الفحل .. أم الملك ؟!!!
يحضرني بكل تفاصيله .. ذاك المشهد ضارب الوهج .. و لم لا .. أحسه يشبه اللحظة .. نعم يشبهها تماما .. بل يجليها .. و يكشف غائبا فيها .. مالها سيدتي .. تنقلب على .. تكاد أظافرها تنال منى .. و في لحظة يكون لحنانها سيادة .. وأي سيادة .. وأية سطوة !! أيهما أصدق .. أخبرني امرؤ القيس .. كيف كنت .. وقتها ؟!! ما الذي شعرت به .. و ألقى بك فى مزيلة .. و فى لمحة .. لا تتكرر سيدي ؟!! فنالت منك إهانة .. أمام سيدة وقتك .. امرأتك .. أنت الملك .. المعشوق .. فلم كان تضاؤلك قاتلا .. لم ؟!! أسألك كيف ..أفلا تجيبني ..رأفة ورحمة بي .. و خروجا من مشهد مقيت .. على أفهم .. أدرك حقيقة الأمر .. فهل أكون على صواب .. إن أنا كنتك .. أم العكس أكون ؟!!
في خيمة .. كنت وهو .. و كانت سيدة الكلمة .. سيدتك .. رائعة .. تتثنى على كتفك .. و حين كنت تقارعه .. تحادثه .. و تشدو بكلمتك ..آهت ..نعم آهت كثيرا .."" آه يامليكى..كم أنت رائع !!".
و أنت تهش .. لها باسما .. و مكثرا من حديث .. هى تعرفه و تدريه .. أنت تدرى .. لم لم تنه الأمر .. عند هذا الحد .. كنت تعرف .. أنه فى هذه الشبيهة يغلبك .. و يصرعك .. فهل قررت ليلة .. كهذه لتبقر بطن بين حد الصدق و البهتان ؟!!
أم أنه الغشم .. يأكل صدرك .. و يحلق بك كمعجزة وثنية .. ؟!!
فللسوط ألهوب وللساق درة و للزجر منه وقع أخرج مهذب
علقمة :" هل انتهيت سيدي ؟!!".
امرؤ القيس :" أولا تعرف علقمة أنها إلى هنا لا تنتهي ؟!!".
علقمة و هو يقهقه :" توخيت أن تنتهي هنا .. لكنى متابع أيها
الملك !!".
تأكل لحمك ديدان كانت تتكاثر ، وترتجف برغمك ، و هو يحدقك باستئساد عجيب .. و أنت تتضاءل .. انه الأمر إذن .. ثقتك الليلة تتفلت منك .. الرجل ينتظر إجابتك .. هلا أنهيت الأمر إذن :" لا .. فالق بحبالك أيها الشاعر الجسور .. هاتها .. بنا شوق لسماعك .. و لترى سيدتي .. أينا أجاد !!".
و يشرخ علقمة سكون وصمت ليل المضارب
فأدركه حتى ثنى من عنانه يمر كغيث رائح متحلبِ
لم يفهم .. أوفهمت ؟!! لكنها تبدو مفعمة .. تتخاطفها غربان .. كانت أم سنونوات .. من مشاعر .. صادقة ربما أو كاذبة .. و أنسيت في لحظة .. أمر زوجها .. وسيد وقتها .. واندفعت بغرور .. وربما بثقة وانتشاء .. و غاية أرادتها :" علقمة أشعر منك أيها الملك !!!". وخبطت يدا بيد .. صاهلة.
طلقة .. طعنة خنجر ..احمرت أذناك .. و ارتعد قلبك تماما .. و بلعت ريقك .. كان جافا صلبا ..ورأسك تلف عوالمها .. مفاتنها .. غنجها .. فصاحتها .. تشظ فيها يلازمها.. و علقمة يحاصرك .. و يحاصرها .. أيهما صاحب الدار ..لم تعد تعرف .. أصبحت لا تدرى .. أيهما رب هذه .. تاهت كل الذواكر .. ما عاد شيء يهم :" وكيف .. كيف كان أشعر منى يا سيدة دارى و مواقيتي؟!!".
و بنفس الغرور .. و الرغبة ذاتها .. الواقعة بين الأمرين :" لأنك زجرت فرسك ، و حركته بساقك ، وضربته بسوطك .......".
هجت .. ملأت الدنيا صياحا .. و قمت من جلستك مرتعدا .. تنفث غضبا محترقا.. ماتحول لرماد بعد :" لا .. ليس كما قلت .. لا .. ليس كما قلت ".
و يضحك .. بله يقهقه علقمة .. ويتهالك شامتا .. و يدنو منك :" اهدأ أيها الملك .. اهدأ ..". وهو لا يتراجع عن ضحكه .. عن سخريته .. و نظرات خبيثة تلملم .. وتعرى سيدتك .
شاه لون وجهك سيدتي .. في لحظة .. و هرولت إليه .. تحاولين تسكين فورانه .. و إزالة غيوم متكاثرة :" ليس كما قلت .. فما هو من وجهة نظرك ..مليكى ..تكلم ..فقط اهدأ قليلا .. قليلا .. ".
و هي تربت على كتفك .. تقبله .. و تمسد شعرا ملكيا .. كان لها متاعا .. و أنت لا تنفك غاضبا .. و لا تسكن نقمتك :" ليس كما قلت .. لكنك هويته .. هويته يا امرأة !!!".
شوحت بيدها .. وأقعت أرضا .. و ربما ضحكت هي الأخرى :" لكنك الملك .. أنت سيدي .. ومليكى .. تاريخ لا يخطأ ".
و ينسحب علقمة بعظمة ملك .. و خطا فحل يتغنج .. و يغيب .. بينما يطلق صقور قهقهاته .. هاهي تفتك بك .. تدميك .. و تأسرك .. فتتخبط هنا و هناك فى رقعة الخيمة .. و هي أكثر منك عجبا .. و كيدا ربما :" له واحدة .. و لك يد مبسوطة .. وتاريخ .. و أنت تعرف صدقي .. و تتفهمه !!!".
و تهتف :" صدقك .. صدقك .. أحرقني .. وأهلكني حافر فحل ".
تنهار صاخبا .. صاخبا لأقصى حد .. حتى تنهك تماما .. فتقلع نفسك .. تخطو مغادرا ..وبآخر كلماتك تفيض عليها:" أنت حرة سيدتي .. من الساعة لا حاجة لي فيك ".
فهل رأيت .. ثم رأيت آية تبدت لك ..أم أنه الوهم .. و كيدها ؟!!
انتقاما منك ..أم رغبة كانت تسوقها .. وبذكاء منك لمحتها .. ؟!!
استرخت حبيبتي ضاحكة .. و ألم ينحت جبهتها .. يلقى بظلاله في عينيها :" فأهداها طواعية للفحل ..متناسيا أي شيء ..أي رباط جمعهما معا .. كيف ؟!!".
لم أعد أعرف .. تاهت قناعتي تماما .. أكاد أنشطر .. أصبح أكثر من شخص :" ربما كان خداعا..حديثا حامضا..لا يعنى شيئا .. !".
همهمت و هي تجذب حقيبتها .. ترفعها على كتفها .. تدنو منه هامسة :" وعاطفة تأسست بينهما .. لا نصيب لها.. كيف ذلك ؟!!".
انفلت غضبى :" لم تمنعها من بطش به أمام غريمه ".
استدارت .. تراجعت عن طريق اتجهت إليها :" ليكن .. و أنا اخترت الفحل مثلها.. نعم مثلها أنا !!".
هنا انسحق كياني .. ارتعدت يداى .. و طقطق رأسي بصوت عال .. كأن شيئا ينكسر .. يتمزق .. صدري يعلو ولا يهبط .. يعلو .. ووجهي كتلة .. كتلة دامية .. ووجدتني أقبض على رقبتها .. بقبضتين كمخالب حدأة .. و هي تصرخ :" يا مجنون .. أنا أحبك .. يا مجنون .. لست بلهاء .. افهم .. لست بلهاء !!".
يداى ترتعشان .. تضغطان على رقبة .. كم قبلتها .. أحطتها بحناني .. بعنف أتثاقل .. حدقت في عينيها ..كأني لا أرى ..عميت تماما .. وهي تشرق و تغرب .. صوتها يشهق .. يختفي .. أرتعد .. أذوب حنينا .. أصرخ بلا حذر .. أصرخ .. ألملمها بين ذراعي .. أصرخ :" لا .. لا .. كيف أفعل .. كيف ..بل أموت أنا .. أنا لا أنت ".
لحظات قاتلة .. المكان يدور بي .. صرخات تدوي في أذني .. صفير يزلزلني ..و أنا أتطوح .. بل أدور كمروحة .. معلقة بالسقف .. أداعب باكيا وجهها ..ردى على..أجيبيني .. أسمعيني صوتك .. أحبك .. مجنون بك أنا .. نعم أنا مجنون .. أنا .. لا الفحل .. انهرت أرضا ..وجهها بين راحتىّ .. أهزها بعنف .. كلميني .. حدثيني .. سوف أنهى الأمر الآن .. الآن .. و لمن أعيش أنا .. لمن ؟!!
أتاني همسها ضعيفا كرفيف :" أرأيت الفرق يا أبله .. كيف تصورت أنى أقايضك .. ولو بملك من السماء ؟!!".
بابتسامة باهتة .. حدق في محدثي .. هم واقفا .. وهو يطوح رأسه .. ثم لم يتمالك نفسه .. وإذا بدموع تملأ وجهه .. بارتياب يغادرنى .. و كطائر بطريق عجوز مضى ، و أنا في حيرة من أمري .. الأمر لم يكن كذلك .. نعم .. و إلا ما معنى دموعه ؟!! .. لم يكن كذلك نعم.. لم يكن !!
تعليق