قصة قصيرة توابيت حجر العسل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عماد يوسف محمد
    عضو الملتقى
    • 29-10-2009
    • 13

    قصة قصيرة توابيت حجر العسل

    قصة قصيرة
    توابيت حجر العسل


    ظلمة حالكة في الليل تكتنف هذه القرية الواقعة في أحضان حجر العسل ... فلا نور مصباح كهربائي يضيء لك موطئ قدم ولا ضوء قمر ينير لك طريقاً تتحسسه بأعينك ومن ثم تتبعه بخطوات وعلي الفكي لايدري إلى أين تسوقه خطواته ..
    وقف مصلوباً علي رمل الشارع واقفاً كالموت علي جسد المحتضر منتظرا طيف حافلة او سيارة صغيرة تقله إلى الخرطوم .
    يتطلع تجاه وميض نور ظهر في الأفق البعيد لعلها حافلة او لوري .. لا يهم.. لان الأهم أن يجد وسيلة يهاجر بها من حجر العسل إلى الخرطوم.
    وقد هاجر حينما كانت الهجرة تعني الانتقال من بلد صغيرة إلى العاصمة الخرطوم ، هاجر وفى دواخله أحلاما متشابكة غيومية لم تكن هنالك دوافع لهجرته او طموحً يدفعه اليها ولكنه التمرد علي الحياة التي كان يعيشها والرتابة التي يشكو منها دوماً ..سئم الجلوس كل ليلة مع اقرانه في لعب الديومنة وطقطقة الطاولة بمحاذاة دكان بله ود شايقي .سئم مزاح وضحكات الشلة وسف السعوط وتخميسه السجائر مع الشلة ..
    وعندما وصل إلى العاصمة بدت الحياة إليه في صخب شديد وضوضاء وأصوات لم يعتادها ، تمتزج أصوات الباعة المتجولين مع هدير محركات السيارات مع صفارات الإنذار لسيارات الشرطة ..الكل يركض الكل يهرول البعض يركض خلف حافلة لعله يحظي بمقعد وأخر يهرول تجاه بائع الخبز عله يجد قوت أولاده وأخر يركض خلف فتاة شفافة الملابس كاشفة لصدرها ، دعوة فاضحة لممارسة الرذيلة ..
    لم يرد أن يسكن مع احد أقربائه ، فلا يريد أن يكبل نفسه بقيود مرة أخري ، فسكن مع عزاب أناس تربطه بهم صداقات قديمة وسبقوه في المجيء للعاصمة .. وما لبث أن انغمس في بحور الهلس واللهو وارتياد نوادي الموسيقي والحفلات ولعب النرد والقمار والتي صارت مصدر رزقه ..
    ولجأ إلى تزوير شهادات البحث ومستندات تملك الاراضى ومن ثم بدأ يسمسر بنفسه في الاراضى ونمت أمواله في سنوات قليلة جداً واتجه إلى تجارة السكر والاسمنت واحتكار الأسعار والتحكم بتوجهات السوق ، وصار يملك بيتاً فاخراً في حي دبلوماسي بدلا من تلك الغرفة النتنة بمسكن العزاب ..

    لم يتوقف جشعه إلى هذا الحد بل خطرت له فكرة لم تخطر علي بال احد من قبل إنها تجارة الأعضاء البشرية مجرد وساطة هكذا ببساطة، إنها لا تعدو أن تكون سمسرة ولكن بطريقة تقدمية تقنية..
    انشأ مجموعة سرية من الموظفين هم شلة العزاب الذين كانوا معه من قبل وموقعاً الكترونياً يديرونه ويعرضون فيه إعلانات لمتبرعين بكلية لمن يعاني فشلا كلوياً ، وتجرى المفاوضات وأكثرهم خليجيين ... ويبحث فريق العمل عن متبرعين من أبناء حجر العسل ومن تطحنهم أضراس الفقر ويصل سعر الكلية 20 مليون جنيه .. ولكن الملياردير علي الفكي يقبض أضعاف ذلك من المشترى..كل ذلك ويشترط أولا السرية التامة للبائع والمشتري واهما إياهم بأنها عملية إنسانية لإنقاذ حياة إنسان وانه عمل خير هكذا درب فريقه على التفاوض مع المواطن المسكين والأهالي بقري حجر العسل صدقوا هذه الكذبة الكبيرة لأنهم بسطاء تكمن فيهم الطيبة .
    ولان الأهالي لا يعلمون سَر تجارته ولا سَر مدخل أمواله غير الواجهة بأنه تاجر أراضى وسكر واسمنت ويشتري محاصيلهم قبل ايتان زمن حصادها من المزارعين ، يشتريها نبتة قبل ان تصبح ثمرة ، مستقلا حاجتهم للمال لشراء السماد وخبز الأطفال
    ونمت أمواله بشكل سريع وأصبح ملياردير يركب السيارات الفارهة والأحدث من طراز السنة ويتبرع بأموال للمدارس والمساجد والمراكز الصحية بقري حجر العسل .
    ومع كل ذلك نادرا ما يسافر إلى حجر العسل لرؤية والده المريض بالضغط والسكري والروماتيزم ، لا يعره اهتماماً ولا يزوره كأنه يذكره بسنوات حياته الفقيرة البائسة ولأنه شاهداً على اغتيال الطفولة والبراءة لديه .
    وامتزجت السياسة بالتجارة ، ولا حديث في البلد وإلا كان علي الفكي احد شخوصها وأصبح من احد أعوان الحكومة يضمن لهم ولاء أهل المنطقة وبالمقابل يمنحون له تراخيص الاستيراد والصادر ..
    البلد كلها صار بطلها علي الفكي إلا علي المكي شاب نشأ من ذات القرية التى هجرها علي الفكي إلا انه يرفض السفر والعيش بالخرطوم بالرغم من شظف الحياة والفقر المدقع الذي يكابده ..ارتضي العيش بجانب والده حاج المكي الكفيف البصر ، دأب علي ود المكي على الاعتناء بوالده يشرف على اغتساله وغسيل ملابسه ويصحبه إلى فناء جبل عمار ليقضى حاجته ويعيده إلى غرفته المثيرة للاشمئزاز والتي نادرا ما يدخلها ضوء الشمس ، يسهر على خدمته وراحته واطعامه فلا زوجة ولا أخوات معهما بالبيت سوى كلب وفي .. وفي رقبته سلسلة طويلة من الجلد وقد دربه علي ود المكي على مساعدة والده حينما يتركه ويذهب فى الصباح الباكر للتحتانية يزرع ويشتل أحواض البصل بثمن قليل من الجنيهات بالكاد تكفي الحد الادني من البقاء علي قيد الحياة بشراء خبز وطحين وزيت فعندما يحمل حاج المكي إبريق المياه في يده ويمسك بسلسة كلبه يقوده مباشرة إلى الخلاء إلى فناء جبل عمار وحينما يمسك بالكيس ألقماشي (المخلاية ) يقوده إلى دكان بلة ود شايقي لشراء الخبز والسكر ..
    وجارتهما زينب من أجمل فتيات البلد ، لا يستطع شعراء المنطقة امثال ود جماع وود كرموش وود الفكي و البلولة او أبو متوكل ولا الروائيين ولا الأنتلجنسيا من وصف جمالها ، انها تتقطر أنوثة كاملة صارخة وكانت ذات بشرة قمحية وشعر ناعم طويل يصل إلى إردافها ، كانت زينب تراقب بصمت كل خطوات علي ود المكي ويزداد إعجابها وحبها كل يوم به وبجهاده في الحياة ورجولته وبره لوالده ، إنها تتمنى ان يطلب يدها للزواج وهى كفتاة ريفية لا تستطيع التغلب على تاريخها ألحريمي والريفي وتصارحه بحبها له ..رفضت كل من تقدم لها بالزواج من ناس البلد حتى بما فيهم رجل الأعمال علي الفكي والذي أرسل لها ذات مرة مغلف به 50 مليون جنيه ولكن ردته اليه مع المندوب الذى أرسله ليتوسط عندها قائلة له انها ليست صفقة ..كل فتاة في البلد تتمني ان ترتبط بالملياردير الا هي فقد كانت تتمنى الارتباط بشخص معدم تماماً ..هو جارها علي المكي ، وهو يعلم بحبها من نظراتها ويعلم انها رفضت الكثيرين من اجله ولكن كيف له أن يتزوج وهو غير قادر على إعاشة والده ؟؟
    زينب لم تكن تتجرأ على الدخول او زيارة حاج المكي في غرفته حتى في غياب ابنه علي فالعادات والتقاليد صارمة فى دخول فتاة الى بيت لا توجد به امرأة ...اى كان عمر هذا الرجل القابع في الداخل .. وتكتفي أحيانا بان ترسل طبق من (القراصة وملاح الويكة ) وقليل من السمن مرشوش عليه مع احد اطفال الحلة ..
    فى احد الليالي لم يكن هنالك ما يطعم به علي والده فموسم الزراعة انتهى وضاقت الحالة المادية بعلي ود المكي .. حتى اصطياد السمك فى النهر قبالة مشرع مرنات لم يأت برزق اليوم ..
    وتسلل في الظلمة الليلية متجهاً إلى التحتانية وأصوات مختلفة مختلطة ، نباح الكلاب يمتزج بأصوات الوجع والتوجس وصفير الجنادب الآتية من شقوق الجدار المتعرية بفعل الزمن الذي لا يرحم ..
    وكلما اقترب من شاطئ نهر النيل ومشرع مرنات هبت نسائم باردة امتزجت فيها رائحة أشجار السنط برائحة الروث برائحة البرسيم ..وخوار الأبقار يزداد ويتلفت يميناً وشمالاً يبحث احداهن ..ويعثر على واحدة ويربط ساقيها الخلفيتين بصعوبة ويبدأ بحلب أضرعها .. وامتلأ الماعون بما يكفي لوالده وكلبه ..ويتسلق شجرة النخلة المتكئة بكبرياء على الجدول وبحذر قطع سبيطة مترهلة برطب كثيف .
    انه يعلم أن ذلك يتنافي مع أخلاقه ومثله العليا ويتنافي مع الشريعة ولكنه عاهد نفسه بإبلاغ أصحاب الشأن وطلب العفو أو سداد ما يطلبونه عندما ينصلح الحال .
    بعدها نزل إلى النهر يستحم وعينيه إلى تمساح مرنات والجاثي على جزيرة صغيرة وسط النهر ..

    ولكن في احد الليالي القمرية حيث ينكشف المستور وتظهر الأشياء بوضوح وغرور ، امسكوا به وزجوا به في سجن البلدة في انتظار تحويله إلى النائب العام ومن ثم المحكمة إلا إن أصحاب الشأن عفوا عنه وأطلقوا سراحه بعد أن كتب لهم تعهد بعدم تكرار ذلك وعيناه مغرورقتان بالدموع وغصة تطعن فى حلقه واستطاع بجهد ان يخفى كل ذلك بانكسار داخلي ..مظهرا عمداً تجاهله وعدم اكتراثه بما جري ..
    فجأة تتوقف كلي رجل الأعمال علي الفكي عن العمل وتتدهور صحته بسرعة بشكل أدهش الأطباء لحالته الغريبة ..وبعد ان كان يجول ويصول في ربوع الدنيا وفي بيته الواسع وسريره الوثير أمسي قابعاً في غرفة صغيرة مكبل بكوابل وأنابيب أجهزة غسيل الكلي ... بإمكانه ان يسافر إلى الأردن .. بريطانيا .. ألمانيا او فرنسا فإمكانياته المالية تسمح له بذلك ولكن نظراً لحالته الغريبة والتي لم يشهد تاريخ الطب لحالات مماثلة لها ، نصحه الأطباء بعدم السفر فحالته لا تتحمل مشقة او إرهاق .. كان يتقيأ دماً من خلال فمه وانفه لو تحرك صوب دورة المياه وما بال ان يسافر بطائرة ..
    قرر أن يجلب فريق أطباء من الأردن بالتعاون مع فريق الأطباء السودانيين وكبار المتخصصين فى زراعة الأعضاء البشرية ولكن لم يتمكن من العثور على متبرع بكلي .. فقد كانت فئة دمه نادرة للغاية وهى تمثل حالة غريبة أيضا ..
    كيف ذلك ولديه فريق متخصص في شراء الأعضاء البشرية !!! لقد بني مملكته المالية واسمه من تجارة الأعضاء البشرية ويفشل في العثور على كلية له ؟؟
    نشط طبيب مستشفي حجر العسل وضاعف جهوده في تحليل العينات لدماء أهالي قري حجر العسل ..وقد عرض مبلغ 50 مليون جنيه بإيعاز من علي الفكي ولمن يجد فئة دمه مطابقة لدم علي الفكي .. ويتبرع بإحدى كليتيه له .
    وذهب علي المكي إلى المستشفي لفحص عينة من دمه .. لم يكن جاداً فيما ذهب إليه بقدر ما كان يريد ان يتطلع لما يجرى في المستشفي من امتصاص لدماء البشر..
    وتأتي نتيجة فحص الدم بوجود تطابق في عينات الدم !! ويركب طبيب حجر العسل سيارته ويسرع للبحث عن منزل علي ود المكي ويعثر عليه بعد ان دلوه على البيت لم يكن هنالك باب للسور وما ان دخل حتى تفاجأ بنباح كلب وتراجع للوراء منادياً بأعلى صوته على علي ود المكي ..ودخل في مفاوضات معه مباشرة حتى قبل أن يبدى رأيه بالموافقة او الرفض .وابلغه انه سوف تصل سيارة ذات دفع رباعي من الخرطوم لتسلمه مبلغ 50 مليون جنيه وتقله إلى الخرطوم لإجراءات نقل احد كليتيه ..واتصل الطبيب بعلي الفكي مبشرا له بدنو عافيته ..
    وبدأت أحلام اليقظة تداعب خياله .. سيتزوج من زينب ويبني لها بيتا كبيرا يضمه ووالده.. سيشترى فدانين من الاراضى الزراعية ويزرعهما ملك له بعد ان كان أجيرًا لدى الغير .. والكثير والكثير ..

    وتصل السيارة ذات الدفع الرباعي لبيت علي المكي ويستلم مبلغ 50 مليون جنيه ويطلب دقائق حتى يجمع حاجاته ولأول مرة يدخل بيت جيرانه بحضور جميع إفراد أهل زينب ويلتفت على زينب وشقيقها ويوصيهما على آبيه إلى حين العودة غداً ويودع عند زينب مغلف الفلوس أمانة عندها إلى حين عودته ويرمقها بنظرات وداع تذيب الحجر الأبيض الشامخ بين السوق وحلة ابي طليح والمريوة وتنطلق السيارة وزينب عيناها قد اغرورقتا بالدموع فلم تعد تري أثرا للسيارة وهى تشق طريقها إلى الخرطوم و هي تعلم سلفاً بما ينوى عليه علي المكي ..ولكن لا تستطيع ان تثنيه ..ولا تدرى باى حق ؟؟
    يفاجأ علي المكي بالجمع الغفير من عامة الناس ورجالات الحكومة من الساسة وقيادات الجيش كلهم حضروا في زيارة علي الفكي بالمستوصف ..داعين له بالشفاء ..
    أجريت الفحوصات والتحاليل اللازمة لعلي المكي وأثبتت عمليات التطابق وعوامل النجاح ..ووقع على اتفاقية إجراء نقل الكلي وتحدد اجراء العملية بعد اسبوع واحد من الان وطلب زيادة المبلغ الى 70 مليون والا الرفض ..وتمت الاستجابة إلى طلبه دون تردد .. فلا زمن للمفاوضات او المساومة فى صحته ..

    رجع علي المكي في اليوم الثاني إلى البلد .. وباشر فوراً بشراء فدانيين من أحسن الاراضى الزراعية بمشروع مرنات وعليهما مضخة لرفع المياه وطلب رسميا الزواج من زينب .. فوافقوا له بتشجيع من زينب نفسها وتم الفرح واقيمت الاحتفالات بالزواج الميمون بعدد قليل جداً من الأهل والجيران ....
    وعندما حان موعد إجراء العملية انهارت العروس زينب ولعنت الف مرة الفلوس لقد عاشت أجمل أسبوع فى حياتها ولكن الفرحة لم تكتمل .. ولكن علي ود المكي وعدها بالمجيء فى اقل من أسبوع وهو بكامل صحته وعافيته .. وطلبت مرافقته ولكن رفض بحجة ان والده احق بالرعاية ..وأعطاها مبلغ 50 مليون جنيه وهو ما تبقي من المبلغ ، على ان تهتم بنفسها وبوالده ..
    وفى اليوم الثاني تم تجهيز غرفة العمليات واستعد الأطباء لمزاولة العملية ..ولأول مرة يلتقي علي المكي برجل الاعمال علي الفكي بعد عشرين عاماً من اخر لقاء لهما بحجر العسل ..التقيا في غرفة العمليات .. لم يقل علي الفكي شيئاً لعلي المكي سوى جملة واحدة (مبروك الزواج على زينب ) انه يحسده على الزواج من زينب ..ولم يرد عليه علي الا بالامنيات له بعاجل الشفاء ..
    ويبدأ الأطباء بممارسة إجراءات عملية التخدير ومن ثم فتح بطنيهما وإزالة كليتيهما لكل من علي المتبرع والمستلم ..
    وفى أثناء إزالة كلية علي المكي يخطي الجراح بمشرطه فيصيب الكلية بجرح غائر كبير يتسبب في تلفها ..ولم تعد تصلح للزراعة .. ويصاب علي المكي بنزيف حاد لم ينجح الأطباء في وقفه .. وعلى الفكي هو الاخر يعاني من نزيف حاد من جراء ازالة كليته المعطلة والتي كانت فى انتظار استبدالها .. وسادت غرفة العمليات فوضى لا يعرف فريق الأطباء مخرجاً لها ..ولا علاجاً لها .. انه القدر ..انه الأجل ...
    وتفيض روحيهما معاً .. ويعلن أطباء المستوصف وفاة كل من رجل الاعمال علي الفكي والمزارع علي المكي ..
    وينتشر الخبر في جميع ارجاء الخرطوم وحجر العسل ..وفاة رجل الاعمال علي الفكي رجل البر والإحسان والوطنية ..
    وزينب تحاول الاتصال لمعرفة اخبار زوجها علي ود المكي ولكن لا احد يعرف عنه شيء ..
    تجهز إدارة المستوصف توابيت لتضع فيه جثمان المتوفيان..كل على حدة .. وكتب اسم كل متوقي اسفل التابوت ..بخط صغير بالكاد تراه العين المجردة ..
    ويخطئ عامل المستوصف فى وضع الجثمان .. ووضع جثمان علي الفكي فى تابوت علي المكي وهكذا خلط بين جثمان المتوفيين من دون انتباه منه فقد اختلطت عليه قراءة الأسماء ..
    حان دور نقل جثمان المتوفى علي الفكي فقد كانت ترى المجموعة ان الأولية له فهو رجل أعمال له مقامه ومكانته ومعروف لدى الجميع ..وحشود كبيرة تنتظر الصلاة عليه فتم حمل جثمانه بسيارة كبيرة فخمة سوداء .. ولكن حقيقة الامر لم يكن التابوت فى داخله الا جثمان علي المكي ..
    وصل آلاف المشيعين لمقبرة ود الهندى ويتقدم هؤلاء اعوان البلد والعمدة وكبار وزراء الحكومة والمجلس الوطني وتجار المدينة ورجال السلك الدبلوماسي وطاقم إدارة مستشفي حجر العسل والقرى المجاورة ومنها الزرق والبسابير والكندرية والوادي السعيد لدرجة ان بعضهم وصل مشياً على الإقدام وحتى رجال الأحزاب الاتحاد الديمقراطي والمؤتمر الشعبي وحزب الأمة كان لهم مقدم .
    ووضع التابوت فى مقدمة الجموع الذين تزاحموا للصلاة عليه ، ورفعوا الاكفة ودعوا له بالرحمة وبالغفران من الله ..
    لقد كان موكباً مهيباً لم يسبق لمنطقة حجر العسل ان شاهدت مثله ..
    وتفرق الحشد وبدا الغبار يتلاشي رويدا رويداً بعد ان كان يلف جموع المشيعين وظهر قبره مشيدا بشاهدا له سياج عال وفخم ..كأنه قبر احد أولياء الله الصالحين .
    لم يهتم احد باستلام تابوت جثمان علي ود المكي (علي الفكي ) وذهبت زينب تستفسر عن حالة زوجها الا انه تم إبلاغها بوفاته .. ووقفت صامتة فاغرة فاها من الصدمة واغشي عليها بعدها .. إنها عروس لم تكمل بعد شهر العسل .. حبيب القلب والذي أحبته بصمت لسنوات طويلة ها هو القدر يخطفه منها فى أيام قليلة بل ثوان معدودة ..
    تؤجر سيارة نقل صغيرة وتعود بالجثمان الى مقبرة ود الهندي ويدفن هنالك بعد الصلاة عليه من نفر قليل جداً هم اهل بيتها وجيرانه فقط ..
    وبعد ثلاث ايام يرغب حاج المكي فى زيارة قبر ابنه علي ويصطحب معه زوجة ابنه المرحوم وكلبه ..
    وعند وصوله قبور ود الهندي بدا كلبه يقوده الى قبر ابنه والمسجي تحت طريح وسياج قبر علي الفكي .. تحاول زينب زوجة المرحوم ان تصحح مسار الكلب وتوجهه الى قبر زوجها الا انه يصر وبعواء متصل على الجلوس أمام هذا القبر، تكررت مرات عديدة منه .
    ويوقن حاج المكي ان كلبه لا يخطي رائحة ابنه من علي بعد عشرات الكيلومترات وتقر وتوافق زينب على كلام حاج مكي والد زوجها وتؤمن تماما ان هذا قبر زوجها والذي حظي بدعوات صالحة وصلاة من عشرات آلاف الناس ..
    انه سر مكتوم لا يعلمه إلا هي وحاج المكي.



    ( حجر العسل اسم منطقة فى شمال السودان )
  • عبد الرحمن احمد الحاج
    عضو الملتقى
    • 21-10-2009
    • 10

    #2
    شكرا عماد
    رائعة بكل معنى للكلمة
    وقل ربي زدني علما

    تعليق

    • عماد يوسف محمد
      عضو الملتقى
      • 29-10-2009
      • 13

      #3
      انارت كتاباتي بمروركم شكراً شكراً عزيزى..

      تعليق

      • مها راجح
        حرف عميق من فم الصمت
        • 22-10-2008
        • 10970

        #4
        نص جميل ومؤثر فعلا في زمن تتصارع فيها قوى الخير والشر
        ولا بديل من انتصار الخير وإن كان مؤلما
        تحية وتقدير استاذ عماد
        رحمك الله يا أمي الغالية

        تعليق

        • عماد يوسف محمد
          عضو الملتقى
          • 29-10-2009
          • 13

          #5
          استاذة مها انه لفخر كبير و عميق ان تنال هذه القصة اعجابك .. وكم سررت بالاطراء وانه قد بعث في اعماقي كوامن الابداع مجدداً ..اشكر سموكم

          تعليق

          يعمل...
          X