رائحة مديرنا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رضا الزواوي
    نائب رئيس ملتقى النقد الأدبي
    • 25-10-2009
    • 575

    رائحة مديرنا

    [align=right]
    هذا المساء، ليس ككل مساء، فآثار الأقدام على الدرج تسحبني إليها بشوق، هذا اليوم قلّ حياؤها، وما أدراني بها أمس؟! إنها الآن تداعب أقدامي! تشدني بلطف، أنظر حواليّ فتتهادى نحوي نسمات هواء جذلى، تلاعبني على غير عادتها... لقد أنهكتني بعطفها، وحنانها، فارقتها، وأنا أتصبب عرقا، فاستقبلتني أرصفة، هنا، وهناك أراها تهتز طربا بقدومي نحوها، تلك التي كانت تنظر إليّ شزْرا، وتسلقني بألسنة حداد!

    هذا المساء ليس ككل مساء، مقعد السيارة لم يرحّب بي كعادته، أحسست أنّ ما كان حبل مودة بيننا يلتف حول رقبتي، لينبهني أني لست هناك! وأنا أعرف أني هنا، حيث لا أرى تلك اللعبة التي وضعتها لابني حتى ينصرف عني باتباعها وهي تميل به ذات اليمين وذات الشمال، ولا مكان لجذاذة الورق المعطر بكلمات جميلتي، التي تفوق عطرها شذى، وألقا...هنا حيث لا قدرة لي على ترديد ملاذات حبيبتي الآمنة!...

    هذا المساء ليس ككل مساء، لم أسمع نشرة الرابعة هناك بل هنا، ولم تمتدّ يدي لتستخرج من حافظة كانت بجانبي أمس ما يأخذني إلى حيث تتوق الآن نفسي! أحسست، كما لم أحس من قبل... السيارة هي التي تحملني مختلفا، وتأخذني مؤتلفا!، وأنا متمدد على غير عادتي... أرى ما لم أكن أتمتع برؤيته في سماء، بدت تأسرني بنظرات سُحُبِها التي لا تكاد تُرى، وأشعة الشمس المنهكة التي تنسج خلسة رداء المساء....

    هذا المساء ليس ككل مساء، لم أصعد حيث عملي لكنه أتاني بثقله ... جاءني يستقبلني بكومة ملفات فاتنة! أنظر إليها بلوعة، وتنظر إلي بشوق، تراودني عن أنسي، وتنتظر أن أفتح أزرارها، وأهيم في دلالها!!!
    هذا المساء ليس ككل مساء، كنت أصعد برِجْليْن، وعجزت اليوم عن ذلك بثلاثة! لم ألق التحية على ذلك المكور على كرسيه، تسبقه بطنه، وكأنه في وليمة! ولم يدعني جاري "العمدة" كما يحلو لنا تسميته، إلى رشفة من قهوته الخاصة "قهوة أم الخير" كما كان يحب تسمية زوجته! تلك الرشفة التي يأخذ مقابلها خبرا جديدا، يسلي به "ذات الوشاح الأسود" في جلسة تبادل الأخبار معها كل مساء...

    هذا المساء ليس ككل مساء، هكذا قلت وأنا أسمع أزيز الكراسي، ورنين الهواتف عبر المكاتب... نعم ليس ككل مساء هكذا رددت لما رأيت ذلك النائم ينهض فجأة؛ ليخفي صحيفته، ويوقظ من درج خفيّ ملفات كانت تحضن سطورها؛ وتلتحف غبارها، وتغط في نوم يئد أحلام أصحابها!!!
    - عافاك الله! لا بأس أن تبقى هنا، في هذا المكتب، حتى تشفَى رجلُك!
    قالها مديرنا، وانسلّ بسرعة يسابق رائحته الحالمة، فتسبقه، ويلحقها؛ فترافقه! رائحة داعبت أنوفنا بلطف لم تحدثه أوامره قطّ!
    سرعان ما عادت أصوات الكراسي تسلم الزمان للمكان، وتلا رنين هاتف يتراقص على مكتب زميلي سؤال حائر:
    - كلمة بها خمسة أحرف، تسبقك إن أتيت، وتبقى إذا ذهبت؟
    ردّ زميلي: رائحة. وأردف، وهو يقهقه مستلقيا على جنبات كرسيه الدوار:
    -رائحة مديرنا! مديرنا الذي لا تفوته رؤية مصائبنا!
    نظرت إلى رجلي المختبئة وراء البياض المتحجّر!، وإلى مُرافقي الفارع الطول المتخشّب، وقلت بلا صوت:
    - رائحة مديرنا!!
    وانتفضت؛ فاهتزت ظلال غشاوة كان يلفها صمتي:
    -يا إلهي نفس رائحة ذلك الرجل الذي داعبتني بقايا أنفاسه وأنا ملقى على أعتاب سيارته!.
    - هل يعقل أن يكون مديرنا هو الفارّ من موقع الحادث ذلك المساء؟!
    [/align]
    [frame="15 98"]
    لقد زادني حبّـا لنفسي أنني***بغيض إلى كل امرئ غير طائل
    وأنّي شقيّ باللئــام ولا ترى***شـقيّـا بهـم إلا كـريم الشـمـائل!

    [/frame]
  • ميساء عباس
    رئيس ملتقى القصة
    • 21-09-2009
    • 4186

    #2
    تحياتي العميقة الفنان الرائع
    رضا الزواوي
    قصة جميلة
    لاهثة ..ولغة متفردة
    وكان مساء ..ليس ككل مساء
    رائحة مديرنا..
    رائعة ..صيادة
    ببوحها اللطيف الروح ..العميق الأحساس
    مرحبا بك كثيرة
    أنت وإبداعك الجميل
    ميساء
    مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
    https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة رضا الزواوي مشاهدة المشاركة
      [align=right]
      هذا المساء، ليس ككل مساء، فآثار الأقدام على الدرج تسحبني إليها بشوق، هذا اليوم قلّ حياؤها، وما أدراني بها أمس؟! إنها الآن تداعب أقدامي! تشدني بلطف، أنظر حواليّ فتتهادى نحوي نسمات هواء جذلى، تلاعبني على غير عادتها... لقد أنهكتني بعطفها، وحنانها، فارقتها، وأنا أتصبب عرقا، فاستقبلتني أرصفة، هنا، وهناك أراها تهتز طربا بقدومي نحوها، تلك التي كانت تنظر إليّ شزْرا، وتسلقني بألسنة حداد!

      هذا المساء ليس ككل مساء، مقعد السيارة لم يرحّب بي كعادته، أحسست أنّ ما كان حبل مودة بيننا يلتف حول رقبتي، لينبهني أني لست هناك! وأنا أعرف أني هنا، حيث لا أرى تلك اللعبة التي وضعتها لابني حتى ينصرف عني باتباعها وهي تميل به ذات اليمين وذات الشمال، ولا مكان لجذاذة الورق المعطر بكلمات جميلتي، التي تفوق عطرها شذى، وألقا...هنا حيث لا قدرة لي على ترديد ملاذات حبيبتي الآمنة!...

      هذا المساء ليس ككل مساء، لم أسمع نشرة الرابعة هناك بل هنا، ولم تمتدّ يدي لتستخرج من حافظة كانت بجانبي أمس ما يأخذني إلى حيث تتوق الآن نفسي! أحسست، كما لم أحس من قبل... السيارة هي التي تحملني مختلفا، وتأخذني مؤتلفا!، وأنا متمدد على غير عادتي... أرى ما لم أكن أتمتع برؤيته في سماء، بدت تأسرني بنظرات سُحُبِها التي لا تكاد تُرى، وأشعة الشمس المنهكة التي تنسج خلسة رداء المساء....

      هذا المساء ليس ككل مساء، لم أصعد حيث عملي لكنه أتاني بثقله ... جاءني يستقبلني بكومة ملفات فاتنة! أنظر إليها بلوعة، وتنظر إلي بشوق، تراودني عن أنسي، وتنتظر أن أفتح أزرارها، وأهيم في دلالها!!!
      هذا المساء ليس ككل مساء، كنت أصعد برِجْليْن، وعجزت اليوم عن ذلك بثلاثة! لم ألق التحية على ذلك المكور على كرسيه، تسبقه بطنه، وكأنه في وليمة! ولم يدعني جاري "العمدة" كما يحلو لنا تسميته، إلى رشفة من قهوته الخاصة "قهوة أم الخير" كما كان يحب تسمية زوجته! تلك الرشفة التي يأخذ مقابلها خبرا جديدا، يسلي به "ذات الوشاح الأسود" في جلسة تبادل الأخبار معها كل مساء...

      هذا المساء ليس ككل مساء، هكذا قلت وأنا أسمع أزيز الكراسي، ورنين الهواتف عبر المكاتب... نعم ليس ككل مساء هكذا رددت لما رأيت ذلك النائم ينهض فجأة؛ ليخفي صحيفته، ويوقظ من درج خفيّ ملفات كانت تحضن سطورها؛ وتلتحف غبارها، وتغط في نوم يئد أحلام أصحابها!!!
      - عافاك الله! لا بأس أن تبقى هنا، في هذا المكتب، حتى تشفَى رجلُك!
      قالها مديرنا، وانسلّ بسرعة يسابق رائحته الحالمة، فتسبقه، ويلحقها؛ فترافقه! رائحة داعبت أنوفنا بلطف لم تحدثه أوامره قطّ!
      سرعان ما عادت أصوات الكراسي تسلم الزمان للمكان، وتلا رنين هاتف يتراقص على مكتب زميلي سؤال حائر:
      - كلمة بها خمسة أحرف، تسبقك إن أتيت، وتبقى إذا ذهبت؟
      ردّ زميلي: رائحة. وأردف، وهو يقهقه مستلقيا على جنبات كرسيه الدوار:
      -رائحة مديرنا! مديرنا الذي لا تفوته رؤية مصائبنا!
      نظرت إلى رجلي المختبئة وراء البياض المتحجّر!، وإلى مُرافقي الفارع الطول المتخشّب، وقلت بلا صوت:
      - رائحة مديرنا!!
      وانتفضت؛ فاهتزت ظلال غشاوة كان يلفها صمتي:
      -يا إلهي نفس رائحة ذلك الرجل الذي داعبتني بقايا أنفاسه وأنا ملقى على أعتاب سيارته!.
      - هل يعقل أن يكون مديرنا هو الفارّ من موقع الحادث ذلك المساء؟! [/align]

      اسلوب تعبيري راق يصلنا الى روح فن القصة
      نص مختلف بلغته وأغواره
      تحيتي وتقديري استاذ رضا
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • عائده محمد نادر
        عضو الملتقى
        • 18-10-2008
        • 12843

        #4
        الزميل القدير
        رضا الزواوي
        ورائحة مديرك قد فاحت سيدي بيننا..هاهاهاها
        مديرك هذا مذنب .. هاربا من وجهك.. قبل وجه العدالة!!
        رائعة صدقني وفيها لمسة مرحة ومسائي هذا لم يكن ككل الأمسيات مع نصك فهو معطر
        تحياتي ومودتي بدوت مختلفا جدا
        الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

        تعليق

        • دريسي مولاي عبد الرحمان
          أديب وكاتب
          • 23-08-2008
          • 1049

          #5
          الأستاذ القدير رضا الزواوي...مساء الخير...ومرحبا بك في هذه الرحاب...
          ما زلت أتذكر عبق هذه الرائحة في دوحة كانت أخادة بمبدعيها...لكن الأقدار جعلتنا نبرح أمكنتنا بحثا عن أفاق أرحب...
          سررت بتواجدك بيننا...لأنني كنت متيقنا من أنني ضيعت فرصة معانقة نصوصك الاستثنائية...لانني لمست فيها فرادة وجدة مثيرتين مبنى ومعنى...
          أحييك بحرارة عميقة...
          دمت.

          تعليق

          • رضا الزواوي
            نائب رئيس ملتقى النقد الأدبي
            • 25-10-2009
            • 575

            #6
            المشاركة الأصلية بواسطة ميساء عباس مشاهدة المشاركة
            تحياتي العميقة الفنان الرائع
            رضا الزواوي
            قصة جميلة
            لاهثة ..ولغة متفردة
            وكان مساء ..ليس ككل مساء
            رائحة مديرنا..
            رائعة ..صيادة
            ببوحها اللطيف الروح ..العميق الأحساس
            مرحبا بك كثيرة
            أنت وإبداعك الجميل
            ميساء
            عاشقة الليل التي تدمن الشروق في المساء: الرائعة ميساء
            لمرورك ألق يبعثر الحروف الحالمة.
            حللت بدوحة رأيت فيها أقلاما محلقة في سماء أحبها.
            لقد جذبتني روائح أحبة هنا.
            سأظل بينكم ما بقي في القلب نبض مخضب بروائحكم!
            دمتم أحبتي،
            مع تحياتي.
            التعديل الأخير تم بواسطة رضا الزواوي; الساعة 27-10-2009, 00:18.
            [frame="15 98"]
            لقد زادني حبّـا لنفسي أنني***بغيض إلى كل امرئ غير طائل
            وأنّي شقيّ باللئــام ولا ترى***شـقيّـا بهـم إلا كـريم الشـمـائل!

            [/frame]

            تعليق

            • رضا الزواوي
              نائب رئيس ملتقى النقد الأدبي
              • 25-10-2009
              • 575

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
              اسلوب تعبيري راق يصلنا الى روح فن القصة
              نص مختلف بلغته وأغواره
              تحيتي وتقديري استاذ رضا
              الأخت مها راجح
              وجودك أسعدني.
              كوني قريبة دوما
              دمت بخي،
              مع تحياتي
              رضا
              [frame="15 98"]
              لقد زادني حبّـا لنفسي أنني***بغيض إلى كل امرئ غير طائل
              وأنّي شقيّ باللئــام ولا ترى***شـقيّـا بهـم إلا كـريم الشـمـائل!

              [/frame]

              تعليق

              • رضا الزواوي
                نائب رئيس ملتقى النقد الأدبي
                • 25-10-2009
                • 575

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                الزميل القدير
                رضا الزواوي
                ورائحة مديرك قد فاحت سيدي بيننا..هاهاهاها
                مديرك هذا مذنب .. هاربا من وجهك.. قبل وجه العدالة!!
                رائعة صدقني وفيها لمسة مرحة ومسائي هذا لم يكن ككل الأمسيات مع نصك فهو معطر
                تحياتي ومودتي بدوت مختلفا جدا
                الأخت الكريمة عائدة
                سررت بمرورك، ورأيك
                دمت بخير،
                مع تحياتي.
                رضا
                [frame="15 98"]
                لقد زادني حبّـا لنفسي أنني***بغيض إلى كل امرئ غير طائل
                وأنّي شقيّ باللئــام ولا ترى***شـقيّـا بهـم إلا كـريم الشـمـائل!

                [/frame]

                تعليق

                • فواز أبوخالد
                  أديب وكاتب
                  • 14-03-2010
                  • 974

                  #9
                  كل عام وأنت بخير أستاذنا رضا الزواوي

                  نص رااائع وقفلة مدهشة لم أتوقعها

                  تحياااااااااااتي وتقديري لك .
                  [align=center]

                  ما إن رآني حتى هاجمني , ضربته بقدمي على فمه , عوى من شدة
                  الألم , حرك ذيله وولى هاربا , بعد أن ترك نجاسته على باب سيده .
                  http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=67924

                  ..............
                  [/align]

                  تعليق

                  • رضا الزواوي
                    نائب رئيس ملتقى النقد الأدبي
                    • 25-10-2009
                    • 575

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة دريسي مولاي عبد الرحمان مشاهدة المشاركة
                    الأستاذ القدير رضا الزواوي...مساء الخير...ومرحبا بك في هذه الرحاب...
                    ما زلت أتذكر عبق هذه الرائحة في دوحة كانت أخادة بمبدعيها...لكن الأقدار جعلتنا نبرح أمكنتنا بحثا عن آفاق أرحب...
                    سررت بتواجدك بيننا...لأنني كنت متيقنا من أنني ضيعت فرصة معانقة نصوصك الاستثنائية...لانني لمست فيها فرادة وجدة مثيرتين مبنى ومعنى...
                    أحييك بحرارة عميقة...
                    دمت.
                    أخي الجميل دريسي

                    كأني أرى اسمك رماديا!
                    أين أنت أيها الطائر الجميل؟
                    التعديل الأخير تم بواسطة رضا الزواوي; الساعة 13-02-2011, 07:55.
                    [frame="15 98"]
                    لقد زادني حبّـا لنفسي أنني***بغيض إلى كل امرئ غير طائل
                    وأنّي شقيّ باللئــام ولا ترى***شـقيّـا بهـم إلا كـريم الشـمـائل!

                    [/frame]

                    تعليق

                    • رضا الزواوي
                      نائب رئيس ملتقى النقد الأدبي
                      • 25-10-2009
                      • 575

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة فواز أبوخالد مشاهدة المشاركة
                      كل عام وأنت بخير أستاذنا رضا الزواوي

                      نص رااائع وقفلة مدهشة لم أتوقعها

                      تحياااااااااااتي وتقديري لك .
                      أهلا أخي فواز
                      شكرا لمرورك الجميل
                      دمت بخير،
                      مع تحياتي.
                      رضا
                      [frame="15 98"]
                      لقد زادني حبّـا لنفسي أنني***بغيض إلى كل امرئ غير طائل
                      وأنّي شقيّ باللئــام ولا ترى***شـقيّـا بهـم إلا كـريم الشـمـائل!

                      [/frame]

                      تعليق

                      • أمين خيرالدين
                        عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
                        • 04-04-2008
                        • 554

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة رضا الزواوي مشاهدة المشاركة
                        [align=right]
                        هذا المساء، ليس ككل مساء، فآثار الأقدام على الدرج تسحبني إليها بشوق، هذا اليوم قلّ حياؤها، وما أدراني بها أمس؟! إنها الآن تداعب أقدامي! تشدني بلطف، أنظر حواليّ فتتهادى نحوي نسمات هواء جذلى، تلاعبني على غير عادتها... لقد أنهكتني بعطفها، وحنانها، فارقتها، وأنا أتصبب عرقا، فاستقبلتني أرصفة، هنا، وهناك أراها تهتز طربا بقدومي نحوها، تلك التي كانت تنظر إليّ شزْرا، وتسلقني بألسنة حداد!

                        هذا المساء ليس ككل مساء، مقعد السيارة لم يرحّب بي كعادته، أحسست أنّ ما كان حبل مودة بيننا يلتف حول رقبتي، لينبهني أني لست هناك! وأنا أعرف أني هنا، حيث لا أرى تلك اللعبة التي وضعتها لابني حتى ينصرف عني باتباعها وهي تميل به ذات اليمين وذات الشمال، ولا مكان لجذاذة الورق المعطر بكلمات جميلتي، التي تفوق عطرها شذى، وألقا...هنا حيث لا قدرة لي على ترديد ملاذات حبيبتي الآمنة!...

                        هذا المساء ليس ككل مساء، لم أسمع نشرة الرابعة هناك بل هنا، ولم تمتدّ يدي لتستخرج من حافظة كانت بجانبي أمس ما يأخذني إلى حيث تتوق الآن نفسي! أحسست، كما لم أحس من قبل... السيارة هي التي تحملني مختلفا، وتأخذني مؤتلفا!، وأنا متمدد على غير عادتي... أرى ما لم أكن أتمتع برؤيته في سماء، بدت تأسرني بنظرات سُحُبِها التي لا تكاد تُرى، وأشعة الشمس المنهكة التي تنسج خلسة رداء المساء....

                        هذا المساء ليس ككل مساء، لم أصعد حيث عملي لكنه أتاني بثقله ... جاءني يستقبلني بكومة ملفات فاتنة! أنظر إليها بلوعة، وتنظر إلي بشوق، تراودني عن أنسي، وتنتظر أن أفتح أزرارها، وأهيم في دلالها!!!
                        هذا المساء ليس ككل مساء، كنت أصعد برِجْليْن، وعجزت اليوم عن ذلك بثلاثة! لم ألق التحية على ذلك المكور على كرسيه، تسبقه بطنه، وكأنه في وليمة! ولم يدعني جاري "العمدة" كما يحلو لنا تسميته، إلى رشفة من قهوته الخاصة "قهوة أم الخير" كما كان يحب تسمية زوجته! تلك الرشفة التي يأخذ مقابلها خبرا جديدا، يسلي به "ذات الوشاح الأسود" في جلسة تبادل الأخبار معها كل مساء...

                        هذا المساء ليس ككل مساء، هكذا قلت وأنا أسمع أزيز الكراسي، ورنين الهواتف عبر المكاتب... نعم ليس ككل مساء هكذا رددت لما رأيت ذلك النائم ينهض فجأة؛ ليخفي صحيفته، ويوقظ من درج خفيّ ملفات كانت تحضن سطورها؛ وتلتحف غبارها، وتغط في نوم يئد أحلام أصحابها!!!
                        - عافاك الله! لا بأس أن تبقى هنا، في هذا المكتب، حتى تشفَى رجلُك!
                        قالها مديرنا، وانسلّ بسرعة يسابق رائحته الحالمة، فتسبقه، ويلحقها؛ فترافقه! رائحة داعبت أنوفنا بلطف لم تحدثه أوامره قطّ!
                        سرعان ما عادت أصوات الكراسي تسلم الزمان للمكان، وتلا رنين هاتف يتراقص على مكتب زميلي سؤال حائر:
                        - كلمة بها خمسة أحرف، تسبقك إن أتيت، وتبقى إذا ذهبت؟
                        ردّ زميلي: رائحة. وأردف، وهو يقهقه مستلقيا على جنبات كرسيه الدوار:
                        -رائحة مديرنا! مديرنا الذي لا تفوته رؤية مصائبنا!
                        نظرت إلى رجلي المختبئة وراء البياض المتحجّر!، وإلى مُرافقي الفارع الطول المتخشّب، وقلت بلا صوت:
                        - رائحة مديرنا!!
                        وانتفضت؛ فاهتزت ظلال غشاوة كان يلفها صمتي:
                        -يا إلهي نفس رائحة ذلك الرجل الذي داعبتني بقايا أنفاسه وأنا ملقى على أعتاب سيارته!.
                        - هل يعقل أن يكون مديرنا هو الفارّ من موقع الحادث ذلك المساء؟! [/align]
                        الكاتب الأخ
                        رضا الزواوي
                        عوم مرهق مع شطحات النفس وخباياها
                        يكشف عن العناء والمعاملة في العمل
                        والتعامل مع النفس
                        لترويضها على روتين العمل
                        مرهقة هذه النفس
                        لكن الأسلوب ممتع
                        واللغة متينه
                        والعبارات بليغة
                        تحياتي وودي
                        [frame="11 98"]
                        لأني أحبُّ شعبي أحببت شعوب الأرض

                        لكني لم أستطع أن أحب ظالما
                        [/frame]

                        تعليق

                        • رضا الزواوي
                          نائب رئيس ملتقى النقد الأدبي
                          • 25-10-2009
                          • 575

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة أمين خيرالدين مشاهدة المشاركة
                          الكاتب الأخ
                          رضا الزواوي
                          عوم مرهق مع شطحات النفس وخباياها
                          يكشف عن العناء والمعاملة في العمل
                          والتعامل مع النفس
                          لترويضها على روتين العمل
                          مرهقة هذه النفس
                          لكن الأسلوب ممتع
                          واللغة متينه
                          والعبارات بليغة
                          تحياتي وودي
                          أهلا أخي أمين(1)
                          أشكرك على مرورك، ورؤيتك التي قدمتها.
                          دمت بخير،
                          مع تحياتي.
                          رضا
                          =====
                          (1) أعتذر عن التأخير في الرد عن غير قصد
                          [frame="15 98"]
                          لقد زادني حبّـا لنفسي أنني***بغيض إلى كل امرئ غير طائل
                          وأنّي شقيّ باللئــام ولا ترى***شـقيّـا بهـم إلا كـريم الشـمـائل!

                          [/frame]

                          تعليق

                          • وسام دبليز
                            همس الياسمين
                            • 03-07-2010
                            • 687

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة رضا الزواوي مشاهدة المشاركة
                            [align=right]
                            هذا المساء، ليس ككل مساء، فآثار الأقدام على الدرج تسحبني إليها بشوق، هذا اليوم قلّ حياؤها، وما أدراني بها أمس؟! إنها الآن تداعب أقدامي! تشدني بلطف، أنظر حواليّ فتتهادى نحوي نسمات هواء جذلى، تلاعبني على غير عادتها... لقد أنهكتني بعطفها، وحنانها، فارقتها، وأنا أتصبب عرقا، فاستقبلتني أرصفة، هنا، وهناك أراها تهتز طربا بقدومي نحوها، تلك التي كانت تنظر إليّ شزْرا، وتسلقني بألسنة حداد!

                            هذا المساء ليس ككل مساء، مقعد السيارة لم يرحّب بي كعادته، أحسست أنّ ما كان حبل مودة بيننا يلتف حول رقبتي، لينبهني أني لست هناك! وأنا أعرف أني هنا، حيث لا أرى تلك اللعبة التي وضعتها لابني حتى ينصرف عني باتباعها وهي تميل به ذات اليمين وذات الشمال، ولا مكان لجذاذة الورق المعطر بكلمات جميلتي، التي تفوق عطرها شذى، وألقا...هنا حيث لا قدرة لي على ترديد ملاذات حبيبتي الآمنة!...

                            هذا المساء ليس ككل مساء، لم أسمع نشرة الرابعة هناك بل هنا، ولم تمتدّ يدي لتستخرج من حافظة كانت بجانبي أمس ما يأخذني إلى حيث تتوق الآن نفسي! أحسست، كما لم أحس من قبل... السيارة هي التي تحملني مختلفا، وتأخذني مؤتلفا!، وأنا متمدد على غير عادتي... أرى ما لم أكن أتمتع برؤيته في سماء، بدت تأسرني بنظرات سُحُبِها التي لا تكاد تُرى، وأشعة الشمس المنهكة التي تنسج خلسة رداء المساء....

                            هذا المساء ليس ككل مساء، لم أصعد حيث عملي لكنه أتاني بثقله ... جاءني يستقبلني بكومة ملفات فاتنة! أنظر إليها بلوعة، وتنظر إلي بشوق، تراودني عن أنسي، وتنتظر أن أفتح أزرارها، وأهيم في دلالها!!!
                            هذا المساء ليس ككل مساء، كنت أصعد برِجْليْن، وعجزت اليوم عن ذلك بثلاثة! لم ألق التحية على ذلك المكور على كرسيه، تسبقه بطنه، وكأنه في وليمة! ولم يدعني جاري "العمدة" كما يحلو لنا تسميته، إلى رشفة من قهوته الخاصة "قهوة أم الخير" كما كان يحب تسمية زوجته! تلك الرشفة التي يأخذ مقابلها خبرا جديدا، يسلي به "ذات الوشاح الأسود" في جلسة تبادل الأخبار معها كل مساء...

                            هذا المساء ليس ككل مساء، هكذا قلت وأنا أسمع أزيز الكراسي، ورنين الهواتف عبر المكاتب... نعم ليس ككل مساء هكذا رددت لما رأيت ذلك النائم ينهض فجأة؛ ليخفي صحيفته، ويوقظ من درج خفيّ ملفات كانت تحضن سطورها؛ وتلتحف غبارها، وتغط في نوم يئد أحلام أصحابها!!!
                            - عافاك الله! لا بأس أن تبقى هنا، في هذا المكتب، حتى تشفَى رجلُك!
                            قالها مديرنا، وانسلّ بسرعة يسابق رائحته الحالمة، فتسبقه، ويلحقها؛ فترافقه! رائحة داعبت أنوفنا بلطف لم تحدثه أوامره قطّ!
                            سرعان ما عادت أصوات الكراسي تسلم الزمان للمكان، وتلا رنين هاتف يتراقص على مكتب زميلي سؤال حائر:
                            - كلمة بها خمسة أحرف، تسبقك إن أتيت، وتبقى إذا ذهبت؟
                            ردّ زميلي: رائحة. وأردف، وهو يقهقه مستلقيا على جنبات كرسيه الدوار:
                            -رائحة مديرنا! مديرنا الذي لا تفوته رؤية مصائبنا!
                            نظرت إلى رجلي المختبئة وراء البياض المتحجّر!، وإلى مُرافقي الفارع الطول المتخشّب، وقلت بلا صوت:
                            - رائحة مديرنا!!
                            وانتفضت؛ فاهتزت ظلال غشاوة كان يلفها صمتي:
                            -يا إلهي نفس رائحة ذلك الرجل الذي داعبتني بقايا أنفاسه وأنا ملقى على أعتاب سيارته!.
                            - هل يعقل أن يكون مديرنا هو الفارّ من موقع الحادث ذلك المساء؟!
                            [/align]
                            رائحة مديرنا
                            هي رائحة الهروب من العدالة إذا
                            لينبهني أني لست هناك! وأنا أعرف أني هنا"،لا أعلم لما استوقفتني هذه العبارة ربما لاننا في لحظات كهذه نغيب دون أن نغيب ونحضر دون أن نحضر نسمع ونرى لكننا بأجساد متصلبة
                            فصة جميلة وقفلة مميزة وعنوان ملفت
                            دمت مبدعا

                            تعليق

                            يعمل...
                            X