مـارغـــريــت
كانت كلما أخذت ريشتَها و ألوانها لترسم بحرا أو سماء تتكور بين أصابعها و تندفع إلى اللوحة ملامحُ تلك المرأة "السافلة الماجنة" التي حلمت أن تكونها في أعماق سرّها الدفينة، تلك المرأة التي كانت ضحكاتها تملأ ليل المدينة الداكن فوانيس لألاءَة و يأخذ أحمر شفاهها الماجن بألباب الرجال فيتبعون طرف ثوبها الأسود حتى آخر الزقاق علّهم يفتكّون منها قبلة أو ضمّة خِصر و هي عائدة من "البار" و قد أثمل السُكر حركاتها و أثقل لسانها فصارت فرنسيتُها قطعة مُغنّاة يتهافت الرجال على استفزاز صاحبتها لتقول أكثر و تسحر...
رسمت تلك المرأةَ في كل حالاتها، أو على الأقل، في كل الحالات التي تخيلت أن تكونَ عليها و هي جالسة أو واقفة أمام النافذة أو المرآة رسمتها و هي تتجمّل، و هي نائمة، و هي تغتسل.. كانت ترى-تكتشف نفسها من خلال تلك الرسوم و تتشفى في داخلها من ذلك الرجل-الأب الذي قمع فيها زهرة الروح و جعل منها مجرّد آلة لا تفكر و لا تشعر بل تطبق كل ما تظن أنه مَنُوط بها فِعلهُ. كانت عيناه هالة فوقية مسلطة على تصرّفاتها و أدقّ مشاعرها و كان صوتُهُ الشبيه بتكسّرالبلور يفضح شعورها الساحق بالإثم و يجعل أعصابها كرة من الأسلاك يلهو بها قط متوحش في ليل دامس.
رسمت تلك المرأةَ في كل حالاتها، أو على الأقل، في كل الحالات التي تخيلت أن تكونَ عليها و هي جالسة أو واقفة أمام النافذة أو المرآة رسمتها و هي تتجمّل، و هي نائمة، و هي تغتسل.. كانت ترى-تكتشف نفسها من خلال تلك الرسوم و تتشفى في داخلها من ذلك الرجل-الأب الذي قمع فيها زهرة الروح و جعل منها مجرّد آلة لا تفكر و لا تشعر بل تطبق كل ما تظن أنه مَنُوط بها فِعلهُ. كانت عيناه هالة فوقية مسلطة على تصرّفاتها و أدقّ مشاعرها و كان صوتُهُ الشبيه بتكسّرالبلور يفضح شعورها الساحق بالإثم و يجعل أعصابها كرة من الأسلاك يلهو بها قط متوحش في ليل دامس.
ليتها كانت كمارغريت، تلك السائحة الجميلة التي هام بها محمود و تزوّجها و لما خانته طلقها فاُستعادت حُريتها بيضاءَ، بيضاء دون أن يخالطها أيّ إثم أو خوف من فقدان شيء ما.. نعم، كانت مارغريت هاجِسا يلمع في ذاكرتها و ينفرط من ألوانها كماردٍ من قمقم. هي تعلم أنها لن تكون أبدا كمارغريت فالطاقة التي في داخل مارغريت و في كل امرأة في هذا العالم ألجمها أبوها منذ نعومة أظافرها بشيء أسوأ من الخوف: إنه الكُرهُ.
لقد تنامى لديها كُره للرجل كان يقصّ أظافر عشقها كلما طالت، و كانت ترى صورة أبيها في كل رجل يحاول أن يقترب منها و يكتمل بها. كان الحب إذا اقترب منها جثم عليه الخوف و الكراهية فتراها تهرب من قصة غير مكتملة لأخرى و كانت أسئلة جسدها صفعات تفسد نهارها و الليل و العُمرُ سيف بتّار.
كيف اُهتدت إلى الريشة؟ كانت الألوان اكتشافا غير عادي في مراهقتها، هي التي عاشت في بيت لا لون فيه، كان كل شيء رماديا، أسود أو بُنّيا أو أزرق داكنا: الأثاث و الحيطان و الوجوه و قطعة السماء المطلة من النافذة التي نادرا ما تُفتحُ، حتى صوْت أبيها كان أزرق مًُخيفا كأعماق البحار.
لسنوات طويلة لم تكن تعرف دفء اللون البرتقالي و إشعاع اللون الأصفر و شبق اللون الأحمر و براءة الزهري، لسنوات طويلة كانت تعيش كما يجب و كما يُفتَرض و كما ينبغي حدّ الغثيان، كانت الحياة في نظرها خَطّين متصارعيْن: إما القاعدة أو الهرب من القاعدة. لم تجد الرجل الذي يهديها إلى ذاتها و يُفتّح فيها زهرة الأنثى و يصطفيها لنفسه لكنها عرفت الألوان من قصص قرأتها و قصائد ارتفعت بها عن حاجات جسدها وعن عتمة حياتها، أحبّت رجالا من ورق و مُثُلا على الورق و وجدت في ما تقرؤه غنًى عن فرح لا يَجيء و حياة لا تُعاشُ.
أما مارغريت-التي عرفت الكثير من الرجال حتى صار جسدها بالنسبة إليها كتابا مفتوحا و خانت و اُستمتعت حتى بلغت تخوم اللذة و الألم- فقد كانت تعود كل ليلة إلى البيت الذي استأجرته و قد أخذ منها السُكر كل مأخذ و تنخرط في نوبة بكاء شديدة لا تنقذها منها إلا خيوط النهار تُرسل ببريقها مُوقظة عقلها و غربتها التي لم تكن قد أرادتها أو خططت لها و لكن حبّ محمود هو الذي أخذها إلى ذلك القدَر فلم تجد في ذلك الحبّ جديدا أو معنى خاصا يُضيف إلى حضارتها إنما زمن يتوقف لمدة ما كأنها الأبد و كأنها الأمان و اللاتفكير و النشوة ثم لا شيء.. لم تكن ساعتها البيولوجية لتتحمل ذلك الإيقاع لمدة طويلة فذهبت دون وعي إلى أول رجل راودها لتتخلص من وعدها لمحمود...
كانت مارغريت تراقب تلك الرسامة التي تقطن في البيت المقابل للعمارة...كانت ترقب ذلك الضوء الذي لا ينطفئ حتى ساعة متأخرة من الليل و هي تسامر اللوحة حتى يأخذ منها التعب، كانت تغبطها عزلتها و ابتهالها أمام اللوحة لساعات..كانت مارغريت تراقب شبح الأب و هو يقتحم الغرفة و لا ترى فيه تلك الصورة المُخيفة التي كانت تراها ابنته و لا تسمع صوت تكسّر الزجاج الذي كان يصدم سَمْع ابنته، كانت صورة الأب تحيي فيها طفولتها التعيسة مع أمّ وحيدة تحبسها في البيت حتى عودتها من العمل و غياب غير مُبرر للأب، كانت مارغريت تتمنى في سرّها لو تبادلت الأدوار مع الرسّامة و لو ليوم مثلما كانت الرسامة تتمنى لو تكون مارغريت و لو لليلة و لكن أيّا منهما لم تكن تعلم شيئا عن هواجس الأخرى.
كانت مارغريت تتمطط كالهرّة بينما يجفّ جسم الأخرى شيئا فشيئا و يتصلّب في وقوفه الدامي أمام اللوحة تستنطقها فلا تنطق إلا بمُوائه، مارغريت صارت تتكلم بعربية متعثرة زادها العمل لدى مُزيّنة الحيّ طلاقة و طلاوة، مارغريت عرفت كل عشاق الرسامة و أتمّت معهم كل ما كان ناقصا في علاقتهم بالأخرى. خانتها حتى أصابعها التي لم تعد قادرة على الإمساك بالريشة و التعبير عن شيء، كان لا بدّ من فعل شيء...
في أحد الصباحات الباردة، وُجدت مارغريت مقتولة في شقّتها و الدماء متجمّدة في كل مكان من جسمها و عيناها مفتوحتين كالصنم. فكر الجميع و حتى الشرطة أن الفاعل أحد عشاقها فلا علاقة لها بأحد و حُفِظت القضية لعدم كفاية الأدلة و لكن أحدا لم يتصوّر أنّ تلك الرسامة هادئة الطبع التي لم تكن تخرج من بيتها إلا لحاجة هي التي أرادت أن تنهي علاقتها "الافتراضية" التي ارهقتها بمارغريت و ترسم لها آخر لوحة وسط بركة من الدم و الكولونيا.
كوثر خليل
1 نوفمبر2009
تعليق