(تنبيه هام: هذه الكتابة تحتوي على مفردات عامية سودانية وأغاني سودانية فربما كانت صعبة بعض الشيء على الإخوة من الدول العربية الأخرى)
الدلالت العميقة لكلام العوام والترهات
من خلال
الوقفات بين الطواسين والفتوحات
(من أول يناير، حاكون إنسان جديد’’’’ وإيييييه)
"شعبان عبدالرحيم"
(الحق أقول أنه لا يفهم كلامنا الا من بلغ القوس الثاني.. والقوس الثاني دون العرش)
"الطواسين" {للحلاج}
طالب العلم ليس يدرك ذاتي بدليل لكون ذاك محالا
فتراه يراني في كل عين و تراني ابديه حالا فحالا
فيرى نفسه وليس سوايا والهدى لايكون قط ضلالا
فاذا مايقول ربك ( فاعلم انني واحد) عليك احالا
"ابن عربي ـ الفتوحات ـ الباب الخامس والعشرون وأربعمائة في معرفة منازله من طلب العلم صرفت بصري عنه"
مفتتح الكتاب:
وعرفان مقامي عند حال العشق يقتضي من المُجِدِ المجتهد أن يُهلِكَ نفسه، وينْفق بين الرمقين.. والرمق الأول رمق الفضول،
والرمق الثاني رمق الحظ.
والحق أقول أنه لا يفهم قولنا الا من شهد بعين قلبه احوال المحبين وعذرهم. فهذا كلام وإن حملته "اللغى" الا أن معانيه طافحة عن حواف الأواني.
فصل (عن الوقوف في مقام العرفان الأول)
اوقفتني وقالت: منحة الإجابة تأتي عند قبض السؤال.
وصل (في شرح الوقوف في مقام العرفان الأول)
اعلم ايها العاشق بأنها عنت أنك إن رمت صيدا فعليك بالصبر وعند العوام: ان تكون "تقيل".
ووصال الصيد بالبعد عنه حتى يستأنس لك وعند العوام: "الدردقة".
وعندنا هو الصبر بالمجاهدة والسهر الطويل، وأقسام المجاهدة عدة أقول لك منها ما ينفعك في مقامك الحالي، فمنها البعد عن المجاهرة بالسر أي الا تكون بواحا، ومنها الوقوف على طلل النفس بعد هدم ذاتك في ذاتك، والفناء عن غيرية المحب أي التوحد في الاتجاه، وبذل الكلام في حينه وقبضه في كل حين، وهذا أصعبه، أي الاقتصاد في الابتعاد.
وأقسام المجاهدة مما لا ينفعك في مقامك عدة أمسكتها عنك لكي لا اشغلك بالفارغة.
فصل:
أوقفتني وقالت: أدب الإجابة أن تقابلها بالإمتنان.
وصل (في معرفة أدب الاجابة)
إعلم حماك الله ايها العاشق بأن وصل الاجابة يقتضي منك الامتنان بالامساك، وعند العوام: عدم "الكبكبة".
والامساك وان حصل ظاهرا الا انه ممتنع حقيقة لأن لسان الحال أبلغ "فتنبه" لأن ظهور الحال من الشهوة الخفية فوجب عليك تغطيتها بمقام الستر، ولمعرفة كيفية الستر وجب أن تعلم ماهية المستور، وحيل النفس لإظهاره.
وأول ما يظهر عليك من تغير الحال مجافاة الطعام ونبذ المنام والتوحش عن الانام وكثرة السهام، ومظهرها النحول والشرود، وسترها بإستيقاظ النفس عند كل هذه الآفات، ودرءها بالتصنع كحال "الملاماتي" إذ يبدي الشر ويخفي الاحسان.
فصل (عن الاسترسال بعد الوصال)
أوقفتني وقالت: شهوة المحبوب في الوصال تقتضي إظهار الحال.
وصل (في معرفة كيفية إظهار الحال للمحبوب)
وهو باب واسع يُدخل لأبواب عدة منها معرفة جوهر المحبوب والمحب، ومنها معرفة منازل تجليات المحبوب، ومها إصطلاحات مثل: السلب والوهب، والبسط والقبض، والرفع والنزول، والتعالي والخفض، والهجر، والسلوان، والجوى، والمحق، والعذل، والتغريب، والتقريب، والدنو، والظاهر والباطن، والحجاب، وأدب الوقت.
(وصل الوصل)
إعلم أصلحك الله ايها العاشق بأن المحبوب والمحب مسميان لجوهر واحد في منزلين، وللعوام في مثل هذا المعنى: "أصبحنا رغم البين روح واحدة في جسدين"
والمحبوب اعلى التجلي وأدناه المحب وما سواهما أغيار إقتضتها منازل الأخيار، وأطوارهم وتقلبهم في المجاهدة والاختبار.
وتجليات المحبوب إظهاره لمحبته في مقامات عدة، وعند العوام: "بعيونك تقول لي تعال وتعال
وبقليبك تقول لي لا مافي مجال".
والسلب والوهب من المحبوب يقابلان القبض والبسط من المحب..
ومن المحبوب الرفع والنزول وعند المحب التعالي والخفض..
والهجر والسلوان رسل المحبوب لـ (جوى) المحب..
والمحق التقاء شهوة المحبوب ببواعث الأمارة عند المحب..
والعذل هجر المحبوب ظاهرا – وسيأتي في حينه – مع ابقاءه لأسباب الوصل (وبعض العوام حين يستغرقهم العذل ويصابوا باليأس من الوصل يقولون: "تغور ان شاء الله في ستين"
والبعض يفهم فيصبر على الحال لأن دوامه من المحال فيقول: "تغلطوا انتو يالحبان ونجيكم نحن بالاعذار"، وكلاهما محق – وإن كان الصابر أحق. فإذا قلتَ: كيف يمتنع التعارض؟
فبمعرفة أسرار الباطن والظاهروأدب الوقت مما سيجيء تبيينه في حينه).
والتغريب لإنشغال المحب بالأغيار، والتقريب بنبذها، والدنو بنفيها..
والظاهر الإنشغال بشريعة العوام وهي حق لحفظ الإنتظام..
والباطن نظرك الى مقصد الأمر ودفعك بالإحسان الخطر..
(والظاهر عند العوام: "عشان أهلك بخليك".. والباطن عندهم: "رحلت وجيت في بعدك لقيت كل الأرض منفى".
والحجاب ستر الباطن بالظاهر وهو من المحبوب "عفة" ومن المحب "تعفف"..
(وعند العوام: " يا ليلى هووووي يا ليلى".
وادب الوقت بمعرفة حكمه والتصرف بمقتضاه، فلكل إصطلاح وقت يقتضى التصرف بموجبه، كأن تلتزم الشرع في وقت الظاهر وتلتزم القصد في وقت الباطن..
وعند العوام: " وحاجات تانيه حامياني".
(الوصل)
إعلم أيدك الله بنور الهامه ان المحبوب وان كره الافشاء ظاهرا الا انه قد رضاه باطنا، وأحب الهتك له منفردا، ومع هذا وجب عليك معرفة وقت هتك الستر وميقات انزاله، ولأجل هذا طلبنا لك نور الإلهام لكشف ضباب الاحوال.
وعن حال التذبذب والتبلبل هذه يقول العوام: " أنت عارف انا بحبك وبحلفبك ولا ماك عارف بالمره"
ويقول العارف ابن الفارض: "قلبي يحدثني بأنك متلفي
نفسي فداك، عرفت أم لم تعرف"
فصل (في تقييد الكلام بالاحسان)
أوقفتني وقالت: كل كلام يقصد به سواي.. كلام!
وصل (في معرفة حسن الكلام)
اعلم امدك الله بمدد معارفه أن وقت المحبوب الذي يبذله لك – مع طوله – فهو برهة تخرج عن الزمان، وعند العوام: "الغريبة الساعة جنبك تبدو أقصر من دقيقة"
ولهذا وجب عليك أن تنتهز الوقت بحسن الكلام، والا تضيعه في الثرثرة والإنبهام.
وكل كلام مفيد فهو جملة، والجملة ترتيب الكلمة بعد الكلمة باحكام، والكلمة وضع الحروف تلو الحروف بانتظام. والحرف حد ومطلع، ومطلع الحرف مطمحه للظهور، وحده إظهاره للمراد، وغايته في ذاته لا في الكلمات، ومبدأ الحرف النقطة وهي أصل الاكوان.
ولهذا يكتفي العارفون بكلمة.. ألم ترى أن ابن رشد قد سأل الشيخ الأكبر فقال: هل ؟
فأجابه عليه السلام بـ: بلى
فتبسم ابن رشد فعطف الشيخ الاكبر قائلا: لا.
وعند العوام: "عندي كلمة أحب أقولها"
فتنبه لهذه اللطيفة.
وعندهم أن الكلام بحسن المقصد لا بعدد مبانيه، فإياك والنظر الى الغير فهو باب لسوء الكلام، إذ أن سريرة الغيرية تظهر على وجه الحديث بلا قصد. وإياك والكتم في مقام الإظهار فهو من الشرور العظيمة وهو بخل بلا مرية.
فصل (في مقابلة الهجر بالهجر)
أوقفتني وقالت: كل إعراض عنا فهو بنا، إذ لا يغلب العزيز، ولا يعصى مراغمة.
وصل لفصل (الإعراض وأسبابه وأحكامه وأعذاره)
لقد تقدم في حال العذل ما يلاقيه المستغرق فيه، وقد قلنا بأنه حق والأحق منه الصبر عليه، والحق فيه أنه لا يكون الا بإرادة المحبوب بإظهاره حق الإعراض فيقع على المحب حق التلوين في أحواله. والأحق منه – وهو "الحقيقة" – رفع التلوين بأن تستقيم في مقام الصبر.
والإعراض من المحبوب مكر، فإن قابلته بالحق فهذا عين ما أراد، وأن قابلته بالحقيقة فهو ما رضي لأهل الوداد، وكلاهما مقصوداته بالذات.
فإذا قلتَ: فما جزاء الإلحاد بالمحبوب وما أحكامه وما أعذاره
قلنا لك بإسهاب: جزاء الإلحاد: إنتفاء المحبوب في ظاهريتك، وإختفاءه من شريعة أمرك.
وأحكامه: إنطفاء عين الحكمة عن وجهك بعين الغم، وإبقاء عين الفعل لترى الهم.
وأعذاره: تسلط مكر المحبوب من غير ذم، ومعرفته لأحوال المحب منذ القَدم.
وفائدة جزاء الإلحاد، الإبقاء على ذات المحبوب في ذات المحب إذ أن القصد هو (الواحد) وهذا كما أسلفنا عين المراد.
وفائدة حكم الإلحاد، دوام النظر الى إرادة المحب، وهو ان حصل دون رؤية حكمته الا انه يظل هو فاعله.
والإلحاد عند العوام: "لا منك ابتدت الظروف لا بيكِ إنتهت الأماني المترفه"
ومظهر أحكامه عندهم: "وإن قلت لالا لالا هم وإستمره"
وأثر إبقاء ذات المحبوب في ذات المحب عند العوام:
"وعزة نفسي مابيه علي اسلم قلبي ليك تاني"
والإلحاد غيرة المحب من المحبوب، فالملحد محب للأصل التكويني، رافض لتدابير الشرع، وفي هذا كما اسلفنا وأعدنا حق.
فصل (في ديموقراطية المحبوب { وهو أصل } وتسلطه {وهذا فرع})
أوقفتني وقالت: قم... ولا تقم.
ويقول الحلاج: ما يفعل المرء والأقدار جارية عليه في كل حال ايها الرائي
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء
وصل (قم .. ولا تقم) وفيه أيضا (كن... ولا تكن)
ومقدمته عند العوام:
" أشيل خطواتي ماشه البيت، أغالط نفسي بي اصرار، أقول إمكن أنا الماجيت"
اعلم ايها العاشق رعاك الله بدقائق اللطف ورقائقه بأن الأصل في الحب التخيير، (فما أحب مكره قط)، وذلك لبعد القلب في سويدائه – والسويداء محل تنزل الغرام – عن الإكراه والخوف، ولأن القلب في سويدائه دار المحبوب، فالسويداء اذاً ملكة التخيير عند المحب.
فالأمر بالقيام من عندك، والنهي منك بغيرك، لأنك ترى ما يمنعك عن الإمتثال لنداء الذات من نواقص نفوس العباد. وعند العوام:
"ما بقدر اقول أنا ما داير اصرح إمكن قول إروح
إمكن قول إجرح أمكن شي يفوح والناس ما بتريح"
والأصل عند المحب البوح، والأصل في المحبوب الإستماع والاستلذاذ بالشرح، ومن الأحسان مقابلة الأصل بالأصل. وإنما يقوم هذا الأصل بأحد أمرين:
إما بالإنفراد ، وهذا يحدث دون تعيين لزمان أو نوع أو مكان.
وإما برَشَدِ العوام، وهو آت بلا محالة لأنه حكم ومقتضى الزمان.
فإذا انعدم رشد العوام وجب الكتمان في حال الجمع، وإظهار ما نصحناك به من قبل. لأن الإعراض عن القاصر في حال قصوره من الحكم العظام. وجفاء الراشد في حال رشده من الأخطار الجسام.
فلما رأى المحبوب تهيؤ المكان بالعدل والقسط قال (كن) فقال (قم). فاستأنس بعد وحشة، وبسط بعد قبضة، وآب بعد غيبة.
ولما رأى استيحاش المكان بجهل العوام قال (لا تكن) فقال (لا تقم). فاستوحش بعد انسة، وقبض بعد بسطة، وغاب بعد ايبة.
فكان الأول أصل وكان الثاني فرع.
وفي حال بسط الكلام عند العزلة يقول العوام:
"كنا داخل روضة مافيش حد سوانا"
وهذا استهلال بديع لشرح فضل مقام العزلة والانبساط فيها. وعن تمنيهم لحال العزلة عند غياب الرُشّد يقولون:
"حبيبي قلبي حاب، رحلة بين طيات السحاب، وحدنا.. أنت وانا.. يابختنا".
فصل (في غاية الجهد ومنتهى الصبابة)
أوقفتني وقالت: طلبتك ذاتي، والإمتناع جِّبِلتي، فاقنع بالطلب فهو منتهى الارب.
وفيه قد قلت: هذي جيوشك تندحر
فيعود حيث البدء آخر
وفي قول العوام: "حسابي معاك بقى كلو كسور"
وقولهم: " كلما قالوا وصلنا خرّ أولهم على قوس البداية"
وصل:
اعلم صبرك الله على قضائه بأن البلوغ، والمنتهى، والنهاية، والوصول، والإكتفاء، وكل مايشبه هذه المسميات لا حقيقة لها، من حيث معاني اللغة، يمكنك ان تقيس بها في حال الهوى. فليس الماضي بأصل ولا المستقبل كذا، بل السرمد هو طبيعة الأشياء، ومظهر السرمد عند أول التجلي هو اللحظة الحاضرة، وطرفيها باطل بلا شك عندنا.. وعند العوام:
"زاهدا في ما سيأتي، ناسيا ما قد مضى
أعطني الناي وغني وانسى داء ودواء
انما الناس حروف كتبت لكن بما"
فعليك بأن تعلم جوهر محبوبك، ثم ان تشمر ساعد الجد في طلبه طوال حياتك، لهذا فإن العاقل لا يتعلق بالبعض ولا يرى الاختلاف في الكل بل يرى اشتراك البعض والكل في السرمدية فيعلم توحد الحقائق والمعاني، ولهذا فان المحب الحق يرى المحبوب في كل شيء، فيحسن لكل شيء، ولهذا قد أكرم (قيس) الكلب.. " فتنبه".
فاذا قلت: كيف الصبر على الظالم ؟
قلنا لك: بأن تحسن اليه برده عن ظلمه، وأن تحسن للظلم برده الى اصله وهو العدل، وأصل العدل الإحسان في العدل، والإحسان من أعلاه علم ومن أدناه عمل.
فاذا سألت عن : خير الوسائل لبلوغ هذا!!
أجبناك: بأن تستقم أنت في مقام الهوى
فاذا قلت: وكيف ذا ؟
قلنا لك: بأن تعود طالبا كما كان اول العهد..
وأن تظل هكذا الى ما بعد الأبد.
الدلالت العميقة لكلام العوام والترهات
من خلال
الوقفات بين الطواسين والفتوحات
(من أول يناير، حاكون إنسان جديد’’’’ وإيييييه)
"شعبان عبدالرحيم"
(الحق أقول أنه لا يفهم كلامنا الا من بلغ القوس الثاني.. والقوس الثاني دون العرش)
"الطواسين" {للحلاج}
طالب العلم ليس يدرك ذاتي بدليل لكون ذاك محالا
فتراه يراني في كل عين و تراني ابديه حالا فحالا
فيرى نفسه وليس سوايا والهدى لايكون قط ضلالا
فاذا مايقول ربك ( فاعلم انني واحد) عليك احالا
"ابن عربي ـ الفتوحات ـ الباب الخامس والعشرون وأربعمائة في معرفة منازله من طلب العلم صرفت بصري عنه"
مفتتح الكتاب:
وعرفان مقامي عند حال العشق يقتضي من المُجِدِ المجتهد أن يُهلِكَ نفسه، وينْفق بين الرمقين.. والرمق الأول رمق الفضول،
والرمق الثاني رمق الحظ.
والحق أقول أنه لا يفهم قولنا الا من شهد بعين قلبه احوال المحبين وعذرهم. فهذا كلام وإن حملته "اللغى" الا أن معانيه طافحة عن حواف الأواني.
فصل (عن الوقوف في مقام العرفان الأول)
اوقفتني وقالت: منحة الإجابة تأتي عند قبض السؤال.
وصل (في شرح الوقوف في مقام العرفان الأول)
اعلم ايها العاشق بأنها عنت أنك إن رمت صيدا فعليك بالصبر وعند العوام: ان تكون "تقيل".
ووصال الصيد بالبعد عنه حتى يستأنس لك وعند العوام: "الدردقة".
وعندنا هو الصبر بالمجاهدة والسهر الطويل، وأقسام المجاهدة عدة أقول لك منها ما ينفعك في مقامك الحالي، فمنها البعد عن المجاهرة بالسر أي الا تكون بواحا، ومنها الوقوف على طلل النفس بعد هدم ذاتك في ذاتك، والفناء عن غيرية المحب أي التوحد في الاتجاه، وبذل الكلام في حينه وقبضه في كل حين، وهذا أصعبه، أي الاقتصاد في الابتعاد.
وأقسام المجاهدة مما لا ينفعك في مقامك عدة أمسكتها عنك لكي لا اشغلك بالفارغة.
فصل:
أوقفتني وقالت: أدب الإجابة أن تقابلها بالإمتنان.
وصل (في معرفة أدب الاجابة)
إعلم حماك الله ايها العاشق بأن وصل الاجابة يقتضي منك الامتنان بالامساك، وعند العوام: عدم "الكبكبة".
والامساك وان حصل ظاهرا الا انه ممتنع حقيقة لأن لسان الحال أبلغ "فتنبه" لأن ظهور الحال من الشهوة الخفية فوجب عليك تغطيتها بمقام الستر، ولمعرفة كيفية الستر وجب أن تعلم ماهية المستور، وحيل النفس لإظهاره.
وأول ما يظهر عليك من تغير الحال مجافاة الطعام ونبذ المنام والتوحش عن الانام وكثرة السهام، ومظهرها النحول والشرود، وسترها بإستيقاظ النفس عند كل هذه الآفات، ودرءها بالتصنع كحال "الملاماتي" إذ يبدي الشر ويخفي الاحسان.
فصل (عن الاسترسال بعد الوصال)
أوقفتني وقالت: شهوة المحبوب في الوصال تقتضي إظهار الحال.
وصل (في معرفة كيفية إظهار الحال للمحبوب)
وهو باب واسع يُدخل لأبواب عدة منها معرفة جوهر المحبوب والمحب، ومنها معرفة منازل تجليات المحبوب، ومها إصطلاحات مثل: السلب والوهب، والبسط والقبض، والرفع والنزول، والتعالي والخفض، والهجر، والسلوان، والجوى، والمحق، والعذل، والتغريب، والتقريب، والدنو، والظاهر والباطن، والحجاب، وأدب الوقت.
(وصل الوصل)
إعلم أصلحك الله ايها العاشق بأن المحبوب والمحب مسميان لجوهر واحد في منزلين، وللعوام في مثل هذا المعنى: "أصبحنا رغم البين روح واحدة في جسدين"
والمحبوب اعلى التجلي وأدناه المحب وما سواهما أغيار إقتضتها منازل الأخيار، وأطوارهم وتقلبهم في المجاهدة والاختبار.
وتجليات المحبوب إظهاره لمحبته في مقامات عدة، وعند العوام: "بعيونك تقول لي تعال وتعال
وبقليبك تقول لي لا مافي مجال".
والسلب والوهب من المحبوب يقابلان القبض والبسط من المحب..
ومن المحبوب الرفع والنزول وعند المحب التعالي والخفض..
والهجر والسلوان رسل المحبوب لـ (جوى) المحب..
والمحق التقاء شهوة المحبوب ببواعث الأمارة عند المحب..
والعذل هجر المحبوب ظاهرا – وسيأتي في حينه – مع ابقاءه لأسباب الوصل (وبعض العوام حين يستغرقهم العذل ويصابوا باليأس من الوصل يقولون: "تغور ان شاء الله في ستين"
والبعض يفهم فيصبر على الحال لأن دوامه من المحال فيقول: "تغلطوا انتو يالحبان ونجيكم نحن بالاعذار"، وكلاهما محق – وإن كان الصابر أحق. فإذا قلتَ: كيف يمتنع التعارض؟
فبمعرفة أسرار الباطن والظاهروأدب الوقت مما سيجيء تبيينه في حينه).
والتغريب لإنشغال المحب بالأغيار، والتقريب بنبذها، والدنو بنفيها..
والظاهر الإنشغال بشريعة العوام وهي حق لحفظ الإنتظام..
والباطن نظرك الى مقصد الأمر ودفعك بالإحسان الخطر..
(والظاهر عند العوام: "عشان أهلك بخليك".. والباطن عندهم: "رحلت وجيت في بعدك لقيت كل الأرض منفى".
والحجاب ستر الباطن بالظاهر وهو من المحبوب "عفة" ومن المحب "تعفف"..
(وعند العوام: " يا ليلى هووووي يا ليلى".
وادب الوقت بمعرفة حكمه والتصرف بمقتضاه، فلكل إصطلاح وقت يقتضى التصرف بموجبه، كأن تلتزم الشرع في وقت الظاهر وتلتزم القصد في وقت الباطن..
وعند العوام: " وحاجات تانيه حامياني".
(الوصل)
إعلم أيدك الله بنور الهامه ان المحبوب وان كره الافشاء ظاهرا الا انه قد رضاه باطنا، وأحب الهتك له منفردا، ومع هذا وجب عليك معرفة وقت هتك الستر وميقات انزاله، ولأجل هذا طلبنا لك نور الإلهام لكشف ضباب الاحوال.
وعن حال التذبذب والتبلبل هذه يقول العوام: " أنت عارف انا بحبك وبحلفبك ولا ماك عارف بالمره"
ويقول العارف ابن الفارض: "قلبي يحدثني بأنك متلفي
نفسي فداك، عرفت أم لم تعرف"
فصل (في تقييد الكلام بالاحسان)
أوقفتني وقالت: كل كلام يقصد به سواي.. كلام!
وصل (في معرفة حسن الكلام)
اعلم امدك الله بمدد معارفه أن وقت المحبوب الذي يبذله لك – مع طوله – فهو برهة تخرج عن الزمان، وعند العوام: "الغريبة الساعة جنبك تبدو أقصر من دقيقة"
ولهذا وجب عليك أن تنتهز الوقت بحسن الكلام، والا تضيعه في الثرثرة والإنبهام.
وكل كلام مفيد فهو جملة، والجملة ترتيب الكلمة بعد الكلمة باحكام، والكلمة وضع الحروف تلو الحروف بانتظام. والحرف حد ومطلع، ومطلع الحرف مطمحه للظهور، وحده إظهاره للمراد، وغايته في ذاته لا في الكلمات، ومبدأ الحرف النقطة وهي أصل الاكوان.
ولهذا يكتفي العارفون بكلمة.. ألم ترى أن ابن رشد قد سأل الشيخ الأكبر فقال: هل ؟
فأجابه عليه السلام بـ: بلى
فتبسم ابن رشد فعطف الشيخ الاكبر قائلا: لا.
وعند العوام: "عندي كلمة أحب أقولها"
فتنبه لهذه اللطيفة.
وعندهم أن الكلام بحسن المقصد لا بعدد مبانيه، فإياك والنظر الى الغير فهو باب لسوء الكلام، إذ أن سريرة الغيرية تظهر على وجه الحديث بلا قصد. وإياك والكتم في مقام الإظهار فهو من الشرور العظيمة وهو بخل بلا مرية.
فصل (في مقابلة الهجر بالهجر)
أوقفتني وقالت: كل إعراض عنا فهو بنا، إذ لا يغلب العزيز، ولا يعصى مراغمة.
وصل لفصل (الإعراض وأسبابه وأحكامه وأعذاره)
لقد تقدم في حال العذل ما يلاقيه المستغرق فيه، وقد قلنا بأنه حق والأحق منه الصبر عليه، والحق فيه أنه لا يكون الا بإرادة المحبوب بإظهاره حق الإعراض فيقع على المحب حق التلوين في أحواله. والأحق منه – وهو "الحقيقة" – رفع التلوين بأن تستقيم في مقام الصبر.
والإعراض من المحبوب مكر، فإن قابلته بالحق فهذا عين ما أراد، وأن قابلته بالحقيقة فهو ما رضي لأهل الوداد، وكلاهما مقصوداته بالذات.
فإذا قلتَ: فما جزاء الإلحاد بالمحبوب وما أحكامه وما أعذاره
قلنا لك بإسهاب: جزاء الإلحاد: إنتفاء المحبوب في ظاهريتك، وإختفاءه من شريعة أمرك.
وأحكامه: إنطفاء عين الحكمة عن وجهك بعين الغم، وإبقاء عين الفعل لترى الهم.
وأعذاره: تسلط مكر المحبوب من غير ذم، ومعرفته لأحوال المحب منذ القَدم.
وفائدة جزاء الإلحاد، الإبقاء على ذات المحبوب في ذات المحب إذ أن القصد هو (الواحد) وهذا كما أسلفنا عين المراد.
وفائدة حكم الإلحاد، دوام النظر الى إرادة المحب، وهو ان حصل دون رؤية حكمته الا انه يظل هو فاعله.
والإلحاد عند العوام: "لا منك ابتدت الظروف لا بيكِ إنتهت الأماني المترفه"
ومظهر أحكامه عندهم: "وإن قلت لالا لالا هم وإستمره"
وأثر إبقاء ذات المحبوب في ذات المحب عند العوام:
"وعزة نفسي مابيه علي اسلم قلبي ليك تاني"
والإلحاد غيرة المحب من المحبوب، فالملحد محب للأصل التكويني، رافض لتدابير الشرع، وفي هذا كما اسلفنا وأعدنا حق.
فصل (في ديموقراطية المحبوب { وهو أصل } وتسلطه {وهذا فرع})
أوقفتني وقالت: قم... ولا تقم.
ويقول الحلاج: ما يفعل المرء والأقدار جارية عليه في كل حال ايها الرائي
ألقاه في اليم مكتوفا وقال له: إياك إياك أن تبتل بالماء
وصل (قم .. ولا تقم) وفيه أيضا (كن... ولا تكن)
ومقدمته عند العوام:
" أشيل خطواتي ماشه البيت، أغالط نفسي بي اصرار، أقول إمكن أنا الماجيت"
اعلم ايها العاشق رعاك الله بدقائق اللطف ورقائقه بأن الأصل في الحب التخيير، (فما أحب مكره قط)، وذلك لبعد القلب في سويدائه – والسويداء محل تنزل الغرام – عن الإكراه والخوف، ولأن القلب في سويدائه دار المحبوب، فالسويداء اذاً ملكة التخيير عند المحب.
فالأمر بالقيام من عندك، والنهي منك بغيرك، لأنك ترى ما يمنعك عن الإمتثال لنداء الذات من نواقص نفوس العباد. وعند العوام:
"ما بقدر اقول أنا ما داير اصرح إمكن قول إروح
إمكن قول إجرح أمكن شي يفوح والناس ما بتريح"
والأصل عند المحب البوح، والأصل في المحبوب الإستماع والاستلذاذ بالشرح، ومن الأحسان مقابلة الأصل بالأصل. وإنما يقوم هذا الأصل بأحد أمرين:
إما بالإنفراد ، وهذا يحدث دون تعيين لزمان أو نوع أو مكان.
وإما برَشَدِ العوام، وهو آت بلا محالة لأنه حكم ومقتضى الزمان.
فإذا انعدم رشد العوام وجب الكتمان في حال الجمع، وإظهار ما نصحناك به من قبل. لأن الإعراض عن القاصر في حال قصوره من الحكم العظام. وجفاء الراشد في حال رشده من الأخطار الجسام.
فلما رأى المحبوب تهيؤ المكان بالعدل والقسط قال (كن) فقال (قم). فاستأنس بعد وحشة، وبسط بعد قبضة، وآب بعد غيبة.
ولما رأى استيحاش المكان بجهل العوام قال (لا تكن) فقال (لا تقم). فاستوحش بعد انسة، وقبض بعد بسطة، وغاب بعد ايبة.
فكان الأول أصل وكان الثاني فرع.
وفي حال بسط الكلام عند العزلة يقول العوام:
"كنا داخل روضة مافيش حد سوانا"
وهذا استهلال بديع لشرح فضل مقام العزلة والانبساط فيها. وعن تمنيهم لحال العزلة عند غياب الرُشّد يقولون:
"حبيبي قلبي حاب، رحلة بين طيات السحاب، وحدنا.. أنت وانا.. يابختنا".
فصل (في غاية الجهد ومنتهى الصبابة)
أوقفتني وقالت: طلبتك ذاتي، والإمتناع جِّبِلتي، فاقنع بالطلب فهو منتهى الارب.
وفيه قد قلت: هذي جيوشك تندحر
فيعود حيث البدء آخر
وفي قول العوام: "حسابي معاك بقى كلو كسور"
وقولهم: " كلما قالوا وصلنا خرّ أولهم على قوس البداية"
وصل:
اعلم صبرك الله على قضائه بأن البلوغ، والمنتهى، والنهاية، والوصول، والإكتفاء، وكل مايشبه هذه المسميات لا حقيقة لها، من حيث معاني اللغة، يمكنك ان تقيس بها في حال الهوى. فليس الماضي بأصل ولا المستقبل كذا، بل السرمد هو طبيعة الأشياء، ومظهر السرمد عند أول التجلي هو اللحظة الحاضرة، وطرفيها باطل بلا شك عندنا.. وعند العوام:
"زاهدا في ما سيأتي، ناسيا ما قد مضى
أعطني الناي وغني وانسى داء ودواء
انما الناس حروف كتبت لكن بما"
فعليك بأن تعلم جوهر محبوبك، ثم ان تشمر ساعد الجد في طلبه طوال حياتك، لهذا فإن العاقل لا يتعلق بالبعض ولا يرى الاختلاف في الكل بل يرى اشتراك البعض والكل في السرمدية فيعلم توحد الحقائق والمعاني، ولهذا فان المحب الحق يرى المحبوب في كل شيء، فيحسن لكل شيء، ولهذا قد أكرم (قيس) الكلب.. " فتنبه".
فاذا قلت: كيف الصبر على الظالم ؟
قلنا لك: بأن تحسن اليه برده عن ظلمه، وأن تحسن للظلم برده الى اصله وهو العدل، وأصل العدل الإحسان في العدل، والإحسان من أعلاه علم ومن أدناه عمل.
فاذا سألت عن : خير الوسائل لبلوغ هذا!!
أجبناك: بأن تستقم أنت في مقام الهوى
فاذا قلت: وكيف ذا ؟
قلنا لك: بأن تعود طالبا كما كان اول العهد..
وأن تظل هكذا الى ما بعد الأبد.
تعليق