الكعكة و الفحل ..!! محمد سلطان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    الكعكة و الفحل ..!! محمد سلطان

    [frame="15 98"]الكعكة والفحل

    إهداء : للأديب ربيع عقب الباب




    جاءت سنوية الغارق محملة بنفس النوارس والنجمات .. بنكهة خاصة .. تحوي بين جزيئاتها أيونات المعادلة الغير قابلة للشك .. مادتها الخام تركبت من لونٍ كان أقرب إلى الحياة منه إلى الموت ؛ لطالما أصر على الخروج تحت إلحاح أعصابه المهترئة , رغم التوسلات إلا أنه رفض .. كأنه يدرك حقيقة الأشياء من زيفها , فلابد أن يعود بكامل بهجته .. حتى وإن كانت مخلاته خالية من الرزق , فالأرزاق بيد الله .. تـُمني نفسها عودته .. تصرخ :
    لا رزق اليوم ؟لا يهم .. لن نموت .. لكن يعود بعافيته .. كرهتُ الغنى ومقتُّ الحديث عن سيرته .. لا أريده .. لم أتعود عليه .. يكفيني أن أخبزمن الردة * كعكات خشنة للعيش الحلال .. يا ناس .. يا عالم .. هو رزقي و لا أريد غيره .. أبلغوه أن يعود .. حتى وإن صار عظماً في قفة .. أرجعوه .. هو لحمي و كسوتي .. ستري و غطائي .. أخبروه أن الحياة بدونه لهيب يشويني .. عمري و عمره .. فرحتي و فرحته في كفةٍ واحدةٍ ..
    لكن المسافات بينهما ممددة كمداد البحر و عنفوانه , والريح التي لفـّت كل الاتجاهات و أتت بَحـَرِية مالت إلى الشرق .. دكت الحواف و كنستها من البشر , طوقت السهول المترامية و الوهاد المنحدرة مع انحدار الشوف كبساطٍ طائر سقط من السماء .. تماماً كما السواري .. لا تعرف كيف تخلت عنها الأشرعة , وتركتها لعريها تغتصبها الريح و تحقنها بالوخز كعظامٍ نخرةٍ , تتراقص كنخلاتٍ مجردةٍ من السعف , تود لو ترميه بجمراتٍ في حجم الرطب .
    يسمع صفيرها ، فيلف جسده بالحبال و يتسلق قوامها المنتصب , ويتراءى له المدى الممتد من بعيدٍ كغجريةٍ تتقن دق الإبر .. تتصنت إليه النوارس .. وتحوم فوق رأسه كشافات استطلاع .
    تدنو نورسته ـ تهبه حياةً استحال عودتها ـ جاءت من أعالي البحيرة , طوت الساحات تحت جناحيها ؛ كي تتأبطه ، وتحط به في قلب الدار لو ضل العودة .
    عرفها من عينيها الفنجاوين , حدثها :


    وهيبة يا كعكة العريس و يا خبيز الدار .. تعالي يا حبيبة . لا تهابي الموج .. !


    كانت تغزل من دمعها طبطبةً لظهره , تمسح بها صدره المخضب ؛ لتثلج ترائبه .. فرد ذراعيه يضمها , فسقط للثيران المتناطحة بالأسفل .. حملته على قرونها و ذهبت به قرباناً للغجرية الشمطاء .
    ظلت تتقلب في الفراش كما *البسارية * في الزيت المغلي , و عيونهن الشاخصة مرشوقة بومضٍ صوبته اللفائف السوداءعلى أجسادهن الممصوصة .. نهضت من بيدها تلطيف الزيت و حامت بمبخرةٍ زيتونيةٍ , كانت نصفاً سفلياً لقـُلةٍ مفلوقةٍ .. باركت اللحم و العظام من شر عيون الغجر , و من شر الحسود إذا فجر , ومصمصة الشفاه البُنية تزف في مقتٍ شر البلية التي اكتنفت ربوع الدار .
    لم تتحمل النورسة حديثهن .. كادت أن تشق اللحاف و تخرج من ريشها الذي جلدالحيطان الدامعة بثـكله المزمن .. ولولا رهبتها من رب يعقوب لفعلت ! .. طمعاً في التحليق مع زميلاتها , أو اعتلاء السواري بالدفوف و المزامير حتى يخرج عريس البحر .
    تجمع الشيوخ والصبية على الحافة ينتظرون الجثة تطفو .. تمققت أحداقهم لساعاتٍ طوال دون فائدة .. حتى القوارب التي اكتظت بالجدعان ، و أنهكها الغطس رجعت بخيبة أمل .. بدأت سحنهم الكركمية ترد على تساؤلات الأعين , نيابةً عن الألسنة المربوطة التي أكلها الصمت ..
    تململ شيخهم ، بانت على شفتيه تمتمةً تنم عن اقتراحٍ محبوس .. أخيراً أفرج عنه بعد مرارةٍ و مناورةٍ عصيّة في الحلق .. تجهزت القوارب من جديد , عادت تنصب الصنار في قاع البحر .. تقوست كالهلال .. تجرف كل الإتجاهات ، إلى البحري تارة والقبلي تارةً أخرى .
    كانت النوارس ترصد المشهد بثكلٍ و عبرات .. توافدت من كل بقيعٍ و صقيع ، أسراباً سدت عين الشمس ، زينت السحابات لعروس السماء بأبهةٍ نورسيةٍ ؛ تأهباً لاستقبال الساكن في قعر البحر ؛ وزفافاً نظيفاً من أعين الغجر .
    اتقد كبد النورسة رغم نشيد الأطيار , تابعت جرف القوارب جيئةً و عودةً بقلبٍ مخروقٍ اتسعت فجوته عندما خرجت الجثة مشبوكة في الصنار .
    ناح الصبية والتزم الشيوخ الصمت , ورغم الأنين المكتوم سمع طائره يئن في الآفاق .. دنت منه النوارس ، خطفته من أيدي الجدعان , صعدت به ، أجلسته سحابته ..
    لم تتمالك النورسة فرحتها ، غنت ، رقصت , راحت تقطف له النجمات المختبئة وراء الركام العائم في السماء كمراكب منزوعة الأشرعة .
    جنحت إلى سحابةٍ قطنيةٍ , طرّزتها بالنجوم المقتطفة ، فألبستها السحابة بياضها فستاناً يليق بعروس السماء .. تزفها مع كورال النوارس إلى عريس البحر .. تبخترت بها ناحيته كمهرةٍ نافرةٍ محناة السنابك ، لكن مهجة النورسة كانت أسرع , بسطت جناحيها ، سلمتهما للريح لتضمه بلهفةٍ .. لن تضيعه هذه المرة .. فانفلتت ، سقطت للثيران المستعدة بالأسفل لالتهام الكعكة .. حملتها على قرونها ؛ تقدمها قرباناً جديداً , وتركته وحده في الآفاق ، يخور كفحلٍ مذبوح .... !


    * الردة : النخالة
    * الباسرية : صغار الأسماك
    [/frame]
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل الرائع
    محمد ابراهيم سلطان
    نص بلون الموت الأبيض
    سرد شفاف ووصف من أجمل ماكان
    طرت بين السطور كنورسة
    بحثت عنه بين الأمواج
    وطال بحثي
    وحين تعبت رفعت رأسي إلى السماء أرجوها كي تعينني
    فرأيته
    هناك
    يتأبط الغيوم
    والسماء زادته بهاءا
    فأمطرت الدنيا حزنا.. عليه
    تحياتي لك ومودتي زميلي
    نص يستحق النجوم وبجدارة
    تسبقها باقات الياسمين
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • محمد سلطان
      أديب وكاتب
      • 18-01-2009
      • 4442

      #3
      الغالية و تاج البلاد الرقيقة

      معلمتي القديرة عائدة محمد نادر

      كنت قدمتها لمسابقة لكن النفس دائماً أمّارة و طماعة في الوصول إليكم .. تقنع عن الجوائز و لا تريد سوى حب الأساتذة أمثالكم .
      و ماذا ستجدي المسابقات طالما بعيدة عن النوارس و الأطيار المخملية عائدة ؟؟
      كانت حالة مازالت مسيطرة على نفسي من مدة , و لا أطيق إلا الهرب ,, كل الصور أصبحت تتجسد أمام ناظري كما الفلاش باك (وهذه لعبتك أيتها الفنانة العراقية) .. لكن أكرهها ربما لأنها أصبحت تنال من انقباض القلب و دقاته ؟؟ كل المواجع صت أستطعمها .. لا أعلم إلى متى سيظل فمي ملتهباً بها .. لكنها الحقيقة يا تاج البلاد الفراتية .. ما عدتُ أتحمل حتى ملابسي .. اختنقت منها و لولا خجلي و خوفي من رب يعقوب لفعلت ... !!

      الغالية العذبة كماء النيل و عسل دجلة .. هناك الكثيرين من يُهَوِنوا الأوجاع التي يعجز القلم عن التفوه بها , لكن يحالو .. بالتأكيد أنتِ سيدتي واحدة من ضمن .. و مازلت حاملاً الجميل فوق أكتافي لن أنساه عائدة ,, ألا تذكرين ؟

      محبتي و احترامي لرأس البلاد .. أنتم عائدة
      صفحتي على فيس بوك
      https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

      تعليق

      • نعيمة القضيوي الإدريسي
        أديب وكاتب
        • 04-02-2009
        • 1596

        #4
        أستاذ سلطان

        كل يوم أتفاجأ بسرد،أضحى يأخد أشكالا متعددة،قبل وقت قصير كان السرد عند سلطان مفعما بروح المرح التفاؤل،مرة أخرى وجدناه يكتب بنفحة الذكرى والحنين لبلده ولبغداد،في القصة القصيرة وجدنا عدة ألوان،اليوم نحن أمام رواية مختلفة،يصعب عليك أن تتأكد أنها لسلطان السارد المتنقل كالفراشة بين بحور السرد،ولاعب الحرف بين السطور،اليوم نحن أمام سارد طبع نفسيته بشكل كبير في سرده،غلبت نفحة ألم،سخط،تشاؤم،لا أعرف بالضبط الكلمة المناسبة،كل ما أعرفه أن تبقى مجرد تأويلات قارئة بسيطة ولا تكون حقا إنعكاسات نفسية السارد على نصه،وإن كنت فقط أمل ، الاتكون فالموضوعية هنا مجرد من النص،ربما هي ملامح الغربة،ربما هي الشعور بالوحدة،ربما هو الرغبة الجامحة لمعانقة الحب،ربما هي هذا وذاك دفعت بالسارد لهاته الحالة من الملل،وحالة من عدم الرضى.

        تبقى القصة مهما قلت عنها وحتى إن أحببت وصفها بالشفاية قصة بها رمزية مغلقة لا يمكن لمن يجهل سلطان وغير متتبع لكتاباته أن يصل لها.

        تلك رؤية للنص،أرجو تقبلها،وأرجو أن أكون على خطأ في بعض جزئيتها.

        هي قصة بلغة متمكنة،وحروف منضبطة،وصورة فنية معبرة
        تحياتي لسلطان ابو السرد السلاطين





        تعليق

        • مها عزوز
          أديب وكاتب
          • 20-12-2008
          • 282

          #5
          ما يشدك فعلا للاديب ابراهيم سلطان هو روح ابن البلد الرقيقة الشديدة الفكهة المليئة مرارا حتى النخاع
          يحملك الى عالم من الفوضى و الحركة و اللهاث
          و لا يسمح لك باسترجاع النفس
          و تخرج من عالمه مكدودا
          ا منهوكا
          و لكن تعرف معنى الانتشاء
          لان المفاجئة التي تحصل لك و انت تغادر القصة انك تكشف انك لم تكن في مكان اخر سوى
          قلب محمد ابراهيم سلطان
          و ما اعظم ان تدخل قلب محمد ابراهيم سلطان الذي سريعا ما يشدك اليه فتدرك انك اليه لن تلبث حتى تعود
          مها

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            لفمى أنا .. أمممم .. أيها محمد .. الفحل أم الكعكة ؟!!

            ألمهم .ز فى كلتا الحالتين .. فلا فمى يسع الكعكة و لا الفحل حتى لو كان عقلة إصبع ، فالأسنان أصابها الضمور ، كما قلب الحبيبة !!

            لنلون الشواطى بألوان بهجتنا ، و نبنى على ريم الوقت ، بعض
            الأضرحة ، أو بعض العشش لنصيد النوارس ، و نضعها مع تلك الغجرية
            الهبوب ، التى لا تعترف بالضعفاء أبدا .. لكننا سوف نقص لها الجناح ، و نهيض أى محاولة منها .. فهل نفلح أم هو ضرب من الجنون ، و العبث ؟

            أقدرهم مع الغموض ، و الهباء الذى يخلع ملابسه ، فى كل رحلة ، بل هم من يرغمه على ذلك ، ليعيد ارتداءها مع كل طلعة جديدة ، مع كل نبشة فى ضمير هذا الكون العائم ، الذى يشبه كثيرا أحابيل الوهم فى صدورنا .. العودة سانحة و النوة فى أوج قوتها ، تتشظى ، هنا وهناك ، فتحيل المملح نوارس قابضة
            محملة برائحة الكافور .. إنه الموت و سنوية هذا الجميل ، الذى لم يصمد حتى نهاية المشوار ، ليسقط فى قبضته ، و ينال منه الفحل ، الذى لا مفر من الوقوع بين براثن فحولته .. الكعكة تلك الأمنية ، الذائبة بين شفاه المحبوبة .. هاهى تسقط ، و تتخاطفها النوارس .. وهى هناك على الجسر تنتظر عودته المائة بعد الألف !!

            محبتك محمد كإظهار عقد زواج شرعى ، تكوين حكومة من جن الكلمات
            أو كنازلة ، لا تقع من ذاكرة ، ربما تكون مكروهة الذكرى ، لكنها حدثت ، و كانت بالفعل واقعا لا مراء فيه !!
            أجن بك .. و بقلبك النبيل الذى مانالت منه نوارس هذا القيظ الممتد فى هذه الشبكة الجهنمية اللعينة ، أو بلاد الزيت ، الذين يحشدون قلوبهم بالقار !!

            كن دائما بخير .. بخير وصحة و نبالة !!
            sigpic

            تعليق

            • مها راجح
              حرف عميق من فم الصمت
              • 22-10-2008
              • 10970

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
              الكعكة والفحل


              من أجل فم ربيع عقب الباب





              جاءت سنوية الغارق محملة بنفس النوارس والنجمات .. بنكهة خاصة .. تحوي بين جزيئاتها أيونات المعادلة الغير قابلة للشك .. مادتها الخام تركبت من لونٍ كان أقرب إلى الحياة منه إلى الموت ؛ لطالما أصر على الخروج تحت إلحاح أعصابه المهترئة , رغم التوسلات إلا أنه رفض .. كأنه يدرك حقيقة الأشياء من زيفها , فلابد أن يعود بكامل بهجته .. حتى وإن كانت مخلاته خالية من الرزق , فالأرزاق بيد الله .. تـُمني نفسها عودته .. تصرخ :
              لا رزق اليوم ؟لا يهم .. لن نموت .. لكن يعود بعافيته .. كرهتُ الغنى ومقتُّ الحديث عن سيرته .. لا أريده .. لم أتعود عليه .. يكفيني أن أخبزمن الردة * كعكات خشنة للعيش الحلال .. يا ناس .. يا عالم .. هو رزقي و لا أريد غيره .. أبلغوه أن يعود .. حتى وإن صار عظماً في قفة .. أرجعوه .. هو لحمي و كسوتي .. ستري و غطائي .. أخبروه أن الحياة بدونه لهيب يشويني .. عمري و عمره .. فرحتي و فرحته في كفةٍ واحدةٍ ..
              لكن المسافات بينهما ممددة كمداد البحر و عنفوانه , والريح التي لفـّت كل الاتجاهات و أتت بَحـَرِية مالت إلى الشرق .. دكت الحواف و كنستها من البشر , طوقت السهول المترامية و الوهاد المنحدرة مع انحدار الشوف كبساطٍ طائر سقط من السماء .. تماماً كما السواري .. لا تعرف كيف تخلت عنها الأشرعة , وتركتها لعريها تغتصبها الريح و تحقنها بالوخز كعظامٍ نخرةٍ , تتراقص كنخلاتٍ مجردةٍ من السعف , تود لو ترميه بجمراتٍ في حجم الرطب .
              يسمع صفيرها ، فيلف جسده بالحبال و يتسلق قوامها المنتصب , ويتراءى له المدى الممتد من بعيدٍ كغجريةٍ تتقن دق الإبر .. تتصنت إليه النوارس .. وتحوم فوق رأسه كشافات استطلاع .
              تدنو نورسته ـ تهبه حياةً استحال عودتها ـ جاءت من أعالي البحيرة , طوت الساحات تحت جناحيها ؛ كي تتأبطه ، وتحط به في قلب الدار لو ضل العودة .
              عرفها من عينيها الفنجاوين , حدثها :

              وهيبة يا كعكة العريس و يا خبيز الدار .. تعالي يا حبيبة . لا تهابي الموج .. !

              كانت تغزل من دمعها طبطبةً لظهره , تمسح بها صدره المخضب ؛ لتثلج ترائبه .. فرد ذراعيه يضمها , فسقط للثيران المتناطحة بالأسفل .. حملته على قرونها و ذهبت به قرباناً للغجرية الشمطاء .
              ظلت تتقلب في الفراش كماالبسارية * في الزيت المغلي , و عيونهن الشاخصة مرشوقة بومضٍ صوبته اللفائف السوداءعلى أجسادهن الممصوصة .. نهضت من بيدها تلطيف الزيت و حامت بمبخرةٍ زيتونيةٍ , كانت نصفاً سفلياً لقـُلةٍ مفلوقةٍ .. باركت اللحم و العظام من شر عيون الغجر , و من شر الحسود إذا فجر , ومصمصة الشفاه البُنية تزف في مقتٍ شر البلية التي اكتنفت ربوع الدار .
              لم تتحمل النورسة حديثهن .. كادت أن تشق اللحاف و تخرج من ريشها الذي جلدالحيطان الدامعة بثـكله المزمن .. ولولا رهبتها من رب يعقوب لفعلت ! .. طمعاً في التحليق مع زميلاتها , أو اعتلاء السواري بالدفوف و المزامير حتى يخرج عريس البحر .
              تجمع الشيوخ والصبية على الحافة ينتظرون الجثة تطفو .. تمققت أحداقهم لساعاتٍ طوال دون فائدة .. حتى القوارب التي اكتظت بالجدعان ، و أنهكها الغطس رجعت بخيبة أمل .. بدأت سحنهم الكركمية ترد على تساؤلات الأعين , نيابةً عن الألسنة المربوطة التي أكلها الصمت ..
              تململ شيخهم ، بانت على شفتيه تمتمةً تنم عن اقتراحٍ محبوس .. أخيراً أفرج عنه بعد مرارةٍ و مناورةٍ عصيّة في الحلق .. تجهزت القوارب من جديد , عادت تنصب الصنار في قاع البحر .. تقوست كالهلال .. تجرف كل الإتجاهات ، إلى البحري تارة والقبلي تارةً أخرى .
              كانت النوارس ترصد المشهد بثكلٍ و عبرات .. توافدت من كل بقيعٍ و صقيع ، أسراباً سدت عين الشمس ، زينت السحابات لعروس السماء بأبهةٍ نورسيةٍ ؛ تأهباً لاستقبال الساكن في قعر البحر ؛ وزفافاً نظيفاً من أعين الغجر .
              اتقد كبد النورسة رغم نشيد الأطيار , تابعت جرف القوارب جيئةً و عودةً بقلبٍ مخروقٍ اتسعت فجوته عندما خرجت الجثة مشبوكة في الصنار .
              ناح الصبية والتزم الشيوخ الصمت , ورغم الأنين المكتوم سمع طائره يئن في الآفاق .. دنت منه النوارس ، خطفته من أيدي الجدعان , صعدت به ، أجلسته سحابته ..
              لم تتمالك النورسة فرحتها ، غنت ، رقصت , راحت تقطف له النجمات المختبئة وراء الركام العائم في السماء كمراكب منزوعة الأشرعة .
              جنحت إلى سحابةٍ قطنيةٍ , طرّزتها بالنجوم المقتطفة ، فألبستها السحابة بياضها فستاناً يليق بعروس السماء .. تزفها مع كورال النوارس إلى عريس البحر .. تبخترت بها ناحيته كمهرةٍ نافرةٍ محناة السنابك ، لكن مهجة النورسة كانت أسرع , بسطت جناحيها ، سلمتهما للريح لتضمه بلهفةٍ .. لن تضيعه هذه المرة .. فانفلتت ، سقطت للثيران المستعدة بالأسفل لالتهام الكعكة .. حملتها على قرونها ؛ تقدمها قرباناً جديداً , وتركته وحده في الآفاق ، يخور كفحلٍ مذبوح .... !


              * الردة : النخالة
              * الباسرية : صغار الأسماك


              كما عودتنا استاذ محمد سلطان
              تمتلك قدرة رائعة (ما شاء الله) على السرد
              والتقاط النفس للحدث والمسير الى الخاتمة
              وانا أقرأ رغبت في الإختفاء خوفا من ذاك الجلل

              تحيتي ومودتي ايها الفارس
              رحمك الله يا أمي الغالية

              تعليق

              • محمد سلطان
                أديب وكاتب
                • 18-01-2009
                • 4442

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة نعيمة القضيوي الإدريسي مشاهدة المشاركة
                أستاذ سلطان

                كل يوم أتفاجأ بسرد،أضحى يأخد أشكالا متعددة،قبل وقت قصير كان السرد عند سلطان مفعما بروح المرح التفاؤل،مرة أخرى وجدناه يكتب بنفحة الذكرى والحنين لبلده ولبغداد،في القصة القصيرة وجدنا عدة ألوان،اليوم نحن أمام رواية مختلفة،يصعب عليك أن تتأكد أنها لسلطان السارد المتنقل كالفراشة بين بحور السرد،ولاعب الحرف بين السطور،اليوم نحن أمام سارد طبع نفسيته بشكل كبير في سرده،غلبت نفحة ألم،سخط،تشاؤم،لا أعرف بالضبط الكلمة المناسبة،كل ما أعرفه أن تبقى مجرد تأويلات قارئة بسيطة ولا تكون حقا إنعكاسات نفسية السارد على نصه،وإن كنت فقط أمل ، الاتكون فالموضوعية هنا مجرد من النص،ربما هي ملامح الغربة،ربما هي الشعور بالوحدة،ربما هو الرغبة الجامحة لمعانقة الحب،ربما هي هذا وذاك دفعت بالسارد لهاته الحالة من الملل،وحالة من عدم الرضى.

                تبقى القصة مهما قلت عنها وحتى إن أحببت وصفها بالشفاية قصة بها رمزية مغلقة لا يمكن لمن يجهل سلطان وغير متتبع لكتاباته أن يصل لها.

                تلك رؤية للنص،أرجو تقبلها،وأرجو أن أكون على خطأ في بعض جزئيتها.

                هي قصة بلغة متمكنة،وحروف منضبطة،وصورة فنية معبرة
                تحياتي لسلطان ابو السرد السلاطين

                ياااه أستاذة نعيمة

                كاد قلبي أن يقف و يتخلص من دقاته .. رؤيتك صحيحة مائة بالمائة ..

                وهكذا كنت و هكذا أضحيت ..

                و كأنك تقرأين الوجوه و ليس فقط النص .. باذخة أيتها المبدعة في تلك القراءة

                نعم أستاذة نعيمة :

                القلب الآن أصبح متقداً بها جمرة .. أمور حياتية تصيب الجميع و قد يتصورها المرء أنه وحده المصاب أو أنها خلقت من أجله وحده .. لا أعلم متى ستنتهي و لأنني لا أعلم من أساسه متى بدأت ..
                في غفلة مني استحوذت عليّ كل مشاعر الضجر .. بل قولي كل مساوئ الآخرين .. و كانت من نصيبي وحدها , لدرجة أن يعتقدني الآخر متجهماً رغم الإبتسام ..

                محبتي لك سيدتي و كم أسعدني مرورك ههنا .. دائماَ له مذاق يحتسب لك ..

                إلى لقاء في قصة قادمة ربما تكون مبتسمة نوعاً ..

                و تقديري
                صفحتي على فيس بوك
                https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                تعليق

                • أحمد عيسى
                  أديب وكاتب
                  • 30-05-2008
                  • 1359

                  #9
                  أما نحن فأبناء البطة السوداء وسنبقى متفرجين وقد سال لعابنا من رائحة الكعكة الشهية ..


                  الأديب الراقي الرقيق : محمد

                  قصتك ليست قصة فحسب ..انما موسوعة لغوية ، حملت جميل الكلام وعمق المعنى ..

                  يا لهذه النورسة التي أوحت لك بكل هذا ..

                  تحيتي أيها الرائع .
                  ” ينبغي للإنسان ألاّ يكتب إلاّ إذا تـرك بضعة من لحمه في الدّواة كلّما غمس فيها القلم” تولستوي
                  [align=center]أمــــوتُ .. أقـــــاومْ [/align]

                  تعليق

                  • إيمان عامر
                    أديب وكاتب
                    • 03-05-2008
                    • 1087

                    #10
                    تحياتي بعطر الزهور

                    المبدع المتألق محمد سلطان

                    أبدعت

                    دائما أنتظر نصوصك فهي تأخذني وترحل بين طياتها بلاعودة

                    هنا أتعلم الكثير والكثير بين سطورك

                    تصفيق حار علي هذه الرائعة محمد

                    رائع وأكثر

                    انتبتني حالة من الشجون هنا بين متصفحك


                    اعذرني محمد تهرب مني الحروف لأدرك ما اكتب

                    لك عودة تليق بهذه الرائعة


                    كون بخير

                    لك أرق تحياتي


                    "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

                    تعليق

                    • محمد سلطان
                      أديب وكاتب
                      • 18-01-2009
                      • 4442

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة مها عزوز مشاهدة المشاركة
                      ما يشدك فعلا للاديب ابراهيم سلطان هو روح ابن البلد الرقيقة الشديدة الفكهة المليئة مرارا حتى النخاع
                      يحملك الى عالم من الفوضى و الحركة و اللهاث
                      و لا يسمح لك باسترجاع النفس
                      و تخرج من عالمه مكدودا
                      ا منهوكا
                      و لكن تعرف معنى الانتشاء
                      لان المفاجئة التي تحصل لك و انت تغادر القصة انك تكشف انك لم تكن في مكان اخر سوى
                      قلب محمد ابراهيم سلطان
                      و ما اعظم ان تدخل قلب محمد ابراهيم سلطان الذي سريعا ما يشدك اليه فتدرك انك اليه لن تلبث حتى تعود
                      مها
                      مهااااااا أين أنتِ صديقتي و أستاذتي ؟؟

                      و الله لك وحشة كبيرة مها .. هل أجعله رد عتاب و لوم أم شكر على قراءتك القويمة للنص ؟؟

                      بكل الحالات أشتاقك مها و أشتاق لحديثك في متصفحي ..

                      كنت جميلة كعادتك في تقييم النصوص و أثق في قلمك و رأيك أستاذة مها عزوز ..

                      ليتها تدوم و لا داعي للهرب .. لأنك ستأتي يعني ستأتي ..

                      محبتي لك أيتها الفراشة المتغيبة ..
                      صفحتي على فيس بوك
                      https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                      تعليق

                      • محمد سلطان
                        أديب وكاتب
                        • 18-01-2009
                        • 4442

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                        لفمى أنا .. أمممم .. أيها محمد .. الفحل أم الكعكة ؟!!

                        ألمهم .ز فى كلتا الحالتين .. فلا فمى يسع الكعكة و لا الفحل حتى لو كان عقلة إصبع ، فالأسنان أصابها الضمور ، كما قلب الحبيبة !!

                        لنلون الشواطى بألوان بهجتنا ، و نبنى على ريم الوقت ، بعض
                        الأضرحة ، أو بعض العشش لنصيد النوارس ، و نضعها مع تلك الغجرية
                        الهبوب ، التى لا تعترف بالضعفاء أبدا .. لكننا سوف نقص لها الجناح ، و نهيض أى محاولة منها .. فهل نفلح أم هو ضربا من الجنون ، و العبث ؟

                        أقدرهم مع الغموض ، و الهباء الذى يخلع ملابسه ، فى كل رحلة ، بل هم من يرغمه على ذلك ، ليعيد ارتداءها مع كل طلعة جديدة ، مع كل نبشة فى ضمير هذا الكون العائم ، الذى يشبه كثيرا أحابيل الوهم فى صدورنا .. العودة سانحة و النوة فى أوج قوتها ، تتشظى ، هنا وهناك ، فتحيل المملح نوارس قابضة
                        محملة برائحة الكافور .. إنه الموت و سنوية هذا الجميل ، الذى لم يصمد حتى نهاية المشوار ، ليسقط فى قبضته ، و ينال منه الفحل ، الذى لا مفر من الوقوع بين براثن فحولته .. الكعكة تلك الأمنية ، الذائبة بين شفاه المحبوبة .. هاهى تسقط ، و تتخاطفها النوارس .. وهى هناك على الجسر تنتظر عودته المائة بعد الألف !!

                        محبتك محمد كإظهار عقد زواج شرعى ، تكوين حكومة من جن الكلمات
                        أو كنازلة ، لا تقع من ذاكرة ، ربما تكون مكروهة الذكرى ، لكنها حدثت ، و كانت بالفعل واقعا لا مراء فيه !!
                        أجن بك .. و بقلبك النبيل الذى مانالت منه نوارس هذا القيظ الممتد فى هذه الشبكة الجهنمية اللعينة ، أو بلاد الزيت ، الذين يحشدون قلوبهم بالقار !!

                        كن دائما بخير .. بخير وصحة و نبالة !!

                        الأستاذ الغالي ربيع عقب الباب


                        ليتني كنت قريباً منك او بجانبك ,,

                        كان القلم سيخرج بأجمل ما تريد

                        بارك الله في عمرك و قلبك الكبير الذي جمعنا هنا ..

                        الكل الكعكات الشهية من أجل أيها الكريم العذب .

                        وكن أيضاً كما أحببناك و عرفناك .. رقيقاً جسوراً..
                        صفحتي على فيس بوك
                        https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                        تعليق

                        • ربيع عقب الباب
                          مستشار أدبي
                          طائر النورس
                          • 29-07-2008
                          • 25792

                          #13
                          بالطبع هناك فرق بين فحل و فحل
                          الفحل الذى نال امرأة أمرؤ القيس
                          و الفحل الذى نال نورسة محمد سلطان
                          لكن شيئا مؤكدا يجمع بينهما
                          وهو أنى رأيتها هناك حقيقة وهنا
                          محض تكهن .. و سبحان علام الغيوب !!
                          sigpic

                          تعليق

                          • محمد سلطان
                            أديب وكاتب
                            • 18-01-2009
                            • 4442

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
                            كما عودتنا استاذ محمد سلطان
                            تمتلك قدرة رائعة (ما شاء الله) على السرد
                            والتقاط النفس للحدث والمسير الى الخاتمة
                            وانا أقرأ رغبت في الإختفاء خوفا من ذاك الجلل

                            تحيتي ومودتي ايها الفارس

                            بس أنت الفارسة أستاذة مها

                            أسعد بتواجدك هنا دوماً و أحمد الله أنها نالت إعجابكم

                            كوني بخير أيتها الغالية الشفافة
                            صفحتي على فيس بوك
                            https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                            تعليق

                            • محمد سلطان
                              أديب وكاتب
                              • 18-01-2009
                              • 4442

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة أحمد عيسى مشاهدة المشاركة
                              أما نحن فأبناء البطة السوداء وسنبقى متفرجين وقد سال لعابنا من رائحة الكعكة الشهية ..


                              الأديب الراقي الرقيق : محمد

                              قصتك ليست قصة فحسب ..انما موسوعة لغوية ، حملت جميل الكلام وعمق المعنى ..

                              يا لهذه النورسة التي أوحت لك بكل هذا ..

                              تحيتي أيها الرائع .

                              و لمرورك تقدير خاص سيدي

                              المبدع الكبير أحمد عيسى

                              لك المحبة لك حبيبي و أشكر تواجدك معي
                              صفحتي على فيس بوك
                              https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                              تعليق

                              يعمل...
                              X