المقامة التعليمية – الدروس الخصوصية
حدثنا عدنان بن يوسف قال :
حصلت على أعلى الشهادات ، في العلوم والنحو والرياضيات ، والجبر والهندسة والخوارزميات ، فامتهنت التعليم ، والتلقين لطلبة العلم من البنات والبنين .
لا توجد مدرسة إلا زرتها ، ولا مكتبة إلا ولجتها ، ولا موسوعة إلا سبرتها ، ولا نظرية إلا حللتها وركبتها ، ابحث عن المفيد والنفيس ، في العلوم وطرق التدريس ، حتى شكرتني وزارة التعليم ، وتوقعت منها المكافأة والتكريم ، لكن لم أنل إلا ثناء ومديح ، وكلام منمق ومريح ، دونما دراهم أو جنيهات ، أو سلة فيها غذائيات ، ومع ذلك فقد اعتراني شعور جميل ، لأنني حظيت بالاحترام والتبجيل ،لاهتمامي بالطلبة النبيه منهم والعليل.
كنت إذا دخلت الفصل وقف الطلبة باحترام ، مبدين الإجلال والإكرام ، إذا تكلمت ينصتون ،وإذا نصحت يسمعون ، وإذا غضبت العاقبة يخافون .
عملت سنين طويلة على هذا المنوال ، حتى انحنى مني الظهر ومال ، وابيض شعر الرأس وزال ، وصارت قوة البصر في عيوني ركيكة ، فلبست نظارات عدساتها سميكة .
وبعد أن كبر الأبناء ، ازدادت المصاريف والأعباء ، فلا زيادة في الراتب ولا إعانة ، فمنذ بداية الشهر اضطر للاستدانة ، حتى صاحت زوجتي باستنكار، وحثتني على العمل ليلا وفي النهار، دونما تذمر أو استكبار ... فقررت أن أعطي دروس خصوصية ، لأبناء العائلات الثرية ، فسمعتي بين الطلاب مرموقة ، وطرقي في التعليم غير مسبوقة .
بداية ....تهافت على أولياء الأمور الحريصين ، على أبنائهم من الطلبة المقصرين ، ويطمحون أن تكون درجاتهم في عليين ، وان يكونوا من الناجحين المتفوقين ، فصرت اذهب إلى بيت كل طالب، أكون عنده في الوقت المناسب ، أعطيه علما ليكون ناجحا غير راسب .
وهذا ما حصل وصار ، لكن بعدها انقلبت الأفكار ، فتحول الاحترام إلى استهتار، والخجل والحياء إلى مسخرة واستهزاء ،حتى أنني ذهبت إلى بيت احد الطلاب ، ورننت الجرس وبعدها طرقت الباب ، ففتح صاحب البيت واسمعني هذا الجواب : لقد أتيت في وقت غير مناسب ، وأنا في استقبالك غير راغب ، لأن ابني المحروس خارج الفناء ، يلعب الكرة مع الأصدقاء ، ولن يرجع إلا بعد ساعة ، عندئذ يأتي ويستلم البضاعة ، فاذهب الآن وبعدها تعود ، لتأخذ أجرك من النقود .
ثم ذهبت إلى احدهم واستأذنت بالدخول ، وسمعت جوابه بكل دهشة وذهول ، وقال : سنرفه عن أنفسنا الآن ونرقص ، وبعدها نفتح الكتاب وندرس ، ثم اسمعني ضوضاء وإيقاعات سريعة ، وأغاني هابطة مريعة ، وقهقهات عالية رقيعة ، فلم يكترث بوجودي ولكن في الحقيقة ، جلست كأني آنية في البيت عتيقة.
وبعدها تفاقمت الأمور، وازدادت الشرور، فأصبحنا نشرى ونباع، كأننا في السوق سقط متاع ،يأتي احدهم ينظر إلى الوجه بفراسة ، كأنه يشتري عبدا من سوق النخاسة ، يجادل في الأجور والثمن ،ويقول ذاك جيد وهذا مصاب بالعفن .
رحم الله الرشيد هارون, كان يرسل للعلم الأمين والمأمون ، ويقول العلماء يؤتى إليهم ولا يأتون ...وفي ذلك أنشدت أقول :
قال الأمير وفه التبجيلا .......كاد المعلم أن يصير رسولا
إن المعلم في المدارس ثروة ......للعلم سيفا صارما مسلولا
حتى إذا باع العلوم بدرهم .......صار الجلال خدّجا مقتولا
لا خير في قوم أهانوا علمهم ....فالعلم مع نور السنا مجبولا
حصلت على أعلى الشهادات ، في العلوم والنحو والرياضيات ، والجبر والهندسة والخوارزميات ، فامتهنت التعليم ، والتلقين لطلبة العلم من البنات والبنين .
لا توجد مدرسة إلا زرتها ، ولا مكتبة إلا ولجتها ، ولا موسوعة إلا سبرتها ، ولا نظرية إلا حللتها وركبتها ، ابحث عن المفيد والنفيس ، في العلوم وطرق التدريس ، حتى شكرتني وزارة التعليم ، وتوقعت منها المكافأة والتكريم ، لكن لم أنل إلا ثناء ومديح ، وكلام منمق ومريح ، دونما دراهم أو جنيهات ، أو سلة فيها غذائيات ، ومع ذلك فقد اعتراني شعور جميل ، لأنني حظيت بالاحترام والتبجيل ،لاهتمامي بالطلبة النبيه منهم والعليل.
كنت إذا دخلت الفصل وقف الطلبة باحترام ، مبدين الإجلال والإكرام ، إذا تكلمت ينصتون ،وإذا نصحت يسمعون ، وإذا غضبت العاقبة يخافون .
عملت سنين طويلة على هذا المنوال ، حتى انحنى مني الظهر ومال ، وابيض شعر الرأس وزال ، وصارت قوة البصر في عيوني ركيكة ، فلبست نظارات عدساتها سميكة .
وبعد أن كبر الأبناء ، ازدادت المصاريف والأعباء ، فلا زيادة في الراتب ولا إعانة ، فمنذ بداية الشهر اضطر للاستدانة ، حتى صاحت زوجتي باستنكار، وحثتني على العمل ليلا وفي النهار، دونما تذمر أو استكبار ... فقررت أن أعطي دروس خصوصية ، لأبناء العائلات الثرية ، فسمعتي بين الطلاب مرموقة ، وطرقي في التعليم غير مسبوقة .
بداية ....تهافت على أولياء الأمور الحريصين ، على أبنائهم من الطلبة المقصرين ، ويطمحون أن تكون درجاتهم في عليين ، وان يكونوا من الناجحين المتفوقين ، فصرت اذهب إلى بيت كل طالب، أكون عنده في الوقت المناسب ، أعطيه علما ليكون ناجحا غير راسب .
وهذا ما حصل وصار ، لكن بعدها انقلبت الأفكار ، فتحول الاحترام إلى استهتار، والخجل والحياء إلى مسخرة واستهزاء ،حتى أنني ذهبت إلى بيت احد الطلاب ، ورننت الجرس وبعدها طرقت الباب ، ففتح صاحب البيت واسمعني هذا الجواب : لقد أتيت في وقت غير مناسب ، وأنا في استقبالك غير راغب ، لأن ابني المحروس خارج الفناء ، يلعب الكرة مع الأصدقاء ، ولن يرجع إلا بعد ساعة ، عندئذ يأتي ويستلم البضاعة ، فاذهب الآن وبعدها تعود ، لتأخذ أجرك من النقود .
ثم ذهبت إلى احدهم واستأذنت بالدخول ، وسمعت جوابه بكل دهشة وذهول ، وقال : سنرفه عن أنفسنا الآن ونرقص ، وبعدها نفتح الكتاب وندرس ، ثم اسمعني ضوضاء وإيقاعات سريعة ، وأغاني هابطة مريعة ، وقهقهات عالية رقيعة ، فلم يكترث بوجودي ولكن في الحقيقة ، جلست كأني آنية في البيت عتيقة.
وبعدها تفاقمت الأمور، وازدادت الشرور، فأصبحنا نشرى ونباع، كأننا في السوق سقط متاع ،يأتي احدهم ينظر إلى الوجه بفراسة ، كأنه يشتري عبدا من سوق النخاسة ، يجادل في الأجور والثمن ،ويقول ذاك جيد وهذا مصاب بالعفن .
رحم الله الرشيد هارون, كان يرسل للعلم الأمين والمأمون ، ويقول العلماء يؤتى إليهم ولا يأتون ...وفي ذلك أنشدت أقول :
قال الأمير وفه التبجيلا .......كاد المعلم أن يصير رسولا
إن المعلم في المدارس ثروة ......للعلم سيفا صارما مسلولا
حتى إذا باع العلوم بدرهم .......صار الجلال خدّجا مقتولا
لا خير في قوم أهانوا علمهم ....فالعلم مع نور السنا مجبولا
تعليق