[align=center]المنافقــون الجــدد[/align]
[align=right]ورد بالتوراة وصف لنبي آخر الزمان، محمد (صلى الله عليه وسلم)، واعتقد اليهود لحاجة في أنفسهم أن ذلك النبي إنما يكون منهم. ولأنهم كانوا يعلمون أن ذاك النبي إنما يأتي ليفرق بين الحق والباطل، وأنه مأمور بمحاربة من يعادي دين الله فقد كانوا يقولون للعرب إنه حين يظهر ذلك النبي فسيتبعونه، ويذبحون العربَ عَبَدَةَ الأوثان ذبح النعاج.
ومرت الأيام والسنون ولم يخرج نبي آخر الزمان من بني إسرائيل، وإنما خرج من بين العرب، يتحدث بحديثهم، ويتزَيَّا بزيهم، ويتخلق بجميل أخلاقهم. ثقافته ثقافتهم، ونسبه نسبهم. فهو باختصار واحد منهم، من بني جلدتهم. ومن هنا كان من الطبيعي أن يتحول من كانوا عرضة للسخرية والتهديد إلى مهدديهم بالذبح ليقولوا لهم "الآن نذبحكم أنتم ذبح النعاج، فنبي آخر الزمان منا وليس منكم، لسانه لساننا، وحاله حالنا، ولونه لوننا". وإن لم يذبحوهم فربما خطر لبعضهم أنه ما دام محمد (صلى الله عليه وسلم) عربياً فإن العرب على اختلافهم خير من العجم على اختلافهم. وربما كان في حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ما يشير إلى ذلك. فليس على ظهر الأرض من هو خير من المختار (صلى الله عليه وسلم)، ومن هنا فإن من ينتسب إليه من أهل و عشيرة أو قبيلة أو أمة إنما هم أخيار لخيريته، هادون مهتدون لهدايته، يعلون بأنفسهم ويتعالون على غيرهم لعلو مكانته ورفيع قدره. ولكن الهادي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن ضعيف البصر أو أعمى البصيرة، أو هزيل الفكر والقول والتفكير. فهو يتكلم بنور الله، ويسير بهدي الله، ويعلم بتقدير الله الذي لا ينظر إلى الصور والأشكال، وإنما إلى القلوب التي في الصدور. فقدر الله أن يكون هناك العربي والعجمي، والأسود والأبيض، والغني والفقير، وصاحب الحسب والنسب ووضيع الأهل والولد. وكل ذلك لحكمة هو يعلمها. وما كان نبيه المرسل ليخرج عن هذا السبيل الذي قدره الله له قبل خلق الخلق.
ومن هنا خرج محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) الذي كان ابناً لامرأة تأكل القديد بمكة، على قومه وبني جلدته؛ ولسان حاله يقول لهم دعوا عنكم وساوس الشياطين تلك، وانزلوا من أبراجكم العاجية إن خطر لكم أنكم أفضل من غيركم. ففي حجة الوداع اجتمع حول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) قومه وأتباعه من العرب والعجم، ومن كل شكل ولون وحجم ولسان، فخطب فيهم بكلمات تخرق القلوب، ويشيب لهولها الولدان، لأنها كلمات تصدم ضمائر المتعالين، وتهز أسس الكِبر في قلوب المتكبرين، فقال: "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلّغت؟ قالوا: بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم."
أرسى المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بهذه الكلمات دستوراً لا يقول بخلافه إلا منافق (والمنافقون في الدرك الأسفل من النار) أو متكبر (ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) أو جاهل لا يلتفت لكلامه (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) أو كافر بما نزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) وهؤلاء خالدون في جهنم وبئس القرار.
وبهذا قضى الرسول (صلى الله عليه وسلم) على آفة إن تمكنت من قوم نخرت عظامهم، وقطَّعَت نسيج اجتماعهم، وأودت بهم إلى الهاوية.
وهذا الدستور مهد له حامل الدعوة النقية البهية بأعمال لا يصمد لها إلا أولو العزم. فقد دخل النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة فكان من أول ما فعله أن أصلح بين الأوس والخزرج، وآخى بين المهاجرين والأنصار. عرب أخوة لعرب، مهاجرون تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم وأنصار منحوهم ديارهم وأموالهم وأهليهم. لم يتأفف واحد منهم من الآخر، ولم يخطر ببال واحد منهم أن يعصي أمر رسول الله بعد أن آمن به وصدق برسالته من ربه.
وبعد ما يزيد عن أربعة عشر قرناً، كان من المفترض أن قضاها المسلمون في تهذيب نفوسهم، وترويضها على ما يحبه الله ويرضاه، وسنَّهُ لهم نبيُه ومصطفاه، نجد بين ظهرانينا منافقين جددا، تلبَّس الكبر بأرواحهم، وتشربت قلوبهم احتقار إخوانهم وإن علوا عليهم علماً وتقىً. وهؤلاء المنافقون الجدد يتحدثون حديث العرب ويوالون أعداء العرب والإسلام، ويتلون كتاب الله فلا تجاوز تلاوته حناجرهم، ويرفعون الأذان عادة وشهرة، ويصلون في المساجد ولا يعمروها وتلتف صلاتهم كالخرقة لتضرب وجوههم بعد أدائها وتقول لكل واحد منهم "ضيعك الله كما ضيعتني"، ويتمسحون في سنة رسول الله وحديثه ويكذبونه بأفعالهم وسيرتهم، ويأمرون بالمعروف وينأون عنه، وينهون عن المنكر ويتجرؤون عليه. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة. لا ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم. يقلبون الباطل حقاً والحق باطلا. شعارهم مصلحتي ومن بعدي الطوفان.
قول الفصل فيهم أنهم يعبدون أنفسهم. اتخذوا إلههم هواهم، وصرخ لسان حالهم "أنا ربكم الأعلى".
لا يقبلون من الرأي إلا ما صادف هواهم، ومن الاجتهاد إلا ما نهج نهجهم. جعلوا العلم حكراً عليهم، فغيرهم إما جاهل أو متفلسف أو سفيه. وهم في غياهبهم لا يدركون أنهم مغيَّبون، تائهون، ضالون، مضلِّون. لا تخرج أفكارهم من رؤوسهم أو اعتقاداتهم، وإنما يسيرون سير من يحركونهم كالدمى طواعية وبالمجان. وهم فوق هذا غير مدركين أنهم كذلك. ولم يعقلوا أن استقلال الفكر ينبع من سلوك سبيل العلم، وأن العلم الحق هو الفقه في الدين. فالمصطفى صلى الله عليه وسلك يقول "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين". ولأنهم مسيرون تابعون لجزرة أسيادهم تراهم -دون دعوة- يعتقدون أن الفقه في الدين مناقض للعلوم الأخرى، والبراعة فيها، فيقفزون ليمسكوا بتلابيب غيرهم، ليدقوا أعناقهم إن بدا منهم فقه غير فقههم، وفهم غير فهمهم، وإدراك غير إدراكهم. وإن لم يستطعوا ذلك كالوا عليهم التهم والافتراءات ليسجلوا نقاطاً وهمية، واهدافاً افتراضية. فبئست الوسيلة وبئست الغاية.
وهم مع هذا يطلون برؤوسهم لينظروا هل هناك مترصد لهم. ولو فقهوا لأدركوا أنهم لا يُؤبَه بهم. ولعلموا أنهم موصوفون في كتاب الله عز وجل؛ ليفضح بواطنهم وقد فضحوا ظواهرهم. يقول الله تبارك وتعالى "يحسبون كل صيحة عليهم". ويعلم المؤمن سخيمة أنفسهم، فيحذرهم لأنهم العدو، امتثالاً لأمر الله "هم العدو فاحذرهم". ولكنه لا يخشاهم إذ أن المؤمن عزيز؛ تنبع عزته من منح الله عز وجل له العزة بعد أن أثبتها الله لنفسه ولرسوله. ولجهالة المنافقين واغترارهم بأنفسهم فهم لا يعلمون، ولا يشعرون.
قول الفصل فيهم أنهم يعبدون أنفسهم. اتخذوا إلههم هواهم، وصرخ لسان حالهم "أنا ربكم الأعلى".
وللحديث بقية لنعلم غير هذا من صفاتهم الدالة عليهم التي أوجزها الله عز وجل في كتابه، وأوردها المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه.[/align]
[align=right]ورد بالتوراة وصف لنبي آخر الزمان، محمد (صلى الله عليه وسلم)، واعتقد اليهود لحاجة في أنفسهم أن ذلك النبي إنما يكون منهم. ولأنهم كانوا يعلمون أن ذاك النبي إنما يأتي ليفرق بين الحق والباطل، وأنه مأمور بمحاربة من يعادي دين الله فقد كانوا يقولون للعرب إنه حين يظهر ذلك النبي فسيتبعونه، ويذبحون العربَ عَبَدَةَ الأوثان ذبح النعاج.
ومرت الأيام والسنون ولم يخرج نبي آخر الزمان من بني إسرائيل، وإنما خرج من بين العرب، يتحدث بحديثهم، ويتزَيَّا بزيهم، ويتخلق بجميل أخلاقهم. ثقافته ثقافتهم، ونسبه نسبهم. فهو باختصار واحد منهم، من بني جلدتهم. ومن هنا كان من الطبيعي أن يتحول من كانوا عرضة للسخرية والتهديد إلى مهدديهم بالذبح ليقولوا لهم "الآن نذبحكم أنتم ذبح النعاج، فنبي آخر الزمان منا وليس منكم، لسانه لساننا، وحاله حالنا، ولونه لوننا". وإن لم يذبحوهم فربما خطر لبعضهم أنه ما دام محمد (صلى الله عليه وسلم) عربياً فإن العرب على اختلافهم خير من العجم على اختلافهم. وربما كان في حديث المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ما يشير إلى ذلك. فليس على ظهر الأرض من هو خير من المختار (صلى الله عليه وسلم)، ومن هنا فإن من ينتسب إليه من أهل و عشيرة أو قبيلة أو أمة إنما هم أخيار لخيريته، هادون مهتدون لهدايته، يعلون بأنفسهم ويتعالون على غيرهم لعلو مكانته ورفيع قدره. ولكن الهادي (صلى الله عليه وسلم) لم يكن ضعيف البصر أو أعمى البصيرة، أو هزيل الفكر والقول والتفكير. فهو يتكلم بنور الله، ويسير بهدي الله، ويعلم بتقدير الله الذي لا ينظر إلى الصور والأشكال، وإنما إلى القلوب التي في الصدور. فقدر الله أن يكون هناك العربي والعجمي، والأسود والأبيض، والغني والفقير، وصاحب الحسب والنسب ووضيع الأهل والولد. وكل ذلك لحكمة هو يعلمها. وما كان نبيه المرسل ليخرج عن هذا السبيل الذي قدره الله له قبل خلق الخلق.
ومن هنا خرج محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) الذي كان ابناً لامرأة تأكل القديد بمكة، على قومه وبني جلدته؛ ولسان حاله يقول لهم دعوا عنكم وساوس الشياطين تلك، وانزلوا من أبراجكم العاجية إن خطر لكم أنكم أفضل من غيركم. ففي حجة الوداع اجتمع حول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) قومه وأتباعه من العرب والعجم، ومن كل شكل ولون وحجم ولسان، فخطب فيهم بكلمات تخرق القلوب، ويشيب لهولها الولدان، لأنها كلمات تصدم ضمائر المتعالين، وتهز أسس الكِبر في قلوب المتكبرين، فقال: "يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى، أبلّغت؟ قالوا: بلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم."
أرسى المصطفى (صلى الله عليه وسلم) بهذه الكلمات دستوراً لا يقول بخلافه إلا منافق (والمنافقون في الدرك الأسفل من النار) أو متكبر (ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر) أو جاهل لا يلتفت لكلامه (قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) أو كافر بما نزل على محمد (صلى الله عليه وسلم) وهؤلاء خالدون في جهنم وبئس القرار.
وبهذا قضى الرسول (صلى الله عليه وسلم) على آفة إن تمكنت من قوم نخرت عظامهم، وقطَّعَت نسيج اجتماعهم، وأودت بهم إلى الهاوية.
وهذا الدستور مهد له حامل الدعوة النقية البهية بأعمال لا يصمد لها إلا أولو العزم. فقد دخل النبي (صلى الله عليه وسلم) المدينة فكان من أول ما فعله أن أصلح بين الأوس والخزرج، وآخى بين المهاجرين والأنصار. عرب أخوة لعرب، مهاجرون تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم وأنصار منحوهم ديارهم وأموالهم وأهليهم. لم يتأفف واحد منهم من الآخر، ولم يخطر ببال واحد منهم أن يعصي أمر رسول الله بعد أن آمن به وصدق برسالته من ربه.
وبعد ما يزيد عن أربعة عشر قرناً، كان من المفترض أن قضاها المسلمون في تهذيب نفوسهم، وترويضها على ما يحبه الله ويرضاه، وسنَّهُ لهم نبيُه ومصطفاه، نجد بين ظهرانينا منافقين جددا، تلبَّس الكبر بأرواحهم، وتشربت قلوبهم احتقار إخوانهم وإن علوا عليهم علماً وتقىً. وهؤلاء المنافقون الجدد يتحدثون حديث العرب ويوالون أعداء العرب والإسلام، ويتلون كتاب الله فلا تجاوز تلاوته حناجرهم، ويرفعون الأذان عادة وشهرة، ويصلون في المساجد ولا يعمروها وتلتف صلاتهم كالخرقة لتضرب وجوههم بعد أدائها وتقول لكل واحد منهم "ضيعك الله كما ضيعتني"، ويتمسحون في سنة رسول الله وحديثه ويكذبونه بأفعالهم وسيرتهم، ويأمرون بالمعروف وينأون عنه، وينهون عن المنكر ويتجرؤون عليه. يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة. لا ينطبق عليهم ما ينطبق على غيرهم. يقلبون الباطل حقاً والحق باطلا. شعارهم مصلحتي ومن بعدي الطوفان.
قول الفصل فيهم أنهم يعبدون أنفسهم. اتخذوا إلههم هواهم، وصرخ لسان حالهم "أنا ربكم الأعلى".
لا يقبلون من الرأي إلا ما صادف هواهم، ومن الاجتهاد إلا ما نهج نهجهم. جعلوا العلم حكراً عليهم، فغيرهم إما جاهل أو متفلسف أو سفيه. وهم في غياهبهم لا يدركون أنهم مغيَّبون، تائهون، ضالون، مضلِّون. لا تخرج أفكارهم من رؤوسهم أو اعتقاداتهم، وإنما يسيرون سير من يحركونهم كالدمى طواعية وبالمجان. وهم فوق هذا غير مدركين أنهم كذلك. ولم يعقلوا أن استقلال الفكر ينبع من سلوك سبيل العلم، وأن العلم الحق هو الفقه في الدين. فالمصطفى صلى الله عليه وسلك يقول "من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين". ولأنهم مسيرون تابعون لجزرة أسيادهم تراهم -دون دعوة- يعتقدون أن الفقه في الدين مناقض للعلوم الأخرى، والبراعة فيها، فيقفزون ليمسكوا بتلابيب غيرهم، ليدقوا أعناقهم إن بدا منهم فقه غير فقههم، وفهم غير فهمهم، وإدراك غير إدراكهم. وإن لم يستطعوا ذلك كالوا عليهم التهم والافتراءات ليسجلوا نقاطاً وهمية، واهدافاً افتراضية. فبئست الوسيلة وبئست الغاية.
وهم مع هذا يطلون برؤوسهم لينظروا هل هناك مترصد لهم. ولو فقهوا لأدركوا أنهم لا يُؤبَه بهم. ولعلموا أنهم موصوفون في كتاب الله عز وجل؛ ليفضح بواطنهم وقد فضحوا ظواهرهم. يقول الله تبارك وتعالى "يحسبون كل صيحة عليهم". ويعلم المؤمن سخيمة أنفسهم، فيحذرهم لأنهم العدو، امتثالاً لأمر الله "هم العدو فاحذرهم". ولكنه لا يخشاهم إذ أن المؤمن عزيز؛ تنبع عزته من منح الله عز وجل له العزة بعد أن أثبتها الله لنفسه ولرسوله. ولجهالة المنافقين واغترارهم بأنفسهم فهم لا يعلمون، ولا يشعرون.
قول الفصل فيهم أنهم يعبدون أنفسهم. اتخذوا إلههم هواهم، وصرخ لسان حالهم "أنا ربكم الأعلى".
وللحديث بقية لنعلم غير هذا من صفاتهم الدالة عليهم التي أوجزها الله عز وجل في كتابه، وأوردها المصطفى صلى الله عليه وسلم في حديثه.[/align]
تعليق