أم القرى - عبد الرحمن الكواكبي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • وليد زين العابدين
    أديب وكاتب
    • 12-05-2009
    • 313

    أم القرى - عبد الرحمن الكواكبي

    عبد الرحمن الكواكبي فارس النهضــة والأدب
    د.ماجدة حمود
    دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب دمشق - 2001 كتاب (أم القرى)

    محاولة في تقديم الفكر التنويري في قالب قصصي‏ أعتقد أن الكواكبي جسّد لنا ظاهرة تستحق التأمل في الفكر العربي الحديث، إنها ظاهرة انسجام القول النظري بالمواجهة العملية، فقد بدت لنا حياته مرآة لأفكاره، إذ جسّد صورة المثقف النموذجي، الذي يقرن القول بالفعل، فيبدو لنا خطابه النظري في مقاومة الاستبداد وإصلاح الأمة نتيجة جهاد حقيقي في مواجهة الظلم، بالنفس والقلم والمال، لذلك نجده واجه سلطة الاستبداد العثماني فعلا وقولا، وبدأ يحاول النهوض بأمته عبر بث الوعي لدى أبناء أمته في الصحافة، وعبر الممارسة العملية، حين استلم رئاسة البلدية في حلب (1893) لذلك لم يبق فيها سوى شهر واحد، فقد عُزل نتيجة الإصلاحات التي أدخلها، كما رأيناه يحوّل مكتبه إلى مركز لرفع الشكاوي ضد الولاة الفاسدين، وكتابة مظالم الفقراء وإرسالها إلى السلطان، حتى إنه لقب بأبي الضعفاء.‏ حاول بذل جهده في نصرة الحق و إقامة العدل الذي ضاعت أسسه، بعد أن ساد الفساد بين الولاة، لذلك جنّد نفسه لمواجهة المستبدين والحكام بكل ما يملك من وسائل فكرية وعملية.‏ كان صلبا في مقارعة المستبد، ممن يؤمنون بأن "أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" ولاشك أن تربيته على أخلاق الدين الإسلامي ومبادئه السمحة، بالإضافة إلى تعرضه لظلم السلطة (صودرت أملاكه، سلبت منه نقابة الأشراف، وأعطيت إلى إنسان لا يستحقها، يدعى أبو الهدى الصيادي، سُجن وحكم عليه بالإعدام ظلما، أغلقت صحيفته، اضطراره للهجرة إلى مصر) أدى كل ذلك إلى شحذ عزيمته لمقاومة الاستبداد، فبدا لنا مرهف الإحساس لمعاناة غيره من المظلومين، يمتلك حسا بالمسؤولية حيال الضعفاء من قومه، الذين لا يملكون أدوات مواجهة الاستبداد.‏ لذلك حاول أن يفضح أساليب الظالمين من الحكام بكل ما يملكه من وسائل، كما حاول أن يساند المظلومين بكل ما يملكه من إمكانات لعل أهمها القلم.‏ كتاب "أم القرى" (1898)‏ أتاحت لـه مقارعة سلطة الاستبداد والعمل في الصحافة فهم الواقع المتردي، مما جعله يدرك أن التخلف مرض يصيب جسد الأمة بأكمله، لهذا نجده في هذا الكتاب يحاول الوقوف عند الخلل الذي أصاب المسلمين وقفة متأملة موضوعية، تتجاوز المألوف في ذلك العصر، إنها وقفة تتجاوز النظرة القدرية المستسلمة، إذ حاول أن يجمع، عبر الخيال، علماء المسلمين، ليسمع آراءهم، لذلك كان كتابه "أم القرى"(1) تجسيدا لرغبة كامنة في أعماقه، هي وحدة المسلمين وقوتهم، فكان منهج عمل لدراسة حال الأمة الإسلامية، ومناقشة أسباب هذا التخلف بطريقة علمية، تنقب عن أفضل الوسائل التي تنهض بالأمة، لهذا نجده يحدد، بلسان علماء الأمة، موضع الداء أولا ثم أعراضه وجراثيمه، ليقترح هؤلاء العلماء بعد ذلك الدواء، مبيّنين كيفية استخدامه، معلنين ضرورة اتحاد المسلمين في جمعية تأسيسية، تستطيع تنظيم العلاج، تدعى "جمعية تعليم الموحدين" وبذلك يتوارى الكواكبي وراء آراء جماعة علماء المسلمين وفقهائهم، لينأى عن الرأي الفردي الذي لن يكون منقذا لعامة المسلمين باختلاف أقطارهم ومذاهبهم، وبذلك استطاع أن يقدم لنا أول مؤتمر إسلامي متخيل، يجسد رغبة حقيقية في وحدة المسلمين.‏ وعلى هذا الأساس اختار لكتابه شكلا جديدا أقرب إلى فن الرواية، إذ تخيل فيه جمعية تضم أعلام المسلمين تعقد اجتماعا في "مكة المكرمة" قبل موسم الحج، وقد سمعنا في المقدمة صوت الرحالة الراوي، الذي هو صوت الكواكبي، يقول: "فعقدت العزيمة، متوكلا على الله تعالى، على إجراء سياحة مباركة بزيارة البلاد العربية، لاستطلاع الأفكار وتهيئة الاجتماع في موسم أداء فريضة الحج".‏ نلاحظ أن الكواكبي حين تخيل عقد الاجتماع، لم يكتف بعلماء عرب، بل أضاف إليهم علماء مسلمين من كافة البلاد الإسلامية، بل من بلاد غير إسلامية، فالمهم لديه انتماء العالم إلى الفكر الإسلامي بغض النظر عن بلده (السعيد الإنكليزي).‏ وبما أن الراوي هو الصوت الرئيسي، الذي يجسده صوت الكواكبي نفسه، لهذا شغل حيزا كبيرا في الكتاب، دون أن يحاول إلغاء الأصوات الأخرى، فهو يناقش أحوال المسلمين مع شخصيات أخرى تنتمي إلى الأمة الإسلامية (الفاضل الشامي، البليغ القدسي، العلامة المصري، المحقق المدني، المولى الرومي، الشيخ السندي، الفقيه الأفغاني، الخطيب القازاني،السعيد الإنكليزي..).‏ تعمّد الكواكبي، في هذا الكتاب، أن يبرز وحدة الأمة الإسلامية رغم تنوع بلدانها، وقد ساعد هذا التنوع على إبراز تعدد الأمراض التي يشكو منها جسد الأمة، واستطاع بالتالي أن يبرز تعدد الآراء والحلول من أجل معالجة هذه الأمراض.‏ وقد بدت لنا استفادته من إنجازات الفن الروائي حين أسبغ على العلماء أسماء وهمية، مستغلا دلالات الاسم المكانية ليفصح عن انتماء الشخصية إلى بلد إسلامي بعينه، فتتحدث حديث العارف، دون وجل، عن أوضاع بلاد المسلمين ومعاناتهم، ولا يمكن أن ننسى ظروف القهر والاستبداد التي أدت به إلى الاستعانة بهذه الأسماء الوهمية.‏ صحيح أن فن الرواية، زمن الكواكبي، لم يكن قد أثبت حضورا كبيرا على صعيد التأليف، لكن المحاولات الأولى كانت قد بدأت على يد سليم البستاني الذي أصدر رواية "الهيام في جنان الشام" (1870) بعد أن نشرها مجزأة في صفحات (الجنان) ويمكن القول أن حركة الترجمة في مصر ولبنان كانت أكثر نشاطا من التأليف، ولاشك أن الكواكبي الذي عرفنا نهمه للمطالعة قد اطلع على هذا الفن الوافد، سواء أكان مترجما أم مؤلفا، واستفاد منه في كتابه "أم القرى" .‏ ومما تجدر الإشارة إليه أن طريقة التخييل الروائي قد ساعدته على تقديم شخصيات متنوعة، حتى إننا نجد بينها شخصيات غريبة عن الإسلام (نجد مستشرقا أسلم حديثا، يناقش مفتي قازان، فيقدم لنا حوارا متخيلا على لسان إحدى الشخصيات المشاركة في المؤتمر (الخطيب القازاني) وبفضل هذه الشخصية المتخيلة استطاع أن يقدم أحكاما جريئة كرفض أقوال الفقهاء مادامت متناقضة، إذ "ما الموجب لتكليف النفس ما لم يكلفها به الله؟ أليس من الحكمة أن يحفظ الإنسان حريته واختياره، فيستهدي بنفسه لنفسه، فإن أصاب كان مأجورا، وإن أخطأ كان معذورا، ويكون ذلك أولى من أن يأسر نفسه للخطأ المحتمل من غيره"(2).‏ وبذلك أتاح لـه الشكل الفني المبتكر أن يقدم أفكارا لا يمكن أن ينسبها صراحة إلى نفسه، فهو ينتقد ظاهرة تقديس أقوال الفقهاء، أي ظاهرة النقل لدى المسلمين وإغفال العقل، فيجدهم أسرى للفروع، غافلين بذلك عن الأصول، لذلك سنجد سعيد الإنكليزي (وهو أحد ممثلي مسلمي بريطانيا) يعلن صراحة بأننا "تركنا دين آبائنا وقومنا لنتبع دين محمد نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام، لا لنتبع الحنفي أو الشافعي أو الحنبلي أو المالكي، وإن كانوا ثقاة ناقلين".‏ وبما أن أفكارا جريئة سيتمّ طرحها في هذه الجمعية، لهذا هيأ لها مناخا مناسبا، يضفي أهمية عليها، فالشخصيات التي تطرح أفكارا جريئة، وتنتقد الأفكار التقليدية ليست شخصيات عادية، بل هي شخصيات منتقاة من علماء الدين (حملت لقب: العلامة، الفقيه، الشيخ…) وقد جعلها تجتمع في مكان مقدس (أم القرى) وفي زمن مقدس قبيل أداء فريضة الحج (في شهر ذي القعدة) وبذلك يحمي أعضاء الجمعية المصلحين من تهمة الكفر التي يوجهها لهم الجاهلون حين يسمعون أفكارا تناقض ما ألفوه، فجعل شخصيات هذه الجمعية من العلماء، تجتمع في مناسبة إسلامية (أثناء أداء فريضة الحج) وبهذا يذكر الكواكبي بالوظيفة الدنيوية للحج (إصلاح حال المسلمين، وتوحيدهم لحل مشاكلهم) ويؤكد على وقوفها إلى جانب الفريضة الدينية.‏ تبدو لنا هذه الجمعية أحد أحلام الكواكبي التي سعى في حياته لتحقيقها، فسافر من أجل إنشاء مشروعها على أرض الواقع إلى البلاد العربية والإسلامية، محاولا أن يستفيد من اللاوعي المقدس الذي يؤسس وجدان المسلمين، فبدت لنا ملامح الخطاب المقدس في أصدق تجلياته (القول الديني: القرآن الكريم والحديث الشريف، الشخصية: رجال دين علماء، الزمن: قبيل وأثناء فريضة الحج، المكان: المدينة المقدسة "مكة المكرمة" الذي اختار لها اسما يوحد كافة المدن الإسلامية: "أم القرى"…) .‏ كما استخدم أساليب توحي لنا بسرية الخطاب، فسعى إلى إطلاق أسماء رمزية على أعضاء الجمعية، بل وجدناه يمنح كل عضو من أعضاء جمعيته رقما سريا، يُعرّف به، وذلك زيادة في الحيطة، وكذلك وجدناه حين يبدأ السرد التفصيلي يجتنب التفاصيل الدقيقة، فالمكان عام (أم القرى) الذي يعقد فيه الاجتماعات لا نعرف تفاصيله، تحيطه السرية، يقول السيد الفراتي "اتخذت لي دارا في حي متطرف في مكة، مناسبة لعقد الاجتماعات بصورة خفية، ومع ذلك استأجرتها باسم بواب داغستاني روسي، لتكون مصونة من التعرض رعاية للاحتياط" أي رعاية لحرية التعبير وحماية الأعضاء من عيون السلطة المبثوثة في كل مكان، لذلك لم يكتفِ باختيار مكان سري بعيد عن مركز المدينة! بل يستأجر البيت باسم بواب لا علاقة له بالجمعية، نحس هنا بمعاناة الكواكبي من عيون السلطة التي لاحقته في حلب والقاهرة، لذلك بدت لنا جملة الاحتياطات التي حدثنا عنها الراوي لانعقاد هذه الجمعية هي الاحتياطات التي كان الكواكبي يتخذها في حِلّه وترحاله، وبذلك نستطيع أن نعايش القهر والملاحقة التي تعرض لها، أيام السلطان عبد الحميد الثاني، الكواكبي وأمثاله من أصحاب الرأي الذين يحاولون أن يكونوا فاعلين، ستصل هذه المعاناة حدّ الاغتيال بدس السم في فنجان القهوة، كما حصل للكواكبي!‏ كذلك يبدو لنا أن الهدف من انعقاد اجتماع الأعضاء في مكان الحج وزمنه، ليس الهالة القدسية فقط، وإنما لفت أنظار المسلمين إلى أن هذه الفريضة ليست فردية، وإنما فرضها الله تعالى لصالح الجماعة الإسلامية، كي يتمّ مناقشة أوضاعها المتردية وطرق النهوض بها، وهذا ما حاول الكواكبي تجسّيده في كتابه "أم القرى" إذ ناقش أعضاء جمعية الموحدين أوضاع المسلمين، شرّحوا ضعفهم، وبيّنوا أسباب تخلفهم على جميع الأصعدة: الدينية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية، أي جميع العوامل التي أسهمت في تخلف المسلمين، وبذلك يردّ على أولئك الذين يرون في هذه الفريضة شأنا خاصا بالفرد المسلم، إذ لا جدال في الحج، ليبيّن أن هذه الفريضة جماعية أوجدها الله تعالى لإصلاح حال المسلمين ومجتمعاتهم، كما هي فريضة فردية لإصلاح حال الإنسان المسلم، وذلك عن طريق تبادل الحوار الهادئ والمنطقي الذي يقوّي المسلمين ويزيل أسباب الخلاف بينهم فيوّحدهم على صعيد الفكر كما توّحدهم هذه الفريضة على صعيد الروح، أما الصراع والجدال الذي يرمي إلى الفرقة والإضرار بوحدة المسلمين فهذا ما يرفض الكواكبي ممارسته في الحج، لذلك وجدناه يعرض لنا جملة الأسباب التي أدت إلى تخلف المسلمين عن طريق الحوار بين علمائهم المخلصين الذين يؤدون فريضة الحج، فيجعلونها متلازمة مع فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالاقتراب من الله في هذه الفريضة يعني الاقتراب من مصالح الجماعة الإسلامية من مناقشة أوضاعها وأسباب تخلفها من أجل النهوض بها، لذلك رأيناه يتوقف عند الأسباب التالية:‏ 1_الأسباب الدينية:‏ يحاول الكواكبي أن يعود بالإسلام إلى صفائه وقوته، فيربطه بالحياة العامة، ويرى أن من أسباب ضعف المسلمين إهمالهم "تشريع الجماعة والجمعة وجمعية الحج! وترك خطباؤهم ووعاظهم، خوفا من السياسة، التعرض للشؤون العامة"(3).‏ إذاً يلاحظ الكواكبي العبث بأركان الإسلام الأساسية ذات السمات العامة التي يجتمع فيها المسلمون (صلاة الجمعة، فريضة الحج، التكافل الاجتماعي..) فيتمّ تحويلها إلى فريضة خاصة، لا علاقة لها بهموم الجماعة، وذلك خوفا من الحكام المستبدين، فمثلا تم العبث بفريضة أساسية (الحج) وتحويلها من فريضة جماعية تنمّي الحسّ الإسلامي بالوحدة، والحسّ الإنساني بالمصير المشترك إلى فريضة خاصة بالفرد المنعزل عن إخوانه من المسلمين، فيبدو كأنه الإنسان الوحيد في هذا الكون! وبذلك ينسى أولئك العابثون، الذين يشوّهون الدين، حقيقة إنسانية يوضحها لهم الكواكبي: الإنسان مدني بالطبع، لا يعيش إلا بالاشتراك، لكنه ينسى أوامر الكتاب والسنة له بضرورة الحفاظ على الرابطة الدينية التي تعني لديه: الولاء لعامة المسلمين، وبذلك ينسى الأصول ويتعلق بالفروع.‏ تم تشوّيه الدين الإسلامي أيضا، في رأي الكوكبي، على يد بعض الفقهاء، حين أدخلوا عليه عقيدة الجبرية والزهد في الدنيا وإماتة المطالب النفسية (حب المجد والرياسة والمفاخر…) وقد شبّه الكواكبي هذا التشوّيه الذي يشيع الجبرية في حياة المسلمين بالمخدرات أو المثبطات التي تميت كينونة الإنسان وروحه ليبقى جسده فقط على قيد الحياة! ومثل هذا الميتة أقسى من ميتة الروح والجسد معا.‏ ومما شوّه الإسلام أيضا، في رأيه، هو التشدد في الدين والتعصب، فنجده يدعو هذا التشدد بـ"العاهة" التي تشوّه وجه الإسلام السليم، وتعرقل فاعليته في الحياة العامة، وقد أدى تعصب الآخرين (النصارى أثناء الحروب الصليبية) إلى إدخال التعصب على الإسلام، مع أن طبعه يأباه وينكره شرعه، على حد قوله.‏ إذاً بسبب انتشار هذه المفاهيم (الفردية في ممارسة العقائد، الجبرية، الزهد، الموات، التعصب…) لم يعد الدين عامل قوة في حياتنا، وهو يذكرنا بحقيقة نكاد ننساها فيقول: "إن كل دين كان في أوليته باثّا النظام والنشاط وراقيا (بمعتنقيه) إلى أوج السعادة في الحياة، إلى أن يطرأ عليه التأويل والتحريف والتفنن والزيادات…فيأخذ في انحطاط الأمة…".‏ لاشك أن مسؤولية هذا الانحطاط تقع على رجال الدين الذين يدعوهم الكواكبي بـ"المتعمّمين الجهّال" وقد صاروا أضرّ على الدين من الشياطين، إذ اقتصر همهم في النوافل والقربات ورواية الحكايات والإسرائيليات ونوادر الزهاد وكراماتهم! وقد شاع فيهم الجهل إلى درجة أنهم لا يستطيعون قراءة نعوتهم المزورة!! وخير من يمثل هؤلاء (أبو الهدى الصيادي) الذي كان مقرّبا من السلطان عبد الحميد بسبب شعوذته، لذلك منحه نقابة الأشراف واغتصبها من الكواكبي وأسرته!‏ وهكذا يبدو لنا الصيادي وأمثاله يبيعون دينهم بدنياهم، فيسبغون على السلطان الألقاب التي تقرّبهم من الشرك (المولى المقدس، صاحب الجلالة والعظمة…) ويشجعونه على الاستقلال في الرأي ومعاداة الشورى، ونجد هؤلاء المنافقين لا يعرفون من القرآن سوى آيتين يفسرونهما وفق أهواء المتسلطين من الأمراء، إحداهما قوله تعالى "أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، وأولي الأمر منكم" متغافلين عن صيغة الجمع في "أولي الأمر" وما يقتضيه قيد "منكم" والثانية "وجاهدوا في سبيل الله" متغافلين أن الجهاد في سبيل إعزاز كلمة الله لا تأييد الأمراء وحمايتهم، ولذلك لم يعد الدين يستوطن القلوب، وإنما رؤوس الألسن، لاسيما عند بعض الأمراء والأعاجم الذين يتظاهرون بالتديّن لتمكين سلطتهم على بسطاء الأمة، كما أن ظواهر عقائدهم تحكم عليهم بالشرك وهم لا يشعرون(4).‏ لذلك وجدنا الكواكبي يحمّل الفقهاء مسؤولية الإساءة إلى سماحة الدين، حين رفضوا الحرية الدينية وتعدد التأويلات، وشدّصدوا على صحة آرائهم مخطئين الآراء المخالفة، فأثاروا فتنة الجدل في العقائد الدينية والتعصب للمذاهب، مما شوّش أفكار الأمة، إذ كثرت فيها الآراء المختلفة في فروع الدين، وبناء على ذلك نجد الكواكبي يؤكد أن الاختلافات الموجودة في الشريعة ليست كما يظن شاملة للأصول، بل هي في فروع تلك الأصول، وفي بعض الأحكام التي ليس لها في القرآن الكريم والسنة نصوص صريحة، وهذه الأحكام الخلافية كلها ترجع إلى دلائل إما قطعية الثبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثبوت والدلالة، ويرى أن منشأ اختلاف المجتهدين يعود إلى الخلافات النحوية والبيانية، ثم وجدناه يورد أقوالا للأئمة (ابن حنبل، مالك، أبي حنيفة، الشافعي..) التي تبيّن أن اجتهادهم فيما لم يرد في القرآن والسنة قابل للأخذ والرد، فهو يلفت النظر إلى أن هؤلاء الأئمة اجتهدوا وفق ظروف زمانهم ومتطلباته، لذلك قد يكون هذا الاجتهاد غير صالح لزمن آخر، وبالتالي يتوجب على العلماء في العصر الحديث الاجتهاد وعدم الركون إلى أقوال الفقهاء السابقين، وبذلك يدعو العلماء إلى إعمال العقل في كل ما لم يجدوه في الأصول (القرآن والسنة) وإن وجدوه في الفروع، كما يدعوهم إلى سعة الأفق وقبول الرأي المخالف لآرائهم خاصة حين يصدر عن عالم مثلهم.‏ إذاً يحاول الكواكبي أن يضع يده على عوامل ضعفنا وتمزقنا، فيقدّم لنا العلاج، مبيّنا أن علينا ترك الخلافات المذهبية التي نتبعها تقليدا، وأن نعتمد صريح الكتاب وصحيح السنة وثابت الإجماع، لكيلا تفرقنا الآراء، أما ما لم يرد فيه نص أو إجماع، فنأخذ ما يناسبنا من أي مذهب كان دون أن نقيد أنفسنا بمذهب معين، فهو يريد التوفيق بين المذاهب حلا للخلاف بينها وتوحيدا للمسلمين، وقد لمسنا هذه الدعوة لدى جمال الدين الأفغاني وغيره من رجال النهضة حرصا على توحيد كلمة المسلمين.‏ 2_الأسباب السياسية:‏ لاحظنا كيف تميز الكواكبي بالجرأة في نقده لرجال الدين، فبيّن أنهم سبب تشوّه الدين وتفريق المسلمين، وقد وجدنا هذه الجرأة ذاتها في نقده للسلطة السياسية منذ وقت مبكر (1877) في الصحافة (في جريدة الشهباء) فقد بيّن أن سبب الفساد الذي يسيطر على الفكر العام أربعة قرون هو تلك "السياسة المطلقة العنان" التي اتبعها الحكام، لهذا سارعت السلطة العثمانية بإغلاق هذه الجريدة، فعمد بعد أن أغلقت السلطة جريدة أخرى له (جريدة الاعتدال) إلى تأليف كتاب "أم القرى" كي يجد متنفسا للتعبير الحر عن أفكاره، فيستمر في نقده الإصلاحي، بعد أن زادت أفكاره السالفة وضوحا ونضجا، وهذا أمر طبيعي فقد مضى عشرون سنة تقريبا على إغلاق جريدتيه حين بدأ الكتابة في (أم القرى).‏ يرى الكواكبي أن المنشأ الأصلي لكل شقاء هو انحلال السلطة القانونية بسبب فسادها أو غلبة سلطة شخصية عليها، وهكذا انحرفت السياسة الإسلامية من الديمقراطية، في عهد الراشدين، إلى الملكية المقيدة بقواعد الشرع الأساسية، ثم أصبحت شبه مطلقة، ومثل هذا الانحراف أدى إلى ضعف المسلمين.‏ وحين أراد أن يبيّن أثر افتقاد القانون وضياع حقوق الإنسان، جعل أحد مضطهدي الحكومة العثمانية (المولى الرومي) يوضح لنا "أن البلية فقدان الحرية، وما أدراك ما الحرية؟ هي ما حرمنا معناه حتى نسيناه…" لذلك وجدناه يعرّف الحرية "بأن يكون الإنسان مختارا في قوله وفي فعله لا يعترضه مانع ظالم…"(5).‏ يلفت نظرنا الدلالة السلبية التي يحملها اسم (المولى) الذي اختاره الكواكبي لأحد المضطهدين من قبل الدولة! لذلك يقدم فهما متميزا للحرية (هي القدرة على الاختيار وممارسة الإرادة) كما يجعل من فروع الحرية المساواة في الحقوق ومحاسبة الحكام الذين هم وكلاء الله على الأرض، لذلك من واجب المسلم بذل النصيحة لهم، والجرأة في المطالبة بالحقوق.‏ ويرى الكواكبي أن من فروع الحرية أيضا حرية التعليم، حرية الخطابة والمطبوعات، حرية البحث العلمي…لذلك نجده معنيا بإبراز مكانة الحرية: فهي "أعزّ شيء لدى الإنسان بعد حياته، وحين نفقدها تفقد الآمال، وتبطل الأعمال، وتموت النفوس، وتتعطّل الشرائع، وتختلّ القوانين" وبذلك تصبح قوام الحياة والتطور، فإذا فقدناها ساد في حياتنا الضعف والفساد والدمار.‏ لا نجد الكواكبي مكتفيا بالتلميح في نقد السلطة العثمانية، بل نجده على لسان الراوي (السيد الفراتي) الذي رأيناه الشخصية المركزية في (أم القرى) ولسان حال الكواكبي، يصرح بأن الخلل أصاب المملكة العثمانية، في الستين سنة الأخيرة، كان بسبب أنها عطلت أصولها القديمة ولم تحسن التقليد ولا الإبداع، وصرف السلطان قوة سلطنته كلها في سبيل حفظ ذاته الشريفة وانفراده بالسلطة.‏ ينتقد الكواكبي السلطة العثمانية نقدا موضوعيا، يستند في ذلك على معاناته الخاصة ومعاناة أبناء وطنه (حيث كان يكتب مظالمهم ليتمّ عرضها على المسؤولين) فقد ذاق الظلم وكبت الحرية، فكانت معاناته جزءا من المعاناة العامة التي عايشها بشكل يومي، عبر ذاته وعبر حسه المرهف بالقهر العام، لذلك نجده يتناول إدارة هذه السلطة بالنقد مستفيدا من تجربته وثقافته القانونية والمدنية.‏ * فهي لا تنتبه لاختلاف الأجناس التي تحكمها، فتتمسك بأصول الإدارة المركزية مع بعد الأطراف عن العاصمة، وتزيد الأمر تعقيدا حين تميز بين أجناس الرعية، ولا تقيم المساواة بين رعاياها.‏ * لا تحسن اختيار القادة والولاة، ولا تعاقبهم إن أخطؤوا، وهي تكثر من العمال دون حاجة سوى أن تحيط نفسها بالمتملقين، بل تميز الأسافل وتجعلهم ولاة، وهكذا يتم التعيين في دوائرها وفق قانون المحسوبيات، لا وفق مبدأ تكافؤ الفرص.‏ * الضغط على الأفكار المتنبهة الواعية، ومداراة المطلعين على عيوب السلطة العثمانية، كيلا ينفثوا ما في صدورهم، ويطلعوا العامة على الحقيقة فتثور، (أي بلغة عصرنا) كبت الحريات ومنع المثقفين من ممارسة دورهم التنويري.‏ وقد وضع الكواكبي يده على أهم غاية تسعى إليها السلطة، وهي أن يبقى الشعب جاهلا، فيبقى بالتالي خانعا لأمرائه الجاهلين الذين يتشدقون بالإصلاح السياسي، ويبطنون الإصرار والعناد على ما هم عليه من إفساد دينهم ودنياهم.‏ تبدو لنا سعة أفقه واضحة حين لا يحمّل مسؤولية هذا الضعف والفساد للأمراء فقط بل يشارك الشعب بسبب ضعفه وجهله بهذا الوضع المتردي، فالأمراء هم "لفيف منا، وهم أمثالنا من كل وجه، وقد قيل "كما تكونون يولَّى عليكم" فلو لم نكن مرضى لم يكن أمراؤنا مدنفين…"(6)‏ نلاحظ أننا أمام باحث موضوعي واسع الأفق، إذ لا يرى العيب في الأمراء وإنما يراه أيضا في أبناء الشعب، الذين يغرقون في عالم الجهل، إلى درجة ألفوا معها الذل، حتى إنهم لشدة جهلهم يقلبون الحقائق، فيرون في طالبي الإصلاح مارقين عن الدين لمجرد أن الأمير مسلم، مع أنه يخرّب البلاد بظلمه.‏ إذاً ينتبه الكواكبي إلى طرفي المعادلة الرئيسيين (الحاكم والمحكوم) فلا يلقي تبعة الاستبداد وتخلف البلاد على عاتق الحاكم فقط، فالمحكوم مسؤول عن ضعفه وجهله، لذلك فإن أي تطور أو نهوض لن يكون إلا من صنع الأفراد المحكومين، والكواكبي هنا يقتدي بالآية الكريمة "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"(سورة الرعد، آية رقم 10).‏ وتبدو لنا النظرة المتعمقة والمتفهمة، لدى الكواكبي، حين ينتقد السلطة الاستبدادية لكونها غريبة عن رعيتها أي غير متجانسة معها، فقد لاحظ أن أعظم الملوك والقواد الفاتحين كانوا متجانسين مع رعاياهم وجيوشهم في الأخلاق والمشارب واللغة تجانسا تاما، كأنهم رؤوس لتلك الأجسام، لا كرأس جمل على جسم ثور…‏ إن التطابق بين الحاكم والمحكوم الذي يسعى إليه الكواكبي يجعل الأمة تعدّ رئيسها رأسها، فتتفانى في حفظه كما يتفانى في رعايتها، وهو، هنا، لا يكتفي بالتلميح إلى أن السلطة العثمانية غريبة عن العرب، بل نجده يصرح مستخدما قول الحكيم المتنبي:‏ إنما الناس بالملوك وما تفلح عرب ملوكها عجم‏ كذلك يبين أن افتخار الأتراك بمحافظتهم على غيرية رعاياهم (فلم يسعوا إلى استتراكهم) هو كذب وادعاء، لأن السبب الحقيقي وراء ذلك هو بغضهم للعرب واحتقارهم لهم، ويقدم دليلا على ذلك أقوالهم التي تجري على ألسنتهم مجرى الأمثال (ديلنجي عرب: العرب الشحاذون، عرب عقلي: عقل عربي أي صغير، بِسْ عرب: عربي قذر، وهم يطلقون لفظة عرب على الرقيق وكل حيوان أسود…(7)‏ نلاحظ أن الكواكبي يستفيد من إتقانه للغة التركية، فيتتبع دلالات لفظة (عرب) في هذه اللغة، فيصل إلى نتيجة أن هذه اللفظة لا تحمل سوى دلالات سلبية، تنم عن احتقار للعرب، وابتعاد الهوة بين الحاكم التركي والمحكوم العربي!‏ لذلك شذّ الأتراك، برأيه، عن غيرهم من الأمم التي حكمت العرب، إذ حاولت أن تنسجم مع رعاياها، فتعلمت العربية (كآل بويه والسلجوقيين والأيوبيين والجراكسة وآل محمد علي) باعتبارها لغة القرآن الكريم والإسلام.‏ يلفت النظر، هنا، إلى أهمية اللغة الواحدة في خلق عوامل تجمع الأمة، وتجعلها متجانسة، لأن اللغة ليست فقط مفردات وتراكيب محايدة، وإنما هي تجسيد لفكر الإنسان وروحه.‏ وهكذا رسّخ العثمانيون عوامل الفرقة في الأمة برفضهم تعلم لغة القرآن الكريم، وقد بدا لنا تعصبهم العرقي بأوضح صوره حين حاولوا التتريك في أواخر الدولة العثمانية.‏ وقد لاحظنا أنه كان ينتقد ممارسة ولاة الدولة العثمانية للتعصب الديني، منذ وقت مبكر، في مقالاته الصحفية، وخاصة في صحيفته (الشهباء) فيبين أن التمييز بين المسلمين والمسيحيين سيؤدي إلى التذمر ويقوّي عناصر الانشقاق والتنازع، مما يؤدي إلى طمع الأغيار في الدولة العثمانية.‏ لهذا ليس غريبا أن يؤدي مثل هذا النقد إلى إغلاق الصحيفة (1878)كما سبق وأشرنا، لكن ذلك لم يؤدِ إلى تخلي الكواكبي عن أفكاره، سنجده في‏ (أم القرى) بعد ذلك بحوالي عشرين سنة، يبين أن من واجب "جمعية الموحدين" الاعتناء شرعا بتعليم الأمة المجاملة مع غير المسلمين وحسن المعاشرة ومقابلة معروفهم بخير منه، ورعاية أهل الذمة والتأمين والمساواة في الحقوق كي يتم تجنب التعصب الديني أو العرقي، مما يضمن قوة الدولة.‏ إن المتتبع لأعمال الكواكبي يلاحظ أنه ليس هناك ما يدل "أن مهاجمة الكواكبي العنيفة للأتراك، قد جعلت منه عربيا قوميا بالمعنى الضيق للكلمة، وإنما كان مفكرا إسلاميا مصلحا لحال المسلمين، خاصة بعد أن لاحظ أن السلاطين العثمانيين لم يكونوا مخلصين لإسلامهم، لأنهم قدّموا أولا مصالحهم السياسية التوسعية على مصالح الإسلام الحقيقية…"(8) كما يقول الأستاذ حسن سعيد.‏ 3_إهمال العلم:‏ ومما يلفت النظر أنه جعل إهمال العلم والعلماء من الأسباب السياسية التي تسهم في ضعف الأمة، وبذلك نجده يربط النهوض السياسي بالنهوض التعليمي، فيبرز كيف أساء الحكام إلى الأمة حين أهملوا العلم وأفقروا العلماء، وقرّبوا المدلّسين، وفوّضوا خدمة الدين إلى الجهلاء.‏ ويرى من أسباب ضعف الدولة أيضا: اقتصارها على العلوم الدينية وإهمال العلوم الرياضية والطبيعية، وهو يلفت النظر إلى أن هذه العلوم آخذة في النمو في الغرب، فيلتقي، في نقده هذا، مع رواد النهضة، فقد رأينا رفاعة الطهطاوي يبيّن أن العلماء في الغرب ليسوا علماء دين كالشرق، إذ يطلق اسم العلماء على من له معرفة بالعلوم العقلية(9).‏ وقد بيّن الكواكبي أن دواء الضعف والتخلف يكمن في الاهتمام بهذه العلوم العقلية النافعة، كما كان المسلمون في الماضي، فيجلبون إلى دينهم منجزات العالم المتمدن، ويبعدون عن عقولهم الخرافات، وهو ينبهنا إلى خطورة الابتعاد عن العلوم، إذ يتحول الإنسان إلى ما يشبه الحيوان، كما قال الله تعالى "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون"(سورة الزمر آية رقم 9) فهو يخاطب اللاوعي المقدس لدى المتلقي، فيقدّم للمسلم شاهدا على أهمية العلم من الكتاب الذي يقدسه، فلا يأتيه الباطل من أمامه ولا من خلفه، فيؤثر على الوجدان الديني، مما يزيد حجته قوة، ويدفع المسلم إلى إنقاذ حياته بالعلم كما أمره دينه.‏ وبذلك يضع يده على أبرز عوامل النهضة التي سبقنا إليها الغرب، وهو العلم، فيحاول أن يقدم لنا تجربة الأجداد المسلمين في الاستفادة من علوم الأمم الأخرى، ويدعم رأيه هذا بما يكوّن ضمير المسلمين وثقافتهم، فيذكر لهم آية قرآنية تحض على العلم، وبذلك يجنّد الموروث الديني إلى جانب التعلم من إنجازات الآخر الذي سبقنا إلى التطور والنهضة.‏ 4_أسباب أخلاقية:‏ إن ما يقصده الكواكبي بالأسباب الأخلاقية هي الأسباب التربوية والاجتماعية والاقتصادية، أي جميع مناحي الحياة التي أسهمت في فتور المسلمين.‏ الأسباب التربوية والاجتماعية:‏ يشخص لنا الكواكبي أمراض الأمة الإسلامية، فقد ساد الجهل فيها وارتاحت إليه، كما بدت الأدوات التي تسهم في إزالته فاسدة: التعليم، الوعظ، الخطابة، التربية الدينية والأخلاقية، وكما لاحظنا سابقا، فضح الكواكبي بعض الأوهام السائدة التي تؤسس لسيطرة التخلف على حياتنا: كالاهتمام بعلوم الدين دون سائر العلوم، حتى في هذا المجال نجده يوضح التوهم، الذي كان سائدا في عصره، وهو أن علم الدين قائم في العمائم وفي الكتب لا في العقول، بالإضافة إلى معاداة العلوم العالية (الطبيعية).‏ وقد وجدناه يبرز أسبابا للضعف تمتزج فيها الجوانب التربوية بالاجتماعية، مثل ترك المرأة دون تعليم بدعوى أن تعليمها يؤدي إلى الفجور، فيبين أن هذه الدعوة باطلة إذ "ربما كانت العالمة أقدر على الفجور من الجاهلة، ولكن الجاهلة أجسر عليه من العالمة".‏ وهو بطريقة غير مباشرة يرد على أولئك الرافضين لتعليم المرأة، فيبين أن التعليم يزيدها وعيا وإحساسا بالكرامة، على نقيض المرأة الجاهلة التي لا تستطيع أن تفكر بأبعاد تصرفاتها.‏ ويوضح لنا الكواكبي أن جهل المرأة لا ينعكس على ذاتها فقط، وإنما يتعدى ذلك إلى الزوج والأولاد، فالرجل "ينجر طوعا أو كرها لأخلاق زوجته، فإن كانت سافلة، تسفّل لا محالة، وإن كانت غريبة بغضتّه في أهله وقومه، وجرّته إلى موالاة قومها، ولا شك أن هذه المفسدة تستحكم في الأولاد وأكثر الأزواج…وربما كان أكبر مسبب لانحلال أخلاق الأمراء المسلمين أتاهم من جهة الأمهات والزوجات السافلات…إن أعاظم الرجال لا يوجدون غالبا إلا من أبناء وبعول نسوة شريفات أو بيوت قروية…"(10).‏ وهكذا فإن التردي الاجتماعي والتربوي الذي تعيشه المرأة لا بد أن ينعكس على الحياة السياسية، ويسهم في ترديها أيضا، فالمرأة الحرة تنشئ الأحرار، والعبدة تنشئ العبيد، لذلك لن نستغرب حماقة الأمراء وتمسكهم بالاستبداد وانغماسهم بالترف والشهوات وابتعادهم عن النبلاء الأحرار وتقريبهم المتملقين الأشرار، كل ذلك بسبب الجهل الذي رضعوه من إماء ذليلات!‏ يلاحظ المرء أن الكواكبي اهتم بتربية الإنسان، سواء أكان أميرا أم إنسانا عاديا، لأنه اللبنة الأساسية في عملية النهوض والتطور، لذلك توقف عند التربية الذليلة موضحا معالمها بلغة ساخرة، متغلغلا في أعماق النفوس الذليلة التي يدعوها بـ(الواهنة) راصدا عاداتها السيئة وأفكارها الخاطئة قائلا:‏ "وهؤلاء الواهنة يحقّ لهم أن تشقّ عليهم مفارقة حالات ألفوها عمرهم، كما قد يألف الجسم السقم، فلا تلذ له العافية، فإنهم منذ نعومة أظفارهم تعلموا الأدب مع الكبير، يقبلون يده أو ذيله أو رجله، وألفوا الاحترام فلا يدوسون الكبير ولو داس رقابهم، وألفوا الثبات ثبات الأوتاد تحت المطارق، وألفوا الانقياد ولو إلى المهالك، وألفوا أن تكون وظيفتهم في الحياة دون النبات ذاك يتطاول وهم يتقاصرون، ذاك يطلب السماء وهم يطلبون الأرض كأنهم للموت مشتاقون.‏ وهكذا طول الألفة على هذه الخصال قلب في فكرهم الحقائق، وجعل عندهم المخازي مفاخر فصاروا يسمون التصاغر أدبا والتذلل لطفا والتملق فصاحة، واللكنة رزانة، وترك الحقوق سماحة، كما يسمون دعوى الاستحقاق غرورا، والخروج عن الشأن الذاتي فضولا، ومدّ النظر إلى الغد أملا، والإقدام تهورا، والحمية حماقة، والشهامة شراسة، وحرية القول وقاحة، وحب الوطن جنونا"(11).‏ يجسّد لنا الكواكبي أفكاره الاجتماعية الناقدة، في كتابه "أم القرى"، بأسلوب أدبي حار، ينبض بمشاعر الألم لما آل إليه حال المسلمين، حتى بات الذل مرضا يألفه الإنسان الضعيف إلى درجة لا يفضل الشفاء منه، وقد عمّ الفساد والتشوّه حتى شمل المفاهيم التربوية التي ينشأ عليها الإنسان، التي من المفترض أن تكون في صالحه، فبات احترام الكبير انسحاقا أمامه، مع أن هذا الكبير لا يستحق الاحترام (فيقبلون يده أو ذيله أو رجله) نلاحظ هنا اللغة الساخرة التي تشمل الإنسان المشوّه سواء أكان سيدا (له ذيل) أم عبدا (يرضى بأن يقبّل حتى الذيل) وبذلك سلخت التربية المشوهة سماتهم الإنسانية (حين قبل أحدهم الذل والثاني حين رضي أن يكون مستبدا مذلا للآخرين) فانحدرت الحياة الإنسانية إلى مهاوي الحياة الحيوانية!!‏ استخدم الكواكبي، هنا، اللفظة الساخرة معتمدا على الدلالة النقيضة (ألفوا الاحترام…) يقصد أنهم ألفوا الذل، وهو يبيّن لنا كيف يقلب الإنسان الذليل دلالات اللغة، فيحمّل ألفاظ الذل التي يستخدمها مع المستبد معاني جديدة نقيضة، إنها ألفاظ الأدب واللطف لا الهوان والخزي، وهو يقلب دلالات الألفاظ النبيلة إلى دلالات الألفاظ السيئة!‏ هذا التلاعب اللغوي يعكس لنا فهم الكواكبي لنفسية الإنسان الذليل، الذي يريد أن يخفف مظاهر ذله بادّعاء الأدب واللطف، ويهرب من متطلبات الحياة الكريمة العزيزة ومتاعبها بادعاء التعقل! فكأنه يضحك على نفسه، ويموّه حالته السيئة ببعض كلمات تطفئ قلقه، لهذا لن نستغرب شيوع لغة التناقضات في هذا النص التي توحي لنا بانهيار القيم الأصلية وسيطرة قيم الضعف والحياة الذليلة (السقم/ العافية، يتطاول/ يتقاصر، السماء/ الأرض…) ومثل هذه اللغة المتناقضة تضفي حيوية على النص وتزيد قدرته على تجسيد بؤس الحالة التي تشيع بين المسلمين، إلى درجة تنقلب فيها الذلة إلى لطف واحترام!!‏ ومما زاد جمال نص الكواكبي استخدامه لغة ذات أبعاد تصويرية، تزيد الفكرة وضوحا من جهة وتؤثر في فكر المتلقي ووجدانه، فالأذلاء ألفوا الثبات على ذلهم كثبات الأوتاد تحت المطارق (لنلاحظ هذه الصورة والدلالة القوية للفظة: مطارق، التي تبيّن مدى القهر الذي يتعرض له الإنسان، إذ تنهال عليه المطارق دون أن يحرك ساكنا، فقد أصبح فاقدا لإنسانيته كالوتد) قد جاءت الصورة الثانية لتؤكد بشاعة الوضع الذليل الذي يصل بالحياة الإنسانية إلى أدنى من حياة النبات، يلفت نظرنا استخدامه لفعل (ألفوا) للدلالة على طغيان قانون العادة والألفة الذي يجعل وظيفتهم في الحياة دون وظيفة النبات ذاك يتطاول معتزا بخدمة الحياة، في حين يتقاصر هؤلاء الأذلاء ملتصقين بالأرض، فشتان بين صورة من يطلب السماء بعزته وبين من يطلب القبر بذله!‏ إذاً إن مثل هذا التصوير الذي يجتاح المخيلة ويؤرق الوجدان، فيزيد المتلقي نفورا من حياة الذليل ومن بشاعة ثباتها تحت مطرقة الاستبداد، فتبدو حياته هامدة لا أمل في تغييرها! لهذا يرضى الإنسان الذليل أن يعيش ملتصقا بالأرض كأنه يشتاق القبر ولا يعرف سوى الحضيض، غافلا عن نعمة الحياة وروعة الحركة، في حين نجد حتى النبات مزهوا بحياته، يطمح لتجاوز واقعه والوصول إلى السماء علوا ورفعة!‏ جسّد لنا هذا التصوير التحريضي وهذه اللغة الاستفزازية روح الكواكبي الثائرة وفكره المتيقظ الذي طمح إلى التغيير، فيبدأ بتحريض واستفزاز الإنسان نواة النهضة الحقيقية، معتمدا على كل ما يملك من إمكانات جمالية وفكرية.‏ 5_التفرنج:‏ هناك مرض آخر عانى منه الإنسان المسلم وما زال يعاني (هو التفرنج) وذلك حين يظن الكمال في الأجانب، فيندفع إلى تقليدهم مهملا واجباته الدينية وعاداته القومية التي تهبه هوية خاصة به، لذلك يرى من الواجب محاربة "المتفرنجين" بكل وسيلة، بل نجده يدعو الأدباء إلى ممارسة دورهم في التوعية، وذلك بوضع الأهاجي والأناشيد بعبارات بسيطة محلاة بالنكتة، كي تنتشر على ألسنة العامة، فيتم القضاء على هؤلاء الواهنة، ونشر قيم أصيلة بين العامة.‏ إذاً يوحي لنا الكواكبي عبر هذه اللفظة الدقيقة (الواهنة) بالمرض الشامل للعقل والجسد وهو يصيب أولئك الذين يرون في الأجنبي مثلا أعلى له، وهو لا يكتفي بالإيحاء بل نجده يحدد لنا سمات الواهنة: إنهم أناس أذلاء بائسون فاشلون ممسوخو الشخصية أمام المستبد حين يرضخون له، وهم كذلك أمام الغربي حين يقلدونه!!‏ 6_الأسباب الاقتصادية:‏ انتبه الكواكبي إلى أن الأسباب السياسية، التي رأينا بعض ملامحها سابقا، في ضعف المسلمين، أدت كذلك إلى ضعفهم من الناحية الاقتصادية، فقد انحصر همّ النظام السياسي بالجباية المقلوبة، أي في الأخذ من الفقراء وإعطاء الأغنياء، وكذلك بات الاهتمام بالجندية مشجعا الناس على تفضيل الارتزاق بها وترك الصنائع!! إذ يترك الناس الحياة التي تعتمد على العمل اليومي الشاق ليركنوا إلى الارتزاق الشهري الذي يبدو أكثر سهولة واستقرارا! وبذلك يتم إهمال الحرف والزراعة!‏ كذلك نجده يبيّن أثر إهمال الحقوق العامة على النفوس، إذ تصاب باليأس والخمول، فتترك العمل، بعد أن فقدت الحافز الذي يدفعها لبذل الجهد مادام العدل مفقودا! وهذا يؤدي إلى افتقاد الإنسان الإحساس بالأمان، هذا الإحساس الذي يعدّ ضروريا لاستمرار أي عمل وتطويره.‏ أما إهمال الرابطة الدينية فقد تجلى في انحلال نظام الحسبة (المراقبة) كما تجلى في فقدان القوة المالية الاشتراكية بسبب التهاون في الزكاة!‏ وقد بدا داء الفقر لدى الكواكبي داء عاما، فهو "قائد كل شر، ورائد كل نحس، فمنه جهلنا ومنه فساد أخلاقنا، بل منه تشتت آرائنا في ديننا، ومنه فقد إحساسنا…" فهو، إذاً سبب كل المصائب التي تحيط بالمسلمين (الجهل، الفساد، الذل، التهاون في الدين…).‏ وهو يحاول أن يبعد اليأس عنا، ويبث الثقة في نفوسنا، فيبيّن أننا نملك مقومات النهضة من حيث تكويننا الفطري، وعددنا الكثير، وغنى أرضنا، وشرعنا القويم، لذلك لا ينقصنا عن الأمم الحية غير القوة المالية، التي أصبحت لا تحصّل إلا بالعلوم وبالفنون العالية، وهذه لا تحصل إلا بالمال الطائل، فوقعنا في حلقة مفرغة، عسى أن نهتدي لفكّها، وإلا أصابنا ناموس فناء الضعيف في القوي وبيننا الجاهل والعالم(12).‏ إنه يدل الأمة على طريق النهوض، فيدعوها لامتلاك القدرة المادية التي لن تحققها إلا برعاية العلم والعلماء، يلفت نظرنا اهتمام الكواكبي بالقدرة الروحية التي تحققها الفنون، فترتقي بإنسانية الإنسان، فتشكل أساسا قويما لامتلاك القوة المالية، كما وجدناه يدل الإنسان على طريق تطوير وضعه الاقتصادي، فنجده يدعوه إلى العمل بإتقان، فيعطي العمل وقتا مناسبا وتفرغا، وأن ينفق على قدر ما يكسب، ويرتب أموره الدينية والدنيوية بما يتناسب مع دخله، وأن يقتصد في النفقة من أجل مرحلة العجز، وأن يربي أولاده (ذكورا وإناثا) على الاعتماد على النفس.‏ وقد انتبه منذ وقت مبكر إلى جانب فكري هام أسهم في تخلفنا وضعفنا، هو افتقاد النقد، رآه سببا مؤثرا في أخلاقنا وسلوكنا، إذ بفضل النقد نتعرّف على عيوبنا ونحاول تجاوزها، كما نتعرّف على محاسننا فنقوم بتطويرها، مما ينعكس إيجابيا على حياتنا الأخلاقية والسلوكية، ومثل هذه الفعالية النقدية مازلنا نفتقدها إلى اليوم ونتجاهل أهميتها، وقد سماها الكواكبي "التباعد عن المكاشفات والمفاوضات في الشؤون العامة" فهو يقصد بـ"المكاشفات" إظهار العيوب التي تنخر جسد الدولة، أما "المفاوضات" فيقصد بها الحوار الذي يجب أن يدور حول القضايا العامة والأزمات التي تعرقل نهضتنا، ومن البديهي أن أي تطور حقيقي لا بد أن يبدأ من نقد السلبيات التي تعوق مسيرته، ليتمّ تجاوزها على أسس واعية، وبذلك نستطيع القول بأن الكواكبي قد سبقنا في الانتباه إلى أهمية النقد والحوار، ومازال المفكرون العرب ينادون بضرورتهما لأية نهضة حقيقية.‏ ولكن أين يكمن الخلاص والأمل لدى الكواكبي؟‏ إن هذا الخلاص لن يكون إلا لدى الشباب المتديّن الذي يحرص على القيام بواجباته الدينية ويتجنب المنكرات، لا يفتخر بعظام نخرها الدهر، ولا يرضى أن يكون حلقة ساقطة بين الأسلاف والأخلاف، لأنه يملك شخصية متميزة غير ممسوخة، لذلك يأبى الذل والأسر ويود أن يموت من أجل كرامته، يحب وطنه ولا يبخل عليه بفكره ووقته وماله، ويعلم أن الإنسانية هي العلم والبهيمية هي الجهالة، يعرف أن خير الناس أنفعهم للناس، وأن القنوط وباء، وأما القضاء والقدر فهما السعي والعمل(13).‏ ما يلفت النظر، هنا، هو هذا الفهم الجديد الذي يقدمه الكواكبي للقضاء والقدر، إذ يجعلهما مرادفين للعمل والسعي، بعد أن كانا مرادفين للتواكل والاستسلام في عصور خلت!!‏ إن الكواكبي يقدم فهما جديدا للموروث الديني، كي يجعله عامل دفع وبناء للإنسان، لذلك نجده يذكرنا بأن الله تعالى، جلّت حكمته رتب هذه الحياة على أسباب ظاهرية، ولم يشأ أن يجعلها كالآخرة عالم أقدار، فالتغيير لا بد له من معرفة الأسباب العقلية التي تقضي على مسببات الضعف، لهذا دعا إلى تربية تعتمد مبادئ قويمة تبني الإنسان من الداخل، مما يجعله نواة رأي عام لا يتطرق إليه التخاذل.‏ دور المثقف ومسؤوليته لدى الكواكبي:‏ يحسن الإشارة في البداية إلى أن مصطلح "المثقف" لم يكن متداولا زمن الكواكبي، لذلك سنجده يستخدم مقابلا له مصطلح (الحكماء، العلماء، الفقهاء…)‏ جسّد لنا الكواكبي عبر مواقفه الحياتية وكتاباته الصحفية ومنشوراته من الكتب خير صورة للمثقف التنويري الذي يؤمن بأن خدمة الوطن واجبة على كل إنسان حسب إمكاناته، والذي يحس بمأساة التخلف التي تعيشها أمته، فيسهم في نهضتها، ويرى معنى وجوده يتلخص في مساهمته في القضاء على الذل والضعف اللذين يكبلان أمته.‏ وقد لاحظ أننا نفتقد في أمتنا الحكماء ذوي النشاط والعزم الذين "ينبهون الناس ويرفعون الالتباس" فيجمعون بين الفكر الواعي والعمل بعزم، يضحون بأعزّ ما لديهم حفظا لشرفهم الذي لا يقوم إلا بشرف قومهم، بل حفظا لحياتهم وحياة قومهم من أن يصبحوا أمواتا متحركين في أيدي أقوام آخرين.(14)‏ إنه يحمّل المثقف مهمة إيقاظ الناس وتوعيتهم حتى يستطيعوا معرفة واجباتهم وحقوقهم، وهو لن يستطيع القيام بمهمته هذه إلا إذا امتلك القدرة على التضحية وإلغاء أنانيته، عندئذ يستطيع أن يمتزج بقومه امتزاجا تاما فيرى شرفهم هو شرفه، وحياتهم هي حياته، وبذلك يتفاعل الخاص بالعام لديه، فيتمكن من حماية نفسه وقومه من الموات، إذ يصبح بإمكانهم الحفاظ على هويتهم والدفاع عن وجودهم تجاه المعتدي، وبذلك يضع الكواكبي المثقف بين خيارين إما أن يسهم في تفعيل النهضة فيحيي أمته، وإما أن يتوانى عن ممارسة وعيه فيسهم في موتها.‏ إنه يرى بداية النهضة تكون بولادة إنسان جديد يمتلك سمات خاصة بأمته، لذلك يحمّل المثقف أمانة الحفاظ على كيان هذا الإنسان وهويته، كي يستطيع مواجهة الآخر المعتدي، ومثل هذا الدور لن يكون فاعلا إلا باجتماع الوعي بالممارسة، وهذا ما نزال نفتقده إلى الآن لدى المثقف العربي، الذي مازال مكبلا بهمومه الذاتية أكثر من هموم الوطن باعتقادنا!‏ وقد وجدنا القضية (31) في كتابه (أم القرى) بمثابة توصية من جمعية الموحدين إلى الأمراء أن يتيحوا لأحد العلماء الغيورين في كل بلدة‏ (أي للمثقف) صفة محتسب ديني على جماعة المسلمين في تلك البلدة، يساعده مستشارون منتخبون من عقلاء الأهالي، وبذلك تتشكل جمعية احتسابية مهمتها النصيحة للمسلمين دون عنف، وتسهيل تعميم المعارف والمحافظة على الأخلاق الدينية، إنه يرتفع بهؤلاء العلماء الغيورين على مصلحة أمتهم إلى ما يشبه مقام الأنبياء، فهم يقومون بدور الهداية إلى خير الدنيا والآخرة.‏ وقد رأى في انعزال العلماء الحقيقيين عن الحياة العامة، وانحراف العلماء الرسميين (الذين دعاهم الجهّال المتعمّمين) داء دفينا وسببا من أسباب ضعفنا، فقد أفسد هؤلاء المدلسون الدين وجعلوا كثيرا من المدارس تكايا للبطالين …ورغم ذلك نالوا بسحرهم نفوذا عظيما، مما ضيق على العلماء الخناق، لا رزق ولا حرية، فضاع العمل والدين، فاضطربت عقائد العامة، وفقدت قوانين الله، ففسدت دنياهم واعتراهم هذا الفتور.‏ وقد كرر القول بأن الفقهاء أحد أكبر أسباب انحطاط المسلمين، فهم يضيقون الدين على المسلمين وذلك بتوسيع دائرة أحكامهم وتكفيرهم، إلى درجة لا يكاد مسلم يصل إلى مرتبة الإيمان والنجاة، لتعذّر تطبيق جميع عباداته ومعاملاته التي يتطلبها هؤلاء الفقهاء المتشددون.‏ وبذلك أصبح الجمهور الأكبر من المسلمين يعتقدون في أنفسهم التهاون اضطرارا، فيهون عليهم التهاون اختيارا، وبسبب هذا التشدد التجأ كثير من المسلمين إلى الصوفية التي تهوّن عليهم دينهم.‏ وعلى هذا الأساس بات هؤلاء الفقهاء يمارسون دورا مقلوبا، فبدل أن يقربوا الناس من الدين باتوا ينفرونهم، إنهم أبعد ما يكونون عن روح الدين الإسلامي، الذي لمسناه في قول رسوله (ص) "يسروا ولا تعسروا" والسبب في ذلك أن هؤلاء الفقهاء يعانون الجهل في أمور دينهم، ويعيشون على ما ألفوه من أفكار لدى آبائهم!‏ ولهذا كله لن يكون مستغربا أن نجد في توصيات الجمعية (جمعية أم القرى) وقضاياها (قضية 27) توصية تدعو إلى الاهتمام بإيقاظ فكر علماء الدين، وتنشيطهم للسعي في تطوير التعليم باتباع خمسة أمور هي:‏ 1. تعميم القراءة والكتابة مع تسهيل تعليمهما.‏ 2. الترغيب في العلوم النافعة التي هي من قبيل الصنائع، مع تسهيل تعليمها.‏ 3. تخصيص كل من المدارس والمدرسين لنوع واحد أو نوعين من العلوم والفنون، لنجد في الأمة أفرادا متخصصين.‏ 4. إصلاح تعليم اللغة العربية والعلوم الدينية، ليسهل تحصيلهما في أقصر وقت، فيتمكن الطالب من تحصيل العلوم النافعة الأخرى.‏ 5. السعي من أجل توحيد أصول التعليم وكتب التدريس.‏ وإذا كان يرى أن بداية النهضة التعليمية تتم على يد علماء الدين، فإنه في توصية أخرى (قضية 29) يطوّر نظرته إلى العملية التعليمية وينتبه إلى أهمية النهوض بالإنسان القائم على ممارستها وتحسين ظروف حياته، وهو ينتبه إلى تلك العلاقة الدقيقة بين سوية المتعلم والمعلم، فيجعلها على أربع مراتب:‏ 1. العامة ومعلموهم أئمة المساجد.‏ 2. المهذبون ومعلموهم مدرسو المدارس العمومية والجوامع.‏ 3. العلماء ومعلموهم مدرسو المدارس المختصة.‏ 4. النابغون ومعلموهم الأفاضل المتخصصون(15).‏ إذاً قد تكون بداية التعليم منوطة برجال الدين، لكن حين يرتقي المتعلمون تصبح الحاجة ملحة إلى مدرسين مختصين، يستطيعون تناول علوم أخرى غير علوم الدين.‏ وقد انتبه الكواكبي منذ وقت مبكر إلى أهمية العناية بالطلبة النابغين، وذلك بفرزهم عن الطلبة العاديين في مدارس خاصة من جهة وبوضع أساتذة مختصين لتعليمهم من جهة أخرى، ومثل هذه العناية ستكون أحد العوامل المؤسسة لبداية نهضة علمية باعتقادنا.‏ وقد أكد على قدسية مهنة التعليم كمهنة الطب، لذلك يتوجب على أمراء الأمة التدقيق والحجر رسميا على كل من يتصدر للتدريس والإفتاء والوعظ ما لم يكن مجازا من قبل هيئة امتحانية رسمية موثوق بها تقام في العواصم، وبذلك نبعد الجهّال عن ممارسة جهلهم في منابر العلم والدين، لنحافظ على عقول الأجيال ووجدانهم كما نحافظ على أجسادهم.‏ يلفت نظرنا هذه المكانة الرفيعة التي يمنحها للمعلمين، إذ يجعلهم في مصاف الأطباء وفقهاء الدين وأئمة الجوامع، لذلك يجب أن يخضع هؤلاء جميعا للامتحان من قبل لجنة رسمية، فتنتخب العالم لممارسة هذه الوظائف الحساسة، وتحظر على الجاهل القيام بمثل هذه الوظائف.‏ وكذلك وجدناه في إحدى توصياته (قضية 32) حريصا على دعوة الدولة إلى تأمين الرزق والمكانة الرفيعة للعلماء، فتمنعهم عن كل ما يخلّ بشرفهم ومكانتهم، وبذلك يؤكد أن بداية النهضة ستكون بالعناية بالعلم والعلماء.‏ موقف الكواكبي من العروبة:‏ لاشك أن انتماء الكواكبي العريق إلى بيت النبوة (ينتهي نسبه إلى الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه) سيجعله أكثر الناس اعتزازا بعروبته وإسلامه معا، وربما أكثر حساسية للوضع الذليل الذي تعيشه الأمة الإسلامية.‏ يلاحظ المتتبع لكتاب "أم القرى" اهتمامه بالإسلام أكثر من العروبة، لعل السبب في ذلك أنه يرى الإسلام والعروبة شيئا واحدا، لذلك يكون النهوض بأمة الإسلام نهوضا بالعرب، على اعتبار أنهم يشكلون نواة الإسلام، وقد بيّن، كما رأينا سابقا، استحالة أي نهوض حقيقي ما لم يكن مصاحبا بنهضة تعليمية تبدأ بإصلاح اللغة العربية التي يجب أن تكون لغة المسلمين جميعا.‏ وقد ظهر اعتزازه بعروبته واضحا حين أعلن أن العرب هم أكفأ الناس لإزالة الضعف بين المسلمين، لذلك نجده يشترط في الأعضاء العاملين والمستشارين في جمعية (أم القرى) القدرة على التكلم والكتابة بالعربية، أما الأعضاء الفخريون فعليهم أن يتقنوا إحدى اللغات الأربع التي يتكلم بها المسلمون: العربية، التركية، الفارسية، الأوردية.‏ وبما أنه يرى أن السبب الأعظم لمحنتنا هو انحلال الرابطة الدينية، لذلك يعوّل على أهل جزيرة العرب في حفظ الحياة الدينية والنهوض بها، جاعلا المركز الرسمي للجمعية العامة في "مكة المكرمة" ومبينا مزاياهم فيذكر ستا وعشرين ميزة تؤهل العرب لخدمة "الكلمة الدينية بل الكلمة الشرقية" على حد قوله.‏ ولو تأملنا هذه الميزات للاحظنا أنها مكتسبة من صلتهم العميقة بالإسلام من حيث تأسيسه ونشره بين الأمم، ومن حيث التزامهم بأخلاقه ومبادئه (المساواة، الشورى، احترام العهود…) أو فطرية تنسجم مع حياة البادية (الأنفة، تحمّل قسوة العيش، عدم الاختلاط بالأمم الأخرى…) بالإضافة إلى مميزات تتعلق بلغتهم العربية (لغة القرآن الكريم) فهي أغنى اللغات وأوسعها انتشارا.‏ رغم حماسته للعروبة لا نستطيع أن ندعي بأن الكواكبي في هذه الفترة‏ (1898) كان من دعاة الانفصال عن الدولة العثمانية صراحة (وإن وجدناه في ملحق الكتاب يلمح إلى ذلك) وعلى هذا الأساس نجده يعدد خصائص الأمم الأخرى، إلى جانب خصائص العرب، جاعلا لها مقاما مهما، وإن لم يكن رئيسيا، فقد جعل لكل أمة وظيفة في الجامعة الإسلامية، إذ أناط مسؤولية حفظ الحياة السياسية ولاسيما الخارجية بالترك العثمانيين، ومراقبة حفظ الحياة المدنية التنظيمية تليق بالمصريين، والقيام بمهام الجندية يناسب أن يتكفل بها الأفغان وتركستان والقوقاز يمينا ومراكش وإمارات إفريقيا شمالا، وتدبير الحياة العلمية والاقتصادية خير من يتولاها أهل إيران وأواسط آسيا…‏ نلاحظ أن مفهوم العروبة، بكل صفائه، يتجسد لديه في شبه الجزيرة العربية دون غيرها، لذلك تحدث عن دور المصريين في الجمعية وأهل شمال إفريقية دون أن يشير إلى رابطة العروبة التي تجمعهم مع أهالي شبه الجزيرة العربية، ولا شك أن مفهوم العروبة قد تطور عما كان عليه زمن الكواكبي لهذا لا يحق لنا أن نلومه على فهمه هذا خاصة أنه كان في بداية تلمس طريق الوعي الذاتي.‏ وبما أن الجمعية يهمها أمر النهضة الدينية أولا، لذلك رأت أن تربط آمالها بالجزيرة وما يليها (الشام والعراق) وكي يدفع عن نفسه تهمة التعصب السياسي أو العرقي نجده يبرر أسباب ميل الجمعية للعرب وموطنهم شبه الجزيرة (فهي مشرق النور الإسلامي، فيها الكعبة والمسجد النبوي، تقع في وسط الدول الإسلامية، وهي سليمة من الأخلاط الجنسية والدينية، بعيدة عن الأجانب والطامعين نظرا لفقرها الطبيعي(16) إذ لم يكن قد اكتشف فيها النفط بعد.‏ إن هذه النـزعة في تفضيل العرب على غيرهم من الأمم سبقه إليها الطهطاوي الذي رأيناه يقول "العرب هم خيار الناس، وقبائلهم أفضل القبائل…ولسانهم أفصح الألسن، ولقد اشتهرت أمة العرب جاهلية وإسلاما‏ بالفضائل…"(17).‏ لعل الغاية من هذا الحديث لدى بعض رواد النهضة هي بث الثقة في النفوس الخانعة والضعيفة، لكن يضاف إلى ذلك، لدى الكواكبي، أن هذه الإشارة إلى مميزات العرب وجزيرتهم العربية كانت أشبه بتمهيد منطقي، يريد منه أن يقنعنا بما سنجده في الملحق من قرار خطير وهو (إقامة خليفة عربي قرشي مستجمع للشرائط في مكة) وهذا إعلان صريح برفض السلطة العثمانية التي كانت تدعي الحفاظ على الإسلام والتي جمعت بين السلطنة والخلافة زمن السلطان عبد الحميد الثاني الذي عاصره الكواكبي وحاول أن يردّ عليه بطريقة علمية ستظهر في مقالاته الصحفية (خاصة في جريدة "العرب" التي أصدرها في مصر) وعملية ستظهر في تأليفه لجمعية "أم القرى" لذلك يعدّ هذا الإعلان بعروبة الخليفة إعلانا جريئا في تلك الفترة، إذ لم نجد رائدا من رواد النهضة يدعو إليه، فهو يطعن في أهلية الأتراك لاستلام السلطة الدينية، خاصة أن السلطة العثمانية حاولت أن تستغل الرابطة الدينية التي تقوم بينها وبين العرب، لاستمرار سلطتها عليهم.‏ ومما يلفت النظر في دعوته للخلافة العربية أنه جعلها خلافة دينية لا شأن لها بالسياسة، وهي تقوم على الشورى، بل يجعلها أشبه بانتخاب رئيس للجمهورية، إذ يعاد تجديد البيعة للخليفة (أي الانتخاب) كل ثلاث سنوات، كما أن الخليفة ليس لديه سلطة عسكرية، حتى حفظ الأمن في الحجاز يناط بقوة عسكرية مختلطة يكون قائدها من إحدى الإمارات الصغيرة، يتلقى أوامره من هيئة الشورى(18).‏ وبذلك يبدو لنا وقد منح السلطة الدينية (الخليفة) بعدا رمزيا، إن هذا الخليفة يشكل استمرارا لنمط من الحكم كان سائدا في الأمة الإسلامية، لكن الكواكبي يمنحه بعدا شكليا، إذ لا دور سياسي له ولا عسكري، بل نلاحظ أن إدارة أمور الدولة تعود إلى مجلس شورى منتخب، وبذلك يعلن عن فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، مبينا لنا إصراره على عدم تكرار النماذج السيئة للجمع بين السلطتين في نموذج حاضر هو السلطة العثمانية، وفي نموذج غائب حاضر في التاريخ الإسلامي (الخلافة الأموية والخلافة العباسية) إذ لم نجد في تاريخنا النموذج الصحيح لاجتماع هاتين السلطتين إلا في العصر الراشدي، بل قد لا نجد سوى خليفة واحد في العصر الأموي استطاع أن يقدم لنا نموذجا مشرقا لاجتماع السلطتين الدينية والسياسية (عمر بن عبد العزيز) .‏ ومما ساعده في إعلان هذا الرأي الخطير، في زمنه، هو الشكل التخييلي الذي اعتمده، باعتقادنا، فقد جعله بعيدا عن صوته الخاص به، يأتي عبر رسالة يرسلها الصاحب الهندي تتضمن لقاءه بأمير (مجهول الاسم) وحواره معه، ثم رغبة هذا الأمير في إرسال آرائه إلى السيد الفراتي، وقد أحاطه، مع ذلك، بالسرية التامة، فلم نجد له اسما ولا بلدا ينتمي إليه، حتى عادته في إطلاق اسم رمزي على شخصياته تدل على بلدهم، نجده يتخلى عنها زيادة في السرية، اكتفى بإحاطته بصفات نادرة (أمير جليل، فاضل، من أعاظم نبلاء الأمة ورجال السياسة).‏ إن دعوته إلى خلافة عربية مردها، إلى جانب الاعتزاز بعروبته، ضيقه من السلطان التركي الذي أعلن نفسه خليفة، حتى إنه وصل حد الشرك بسبب غروره وظلمه، لهذا أورد رأي رجال الدين في تفضيل الحاكم الكافر العادل على المسلم الجائر، وذلك حين سألهم هولاكو بعد دخوله بغداد: أيهما أفضل (السلطان العادل الكافر أم الجائر المسلم)(19) .‏ إنه يريد أن يثبت في الأذهان أن وظيفة الحاكم وظيفة دنيوية الغاية منها العدل وإقامة المصالح العامة وإعمار البلاد وترقية العباد، وأي حاكم يقوم بهذه الغاية، مهما كان دينه وجنسه، جدير بحكم المسلمين، لهذا وجدناه يجعل للخليفة العربي وظيفة دينية لا سياسية، فيفصل بذلك السلطة الدينية عن السلطة السياسية الدنيوية، وقد توصل إلى هذا الرأي نتيجة ما لاحظه من معاناة المسلمين في ظل الحكم العثماني، فقد أساء السلطان العثماني الحكم وتمادى في الإساءة نظرا لاجتماع السلطتين الدينية والسياسية لديه.‏ وقد لاحظنا أن الإمام محمد عبده يفصل أيضا بين هاتين السلطتين، إذ يؤكد أنه "ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير والتنفير من الشر، هي سلطة خوّلها الله لأدنى الناس يقرع بها أنف أعلاهم، كما خوّلها لأعلاهم يتناول بها أدناهم"(20).‏ لكن ميزة الكواكبي، باعتقادنا، أنه لم يكتفِ بالتلميح للفصل بين السلطة السياسية والسلطة الدينية بل وجدناه يصرح بذلك، وبذلك يكون قد سبق الشيخ علي عبد الرازق الذي أكد على هذا الفصل في كتابه "الإسلام وأصول الحكم" الذي صدر عام (1925) في حين صدر كناب "أم القرى" عام (1898).‏ قد يكون لبعض رواد النهضة المسيحيين (سليم البستاني) أثر في دعوته تلك، برأي جان دايه، لكننا نعتقد أن معاناة الكواكبي، سواء على صعيد ذاته أم قومه، قد كان لها أكبر الأثر في هذا الفصل، خاصة وقد لاحظ كيف تستغل السلطة العثمانية هذا الجمع استغلالا كبيرا، وقد وجدنا ما يؤكد هذا الفصل في مقالاته الصحفية خاصة التي نشرها في مصر، بعيدا عن يد السلطة العثمانية، فيقول مثلا في "المقطم"(1899) "نصحت لأبناء ملتي في المقطم أن يجعلوا اتكالهم على أنفسهم في تدبير مصالحهم ولا يلقوا كل اعتمادهم على الحكومة، وأن يراعوا دوران الزمان وتغير الأحوال طبقا لمقتضى العمران، فلا يتكلّوا على الدولة العلية في دينهم ودنياهم، بل يطالبوها بالواجب عليها في أمور معاشهم ويقوموا هم بالواجب عليهم في أمور معادهم…إن الغاية التي تسعى إليها الدولة في زماننا دنيوية محضة، وأعني بها تأمين الناس على أرواحهم وأعراضهم وأموالهم وسنّ القوانين العادلة لهم وإنفاذها فيهم، فإذا قمنا نطلب بلوغ الغاية الدينية اللازمة للجامعة الإسلامية من دولة غايتها دنيوية محضة فطلبنا يذهب سدى وسعينا يكون عبثا"(21).‏ لا نستطيع أن نتخذ من هذا القول، كما رأى الباحث جان دايه، أن الكواكبي كان مفكرا علمانيا، يريد أن ينحّي الدين جانبا، فيعزله عن الحياة الدنيوية ويجعله محصورا بالآخرة، بل لاحظنا اهتمامه الكبير بتجديد روح الدين، وجعله أساس كل نهضة في الحياة الدنيا، وهو حين يبعد السلطة الدينية عن السلطة السياسية يستطيع أن يبعد عنها القداسة وبالتالي يخضعها للحساب والنقد دون خوف.‏ وهو هنا يناقش دعاة الجامعة الإسلامية في مصر، ومن بينهم صاحب "المنار" محمد رشيد رضا، الذين هاجموه واتهموه بالكفر ورقّ الكفار (الغربيين) فنجده يوقع مقالته بـ(مسلم حر الأفكار) ويختمها قائلا "فالواجب علينا نحن المسلمين أن نعوّل على أنفسنا وعلى أفرادنا لا على الدولة في تعليم قومنا وإعلاء شأن ديننا وإعداد المسلمين لقبول الجامعة الإسلامية، ومتى استعدّوا لها وأدرك عامتنا الغاية المقصودة منها، كما يدركها خاصتنا الآن، فحينئذ يكون زمان الدعوة إليها قد حان…".‏ لا يرفض الكواكبي الجامعة الإسلامية، لكنه يريد أن تكون هذه الجامعة مطلبا شعبيا، لا مطلبا نخبويا، خاصة إذا عرفنا أن المثقفين المصريين تبنوها نتيجة دعوة أطلقها السلطان عبد الحميد، وهو يبحث عن الطرق الصحيحة لتجسّيدها على أرض الواقع، لذلك وجدناه يريد أن يؤسس الجامعة الإسلامية على أساس نهضة دينية، يكون للمثقف دور مهم، في إيقاظ العامة والتأثير بها عن طريق العلم، فيعدّهم لتقبل فكرة الوحدة الإسلامية على أسس معرفية لا عاطفية، وبذلك يرتفع بالعامة إلى مستوى المثقفين، فيحملهم مسؤولية النهضة، حين يزودّهم بالعلم ليصبحوا حريصين على الوحدة فاعلين من أجلها.‏ إذاً ينفي، هنا، الكواكبي عن نفسه تهمة الكفر بطريقة ذكية مهذبة، حين يحاور من يخالفه الرأي بطريقة هادئة طارحا بعض الأسس العملية التي بإمكانها أن تحقق الجامعة الإسلامية الفكرة التي يؤمن بها الكواكبي ومن يتهمه بالكفر (عن طريق تعليم العامة وتجديد الدين) مبينا أن هذه الجامعة لا تعني عدم الفصل بين السلطة الدينية والسياسية، مبينا عن طريق المنطق أن هذا الارتباط ليس ضروريا، إذ إن سقوط الخلافة العباسية لم يؤدِ إلى القضاء على الإسلام.‏ يلفت نظرنا في هذا الحوار اللهجة الراقية والمهذبة التي وجهها إلى (محمد رشيد رضا) الذي اتهمه بأقذع التهم، فكان ردّه بأن وصفه بالفاضل"والغريب أن صاحب المنار الفاضل نعى عليّ ما نعى وطعن فيّ ما طعن، واتهمني بالمروق والغدر… " مفصحا في آخر المقال عن رغبته في اللقاء لا في الصراع، لهذا يخاطبه بيا صاحبي ويوجه له نصيحة صديق لصديقه "اعلم يا صاح أني أحب أن أعيش معك ومع جميع الناس بحب وسلام. فالشغل كثير والعمر قصير، فلا نضيعه في تنغيص العيش بقوارض الكلام، ولكن خذها مني نصيحة صديق لصديق … إن من يقيم في هذا القطر وينكر الخلافة في الأستانة لا يوافقه وصف الحرية في هذه الديار "برق الكفار".‏ يبدو لنا الكواكبي قد عانى من صفة الكفر والعبودية للغربيين التي وصفه بهما (محمد رشيد رضا) فردّ عليه بأن من هرب إلى مصر من أجل الحرية، ورفض الخلافة العثمانية يؤلمه أن توصف الحرية بنقيضها ويتهم بالكفر!!‏ إن هذا الحوار الهادئ مع الآخر المخالف في الرأي، وهذه الصفات الإيجابية التي وصف بها من وصفه بصفات سلبية مؤلمة، جعلت من محمد رشيد رضا صديقا حميما له، سيفسح له المجال في صحيفته "المنار" ليكتب مقالاته، وينشر أجزاء من كتبه، ويرثيه حين قتل قائلا: "في يوم الجمعة 6 ربيع أصيب الشرق بفقد رجل عظيم من رجال الإصلاح الإسلامي وعالم من علماء العمران وحكيم من حكماء الاجتماع البشري…الصديق الكريم والولي الحميم، بل هدّمت منا الركن الركين، وقوّضت أقوى الدعائم والأساطين…".‏ وهكذا فإن الحوار الهادئ المبني على احترام الآخر يؤسس لصداقة تنمّي الأفكار وتقوي العلاقات الاجتماعية والثقافية، فلا يضيع عمر المثقف في المهاترات والشتائم، لأن هناك أموراً عظيمة تنتظره.‏ بناء على ذلك يمكننا أن نقول بأن الكواكبي قد سبق رواد النهضة من معاصريه، وربما سبق الكثيرين من المفكرين المعاصرين اليوم، بالقدرة‏ على الحوار الموضوعي، والتأكيد على ضرورة امتلاك المفكر الروح الديمقراطية، فلا يصر على أنه يقدم الحقيقة المطلقة للآخرين، وأن هؤلاء عليهم الأخذ بها دون حوار أو تفكير، لذلك نجده يدعو (في كتابه أم القرى) المفكرين الرواد إلى "عدم الإصرار على الرأي الذاتي، وعدم الانتصار له، واعتبار أن ما يقولـه ويبديه كل منا، إن هو إلا خاطر سنح له، فربما كان صوابا أو خطأ، وربما كان مغايرا [لما في نفسه] اعتقادا أو عملا، وهو إنما يورده في الظاهر معتمدا عليه، وفي الحقيقة مستشكلا أو مستثبتا أو مستطلعا رأي الغير"(22).‏ إن طرح الأفكار لا يعني طرح الحقيقة الكاملة، وإنما يعني إتاحة الفرصة للفكرة عن طريق الحوار مع الآخرين لتثبيتها أو نقضها أو تطويرها، لهذا جعل الفكرة خاطرا يخطر على بال الإنسان قد يحمل الصواب فيكون منسجما مع معتقدات المفكر وأفعاله، وقد يكون خاطئا غير منسجم مع المعتقد والفعل، ولا شك أن الأفكار الخاطئة تعشّش في الذات لأنها لا تتنقى إلا إذا خرجت من إطار الذات عبر الحوار مع الآخر، وبذلك يشكل الحوار مع الآخرين ميزانا حساسا لمدى صلاحية الفكرة، فتزداد تبلورا وصقلا أو تبدو ضعيفة لا أهمية لها، ومن هنا ضرورة الحوار الذي يتيح الفرصة لنضج الأفكار.‏ ترى أ لهذا السبب جعل كتابه أشبه برواية تعتمد الحوار بين شخصيات متعددة؟ تراه يريد أن يقدم دليلا على أن الحقيقة لا تأتي من شخصية واحدة، بل تأتي من عدة شخصيات يجمعها الحوار فيغني رؤاها ويصقل أفكارها؟ تراه يريد أن يؤكد للمتلقي أن الحقيقة لا يمكن أن يملكها فرد واحد؟‏ هنا يحسن أن نشير إلى أن اختلاف الآراء في أسباب انحطاط المسلمين الذي جسّدته لنا شخصيات تنتمي إلى بلدان مختلفة، هو في حقيقته غنى في الرأي، ويشير إلى أن هموم المسلمين واحدة مهما اختلفت بلدانهم، إذ قلما نجد سببا للضعف خاصا ببلد مسلم دون آخر.‏ وقد أضفى الأسلوب الدرامي حيوية على أفكاره، فأتاح له الحوار أن يقدم رؤاه المتعددة حول ضعف المسلمين، بعيدا عن الرتابة التي يحملها الصوت الواحد، ومثل هذا الحوار يوحي للمتلقي بمشاركة جميع المسلمين في مناقشة أسباب الانحطاط بشكل ملموس وواقعي، لأننا لو تأملنا هذه الأفكار المطروحة من قبل مفكرين ينتمون إلى عدة بلدان لوجدناها تتمم بعضها بعضا، لا نلمس فيها تناقضا أو صراعا تفترضه طريقة تعدد الأصوات في الرواية.‏ وعلى هذا الأساس لا نستطيع أن نقول: إن كتاب "أم القرى" رواية بالمعنى الحديث للمصطلح، الذي لم يكن قد أثبت حضورا في عصره، رغم بعض المحاولات، بالإضافة إلى طغيان الصوت الواحد الذي هو صوت الراوي (السيد الفراتي) كذلك يلاحظ المرء طغيان الهم الفكري على الهم الفني، أي الأسلوب الواقعي المباشر على الأسلوب التخييلي.‏ ونحن لا نريد أن نحاكم هذا الكتاب، الذي لمسنا فيه بذور الرواية، بمقاييس عصرنا، بل نجد من الواجب أن نشير إلى أن مثل هذه العثرات مازالت الرواية العربية تعاني منها إلى اليوم، وبناء على هذا يمكننا القول: إن الكواكبي استطاع أن يقدم لنا فكره بطريقة تنأى عن المألوف في التعبير، فتستفيد من بعض المقومات التخييلية التي تعتمد القص وتجسيد الشخصية للأفكار، مما يتيح لها الحيوية، ويبعدها عن الرتابة، فهو يلجأ إلى وسيلة بسيطة تهب الحياة لأفكاره، وبالتالي يستطيع عبر هذه الطريقة أن يضمن تفاعل المتلقي معها بشكل أفضل، مما لو قدّمت بشكل نظري جامد.‏ إذاً لا أعتقد أن مصطلح "الرواية" كان ماثلا في ذهنه، لكنه كان يبحث عن وسيلة أكثر قدرة على التعبير عما يجول في أعماقه من أفكار، فتزداد فاعلية وتأثيرا وجاذبية، وبالتالي تزداد انتشارا بين عامة الناس.‏ ويضاف إلى إنجاز الكواكبي الذي اجتمع فيه الفكر بالتخييل إنجاز لغوي : هو تطويع اللغة العربية، التي كانت في عصره لغة جامدة تغلب عليها الصنعة والتكلف، فأصبحت على يديه لغة حية تجسد هموم الإنسان، فوجدناها تستوعب هذه الهموم بكافة أشكالها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية… ولاشك أن لعمله في الصحافة واقترابه من لغة عامة الناس (حين كان يكتب تظلماتهم في رسائل يرسلونها للسلطان) كل ذلك كان له أكبر الأثر في تطوير لغته، إذ جعله على صلة بالحياة باحثا عن لغة يعبر فيها عن واقع معيش تنغصّه هموم التسلط والضعف، فجعل من اللغة خير وسيط يصور بؤس الواقع المتردي فيهزّ وجدان الإنسان المسلم ، حين يتعرّف مدى بؤس حياته، ويتنبه إلى ضعفه، عندئذ يبدأ بتعرّف ذاته على حقيقتها، كما يتعرّف حقوقه وواجباته، لذلك بيّن في مقدمة كتابه أنه يتوجه في كتابه هذا إلى المتلقي الجاد الذي يقرأ الكتاب قراءة واعية متتبعة لا تعرف التصفح، فلا يصدر حكما نقديا على ما يقرأ إلا بعد قراءة الكتاب بأكمله قراءة متعمقة، لذلك نجده يتوجه ناصحا المتلقي: "أما إذا كنت من أمة التقليد وإسراء الأوهام، بعيدا عن التبصر، لا تحب أن تدري من أنت وفي أي طريق تسير وما حق دينك ونفسك عليك، وإلى ماذا تصير، فتأثرت من كشف الحقائق ودبيب النصائح، وشعرت بعار الانحطاط وثقل الواجبات، فلم تطق تتبع المطالعة، وتحقيق العقل والنقل في المقدمات والنتائج، فأناشدك الإهمال الذي ألفناه…"(23).‏ إذا يريد قارئا جادا لكتابه تقلقه أسئلة أمته المصيرية، إذ لا يمكن لقارئ ألغى عقله واستسلم للتقليد والأوهام أن يستفيد من هذا الكتاب، إنه يبحث عن قارئ يتفاعل مع النص تفاعلا إيجابيا، خاصة أنه يقدم معرفة تنير عقله وتدفعه لتغيير حياته وسلوك الطريق الصحيح،، بعد أن يطرد مشاعر اليأس والإحباط التي تكبله، إنه يريد أن يسهم عبر كتابه في صنع إنسان جديد لا يعرف الإهمال وينفض عن ذاته غبار الوهن، يحاسب نفسه من أجل النهوض بها، لأنها، كما يراها الكواكبي، بداية أي نهوض حقيقي للأمة، خاصة إذا لاحظنا أنه يحمّل الإنسان المسلم مسؤولية نفسه وأمته ودينه معا.‏ هنا لابد أن نتساءل: هل نستطيع أن نقبل قول العقاد: بأن الكواكبي كان "يواجه القراء كما يواجه المستمعين"(24) بمعنى أنه كان يستخدم الأسلوب الخطابي الذي يجعله يلقي بالقلم جانبا ليتحدث إلى قرائه حديث الخطيب على المنبر؟‏ في الحقيقة تنوعت لغة الكواكبي فلم نجده يستخدم اللغة الخطابية التي تعتمد الانفعال واللفظة الرنانة فقط، إذ لاحظنا استخدامه لغة المنطق التي تعتمد التحليل والتعليل، وتبدأ بمقدمات لتصل إلى النتائج، وهو في كثير من الأحيان يقدّم أفكاره بأسلوب تصويري يزيد الفكرة وضوحا كما لاحظنا سابقا، ومثل هذا الأسلوب موّظف لخدمة الفكرة وحيويتها من جهة، ولجذب المتلقي إلى متابعة القراءة من جهة أخرى.‏ وكما وظّف التصوير لخدمة الفكرة، نجده يوّظف اللغة التراثية (التناص الديني) من أجل ذلك أيضا، لهذا تبدو لنا لغته أكثر إقناعا وأشد تأثيرا في وجدان المتلقي الذي يشكل هذا الموروث مكونا أساسيا من مكونات شخصيته، فها هو ذا يقول "إن انحطاطنا من أنفسنا، إذ إننا كنا خير أمة أخرجت للناس، نعبد الله وحده، أي نخضع ونتذلل له، ونطيع من أطاعه مادام مطيعا له، نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، أمرنا شورى بيننا، نتعاون على البر والتقوى ولا نتعاون على الإثم والعدوان، فتركنا ذلك كله، ما صعب منه وهان"(25).‏ يتحول هذا النص في مجمله إلى لغة قرآنية، فتبدو أفكاره متجلية عبر قبس قرآني، يشكل لاوعي المسلم، كما يشكل فكره، ويوجه سلوكه، وبذلك تكتسب لغته قوة تعبيرية مؤثرة في الوجدان، تحرض المسلم وتنير دربه إلى حياة جديدة.‏ لعل ميزة الكواكبي أنه لم يفصل الدين عن الحياة حين نادى بفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، فقد نادى بأفكار إصلاحية تمتلك جذورا في الدين الإسلامي، وبذلك لم يكن الدين لديه شأناً شخصياً ينفع الآخرة بعيدا عن الدنيا، إذ رأى ضرورة أن يتجاوز المسلم حالة الضعف والانحطاط بما يمليه عليه دينه، أي بما يؤمن من تعاليم وأفكار، ولكن مع الأسف مازال يهمّشها، أو يتعامل معها بشكل آلي، دون أن ينتبه إلى دلالاتها الفاعلة التي يمكن أن تساعده على تغيير حياته وتطوير مجتمعه.‏ وبذلك يبحث الكواكبي عن لغة مشتركة بينه وبين المتلقي، لغة يعايشها كل يوم خمس مرات على الأقل في صلاته، فيدله على ما تحويه من دلالات غنية، ترقى بحياته، حوّلها المتلقي إلى لغة عادية يمارس عبرها طقوس عباداته بشكل آلي، فينتزع بذلك روح اللغة ومعناها ليحوّلها إلى تمتمات صوتية لا علاقة لها بنبض حياته.‏ كذلك نلاحظ أنه استخدم التناص الشعري باعتباره لغة مشتركة تشكل وجدان المتلقي كما يشكلها التناص القرآني، لذلك نجده يستفيد من إمكانات الشعر التراثي في هزّ وجدان المتلقي والتدليل على صحة أفكاره، كما لاحظنا سابقا حين تحدث عن أسباب ضعف المسلمين، وهو عدم انسجام الحاكم مع المحكوم، فالحاكم تركي والمحكومون عرب، فيأتي ببيت للمتنبي يدلل به على صحة قوله: ‏ إنما الناس بالملوك وما‏ ‏ ‏ تفلح عرب ملوكها عجم‏ ‏ إن الكواكبي يدرك وقع الشعر على نفس المتلقي العربي، خاصة في تلك الفترة، لذلك نجده يبدأ كتابه بأبيات شعرية ألفها، تختزل أوضاع المسلمين التي سيوضحها نثرا فيما بعد، وهو بذلك يشدّ المتلقي إلى تتبع كتاب لم يكن مهيئا لمتابعة أسلوبه الجديد الذي يعتمد لغة جديدة بعيدة عن الصنعة والزخرفة التي كانت سائدة في عصره، فيلجأ إلى التمهيد له بلغة جذابة مألوفة هي لغة الشعر، يخاطب بها المتلقي قائلا:‏ دراك فإن الدين قد زال عزّه‏ ‏ ‏ وكان عزيزا قبل غير هين ذا حين‏ ‏ إلام أهل العلم أجلاس بيتهم‏ ‏ ‏ أما صار فرضا رأب هذا التوهن؟‏ ‏ هلموا إلى بذل التعاون إنه‏ ‏ ‏ بإهماله إثم على كل مؤمن‏ ‏ هلموا إلى (أم القرى) وتآمروا‏ ‏ ‏ ولا تقنطوا من روح ربّ مهيمن‏ ‏ فإن الذي شادته أسياف قبلكم‏ ‏ ‏ هو اليوم لا يحتاج إلا لألسن‏ ‏ تقدم لنا هذه الأبيات أهم القضايا التي كانت تؤرق الكواكبي والتي ظهرت في ثنايا كتابه "أم القرى": ضعف الإسلام، مسؤولية العلماء عن هذا الضعف، ضرورة نبذ الخلافات والتوحد، العمل وفق نظام محدد كالجمعية، عدم اليأس، الوعي لأسباب الانحطاط ومن ثم تجاوزها…ومع ذلك لا يمكننا أن نقول إن لغة الشعر كانت طاغية في الكتاب، ما عدا المقدمة، أما بقية الكتاب فقد جاءت بلغة النثر لغة الفكر والمنطق التي امتزج فيها التخييل والابتكار الذي تجلى في تجسيد عدة شخصيات تتحدث بأفكار متنوعة، نظرا لكونها تنتمي إلى عدة بلدان إسلامية، وبالتالي تكون هذه الشخصيات أكثر تأثيرا كما لاحظنا سابقا.‏ إذاً نستطيع القول إن الكواكبي سلك كافة السبل المألوفة وغير المألوفة كي يقرّب كتاب "أم القرى" من المتلقي، فيضمن تفاعله مع هذه اللغة الجديدة عليه.‏ كما يمكن أن نعدّ هذا الكتاب كتابا في الإصلاح الديني والفكري الاجتماعي والاقتصادي، ومثل هذه المهمة لن تكون ما لم يمتلك الكتاب لغة جديدة ينطق بها، إذ لابد للنهضة الفكرية التي يسعى إليها المرء من أن يواكبها نهضة لغوية، وقد بدا لنا الكواكبي واعيا لهذا الإصلاح كل الوعي، فأكد ضرورة أن تقوم جمعية أم القرى بوضع مؤلفات بلغة "وسطى عربية لا مضرية ولا عامية، وجعلها لغة لبعض الجرائد والمؤلفات الأخلاقية ونحوها مما يهمّ نشره بين العوام فقط"(26) لأن الدور التنويري الذي يضطلع به المفكر، لابد له من لغة تنويرية، تستطيع مخاطبة جميع الناس، فهو يراهم نواة أي تغيير حقيقي.‏ وبذلك قدّم الكواكبي في كتاب "أم القرى" نموذجا جديدا للكتاب الذي يضطلع بمهمة التنوير، اجتمع فيه الإبداع والفكر.‏ بناء على هذه النتيجة لا نستطيع أن نقبل قول الباحثة اليهودية (سيلفيا حاييم) بأن الكواكبي كان في كتابه "أم القرى" ناسخا وليس مبدعا، ومما دفعها لهذا القول أنها لاحظت تلاقيا في بعض الأفكار بينه وبين أفكار (بلنت) ويرى الباحث (جان دايه)(27) أنها فعلت ذلك لسببين: الأول أنها ترى كل كاتب عربي في عصر النهضة لا بد أن يكون تابعا لكاتب أوروبي، والثاني: أن (بلنت) أصدر كتابه "مستقبل الإسلام" في عام (1882) أي قبل إصدار الكواكبي كتابه بفترة ثمانية عشر عاما فلا بد أن يكون قد اطلع عليه، ويلاحظ (دايه) أن كتاب (بلنت) يدور حول موضوع واحد هو الخلافة، وقد احتل هذا الموضوع ثلاثة أرباع الكتاب تقريبا، في حين يلاحظ أن كتاب "أم القرى" توقف عند هذا الموضوع وقفة سريعة، إذ كان الكواكبي مشغولا بتحديد المفهوم الصحيح للدين الإسلامي، ونهضة المسلمين، وقد أناط بجمعية أم القرى تنفيذ هذا المفهوم وهذه المهمة، أما بلنت فقد خصص لمفهوم الإسلام الصحيح فصلا واحدا هو "الإصلاح المحمدي" وختم الكتاب بفصل بعنوان "اهتمام إنكلترة بالإسلام".‏ وبذلك اهتمّ كتاب "مستقبل الإسلام" بالشأن السياسي على نقيض كتاب "أم القرى" الذي اهتم بالشأن الديني، أما رأيها الذي يقول بتأثر الكواكبي بكتاب (بلنت) حين فصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية، فقد لاحظنا أن جميع رواد النهضة قد ركزوا على هذا الفصل، بالإضافة إلى أننا لاحظنا معاناة الكواكبي من اجتماع هاتين السلطتين بيد رجل واحد (يجبي الضرائب ظلما، يستبد، يقتل…).‏ وقد لاحظ (دايه) أن هذا الفصل بين السلطتين قد تمّ في مقالاته الصحفية التي ظهرت قبل كتاب (بلنت) بخمس سنوات، كما تمّ التأكيد على أهمية العروبة فيها، أي قبل أن يشير (بلنت) إليها كما تدعي (سيلفيا حاييم).‏ أعتقد أن الذي منح هذا الكتاب خصوصية إبداعية، وأبعده عن التأثر بالآخرين سواء أكانوا عربا أم أجانب هو اهتمام الكواكبي بتقديم أفكاره عبر شخصيات عدة، وعبر مكان وزمان محددين أحاطتهما هالة التقديس، فاستخدم أسلوبا سرديا يجسد طموحه للتشويق والتأثير، كما يشكل ستارا وهميا يبعد عن نفسه تهمة القول المباشر، فتتحدث شخصيات وهمية بما يريد أن يقوله من كلام خطير، وبذلك تتيح له هذه الطريقة حرية التعبير وربما تنجيه من غضب السلطة.‏ الأمر الآخر الذي يجعله لا يبدو مقلدا لـ(بلنت) تقديم الكواكبي فهما حيويا للإسلام، يدل على معرفة عميقة بالدين الإسلامي، فقد حاول أن يقدم تفسيرا له يجعله أحد أهم ركائز النهضة، لا عاملا من عوامل تخلف المسلمين كما يراه الآخر الغربي والعربي العلماني.‏

    آسف موضوع هام وحيوي - وجدت عرضه كاملاً أفضل من الاقتباس أو التلخيص أو التعليق .....أرجو أن يكون لنا لقاءات أخرى لمناقشة فكر العلامة عبد الرحمن الكواكبي .ودمتم
  • ركاد حسن خليل
    أديب وكاتب
    • 18-05-2008
    • 5145

    #2
    أهلا بك أخي العزيز وليد زين العابدين
    أشكرك على هذا الموضوع القيــّم عن الكواكبي
    واعذرني.. لأني سمحت لنفسي بتنسيقٍ بسيطٍ للمقالة

    تقديري وودي
    ركاد

    تعليق

    • وليد زين العابدين
      أديب وكاتب
      • 12-05-2009
      • 313

      #3
      الأخ ركاد تحية وألف شكر على المجهود الرائع الذي أعطى الموضوع رونقاً أفضل بكثير .مع تقديري واحترامي

      تعليق

      يعمل...
      X