"أنا في غرفة مستديرة والجدار اللامتناهي يضيق.
لا أحد منا يخدع الآخر، ولكن كلٍّ منا يكذب على الآخر.
كلانا يعرف الآخر جيداً، يا أخي الذي لا فراق معك.
تشرب الماء من كأسي وتلتهم خبزي.
باب الانتحار دائماً مفتوح، لكن علماء اللاهوت يؤكدون بأنه في الظل القادم من المملكة الأخرى سأكون هنا، في انتظار ذاتي.
لا أحد منا يخدع الآخر، ولكن كلٍّ منا يكذب على الآخر.
كلانا يعرف الآخر جيداً، يا أخي الذي لا فراق معك.
تشرب الماء من كأسي وتلتهم خبزي.
باب الانتحار دائماً مفتوح، لكن علماء اللاهوت يؤكدون بأنه في الظل القادم من المملكة الأخرى سأكون هنا، في انتظار ذاتي.
ج. ل. بورخيس"
تحركه قدماه إلى مكان لم يكن يدركه بعد .. يسير ولا يسير .. قدماه متثاقلتان ، وروحه لا تبارح مكانها ، متشبثة ببقايا شرف لا يريد له أن ينمحي ..
يرغم نفسه على التحرك ، يزيح ما ثقل به صدره ، يقنع نفسه بمتعة التجريب ، متعة اكتشاف كل جديد ، أن تعيش مع من لا تعرفهم ، تمتع نفسك وتمارس طقوساً لم تألفها .. أن تكون جزءاً من منظومة الرغبة الخالصة ، اللذة الكبرى التي لم يعرف الإنسان أعظم منها ..
ها هو يصل إلى مكان سري بسيارته ، في الصحراء التي تتوه فيها الكائنات ، وتشعر الأرواح بغربتها ، يترجل .. يضع قناعه على وجهه .. قناعٌ كان ثمنه الكثير ..
يرفع قناعه ليضعه أمام ناظريه ، يتأمله للمرة الأخيرة ، قناعٌ يجسد وجه شاب جميل ، مبتسم .. تماماً كما كان يحلم أن يكون ..
يعود ليضع قناعه .. يفكر فيما وصل إليه من انتهوا من تأمين لقمة العيش .. هؤلاء يجب أن يجربوا جديداً .. أن يخرجوا من إطار الزوجة-العمل إلى إطار فضفاض أكثر رحابة من الكون ذاته ..
رأى بفتحة العينين في القناع سيارة قادمة من بعيد ، من حدود المجهول التي يحلم بالذهاب إليها ..
استسلم لرغبة أصحاب السيارة التي تذهب به إلى جنته ، تركهم يقتادونه إلى مقعد خلفي ، يعصبون عينيه لكي لا يرى وجهتهم ..ثم ينطلقون ..
هذه هي الشروط .. قواعد قبل بها بمجرد انضمامه إليهم .. بمجرد أن أصبح واحداً من هؤلاء ..وامتلك قناعه/حلمه بين يديه ..
يخفق قلبه بقوة لم يعهدها ، لا يعرف هل سيكون بمقدوره خوض تجربة عظيمة كهذه ، قبيحة إلى درجة الحيوانات أو أكثر ..
لكن الحيوانات تملك شهوة مجردة ، لا تعرف الابتكار ، ولا تمتلك التجديد ، ولا تفهم في فنون الجسد .. سيقشر البرتقالة .. ويرى ما بداخلها .. عاريةً إلا من الحقيقة المطلقة ..
سمع صوت توقف السيارة ، ترجل ، وفي أول غرفة بالقصر نزع العِصابة عن عينيه .. ثم بدأ في تنفيذ القاعدة الثانية ..
بأصابع متلهفة / مرتجفة بدأ في نزع ملابسه ، تجرد من كل شيء ، بذلته .. ربطة عنقه .. هاتفه الشخصي .. كل ما يربطه ببيته ، وأسرته ، وعالمه الإنساني ..
فكر أن ينظر إلى نفسه فارتجف .. لا يحتمل أن يرى نفسه هكذا .. هو أجبن من أن يفعلها ..
رأى الباب الأحمر أمامه .. بوابته إلى حيث يملك كل شيء ..ويفقد كل شيء ..
يدفع الباب قليلاً ، الموسيقى صاخبة بالداخل ، الأجساد عارية من كل شيء .. إلا القناع ..
أقنعة لفتيات ضاحكات ، لوجوه شابة مبتسمة ، لرجال وسيمين .. أقنعة تخفي خلفها كل القبح المتجسد على الأرض ..
يغمض عينيه ، يتحرك للداخل ببطيء شديد ، حيث لا شيء ممنوع .. القاعدة الثالثة ..
لا يمكنه أن يرفض أي أنثى ، أو أي رجل .. لن يعرفه أحد ، ولن يعرف أحد .. ستكون الأجساد لغة التخاطب ، والشهوات وقود الأجساد ، والخمر الشراب الوحيد ..
غاص بين الأجساد ، أحس ببعض الأيدي تتحسسه فأجفل .. لكنه استمر بالتحرك ، وبدأ يعتاد الأمر .. ثم بدأ هو الآخر في صعود السحاب ..أغمض عينيه وصارت يداه هي مرشده ..
أحس بشفاه رطبة تبلل شفتيه وبأيدي ناعمة تلتف حول خصره ، غامت الدنيا به ، شعر بروحه ترتفع عن حدود المكان .. رجفة سرت في أوصاله ، لذة غريبة دغدغت حواسه ..
( رأى صورة زوجته في مخيلته .. إحساسها بالملل الذي صار يخنقها ويخنقه .. إصرارها على تجديد حياتهم .. كم بكت على ذراعيه .. كم أخبرته برغبتها هي الأخرى في التجديد ، في خلق حياة جديدة ، والخروج من العالم التقليدي ، والانطلاق في الكون بلا حدود ، فقط هي وهو .. لا تحكمهما قوانين ، ولا توقفهما حواجز )
تزداد رفيقته شراسة وهي تدفعه إلى الأمام ، تشق به طريقاً بين الأجساد ، تتحسس جسده في اشتياق تام ..
أنا لك يا مليكتي وأنتِ لي .. جسدانا خلقا لكي لا يفترقا ..
باللوعة والشوق كان جسده يتصبب ..
أنا "سيزيف" الذي كتب عليه أن يبقى يدفعك وتدفعينه حتى الجنون ..
الشفق حوله أحمر ، بلون كل شيء ، الأشياء جميعها جرداء كالصحراء التي انطلق منها ..
هم بأن يفتح عينيه .. تقترب منه حد الالتصاق .. تهمس في أذنيه :
- لا تفعل ..
(صورتها البريئة ، ملامحها ، شعرها الأسود ، عيناها التي يرى فيهما نفسه ..
صوتها ... )
هذا الهمس في أذنيه .. هذا الصوت الهامس ..!!
يشعر بذراعيها تتركانه ، جسدها يبتعد ، ضحكتها تسبقها خارج حدود المكان ..
(ضحكتها الناعمة التي أصبحت مريرة حد الجفاء .. )
ضحكتها ..!!
هذه الضحكة ... هذا الهمس .. هذه اللمسات ..
تذكر لطفها الشديد في هذه الأيام بالذات .. تقبلها فكرة سفره بكل سهولة ..
هل لمح قناعاً في دولابها ..؟
دار بين الوجوه/الأقنعة ، ارتطم نظره بأجساد لا يميز منها شيئاً .. التف حول هذه ، وتلك ..
صار يتتبع كل ضحكة ، ويركض وراء كل همسة .. أين أنتِ .. ؟
كذا صرخ ، وصرخ وعند تلك الزاوية التي لا يوجد بها غير الفراغ تهاوى ..
سقط أرضاً .. وفي أرضية القاعة تكور حول نفسه كجنين .
يرغم نفسه على التحرك ، يزيح ما ثقل به صدره ، يقنع نفسه بمتعة التجريب ، متعة اكتشاف كل جديد ، أن تعيش مع من لا تعرفهم ، تمتع نفسك وتمارس طقوساً لم تألفها .. أن تكون جزءاً من منظومة الرغبة الخالصة ، اللذة الكبرى التي لم يعرف الإنسان أعظم منها ..
ها هو يصل إلى مكان سري بسيارته ، في الصحراء التي تتوه فيها الكائنات ، وتشعر الأرواح بغربتها ، يترجل .. يضع قناعه على وجهه .. قناعٌ كان ثمنه الكثير ..
يرفع قناعه ليضعه أمام ناظريه ، يتأمله للمرة الأخيرة ، قناعٌ يجسد وجه شاب جميل ، مبتسم .. تماماً كما كان يحلم أن يكون ..
يعود ليضع قناعه .. يفكر فيما وصل إليه من انتهوا من تأمين لقمة العيش .. هؤلاء يجب أن يجربوا جديداً .. أن يخرجوا من إطار الزوجة-العمل إلى إطار فضفاض أكثر رحابة من الكون ذاته ..
رأى بفتحة العينين في القناع سيارة قادمة من بعيد ، من حدود المجهول التي يحلم بالذهاب إليها ..
استسلم لرغبة أصحاب السيارة التي تذهب به إلى جنته ، تركهم يقتادونه إلى مقعد خلفي ، يعصبون عينيه لكي لا يرى وجهتهم ..ثم ينطلقون ..
هذه هي الشروط .. قواعد قبل بها بمجرد انضمامه إليهم .. بمجرد أن أصبح واحداً من هؤلاء ..وامتلك قناعه/حلمه بين يديه ..
يخفق قلبه بقوة لم يعهدها ، لا يعرف هل سيكون بمقدوره خوض تجربة عظيمة كهذه ، قبيحة إلى درجة الحيوانات أو أكثر ..
لكن الحيوانات تملك شهوة مجردة ، لا تعرف الابتكار ، ولا تمتلك التجديد ، ولا تفهم في فنون الجسد .. سيقشر البرتقالة .. ويرى ما بداخلها .. عاريةً إلا من الحقيقة المطلقة ..
سمع صوت توقف السيارة ، ترجل ، وفي أول غرفة بالقصر نزع العِصابة عن عينيه .. ثم بدأ في تنفيذ القاعدة الثانية ..
بأصابع متلهفة / مرتجفة بدأ في نزع ملابسه ، تجرد من كل شيء ، بذلته .. ربطة عنقه .. هاتفه الشخصي .. كل ما يربطه ببيته ، وأسرته ، وعالمه الإنساني ..
فكر أن ينظر إلى نفسه فارتجف .. لا يحتمل أن يرى نفسه هكذا .. هو أجبن من أن يفعلها ..
رأى الباب الأحمر أمامه .. بوابته إلى حيث يملك كل شيء ..ويفقد كل شيء ..
يدفع الباب قليلاً ، الموسيقى صاخبة بالداخل ، الأجساد عارية من كل شيء .. إلا القناع ..
أقنعة لفتيات ضاحكات ، لوجوه شابة مبتسمة ، لرجال وسيمين .. أقنعة تخفي خلفها كل القبح المتجسد على الأرض ..
يغمض عينيه ، يتحرك للداخل ببطيء شديد ، حيث لا شيء ممنوع .. القاعدة الثالثة ..
لا يمكنه أن يرفض أي أنثى ، أو أي رجل .. لن يعرفه أحد ، ولن يعرف أحد .. ستكون الأجساد لغة التخاطب ، والشهوات وقود الأجساد ، والخمر الشراب الوحيد ..
غاص بين الأجساد ، أحس ببعض الأيدي تتحسسه فأجفل .. لكنه استمر بالتحرك ، وبدأ يعتاد الأمر .. ثم بدأ هو الآخر في صعود السحاب ..أغمض عينيه وصارت يداه هي مرشده ..
أحس بشفاه رطبة تبلل شفتيه وبأيدي ناعمة تلتف حول خصره ، غامت الدنيا به ، شعر بروحه ترتفع عن حدود المكان .. رجفة سرت في أوصاله ، لذة غريبة دغدغت حواسه ..
( رأى صورة زوجته في مخيلته .. إحساسها بالملل الذي صار يخنقها ويخنقه .. إصرارها على تجديد حياتهم .. كم بكت على ذراعيه .. كم أخبرته برغبتها هي الأخرى في التجديد ، في خلق حياة جديدة ، والخروج من العالم التقليدي ، والانطلاق في الكون بلا حدود ، فقط هي وهو .. لا تحكمهما قوانين ، ولا توقفهما حواجز )
تزداد رفيقته شراسة وهي تدفعه إلى الأمام ، تشق به طريقاً بين الأجساد ، تتحسس جسده في اشتياق تام ..
أنا لك يا مليكتي وأنتِ لي .. جسدانا خلقا لكي لا يفترقا ..
باللوعة والشوق كان جسده يتصبب ..
أنا "سيزيف" الذي كتب عليه أن يبقى يدفعك وتدفعينه حتى الجنون ..
الشفق حوله أحمر ، بلون كل شيء ، الأشياء جميعها جرداء كالصحراء التي انطلق منها ..
هم بأن يفتح عينيه .. تقترب منه حد الالتصاق .. تهمس في أذنيه :
- لا تفعل ..
(صورتها البريئة ، ملامحها ، شعرها الأسود ، عيناها التي يرى فيهما نفسه ..
صوتها ... )
هذا الهمس في أذنيه .. هذا الصوت الهامس ..!!
يشعر بذراعيها تتركانه ، جسدها يبتعد ، ضحكتها تسبقها خارج حدود المكان ..
(ضحكتها الناعمة التي أصبحت مريرة حد الجفاء .. )
ضحكتها ..!!
هذه الضحكة ... هذا الهمس .. هذه اللمسات ..
تذكر لطفها الشديد في هذه الأيام بالذات .. تقبلها فكرة سفره بكل سهولة ..
هل لمح قناعاً في دولابها ..؟
دار بين الوجوه/الأقنعة ، ارتطم نظره بأجساد لا يميز منها شيئاً .. التف حول هذه ، وتلك ..
صار يتتبع كل ضحكة ، ويركض وراء كل همسة .. أين أنتِ .. ؟
كذا صرخ ، وصرخ وعند تلك الزاوية التي لا يوجد بها غير الفراغ تهاوى ..
سقط أرضاً .. وفي أرضية القاعة تكور حول نفسه كجنين .
[align=center]
*****
أكتوبر 2009
بعد منتصف الليل
أكتوبر 2009
بعد منتصف الليل
[/align]
تعليق