n]
كم بقي من الوقت...؟
>دخل التلاميذ مسرعين.أخذ كلٌ مكانه.رهبة الامتحان لم تمنعهم من بعض الوشوشة و الضحك...وزعت أوراق الأسئلة و معها ,كالعادة ,ابتساماتي...فكّرت فيك " ابتسمي دائما ,حبيبتي,فكل ما حولك يصير أجملَ حين تبتسمين".
جلست أراقبهم.ساد الصمت. لم يعد يسمع سوى وقع الأقلام و خشخشة الأوراق كأنما هي عزف نشاز لفرقة مبتدئة...شردت فيك.ترى ماذا تفعل الأن ...وهل أنا هناك معك كما أنت هنا معي ؟ ". البعيد عن العين ,بعيدٌ عن القلب. "... هراء ! لو كان هذا صحيحا لكان كل' قريب من العين قريبٌ من القلب ! '
نظرت في الورقة أمامي.خمس أسئلة بلغة شكسبير...ما أسهله امتحان!..رفعت رأسي و تأملت الوجوه...ماذا لو تبادلنا الأدوار ؟ كنتُ أجبت بمنتهى السهولة و باسهاب.
أخذتُ القلم و كتبتُ سؤالا سادسا...-ماذا نفعل لكي نوقف هطول الحب و انهمار الشوق ؟
تأملت تلامذتي من جديد... هذا هو امتحاني ...من منكم يجيب ؟ لا أنتم و لا أنا نستطيع ... سؤالٌ صعب ....أصعب من كل دروس المقرر...لا مجال فيه للتخمين و لا يفيد حفظٌ أو مراجعة.
خرَقَ الصمت صوت يسأل " أستاذة.هل أخرج ورقة اضافية ؟ "
أومأت برأسي أن نعم...آه لو كان العمر ورقة ...أمحو فقراتها,نقاطها, فواصلها و أمحو كل الهوامش وكل علامات التعجب و الاستفهام ثم من أهداب عيني أصنع ريشة أرسم بها بطول الورقة و عرضها ...عينيك...
لو كان العمرحافظة أوراق فأفرغ ما بداخلها من برد و جليد ثم أملأها بدفء وجودك... آه لو أخرج من جعبة الزمن عمرا اضافيا أعيشه لك وحدك...ابتسمت...تذكرت أيام الطفولة و حفلات نهاية السنة الدراسية...كنا نجلس مشدوهين نتفرج على الساحر و هو يخرج من قبعته الكبيرة السوداء كرات صغيرة و بالونات ملونة و حلوى يوزعها علينا...رأيت نفسي امامه...رأيته ينظر الي طويلا ثم يخرج لي قلبا في غلافه لا أثر فيه لجرح أو خدش أو طعنة...و يمد يده ثانية داخل القبعة و يعطيني ورقة بيضاء...يبتسم و يقول " هذه ورقة اضافية لك أنت فقط...لا تهمليها ,لن تحصلي على غيرها, لا ترسمي عليها سوى سنابل الفرح ."..أمسك بالورقة بقوة كأنما أخشى أن يغير رأيه...أحاول رسم سنبلة فلا أذكر شكلها و أجدني أرسم ملامح وجهك.
صوت آخر يمزق ستائر خيالي " أستاذة من فضلك كم بقي من الوقت ؟"
-" مايكفي لتنظيم الاجابة و مراجعتها ."
يا له من سؤال ! صحيح ...كم بقي من الوقت ؟ و لكن لفعل ماذا تحديدا ؟ ليحبك القلب بجنون اكثر أم لتتمزّق الروح أسفا على عمر فلت منها دون أن تكون أنت فيه ؟ أم لتأتي النهاية و معها الاحساس بالاجدوى من كل الذي كان ما دام طريقانا لم يتقاطعا ؟
رنين الجرس أنزلني من فوق السحاب.... انتهى الوقت. جمعت أوراق الاجابات ... هممت بالخروج فرأيت طيفك يسبقني الى الباب....>
تعليق