قصة تأليف : سعاد عثمان علي
كان ذلك قبل ثلاثين عاماً تقريباً... حين كانت مدينة الطائف تُعد مصيفاً للمقبيلن عليها... عندما تُذكر مدينة الطائف آنذاك؛ ترتسم تلقائياً في مخيلة السامع فروع الكروم المحملة بعناقيد العنب والتي هي بلون الكهرمان بأشكاله الثلاث: الأبيض المستدير بأحجام مختلفة، والأصفر المائل للإحمرار، والعنبي الأسود أو الأحمر... الطبيعة بكر.. والنفوس مازالت تحمل الطيبة والبراءة.. كانت حياة الطائف كأنها بيت كبير، يسكنه أهلها: مزيج من البادية والحضر... جميعهم متحابين...
لم يكن ( بالتلفزيون) وقتئذ إلا قناة واحدة.. خالية من ألوان الحياة.. ولا تبث إلا القرآن والأخباروبرامج الأطفال، ثم بعض الأفلام التاريخية، فلم يدخل في أذهانهم الغزو الفكري، ولم يلقنوا بعد الوان الرذيلة.
المراهقات لاتتعدى أحلامهن حدود النجاح في المدرسة، وفساتين العيد الموعودات بها؛ لأنها الأغلى... وحب الأهل هو كنز القلوب... المراهقات لايعرفن شيء إسمه العشق، تمر بهن أحاسيس فيسولوجية لايعرفن لها مسميات. لورأت المراهقة صورة رجل يقبل فتاة ترتعش وتخجل، وتخاف من أبيها لأنه لو رآها لمزق جسدها جلداً بالعقال - وهو صوف مجدول يضعه الرجال على رؤوسهم بدل العمامة - وهنا تحتار... لو مزقت الصورة سوف تخسرها ولا يمكنها أن تريها لصديقاتها، فهي شيء مثير، ولو خبأتها فقد تفقد ثقة أهلها..وهنا تختار تمزيقها...
كان في الطائف آنذاك خبز حار هنيء.. ونفوس طاهرة.. و كان هناك ما يسمي بيت السيد عثمان، البيت الكبير بالقصر، لبنائه على الطرازالتركي. وشرفاته التي تطل لعناق لحظات الفجر…والشروق…والغروب…
عذراء ثلجية البشرة، تهيم بالبراري تعشق الطبيعة ولا تعرف حضن غيرها، تحب الماء والخضرة، ولاتبحث عن وجه حسن لأن الدنيا كانت في عينيها كل الحسن... كانت أوقات العصاري جلّ أمنياتها، تترقب متى ينتهوا هي وأختيها هناء وآلاء ووالديها من وجبة الغداء، فيذهب والداها لغرفة النوم.. وتفتح هي باب القصر الذي يسكنونه في البستان... وتتسلل لترمي بجسمها الرقيق في أحضان السنابل. لها عشق مع الورد الجوري السنابل. تركض بقدمين حافيتين على جذور السنابل ..وتخلع الشبشب الذي سريعاً ماتقطعه الأغصان فيكون عقابها موجع من أمها :
-هل يجب أن نشتري لك شبشباً جديداً كل أسبوع؟
ولاتفكر بأن كعبيها الوردييين قد يجرحن بفعل الجذور والأشواك بين السنابل... كان يعجبها التخفي بين سيقان السنابل، فهي منذ أن كانت في السابعة من عمرها وحتى الان في الثالثة عشر من عمرها لم تترك أحتضان سيقان السنابل ..إلا عندما ترعد السماء فتخيفها ويغرقها المطر... تفرد شعرها البني وتطير صوب الريح ، فيتشابك شعرها بالسنابل المحملة، وتتشابك.. فتضحك وتقبل السنابل وتمدغ الحبات الخضراء المرتوية وتقسم فيما بعد لأختيها بأن لون شعر السنابل عندما يجف يشبه أطراف شعرها... فلايجبنها...
ينتابها شعور عاطفي لا تعرف ماهو فتختلط ضحكتها بالدموع ولاتعر ف تفسيراً لذلك.. نهتها أمها عشرات المرات عن الإختباء بين سيقان السنابل؛ لأنها تعج بالثعابين؛ لكنها لا تبالي، فحينما ترى البستان أمامها تنسى كل الأخطار...
وحينما تشرف الشمس على المغيب؛ وكانها ترسل لها رسالة وتقول :ستغرق الظمة المكان... كانت تعود.. تركض وفاء الى مقسم جدول المياه المبني من الرخام مثل الصندوق ومفتوح من أسفل يستقبل الماء الدافيء المتدفق من البئر... وتجلس متشبثة بالرخام... تقاوم اندفاع الماء... وتغتسل من رأسها وكل شعرها الطويل حتى قدميها الصغيرين؛الى أن يزول الطين والإخضرار من على الفستان.. وتطلق نفسها لصخب الهواء حتى تجف من عبثها... كي لا توسعها الأم ضرباً.. ولم تكن تعلم بأن ذلك هو السبب في نزلات البرد وإحتقان اللوزتين لديها على الدوام.. وهنا يمرالماء على البستان فيحمل في مجراه بعض حبات الرمان وثمرات الخوخ والتفاح والمشمش وبعض وردات الجوري، فتلتقطها وتملأ بها طرف الفستان، وتلملمه لأعلى خاصرتها... ثم تعود إلى المنزل محملة بأشكال الفواكه المختلفة...
كان السيد عثمان يسعد لرؤية إبنته هكذا... وتشتعل الأم غيظاً من غيابها، والخوف عليها من البدو والمزارعين، فهي في عمر الزهور المتفتحة، فيعيد عليها السيد عثمان:
- هؤلاء البدو شرفاء يخافون على الشرف أكثر من نور عيونهم..
ويستطرد:
-أنا تعمدت شراء هذا البستان والبيت الكبير لكي أشعركم بكل المتعة.
حارس البستان عم عمر يسعد بأن السيد عثمان يسمح لابنته بدرية بملاعبة ومصاحبة بناته، وجميع أهل الحي القريبين من البستان يسعدون لزيارة أسرة العم عثمان، كانوا يحبون الماء والخضرةوالفواكه الطازجة.
أما الفتيات فيسعدن بالسباحة في الحوض الكبير أمام الديوان ألمخصص للضيوف وإقامة الحفلات...
همست بدرية لوفاء وعينيها دامعة :
-سوف يزوجني أبي!
وفاء تشعر بالذعر وتتبسم.. وتقول:
-كيف…ليش…ياسلام…ياخسارة..
تلعثمت الكلمات في أفواه العذارى: وفاء المتعلمة ... و بدرية التي لم تعرف طريقها إلى النور... لكن كلتاهما لا تفقهن معنى الزواج،
إنتفضت وفاء وتقوقعت وقالت: هل تعرفين الرجل؟
لطمت بدرية قائلة:
- لا أعرف حتى اسمه.
وتبكي...
قالت وفاء :
- لماذا تبكين؟
- لو كنتِ العروس أما كنت تبكين؟
وقفت بدرية على الشرفة والغروب يصبغ البستان باللون الذهبي، بينما هناك غيمة من بعيد تنذر بقدوم أمطار ليلية ...
شردت وفاء..
- تُرى ماذا يكون في العرس؟ ماهو عالم العرس أو عالم الرجل؟ انا أحب أخواني لكني لا أعرفهم جيداً، فهم يدرسون بالخارج ..وأبي وأمي كأنهما اخوة لنا…لكن ماهو السر الذي يجعل آنسات أكبر مني يتمنين الزواج ويخبئن صور العناق والقبل؟ ..تُرى لماذا يجب أن تتزوج الفتاة؟ صحيح أن الفتاة تبتهج لفستان الفرح الكبير وتسعد أكثر لأنها ستفك أسر جديلتيها...بل ويمكنها أن تضع أحمر الشفاه..وتمتلك انواع من العطر.. .بل ويمكنها أن ترتدي الحذاء ذو الكعب العالي..أيضا وستكون لها غرفة نوم خاصة ولا تنام بجانب أختها...
لكن هناك أسراروهناك صراخ عند الولادة وكيف يحدث ذلك؟
هناك أسرار مفزعة في الزواج لانعرفها!
أفاقت وفاء على يدِ بدرية تهزها..وتقول:
- أتتركيني في حيرة وتتفرجين على البستان؟
وظلت الاثنتان صامتتين، ترتعشان، وتتمنيان لو أنهن يجدن عروس تزوجت من أشهر لتوضح لهن ماخفي عنهن من أسرار...
أمسكت زوجة البستاني بإبنتها ولم تعد تسمح لها بالخروج، وزوجة عثمان تبرعت بشراء الفساتين وبعض مكياج وعطور للعروس...
الليل يمضي طويلاً على وفاء ...
-تُرى كيف كنت سأتصرف لو كنت أنا العروس؟
أحيانا تعتريها رعشة الخوف، ولكن من ماذا؟ لا تدري لكنها تسمع بأن العروس تخاف من ليلة الدخلة...
وهنا يصيبها بكاء لاتدري هل هي مشاعر الحب الغريزية أم هو خجل عذراء... خجل من ماذا؟ إلهي لا أحد يُفهمها ما تريد معرفته...
*_في ليلة الزفاف أمرتهن أمهن ان لا تأتين الا عندما ترسل لهن الخادمـــة وقت الزفة لرؤية بدرية وهي عروس...
أوصال وفاء ترتعش مع ذلك سالت أمها:
- مامعنى ليلة الدخلة ؟
باغتتها الأم بصفعة أغرقتها بفيض الدموع:
- هذا كلام للكبار فقط...
وهكذا ازدادت حيرتها......
- ماذا يحدث ياترى؟
الزحام يخنق الأنفاس - بالرغم من أن الزفاف في ديوان البستان الكبير- تسير بدرية بفستان جميل وكبير ومنتفش..تبدو جميلة وهي عروس..تسير مغمضة العينين كعادات العروس في الزمن الماضي... أُم وفاء تمنعهن من الإقتراب..شكل العريس جميل ومتبسم بينما عينا بدرية تدمعان..
يحاول الإمساك بيدها... يحملها ويضعها على صدره... بل قلبه ..هي تخجل وتشد يدها لإسفل... عيون العذارى تتابع الحركات بوجوه محمرة.. والأمهات تتغامزن..
أوشك الحفل على الرحيل...
أخذت زوجة عثمان بناتها ورجعت القصر...
هرولت وفاء إلى شرفة غرفتها المطلة على الديوان، أطفات النور، فتحت النافذة..أول مرة تنتبه بأن المسافة بعيدة ولا يمكنها سماع شيء، لكنها لمحت خيال العروسين من خلف زجاج النافذة.. شعرت بشيء من الأمل لإرواء فضولها أو تلهفها لمعرفة مالم تعرفه... نعم لقد رأت خيالاً واضحاً.. يحاول العريس أن يقبلها... تدس العروس وجهها بين يديها... يفك يديها ويختطف قبلة... تبتعد بدرية... ويقترب العريس يحاول أن يقتلع الطرحة والتاج من رأسها... وتمنعه بدرية.. ينجح في ذلك ..ويُقبل ليحتضن بدرية فتنزلق من بين يديه كزجاجة مبللة بالماء... تهرول بدرية... وتهرول النجمات ... يمتطي العريس صهوة شبقه وصولاً إلى المحال... لا محال.. يلحق بها ..صرخات ..أم ضحكات... تتهاوى العروس... ويهوي على الأرض ...تتعانق الأنفاس... والأجساد تحاول أن تتفلت... يسبقها ويطفيء النور..... يا إلهي لم تعد ترى شيئاً...
يدا وفاء تتجمدان على سجن النافذة، تكاد تهوى على الأرض:
- ترى ماذا بعد؟ بدرية إبتلعها الفستان.. التل إبتلعتها زندي الرجل، إبتلعتها ضبابات الفجر... وبقايا الليل.. وفاء تحدث نفسها : لم أعد أسمع ولا أرى شيئاً.. ظل سؤال يلح عليها ويوجع قلبها ...
- ترى ماذا بعد ؟ أريد أن أعرف قبل أن يفاجأني أبي بزواج ...
وهكذا ظل السؤال على الشفة العذراء، غارقاً في القلب الذي لا يقبل إلا أن يخفق بهلع وحيرة الأمس واليوم وغداً..
تهرب الصرخات في جوف الليل ويبتلعها حفيف الشجر وأزيز البئر:
- يالهي لم يزعنجني صوت البئر ونقيق الضفادع مثل هذه الليلة ...
تشاركها هبات نسيمية ربيعية باردة... يقشعر بدنها ... بل ينتفض من رؤية شبح العروسين.. وأصواتهما التي إحتضنتها أنفاس الفجر اللاهثة...
كان ذلك قبل ثلاثين عاماً تقريباً... حين كانت مدينة الطائف تُعد مصيفاً للمقبيلن عليها... عندما تُذكر مدينة الطائف آنذاك؛ ترتسم تلقائياً في مخيلة السامع فروع الكروم المحملة بعناقيد العنب والتي هي بلون الكهرمان بأشكاله الثلاث: الأبيض المستدير بأحجام مختلفة، والأصفر المائل للإحمرار، والعنبي الأسود أو الأحمر... الطبيعة بكر.. والنفوس مازالت تحمل الطيبة والبراءة.. كانت حياة الطائف كأنها بيت كبير، يسكنه أهلها: مزيج من البادية والحضر... جميعهم متحابين...
لم يكن ( بالتلفزيون) وقتئذ إلا قناة واحدة.. خالية من ألوان الحياة.. ولا تبث إلا القرآن والأخباروبرامج الأطفال، ثم بعض الأفلام التاريخية، فلم يدخل في أذهانهم الغزو الفكري، ولم يلقنوا بعد الوان الرذيلة.
المراهقات لاتتعدى أحلامهن حدود النجاح في المدرسة، وفساتين العيد الموعودات بها؛ لأنها الأغلى... وحب الأهل هو كنز القلوب... المراهقات لايعرفن شيء إسمه العشق، تمر بهن أحاسيس فيسولوجية لايعرفن لها مسميات. لورأت المراهقة صورة رجل يقبل فتاة ترتعش وتخجل، وتخاف من أبيها لأنه لو رآها لمزق جسدها جلداً بالعقال - وهو صوف مجدول يضعه الرجال على رؤوسهم بدل العمامة - وهنا تحتار... لو مزقت الصورة سوف تخسرها ولا يمكنها أن تريها لصديقاتها، فهي شيء مثير، ولو خبأتها فقد تفقد ثقة أهلها..وهنا تختار تمزيقها...
كان في الطائف آنذاك خبز حار هنيء.. ونفوس طاهرة.. و كان هناك ما يسمي بيت السيد عثمان، البيت الكبير بالقصر، لبنائه على الطرازالتركي. وشرفاته التي تطل لعناق لحظات الفجر…والشروق…والغروب…
عذراء ثلجية البشرة، تهيم بالبراري تعشق الطبيعة ولا تعرف حضن غيرها، تحب الماء والخضرة، ولاتبحث عن وجه حسن لأن الدنيا كانت في عينيها كل الحسن... كانت أوقات العصاري جلّ أمنياتها، تترقب متى ينتهوا هي وأختيها هناء وآلاء ووالديها من وجبة الغداء، فيذهب والداها لغرفة النوم.. وتفتح هي باب القصر الذي يسكنونه في البستان... وتتسلل لترمي بجسمها الرقيق في أحضان السنابل. لها عشق مع الورد الجوري السنابل. تركض بقدمين حافيتين على جذور السنابل ..وتخلع الشبشب الذي سريعاً ماتقطعه الأغصان فيكون عقابها موجع من أمها :
-هل يجب أن نشتري لك شبشباً جديداً كل أسبوع؟
ولاتفكر بأن كعبيها الوردييين قد يجرحن بفعل الجذور والأشواك بين السنابل... كان يعجبها التخفي بين سيقان السنابل، فهي منذ أن كانت في السابعة من عمرها وحتى الان في الثالثة عشر من عمرها لم تترك أحتضان سيقان السنابل ..إلا عندما ترعد السماء فتخيفها ويغرقها المطر... تفرد شعرها البني وتطير صوب الريح ، فيتشابك شعرها بالسنابل المحملة، وتتشابك.. فتضحك وتقبل السنابل وتمدغ الحبات الخضراء المرتوية وتقسم فيما بعد لأختيها بأن لون شعر السنابل عندما يجف يشبه أطراف شعرها... فلايجبنها...
ينتابها شعور عاطفي لا تعرف ماهو فتختلط ضحكتها بالدموع ولاتعر ف تفسيراً لذلك.. نهتها أمها عشرات المرات عن الإختباء بين سيقان السنابل؛ لأنها تعج بالثعابين؛ لكنها لا تبالي، فحينما ترى البستان أمامها تنسى كل الأخطار...
وحينما تشرف الشمس على المغيب؛ وكانها ترسل لها رسالة وتقول :ستغرق الظمة المكان... كانت تعود.. تركض وفاء الى مقسم جدول المياه المبني من الرخام مثل الصندوق ومفتوح من أسفل يستقبل الماء الدافيء المتدفق من البئر... وتجلس متشبثة بالرخام... تقاوم اندفاع الماء... وتغتسل من رأسها وكل شعرها الطويل حتى قدميها الصغيرين؛الى أن يزول الطين والإخضرار من على الفستان.. وتطلق نفسها لصخب الهواء حتى تجف من عبثها... كي لا توسعها الأم ضرباً.. ولم تكن تعلم بأن ذلك هو السبب في نزلات البرد وإحتقان اللوزتين لديها على الدوام.. وهنا يمرالماء على البستان فيحمل في مجراه بعض حبات الرمان وثمرات الخوخ والتفاح والمشمش وبعض وردات الجوري، فتلتقطها وتملأ بها طرف الفستان، وتلملمه لأعلى خاصرتها... ثم تعود إلى المنزل محملة بأشكال الفواكه المختلفة...
كان السيد عثمان يسعد لرؤية إبنته هكذا... وتشتعل الأم غيظاً من غيابها، والخوف عليها من البدو والمزارعين، فهي في عمر الزهور المتفتحة، فيعيد عليها السيد عثمان:
- هؤلاء البدو شرفاء يخافون على الشرف أكثر من نور عيونهم..
ويستطرد:
-أنا تعمدت شراء هذا البستان والبيت الكبير لكي أشعركم بكل المتعة.
حارس البستان عم عمر يسعد بأن السيد عثمان يسمح لابنته بدرية بملاعبة ومصاحبة بناته، وجميع أهل الحي القريبين من البستان يسعدون لزيارة أسرة العم عثمان، كانوا يحبون الماء والخضرةوالفواكه الطازجة.
أما الفتيات فيسعدن بالسباحة في الحوض الكبير أمام الديوان ألمخصص للضيوف وإقامة الحفلات...
همست بدرية لوفاء وعينيها دامعة :
-سوف يزوجني أبي!
وفاء تشعر بالذعر وتتبسم.. وتقول:
-كيف…ليش…ياسلام…ياخسارة..
تلعثمت الكلمات في أفواه العذارى: وفاء المتعلمة ... و بدرية التي لم تعرف طريقها إلى النور... لكن كلتاهما لا تفقهن معنى الزواج،
إنتفضت وفاء وتقوقعت وقالت: هل تعرفين الرجل؟
لطمت بدرية قائلة:
- لا أعرف حتى اسمه.
وتبكي...
قالت وفاء :
- لماذا تبكين؟
- لو كنتِ العروس أما كنت تبكين؟
وقفت بدرية على الشرفة والغروب يصبغ البستان باللون الذهبي، بينما هناك غيمة من بعيد تنذر بقدوم أمطار ليلية ...
شردت وفاء..
- تُرى ماذا يكون في العرس؟ ماهو عالم العرس أو عالم الرجل؟ انا أحب أخواني لكني لا أعرفهم جيداً، فهم يدرسون بالخارج ..وأبي وأمي كأنهما اخوة لنا…لكن ماهو السر الذي يجعل آنسات أكبر مني يتمنين الزواج ويخبئن صور العناق والقبل؟ ..تُرى لماذا يجب أن تتزوج الفتاة؟ صحيح أن الفتاة تبتهج لفستان الفرح الكبير وتسعد أكثر لأنها ستفك أسر جديلتيها...بل ويمكنها أن تضع أحمر الشفاه..وتمتلك انواع من العطر.. .بل ويمكنها أن ترتدي الحذاء ذو الكعب العالي..أيضا وستكون لها غرفة نوم خاصة ولا تنام بجانب أختها...
لكن هناك أسراروهناك صراخ عند الولادة وكيف يحدث ذلك؟
هناك أسرار مفزعة في الزواج لانعرفها!
أفاقت وفاء على يدِ بدرية تهزها..وتقول:
- أتتركيني في حيرة وتتفرجين على البستان؟
وظلت الاثنتان صامتتين، ترتعشان، وتتمنيان لو أنهن يجدن عروس تزوجت من أشهر لتوضح لهن ماخفي عنهن من أسرار...
أمسكت زوجة البستاني بإبنتها ولم تعد تسمح لها بالخروج، وزوجة عثمان تبرعت بشراء الفساتين وبعض مكياج وعطور للعروس...
الليل يمضي طويلاً على وفاء ...
-تُرى كيف كنت سأتصرف لو كنت أنا العروس؟
أحيانا تعتريها رعشة الخوف، ولكن من ماذا؟ لا تدري لكنها تسمع بأن العروس تخاف من ليلة الدخلة...
وهنا يصيبها بكاء لاتدري هل هي مشاعر الحب الغريزية أم هو خجل عذراء... خجل من ماذا؟ إلهي لا أحد يُفهمها ما تريد معرفته...
*_في ليلة الزفاف أمرتهن أمهن ان لا تأتين الا عندما ترسل لهن الخادمـــة وقت الزفة لرؤية بدرية وهي عروس...
أوصال وفاء ترتعش مع ذلك سالت أمها:
- مامعنى ليلة الدخلة ؟
باغتتها الأم بصفعة أغرقتها بفيض الدموع:
- هذا كلام للكبار فقط...
وهكذا ازدادت حيرتها......
- ماذا يحدث ياترى؟
الزحام يخنق الأنفاس - بالرغم من أن الزفاف في ديوان البستان الكبير- تسير بدرية بفستان جميل وكبير ومنتفش..تبدو جميلة وهي عروس..تسير مغمضة العينين كعادات العروس في الزمن الماضي... أُم وفاء تمنعهن من الإقتراب..شكل العريس جميل ومتبسم بينما عينا بدرية تدمعان..
يحاول الإمساك بيدها... يحملها ويضعها على صدره... بل قلبه ..هي تخجل وتشد يدها لإسفل... عيون العذارى تتابع الحركات بوجوه محمرة.. والأمهات تتغامزن..
أوشك الحفل على الرحيل...
أخذت زوجة عثمان بناتها ورجعت القصر...
هرولت وفاء إلى شرفة غرفتها المطلة على الديوان، أطفات النور، فتحت النافذة..أول مرة تنتبه بأن المسافة بعيدة ولا يمكنها سماع شيء، لكنها لمحت خيال العروسين من خلف زجاج النافذة.. شعرت بشيء من الأمل لإرواء فضولها أو تلهفها لمعرفة مالم تعرفه... نعم لقد رأت خيالاً واضحاً.. يحاول العريس أن يقبلها... تدس العروس وجهها بين يديها... يفك يديها ويختطف قبلة... تبتعد بدرية... ويقترب العريس يحاول أن يقتلع الطرحة والتاج من رأسها... وتمنعه بدرية.. ينجح في ذلك ..ويُقبل ليحتضن بدرية فتنزلق من بين يديه كزجاجة مبللة بالماء... تهرول بدرية... وتهرول النجمات ... يمتطي العريس صهوة شبقه وصولاً إلى المحال... لا محال.. يلحق بها ..صرخات ..أم ضحكات... تتهاوى العروس... ويهوي على الأرض ...تتعانق الأنفاس... والأجساد تحاول أن تتفلت... يسبقها ويطفيء النور..... يا إلهي لم تعد ترى شيئاً...
يدا وفاء تتجمدان على سجن النافذة، تكاد تهوى على الأرض:
- ترى ماذا بعد؟ بدرية إبتلعها الفستان.. التل إبتلعتها زندي الرجل، إبتلعتها ضبابات الفجر... وبقايا الليل.. وفاء تحدث نفسها : لم أعد أسمع ولا أرى شيئاً.. ظل سؤال يلح عليها ويوجع قلبها ...
- ترى ماذا بعد ؟ أريد أن أعرف قبل أن يفاجأني أبي بزواج ...
وهكذا ظل السؤال على الشفة العذراء، غارقاً في القلب الذي لا يقبل إلا أن يخفق بهلع وحيرة الأمس واليوم وغداً..
تهرب الصرخات في جوف الليل ويبتلعها حفيف الشجر وأزيز البئر:
- يالهي لم يزعنجني صوت البئر ونقيق الضفادع مثل هذه الليلة ...
تشاركها هبات نسيمية ربيعية باردة... يقشعر بدنها ... بل ينتفض من رؤية شبح العروسين.. وأصواتهما التي إحتضنتها أنفاس الفجر اللاهثة...
تعليق