجمد ونكتفي بما ساقه السلف الصالح من معان للمصطلح الواحد عبر مختلف البيئات الاجتماعية؟ وآنئذ وجب الإدراك أنه لا ينبغي التصلب فنكسر ولا نلين أكثر من اللازم فنعصر. وعلى سبيل المثال : فإن لفظة " سيارة " استعملها العرب للدلالة على العير والجماعة من الناس و ندرك أن سيارة اليوم هي دابة حديدية ومن يدري أن سيارة الغد ستكون فضائية.
وبين ما يستخلص من مراد النص ومن دلالته تتدخل أيضا "الهرمينوطيقا " لإزاحة الإشكال. وهنا نتساءل أنحن في حاجة إلى علم المبهم لإزاحة المشكل أو التأويلية في فهم نصوص الكتاب؟ - كما يحلو لعبد الملك مرتاض تسميتها- (- مجلة عالم الفكر المجلد 29 العدد الأول، ص 263، مقال تحت عنوان التأويلية بين المقدس والمدنس.)
لقد تعامل سلفنا الصالح مع نصوص الكتاب منذ أمد بعيد فوقفوا مع اشكالاته وحلوا غوامضه دونما حاجة " لهرمينوطيقا " أفنكون نحن بحاجة إليها دونهم؟
وقفة مع دعاة الهرمينوطيقا :
يقول محمد مجتهد شبستري : " الفلسفة الهرمينوطيقية غير منفصمة عن التراث أساسا. إنها فلسفة متناسجة بطبيعتها مع التراث والسنة، والذين لا تربطهم بالسنة وشائج روحية لا يعبؤون بالهرمنيوطيقا, لأن الهرمينوطيقا في الأصل نظرية للتفسير والتأويل.
إن انبثاق الهرمينوطيقا في اليهودية والمسيحية والإسلام جاء على ضوء السؤال : كيف يمكن التوافر على فهم أعمق وأصوب لتعاليم الأنبياء والأئمة المتأتية عن الرسالة الإلهية والمتجلية في الكتب المقدسة؟ فحوى هذه العملية أننا نتحرى الحقيقة المودعة في الكتب المقدسة وتعاليم الأنبياء باستخدام أداة الهرمينوطيقا الفلسفية، نريد أن نفهم تلك الحقيقة ونعيشها. والذين يرون أنفسهم في غنى عن الأسفار المقدسة والإرشادات النبوية، ويعتقدون أن الإنسان المعاصر قادر على صياغة نماذج يعيش في ظل هديها ناسيا الماضي، لا يفكرون أبدا في تفسير مضامين الكتب المقدسة وتأويلها. ونحت مناهج ونظريات لعملية التفسير هذه". (مقال لمحمد مجتهد شبستري في مجلة قضايا إسلامية معاصرة، العدد 19، ص 31- 32).
[COLOR="Blue"] إن حوزاتنا العلمية لن تكون قادرة على تبوء مكانتها بين الثقافات الإنسانية في عصر الحداثة, و التحرر من التضارب والتناشز والتخبط الذي يسودها, من دون مرتكزات في الهرمنيوطيقا الفلسفية, واتخاذ وجهة مكينة على صعيد الهرمنيوطيقا الدينية. إن رفع لواء الهرمنيوطيقا الفلسفية و الدعوة إلى تأسيس هرمينوطيقا دينية إسلامية هي عين الإخلاص لثقافة المسلمين و إسداء الخدمة لها.( نفس المصدر السابق، ص 35.)
الهرمينوطيقا الفلسفية تعني بجلاء أنها أداة لتحصين التراث الديني وإثرائه. وليست حيلة لإقصائه. ويعلم من له أدنى معرفة بالدراسات الهرمينوطيقية الفلسفية والدينية في العصر الحديث أن استخدامها في علم اللاهوت والمعارف الدينية يقصد منه إحياء " الحقيقة الدينية " والإبقاء عليها دون نبذها أو تغييبها.( نفس المصدر السابق، ص32)
ويقول حسن حنفي : " إن الهرمينوطيقا تعني علم التأويل والتفسير دون وضع فروق دقيقة بينهما إلا إذا قلنا : إن التفسير يضل هو التفسير الذي يعتمد على اللغة وأسباب النزول, دون أن ندخل في الباطنية ودون أن ندخل في مستويات أعماق النص.
أما الهرمينوطيقا أي علوم التأويل فهذه تتجاوز مستوى علوم اللغة ومستوى الواقع والعالم إلى مستوى المعاني الباطنية للنص وأبعاده المختلفة، نزل القرآن على سبعة أحرف، فهذا التأويل ينطبق أكثر على الهرمينوطيقا : لأن التأويل يتضمن الأبعاد الباطنية للنص إذا ما عاشه الشعور, في حين أن التفسير هو مجرد ضبط لغوي, وفهم عن طريق مباحث الألفاظ, ربما في العودة أيضا إلى ما سماه الأصوليون والقدماء تحقيق المناط وتنقيح المناط. الهرمينوطيقا الدينية هي منهج تتجلى من خلاله أخلاقيات النص، وتحاول أن تجعل المنهج أداة لكشف الحقيقة الدينية بصرف النظر عما إذا كانت حقيقة ميتافزيقية أم حقيقة طبيعية أم حقيقة أخلاقية اجتماعية. الهرمينوطيقا الدينية تحاول أن تبني عالم الدين كما كشف عنه النص دون أن تأخذ موقفا ودون أن تقوم بعملية نقدية" ( مجلة قضايا إسلامية معاصرة عدد 19، في مقال له تحت عنوان الهرمينوطيقا وعلوم التأويل، ص 88 إلى 116.)
ويكشف لنا حسن حنفي أن : " الخطاب الديني : سواء كان مقدسا أو دنيويا, إلهيا أم إنسانيا, وحيا أم إلهاما، نقلا أم عقلا، و هو أكثر الخطابات عمومية لأنه سلطوي أمري تسليمي إذعاني، يطالب بالإيمان بالغيب وبالعقائد, ويعتمد على التصوير الفني وإثارة الخيال، والحياة المستقبلية وما بها من وعود وخلاص من آلام البشر. قد يكون خطابا عقائديا كما هو الحال في علم الكلام، أو باطنيا كما هو الحال في التصوف، أو تشريعيا كما هو الحال في الفقه وأصوله، يقدسه الناس حتى ليصبح بديلا عن المقدس ذاته, له أصول وفروع, وله قلب وأطراف, وبه حق وباطل, فرقة ناجية وفرق هالكة, يعتمد على سلطة النص أكثر من اعتماده على سلطة العقل. يعتبر نفسه حكما ومقياسا لأنواع الخطابات الأخرى. يتوحد به الحكم بحيث يصبح الخطاب الديني والخطاب السياسي خطابا واحدا. تكثر المذابح والحروب، ويتم تكفير المخالفين باسمه. يدل على مرحلة تاريخية قديمة قاربت على الانتهاء لأنه أقدم على أنواع الخطاب. يؤدي أحيانا إلى الغرور والتعالي والتعصب ولا يقبل الحوار لأنه خطاب أخلاقي يعتمد على سلطة القائل وإرادته. لا يحتاج إلى مقاييس للصدق إلا من صدق القائل".( لمصدر السابق ضمن مقال له تحت عنوان : تحليل الخطاب، ص222).
وهنا يكتنفنا إضمار في هذه الأقوال وهي من مدرسة اعتزالية محضة. إنها الموضة الجديدة التي خرجت بها في حلة جديدة، ولا غرو إن سيقت من مدارس تفننت في اعتماد العقل وتبنته مدرسة آل البيت.
فهل يكفينا هذا لكونه جاءنا من معتزلة جدد للصد والإعراض عنه وإلى غير رجعة، أم نبيّن بالدليل والبرهان كما بين سلفنا الصالح انحراف الفكر الاعتزالي وانسياقه وراء الأوهام وانجرافه وراء تيارات قد تقذفه على شاطئ الخسران دنيا وأخرى؟ أم نكشف زلل القائل و ما ساقه من كفر صريح وزندقة ساقها من عند مشايخه مثل : شلاير ماخر واسبينوزا وماسينيون؟
ونتساءل مع دعاة الهرمينوطيقا هل ضاقت بكم السبل؟ وانسدت الآفاق أمام أعينكم حتى دخلتم جحر الضب تقلدون غيركم؛ بل وتتخذونهم أئمة هداة، وتنحتون أقوالهم كأنها تنزيل من التنزيل، لها مكانها الأقدس في قلوبكم، وتنزعون القدسية عن النصوص المقدسة لا لشيء إلا لأن تدنس برجس تعدد القراءات؟.
حتى نكون على بينة مما يريده مسوقو الهرمينوطيقا : وهو إخراج علم أصول الفقه بضوابطه الدقيقة، إلى تشتت وتنوع حيث تتضارب الآراء وتتناقض من أقصى الإفراط إلى أقصى التفريط، وما بالنا نسبق الحكم على الاستدلال؟ فحسن حنفي يعرفنا بعلم التأويل بقوله : " أما في علوم التأويل، فما البرهان؟ هنا تتعدد القراءات، إن المرآة أي النص ما هو إلا أنك تستطيع بالمرآة أن توجهها لكي تكشف منظورا، ولو غيرت اتجاهها فإنك تكشف منظورا آخر, أنت عندما تغير اتجاهك من المرآة فسترى منظورا، ففي التأويل لا توجد حقيقة موضوعية كما هو الحال في نظرية المعرفة، ولكن هناك عدة قراءات، عدة منظورات، عدة رؤى، فالتأويل رؤية, وكأن النص مثل البلورة، البلورة متعددة الأبعاد والجوانب، القراءة هي إقامة البلورة على أحد الجوانب، البلورة يمكن أن يكون بها مئة جانب، نستطيع أن ندرك كل جوانب البلورة بواسطة الحواس، لكن القراءة هي أن تأخذ هذه البلورة المتعددة الجوانب وتجعلها ترتكز فوق جانب واحد، وتراها وكأنها ثابتة، هذه هي الرؤية، وبالتالي تتعدد القراءات.
أنا أستطيع أن اقرأ لك القرآن الكريم وأبين أنه كتاب اشتراكي, من خلال استنطاق قوله تعالى :
{ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم (- سورة المعارج, الآية : 24 - 25)..
{ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ } (سورة النساء , الآية : 5.)
{ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ } (سورة الحشر, الآية : 7 )
أستطيع أن أذكر لك عشرات الآيات التي تبين حقوق الفقراء في أموال الأغنياء، ويستطيع إنسان آخر أن يثبت لي العكس، ويبين أن القرآن فيه حرية التجارة, وأن التجارة والربح والخسارة إحدى الصور التي يستعملها القرآن الكريم للإقناع وللبرهان على الحياة الأخروية :
{هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ}(سورة الصف، الآية 10).
فالتجارة شيء محبّب
(فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّه}(الجمعة: 10)
فأي القراءتين أصح؟
كلتاهما تقوم على منهج الاجتزاء، فالقراءة هي قراءة انتقائية، وأنا أثبت أن القرآن فيه جوانب من العدالة الاشتراكية؛ لأنني صاحب موقف تجاه عصري، لأن عصري يطغى فيه التفاوت الشاسع بين الأغنياء والفقراء، فأنا بما أنني مصلح اجتماعي أريد أن أحقق العدالة الاجتماعية، فأقرأ القرآن من هذا المنظور.
بينما إنسان آخر في الخليج، ولأن عوائد النفط بالملايين، ويريد أن يستثمرها، ومستوى الدخل مرتفع جدا وليس هناك فقراء، لذلك تجد عوائد النفط مكدسة في البنوك الأجنبية في الخارج، ويحاولون هناك أن يدللوا على حرية التجارة, فما دام الإنسان يزكي, ويعطي زكاة المال ويتصدق على الفقراء, إذن هذا يكفي؛ لأنه كان من الصحابة من الأغنياء، كعثمان بن عفان، وكان منهم من الفقراء أبو هريرة وأبو ذر، وكان لا أحد يعيب على الآخر.
ومن ثم القراءة هي وجهة نظر، طبقا لوضع المفسر في العالم، ودوره الاجتماعي, وعلى هذا تتعدد القراءات، لا يوجد صواب وخطأ، كلتاهما قراءة، القراءات متعددة، فإذا ما تصارعت قراءة إسلامية وقراءة اشتراكية، فإن هذا التصارع ليس في النص ولكن في المواقف الاجتماعية، أنا بوعي الاجتماعي أنتمي إلى الطبقات الفقيرة، وأدافع عن الفقراء، وآخر بوعيه الاجتماعي ينتمي إلى الطبقات الغنية،فأنا أعطي للنص تفسيرا اشتراكيا، وهو يعطي تفسيرا رأسماليا, إذا تصادمنا، وكل منا يدعي أنه على حق والآخر على باطل فإنه في الحقيقة لا يوجد معيار للصواب والخطأ داخل النص, ولكن في المواقف الاجتماعية في الخارج، لذلك أقول يوجد يسار إسلامي ويمين إسلامي ووسط إسلامي, فاليسار الإسلامي هو صاحب المواقف الاجتماعية أولا، ثم يؤول النص من أجل تدعيم مواقفه الاجتماعية، واليمين الإسلامي هو صاحب المواقف الاجتماعية التي لا تدافع عن الفقراء، ولا تعتبر جريمة، ما دام الإنسان يدفع الزكاة.
ويقرأ النص بهذا المنظور، فالخلاف ليس في النص، وإنما في مناهج التأويل, فكل قراءة هي اجتزاء، كل قراءة هي خيانة للكل، لأنها ترد الكل إلى أحد أجزائه، والصراع هو صراع اجتماعي، أنا باعتباري أنتمي بوعي إلى الطبقات الفقيرة، والآخر باعتباره ينتمي بوعيه إلى الطبقات الغنية، كلانا في موقفين اجتماعيين متصارعين.
فتنوع مناهج التفسير واختلاف المفسرين ليس السبب فيها يرجع إلى النص ولكن لاختلاف المواقف الاجتماعية.
أما كيف يمكن التوفيق بين وحدة الأمة وتعدد القراءات؟ فإن وحدة الأمة لا تعني وحدة الفكر، ذلك أن حق الاختلاف حق شرعي، والله خلقنا مختلفين, شعوبا وقبائل لنتعارف.
من هنا تتنوع أساليب التفسير، فهناك التفسير بالمعقول، التفسير بالمأثور، التفسير بالرواية، التفسير بالدراية، التفسير باللغة، التفسير من منظور التصوف، ولذلك تعددت التفسيرات، فهناك التفسيرات العقائدية، والتفسيرات التاريخية كتفسير الطبري، والتفسيرات الاجتماعية كالمنار، وتفسيرات أدبية جمالية كتفسير القرآن لسيد قطب، فاختلافات التفسير هي اختلاف في المواقف الاجتماعية والسياسية، اختلاف في المنظور، وهذا لا يتنافى مع وحدة الأمة الممثلة في وحدة النص، هناك وحدة النص وهو القرآن الكريم، ثم تعدد القراءات طبقا لتنوع المنظور الشخصي للمفسر ومرجعياته ".( قضايا إسلامية معاصرة، مقال لحسن حنفي تحت عنوان الهرمينوطيقا وعلوم التأويل، ص : 103- 106).
فهل دعاة المحافظة على علم الأصول نقيا من شوائب الفكر الاعتزالي لديهم ما يرفع التحدي عاليا في وجه كل متهور، إذ ما جاء الفكر الأصولي إلا ليكون السد المنيع في وجه دعاة الانحلال والتحلل من القيم ـ أم أن الأمر لا يعدو أن يكون دافعه الغيرة- وإبطال حجج الخصم كما يفعل كل مغلوب؟ لنفسح المجال لمصطفى ملكيان ليعرب عن رأيه في الموضوع : " يمكن النظر للقرآن بمنظار هرمينوطيقي كأي كتاب آخر وكأي نص منطوق أو مكتوب. بيد أن للسؤال برأيي جزءا آخر : هل بالإمكان تطبيق هذه النظرة الهرمينوطيقية على القرآن أيضا أم لا؟ أو إلى أي مدى يمكن تطبيقها على القرآن؟ أعتقد أن كثيرا مما في الهرمينوطيقا من الميسور تطبيقه على القرآن، إلا أن القرآن يختلف عن سواه من الكتب الدينية وغير الدينية اختلافين أساسين :
الأول : أن جميع الألفاظ وعبارات القرآن من إنشاء وقول الله تعالى، وهذا ما لم يزعم لأي كتاب غيره على الإطلاق، ومن يؤمن بسماوية القرآن يرى بوناً شاسعا بينه وبين باقي الكتب.
الثاني : أن الترتيب الحالي لمحتويات القرآن لا يمثل ترتيب التنزيل وتسلسله التاريخي.
هاتان السمتان تدعوان إلى التريث في تطبيق قواعد الهرمينوطيقا على هذا الكتاب, فجميع القواعد الهرمينوطيقا التي تطبق على النصوص المكتوبة والمنطوقة, تشترك على الأقل في كونها لا تطبق على نصوص لها الميزتان المذكورتان للقرآن" (نفس المصدر السابق، مقال لمصطفى مليكان تحت عنوان : تساؤلات العقل الحديث،121-122.)
ويضيف القول :
"الكثير مما سجله علماء الأصول في مباحث الألفاظ يرفضه الهرمينوطيقيون اليوم, وعليه نحتاج إلى إعادة النظر في هذه المسائل وقد لا تنتهي إعادة النظر إلى نفس النتائج التي خلص إليها الأصوليون ولا أقول إنها تتعارض معها أو تنسفها بالضرورة ولكن إعادة النظر ممارسة مهمة ونافعة على أية حال".-( نفس المصدر السابق، ص 122.)
إنها شهادة شاهد من أهلها فكيف بمن يدعون إلى إدخال علم الهرمينوطيقا في علم أصول الفقه؟ فكيف يستوي هذا القول وكيف يستقيم؟
إن من يدرس كتاب الخطيب الإسكافي " درة التنزيل وغُرَّة التأويل"، و"مشكل القرآن" و"مختلف الحديث" لابن قتيبة، وكتاب "حجج القرآن" لأحمد بن محمد الرازي، وبخاصة المنهاج في ترتيب الحجج " للوليد الباجي، وجل كتب الحجج والجدل عند الفقهاء ليقف وقفة إعجاب لما أفاء الله عليهم من فهم خاص، كما أن من يتعامل مع كتب الحكيم الترميذي يدرك ما خصه الله به من سعة الفهم والإدراك مما لم يحط به غيره، ودعنا مما ميز الله به ابن العربي المعافري من أراء فقهية نيرة في فتوحاته المكية، هذا فضلا عن كتب الدراسات المقارنة بصرف النظر عن جدل المتكلمين.
ولئن ساقت هذه السطور المحاولة لإبعاد علم المصطلح وعلم الهرمينوطيقا عن مجال علم الأصول، فهل من بديل والحاجة تعوزنا لاستخلاص الوحدة الموضوعية والنسقية الفكرية للعلوم الشرعية؟
نعم إنه سبيل العكوف بباب الله ليستهدي المرء ويبلغ مراده : إنها الربانية التي من خلالها ستنكشف الحقائق جالية واضحة، لا لبس فيها ولا غموض، ولا مسايرة فيها للآراء المخطئة، ولا تداهن العاطفة المجنحة، ولا تماري أحدا، إذ تنبثق من قوانين ربانية صارمة لا تحابي أحدا، فضوابطها كلية شاملة لا نسبية فيها.
فهل بعد تسليط الأضواء على السنن الإلهية و قوانينها، ينسحب دعاة الهرمينوطيقا و تكون لهم الشجاعة ليعترفوا بانهزام النسبي أمام الكلي, ويعتبر دعاة الفلسفة الوجودية بخطأ مبدئها؟ أم يتمادون في جرأتهم ووقاحتهم؟ وقديما قيل : إن لم تستحي فاصنع ما شئت.
إن السنن الإلهية حجة الله على خلقه من مؤمن وكافر، ومن عاند أو كابر فسيجد له سنن الله في كونه له قاهرة، ولعزمه مثنية، وعن دربه موليا.
المحاور للنقاش:
المحور الأول: الاجتهاد الأصولي؛
المحور الثاني: المنطق العقلاني والنصوص الشرعية؛
المحور الثالث: الدراسات المصطلحية؛
المحور الرابع:تعدد القراءات أو الهرمونيطيقا
تعليق