ليلة الدخلة في البستان
***كان ذلك قبل ثلاثين عاماً تقريبا
كانت مدينة الطائف تُعد مصيف المملكة العربية السعودية
-عندما تُذكر مدينة الطائف آنذاك؛ ترتسم تلقائياً في مخيلة السامع فروع الكروم المحملة بعناقيد العنب والتي هي بلون الكهرمان بأشكاله الثلاث الأبيض المستدير بأحجام مختلفة، ومنه الأصفر المائل للإحمرار، ومنه العنب الأسود أو الأحمر... الطبيعة بكر.. والنفوس مازالت تحمل الطيبة والبراءة.. كانت حياة الطائف كانها بيت كبير، يسكنه أهلها: مزيج من البادية والحضر... جميعهم متحابين...
**لم يكن هناك ( بالتلفزيون) إلا قناة واحدة.. وبدون ألوان.. ولاتبث إلا القرآن والأخباروبرامج الأطفال، ثم بعض الأفلام التاريخية، فلم يدخل في أذهانهم الغزو الفكري، ولم يلقنوا بعد الوان الرذيلة. المراهقات لاتتعدى أحلامهن حدود النجاح في المدرسة ، وفساتين العيد الموعودات بها ؛ لأنها الأغلى ،وحب الأهل هو كنز القلوب .المراهقات لايعرفن شيء إسمه العشق،تمر بهن أحاسيس فيسولوجية لايعرفن لها مسميات. لورأت المراهقة صورة رجل يقبل فتاة ترتعش وتخاف من أبيها وتخجل لأنه لو رآها لقطع جسمها بالجلد بالعقال، وهو صوف مجدول يضعه الرجال على رؤوسهم بدل العمامة ، وهنا تحتار... لو مزقت الصورة سوف تخسرها ولا يمكنها أن تريها لصديقاتها فهي شيء مثير؛ ولو خبأتها فقد تفقد ثقة أهلها..وهنا تختار تمزيقها...
كان في الطائف آنذاك خبز حار هنيء.. ونفوس طاهرة.. ومنها ما كان يسمي بيت السيد عثمان، البيت الكبير بالقصر،لبنائه على الطرازالتركي. وشرفاته التي تتسابق بعناق الفجر…والشروق…والغروب…عذراء ثلجية البشرة، تهيم بالبراري تعشق الطبيعة ولاتعرف حضن غيرها، تحب الماء والخضرة، ولاتبحث عن وجه حسن لأن الدنيا كانت في عينيها كل الحسن
اوقات العصاري هي جل امنياتها ،تترقب متى ينتهوا هي واختيها هناء وآلاء ووالديها من وجبة الغداء ، فيذهبان والديها لغرفة النوم.. وهي تفتح باب القصر الذي يسكناه في ا لبستان وتهرول لترمي بجسمها الرقيق في أحضان السنابل.لها عشق مع الورد الجوري ومع السنابل.تركض بقدمين حافيتين على جذور السنابل ..وتخلع الشبشب الذي سريعاً ماتقطعه الأغصان فيكون عقابها موجع من أمها وتقول لها:
-هل كل أسبوع نشتري لك شبشب جديد؟
ولاتفكر بأن كعبيها الوردييين قد يجرحن بفعل الجذور والأشواك بين السنابل... كان يعجبها التخفي بين سيقان السنابل، فهي منذ أن كانت في السابعة من عمرها وحتى الان في الثالثة عشر من عمرها لم تترك أحتضان سيقان السنابل ..إلا عندما ترعد السماء فتخيفها ويغرقها المطر... تفرد شعرها البني وتطير صوب الريح فيتشابك شعرها بالسنابل المحملة وتتشابك فتضحك وتقبل السنابل وتمدغ الحبات الخضراء المرتوية وتقسم فيما بعد لأختيها بأن لون شعر السنابل عندما يجف يشبه أطراف شعرها... فلايجبنها
... ينتابها شعور عاطفي لاتعرف ماهو فتختلط ضحكتها بالدموع ولاتعر ف تفسيرلذلك.. نهتها أمها ملايين المرات عن الإختباء بين سيقان السنابل؛ لأنها تعج بالثعابين؛ لكنها حينما ترى البستان أمامها تنسى كل الأخطار.
وحينما تنوى الشمس الغياب؛ وكانها ترسل لها رسالة وتقول :سيعم الظلام المكان. فتركض وفاء الى مقسم جدول المياه المبني من الرخام مثل الصندوق ومفتوح من أسفل يستقبل الماء الدافيء المتدفق من البئر... فتركض وفاء وتجلس وتتمسك بالرخام وتقاوم اندفاع الماء وتغتسل من رأسها وكل شعرها الطويل حتى قدميها الصغيرين؛الى أن يزول الطين والإخضرار من على الفستان.. فتقف أقل من عشرين دقيقة في الهواء (لتجف بكاملها)...حتى لاتضربها امها.. ولم تكن تعلم بأن ذلك هو السبب في نزلات البرد وإحتقان اللوزتين لديها على الدوام.. وهنا يمرالماء على البستان فيحمل في مجراه بعض حبات الرمان وثمرات الخوخ والتفاح والمشمش وبعض وردات الجوري فتلتقطها وفاء وتملأ بها طرف الفستان وتلمه لأعلى خاصرتها وتعود للمنزل محملة بالفواكه.يسعد السيد عثمان لرؤية إبنته بتلك السعادة وتشتعل الأم غيظا من غيابها والخوف عليها من البدو والمزارعين فهي في عمر الورود، فيعيد عليها السيد عثمان، هؤلاء البدو شرفاء يخافون على الشرف أكثر من نور عيونهم؛ويستطرد:
-أنا تعمدت شراء هذا البستان والبيت الكبير لكي أشعركم بكل المتعة.
حارس البستان عم عمر يسعد بأن السيد عثمان يسمح لإبنته بدرية بملاعبة ومصاحبة بناته وجميع اهل الحي القريبين من البستان يسعدون لزيارة اسرة العم عثمان ليسعدوا بالماء والخضرة...والفواكه الطازجة.أما الفتيات فيسعدن بالسباحة في الحوض الكبير امام الديوان ألمخصص للضيوف وإقامة الحفلات... همست بدرية لوفاء وعينيها تدمع :
-وفاء…سوف يزوجني أبي
وفاء تشعر بالذعر وتتبسم..وتقول:
-كيف…ليش…ياسلام…ياخسارة
تلعثمت الكلمات في أفواه العذارى ،وهنا ،المتعلمة وفاء... والجاهلة بدرية...ليس لهن أي معلومات عن الزواج ،ثم إنتفضت وفاء وتقوقعت وقالت: هل تعرفين الرجل؟
فلطمت بدرية قائلة..ولا حتى أعرف اسمه،وتبكي،قالت وفاء ولماذا تبكين؟أجابت بدرية ...لو أنتي التي ستتزوجين ألم تبكين؟ سأخرج من بيتنا لبيت رجل لاأعرفه!!!
*-وقفت بدرية على الشرفة والغروب يصبغ البستان باللون الذهبي بينما هناك غيمة من بعيد تنذر بقدوم مطربالليل –سرحت وفاء..تُرى ماذا يكون في العرس؟ماهو عالم العرس أو عالم الرجل؟انا أحب أخواني لكني لاأعرفهم جيداً، فهم يدرسون بالخارج ..وأبي وأمي كأنهم اخوتنا…لكن ماهو السر الذي يجعل آنسات اكبر مني يتمنين الزواج ويخبئن صور العناق والقبل؟ ..تُرى لماذا يجب أن تتزوج الفتاة؟
سرحت وفاء وهي تفكر؛صحيح بأن الفتاة تبتهج لفستان الفرح الكبير وتسعد أكثر لأنها ستفك أسر جديلتيها...بل ويمكنها أن تضع أحمر الشفاه..وتمتلك انواع من العطر.. .بل ويمكنها أن ترتدي الحذاء ذو الكعب العالي..أيضا وستكون لها غرفة نوم خاصة ولاتنام بجانب أختها؛ولكن هناك أسراروهناك صراخ عند الولادة وكيف يحدث ذلك؟
هناك أسرار مفزعة في الزواج لانعرفها!!!
أفاقت وفاء على يدِ بدرية تهزها..وتقول:
- تتركيني في حيرة وتتفرجين على البستان؟
وظلت الاثنتان صامتتين، ترتعشان، وتتمنيان لو أنهن يجدن عروس تزوجت من أشهر لتوضح لهن ماخفي عن الزواج...
- أمسكت زوجة البستاني بإبنتها ولم تعد تسمح لها بالخروج، وزوجة عثمان تبرعت بشراء الفساتين وبعض مكياج وعطور للعروس...
الليل يمضي طويلاً على وفاء ...
-تُرى كيف كنت سأتصرف لو كنت أنا العروس؟
أحيانا تعتريها رعشة الخوف ؛ولكن من ماذا؟ لاتدري لكنها تسمع بأن العروس تخاف من ليلة الدخلة...
وهنا يصيبها بكاء لاتدري هل هي مشاعر الحب الغريزية أم هو خجل عذراء... خجل من ماذا؟ الهي لااحد يُفهمها ما تريد معرفته...
*_في ليلة الزفاف أمرتهن أمهن ان لا تأتين الا عندما ترسل لهن الخادمة –فقط-(وقت الزفة)-لرؤية بدرية وهي عروس . أوصال وفاء ترتعش مع ذلك سالت أمها:
- مامعنى ليلة الدخلة ياماما؟
فباغتتها أمها بصفعة أعمتها بفيض الدموع، وقالت:
- بلاش قلة أدب هذا كلام للكبار فقط...وهكذا زادت حيرتها......
- ماذا يحدث ياترى؟؟
-الزحام يخنق الأنفاس بالرغم من أن الزفاف في ديوان البستان الكبير.تسير بدرية بفستان جميل وكبير ومنتفش..تبدو جميلة وهي عروس..تسير مغمضة العينين كعادات العروس في الزمن الماضي أُم وفاء تمنعهن من الإقتراب..شكل العريس جميل ومتبسم بينما عينابدرية تدمع. يحاول يمسك بيدها ويحملها ويضعها على صدره... بل قلبه ..هي تخجل وتشد يدها لإسفل،عيون العذارى تتابع الحركات ووجوههن تحمر.. والأمهات تتغامزن ..وبدأ الحفل يتفرق وأخذت زوجة عثمان بناتها ورجعت القصر .
اسرعت وفاء لغرفتها المطلة على الديوان، أطفات النور، وفتحت النافذة..أول مرة تنتبه بأن المسافة بعيدة ولا يمكنها سماع شيء، لكنها لمحت خيال العروسين من زجاج الشباك العريض..هنا شعرت بشيء من الأمل لإرواء فضولها أو تلهفها لمعرفة مالم تعرفه... نعم لقد رأت خيالاً واضحاً؛ يحاول العريس أن يقبلها؛ تضع وجهها بين يديها...يفك يديها ويختطف قبلة، تبتعد بدرية... ويقترب العريس يحاول أن يقتلع الطرحة والتاج من رأسها... وتمنعه بدرية.. ينجح في ذلك ..ويُقبل ليحتضن بدرية فتنزلق من بين يديه كزجاجة مبتلة بالماء تهرول بدرية... وتهرول النجمات ...والعريس يمتطي صهوة الشبق والوصول... لا محال.. يلحق بها ..صرخات ..أم ضحكات تتهاوى؟ ويهوي ببدرية على الأرض ..تتعانق الأنفاس؛ والأجساد تحاول أن تتفلت... يسبقها ويطفيء النور..... يآلهي لم تعد ترى شيء
يداها تتجمدان على حديد الشباك، تكاد تهوى على الأرض ترى ماذا؟ بعد؟ بدرية إبتلعها الفستان.. التل إبتلعتها زندي الرجل، إبتلعتها ضبابات الفجر... وبقايا الليل.. وفاء تحدث نفسها : لم أعد أسمع ولا أرى شيئاً.. ظل سؤال يلح علي ويوجع قلبي ... ترى ماذا بعد ؟ أريد أن أعرف قبل أن يفاجأني أبي بزواج ...وظل السؤال على الشفاه العذراء وفي القلب الذي لايقبل إلا أن يخفق بهلع وحيرة الأمس واليوم وغداً ... تغلفني.. تهرب الصرخات في جوف الليل ويبتلعها حفيف الشجر وأزيز البئر:
- يالهي لم يزعنجني صوت البئر ونقيق الضفادع مثل هذه الليلة ...
تشاركها هبات نسيم ربيعية باردة أقشعر منها ...بل أنتفض من رؤية شبح العروسين وأصواتهم التي إحتضنها تنفس الفجر...
سعادعثمان
تعليق