مبدأ المفاصلة مع الظالمين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    مبدأ المفاصلة مع الظالمين


    مبدأ المفاصلة مع الظالمين



    ما بالنا نقرأ السيرة العطرة للحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم قراءة لا تستجيب لمتطلبات العصر, و لا تفي بالمقصود، فما أحوجنا إلى مطالعة التوجيهات الربانية حسب ورودها الزمني ؛ لندرك ترابط الأسباب بالمسببات علنا نكتشف الجديد الذي نرغب في استثماره تشريعيا لإبراز خصوصية السيرة العطرة, وكيفية الاقتداء.

    ومن خلال تتبع التوجيهات الربانية حسب نزول القرآن نلم بشيء مهم جدا، و هو وضع اليد على مبدأ المفاصلة مع الظالمين.

    إن من يوطن نفسه على مشروع تغييري إن لم يتخذ من المفاصلة مع الظالمين مبدأ لا رجعة فيه -وعلىأن تكون المفاصلة مفاصلة شعورية- ينقلب مشروعه لا محالة تصالحا مع الواقع في ظرف من الظروف, عند كبوة أخلاقية، أو خطأ تكتيكي.وبعبارة العصر تستوعب الحكومة معارضتها, بل تستوعبها وتدخلها بيوت الطاعة, وتقنن حركاتها بالجرعة التي تريد.

    ]وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ[القلم:9


    مع سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم :

    إن مبدأ المفاصلة مع الظالمين حث عليه القرآن حثا, بحيث لم تنفك التوجيهات منذ أولى الآيات التي نزلت وحتى آخر آيات التنزيل -وبالعبارة الصريحة الواضحة التي لا تحتاج إلى برهان ولا دليل لاستخلاص المدلول-.وهكذا فتارة يصف القرآن الظالمين بأفعالهم , وتارة يصمهم بصفاتهم, ولا تنفك التوجيهات من الإلحاح على عدم الطاعة والانفصال عنهم، بينما يحث القرآن حثا على الصبر مع المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه .

    وأصل علماء الشريعة عقيدة الولاء والبراء، والتي هي جزء من هذا الكل.وفيما يلي سرد لعدد من النصوص تثبت ذلك :

    1--عدم طاعة المكذبين :

    ]كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ[العلق:19.
    ]فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ[ [القلم : 8]

    2-المفاصلة مع المكذبين بالهجر الجميل :
    ]وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً[ المزمل 10


    3-عدم مخاطبة الله في شأن المكذبين أولي النعمة :
    ]وذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً[المزمل:11

    4-تعريف المكذب بالدين :
    ]أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ[الماعون:-3-1

    5-المفاصلة التامة مع الكافرين :
    ]قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ[الكافرون:1- 5

    6-معاتبة الله لرسوله صلى الله عليه وسلم على التصدي لمن استغنى بعد الأمر بالمفاصلة مع المكذبين.
    ]عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى أَوْ يَذَّكرفَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى وَهُوَ يَخْشَى فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَة[عبس:11-1

    7- أمره عز وجل بالتولي عن المكذبين وتذكيره بسنن الأمم السابقة مع رسلها :
    ]وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنَ الْأَنْبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيْءٍ نُكُر[ القمر4-6

    8-رفع التحدي في وجه قريش :
    ]قُلْ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِي فَلَا تُنظِرُونِي(195)إِنَّ وَلِيِّي اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ(196)وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ(197) [الأعراف 195-197

    9-أمره جل وعلا الأخذ بالعرف والأمر بالمعروف والإعراض عن الجاهلين :
    ]خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ(199)وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200) [ الأعراف 199- 200]

    10--المفاصلة سمتا وسلوكا بالحث على عدم الكينونة من الغافلين
    ] وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ(204)وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ(205) [ الأعراف 204-205

    11 - وعيد قريش بعد سنين :
    ]فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ(203)أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ(204)أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ(205)ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ(206)مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ(207)وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ(208)ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ(209) [ الشعراء 203-209

    12-إنذار قريش وبخاصة العشيرة الأقربين والتبرؤ من العصاة :
    ]وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ(214)وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ(215)فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ(216)وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ(217)الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ(218)وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ(219)إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ[الشعرا : 214-219

    13-تنبيه سيدنا محمدr بعدم الاهتمام بالكفار, سواء حزنا عليهم ,أو خشية مكرهم بعد التوكل على الله :
    ]وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ(70)وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ72[النمل :70-72

    14-وعد الله جل جلاله للمستضعفين :
    ]وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ(5)

    وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6) [القصص : 5-6

    15- تثبيته جل جلاله لرسوله الكريمr وإخباره بسنة الاستفزاز : وتأتي هذه الآيات تهييئا لنفسية الهجرة, واستعدادا لها, وتحمل في طياتها بشرى الفتح :

    {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا(73)وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا(74)إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا(75)وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنْ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا(76)سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا}[ الإسراء : 73-77

    استنتاج :

    ولا داعي للاسترسال إلى النهاية ؛ فقد بان الأمر، واتضح أن مبدأ المفاصلة مع الظالمين مبدأ أساس، ودعامة من دعائم الدين.
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 06-11-2009, 16:55.
    http://www.mhammed-jabri.net/
  • محمد جابري
    أديب وكاتب
    • 30-10-2008
    • 1915

    #2
    أحبائي الأكاريم:

    تسعى بعد الحركات الإسلامية، دخول اللعبة الديمقراطية في أنطمة الحاكم بأمره، وطبعا من يرتضي التعامل مع الحركات الإسلامية يقنن حركاتها تقنين قنوات الماء في الدار، ليفتح جريانه بالقدر الذي يريد ومتى يريد وليخرجه أيضا متى شاء.
    ألا تعد هذه المغامرة خطأ استراتيجيا في التعامل مع الحكام والمقال يبين ويؤصل مبدأ المفاصلة مع الظالمين، والكينونة مع القائمين لله، دون الخوف من لومة لائم.؟

    السكوت على هفوات الظالمين، سكوت شيطان أخرس، ومن أراد القومة لله، فلا بد له من استقلال الشخصية، والاقتداء بمن قاموا لله بالقسط.

    فالفقه القديم يتهددنا ويتوعدنا عن الخروج على الظالمين حتى نبقى أداة طيعة في يده، والسنن الإلهية تعلمنا {إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة : 150]

    لقد وعد الله تمام النعمة لمن لم يخش الظالمين أيا كانوا. فهل نجرؤ على قول الحق من غير خشية لومة لائم؟ أم يشدنا فقه موروث للخنوع والذلة على عتبة الحكام؟

    أنتظر مشاركتكم.
    التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 06-11-2009, 16:12.
    http://www.mhammed-jabri.net/

    تعليق

    • د. رشيد كهوس
      أديب وكاتب
      • 09-09-2009
      • 376

      #3
      [align=justify]
      الأستاذ الناقد محمد جابري: لقد أشرت إلى موضوع مهم؛ وهو سنة الله في الظالمين ومن آوى إليهم من العامة والخاصة؛ يقول الله سبحانه وتعالى في سنته في الذين يرتمنون في أحضان الظلمة: (وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) (هود:113) ..
      لقد سار المسلمون على قانون السماء حقبة من الزمن فدانت لهم الدنيا، وقبضوا على ناصية الخير!! ثم تركوا سبيل ربهم واتبعوا السبل وأهملوا دينهم الذي ارتضاه لهم وركنوا إلى الذين ظلموا وأفتوا لهم على غير هدى من الله وخاضوا معهم وبرروا لهم جرائهم؛ فآل أمرهم إلى ما نرى من فساد شامل، واضطراب في كل ناحية من نواحي المجتمع الإسلامي...
      [/align]
      sigpic

      تعليق

      • د. رشيد كهوس
        أديب وكاتب
        • 09-09-2009
        • 376

        #4
        [align=justify]
        إن شعار أبناء الدنيا وديدان القراء : "دع ما لا يعنيك"؛ أي دع الظالمين وسلاطين السوء يعبثون بأمر الأمة الذي أمر الله أن يكون شورى بيننا وأمر سلاطين سوء أن يكون وراثة وقهرا، دعهم ينهبون خيرات الأمة، ويعيثون فيها فسادا، دعهم يولون وجوههم شطر الأعداء، ويضحون بالغالي والنفيس في سبيلهم، دعهم يفقرون الأمة ويجوعونها ويجهلونها، دعهم يقهرون الدعاة المخلصين ويقمعونهم ويسجنونهم... دعهم... كل هذا مما " لا يعنينا" تقولا على الله وافتراء عليه، وافتياتا على صاحب الشريعة الغراء عليه الصلاة والسلام.
        فالواجب حسب رأي علماء البلاط علماء السوء: الاهتمام بأمور العقيدة والعبادة والعلم، وترك الشأن العام، فلا فائدة من إقامة مجتمع الإسلام ودولته من جديد، ما دام الإسلام في إدبار والكفر في إقبال،ولا فائدة من ولوج أبواب الجهاد كلها بل الاكتفاء بجهاد العلم والنفس والشيطان... وتقديم البيعة لسلاطين السوء... ما دام الشر هو السائد...
        وهذا تصور مبتور، يفسد أكثر مما يصلح، ويهدم أكثر مما يبني، مغالطات كبيرة جاهلة بحقائق الإسلام... متناسين أن الإسلام عقيدة وشريعة، ظاهر وباطن، دعوة ودولة، مادة وروح، منهاج حياة...ومتناسين الغاية التي من أجلها خلق الله الناس وبعث لتحقيقها الرسل؛ قال الحق جل وعلا:{لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}([1]).الميزان مغالبة الكفر والظلم والطغيان، لا يكون بالدعوات الصالحات، ولا يكون بالشكوى البائسة اليائسة المسكينة، بل يكون بالحديد، هذا البأس اليوم هو في يد الاستكبار العالمي، ترعاه الصهيونية العالمية، والقارونية الكافرة.. هؤلاء أتقنوا صناعة الحديد واستعملوا بأسه ضدنا؛ من يصنع السيارات والطائرات والسفائن والأسلحة المتطورة الجوية والبرية والبحرية؟ الكل في يد الملأ المستكبر، أما أمة الإسلام فأصابها الخمول والكسل والدعس، تكتفي باستيراد ما يصنعه لها أعداؤها، دون أن تدرك قيمة الحديد...
        ولذلك فإن تلك الآية الكريمة تضعنا أمام تلك الغاية السامية، هذه الغاية تشير إليها لام التعليل: {ليقوم}؛ فقيام الناس بالقسط هو الهدف الجماعي من الجهاد في سبيل الله، هذا الجهاد الذي حرض عليه رسل الله عليهم السلام وبعثوا به إلينا ؛ فربوا ونظموا وجندوا جند الله وقاموا في وجه الكفر والطغيان، والظلم والفساد حتى انتصر أمر الله.. وهذا هو المطلوب في حاضر الإسلام ومستقبله؛ هو أن يقوم الناس صفا مرصوصا لله رب العالمين وذلك بالتعبئة اللازمة حتى يتحقق العدل في الأرض وينتصر الحق وينتشر نور الإسلام في العالمين.
        ذلك أن أسمى مطمح وأسمى مَهَمة للمؤمن في الحياة؛ أن يقوم بوظيفة الرسل برسالة التبليغ رسالة الإسلام والمجاهدة من أجل انتصار الإسلام ورفع رايته وإشاعة العدل في الأرض، ودحض الباطل ونقض صروحه.
        فلو شاء الله لنصر دينه، لكن من سنن الله في الدعوات إلى الإسلام أن ينصر دينه رجال مؤمنون، ومن سنته أن يقوم الناس بالقسط، أن يكون البشر هم الذي يحملون الدعوة إلى الناس، أن ينهض المؤمنون لكي يبطلوا الباطل ويحقوا الحق، كما جرت سنة الله في أن يكون عقاب الكافرين بأيدينا، على عكس الأمم السابقة، التي عذبها الله منها من أغرق ومنها من سلط عليها مطرا ومنها ما سلط عليها ريحا، ومنها من خسف به... أما في العهد المحمدي فإن تعذيب الكافرين يكون على أيدي المؤمنين، ولذلك جاء ذكر الحديد وبأس الحديد في الآية السابقة بين واجب قيام الناس وبين ليعلم الله من ينصر الله.
        ولذلك فإن محاولة إبطال ناموس الله الكوني هروب ونكوص عن الجهاد، لذلك ما قبل سيدنا رسول الله r شفاعة خباب t، وإنما أنكر شفاعته وعزاها إلى الخوف، نورد تلك القصة لنتدبر ما حوته من المعاني الكثيرة والفوائد العزيزة عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ tقَالَ: «شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ rوَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا؟ قَالَp:كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَi» ([2]). ها هو سيدنا رسول r يورد على خباب من قبيل الاعتراض والإنكار لسان من كان قبلنا..
        إن إنكاره r على خباب tواحمرار وجهه الشريف لدليل على أن أي عذر في هذا الصدد لا يقبل، لكن هناك حالات يخفف فيها على المسلمين إن كانوا قلة في العدد والنصير، أما اليوم فعدد المسلمين يتجاوز المليار والنصف، فلا عذر لهم ولا رخصة أمامهم..
        ولنا في صحابة سيدنا رسول الله r أسوة حسنة، فقد أعطوا المثال في اقتحام العقبة إلى الله U، فنفعل ما فعلوا على كل المستويات، في العبادات والمعاملات وفي الفريضة الكبرى فريضة الجهاد.
        كان هناك تكامل بين السلوك الفردي في اقتحام العقبة إلى الله U، وبين السلوك الجماعي في القيام لله بالقسط، ولم يكن هناك تنافر.
        العقبة إلى الله لا تقتحم في زاوية الانعزال فتلك رخصة لأقوام مضوا، لكن من ينشد مستقبل الإسلام وبناء صرح العمران لابد أن يمر عبر المشاق المحسوسة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والتعليمية... والجهر بكلمة الحق، والصبر على أذى الطغاة المتجبرين الظالمين، هذا هو المنهاج النبوي الذي يقوم عليه صرح الإسلام من جديد..
        [/align]


        ([1])سورة الحديد: 25.

        ([2])صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، ح3612.
        sigpic

        تعليق

        • محمد جابري
          أديب وكاتب
          • 30-10-2008
          • 1915

          #5
          الأستاذ د. رشيد كهوس؛

          يقول الحق سبحانه وتعالى {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَبَقُواْ إِنَّهُمْ لاَ يُعْجِزُونَ} [الأنفال : 59]
          بالأمس القريب نفضت إيران ذل الاستضعاف عن نفسها فها هي اليوم ترفع الرأس عاليا في وجه المستكبرين، ويحسبون لها الف حساب.
          لنتق الله ونسلك سبيل اليقين ولينصرن الله من ينصره. إن حياة الخزي كتبها الله على الذين يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.
          أما من قام لله قومة صدق يعلي كلمة الله لتكون هي العليا فهو منصور ولا ريب.
          والموضوع حث على المفاصلة شبه الكلية مع الظالمين لإبعاد سيبلا الاحتواء، واختراق الصف.
          ولا يتمكن من ذلك المؤمنون إلا بالتربية العنيدة، والاستماتة على الخط.
          التعديل الأخير تم بواسطة محمد جابري; الساعة 15-11-2009, 19:51.
          http://www.mhammed-jabri.net/

          تعليق

          • د. م. عبد الحميد مظهر
            ملّاح
            • 11-10-2008
            • 2318

            #6
            [align=right]
            الأستاذ الفاضل محمد جابرى

            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

            مقالتك نشرت يوم 1 نوفمبر2009

            ما هى الرسالة التى أردت توصيلها من خلال مقالتك؟

            هل تعتقد ان رسالتك وصلت؟

            و تحياتى

            [/align]

            تعليق

            يعمل...
            X