حين يوقظ فيك نص أدبي معين الإبداع بشكل راقي ، فانك تتجرد فيه ، وتنجذب إلى مركز إنتاجه ، تبحر بك لعبة القراءة وتستقرىء مخبوءاته ، مركبك في ذلك دلائلية الألفاظ الكامنة عمقا في دلالة المعاني والعلاقة كالوجه والقفا إن لم تكن أدق تعبيرا وصورة .
ومن بين هاته النصوص التي استوقفتني لحظة طويلة قصيدة { ألوان } للشاعر حسام الدين خلاصي
اقر بدء ا بأنها قراءة ثانية ووقفة تأمل وليس نقدا أو تحليلا .لأنني لست بناقدة ولا املك أدوات التحليل ..
نقرا في استهلالية القصيدة :
لون التفكير أزرق
لون السمع أصفر
لون الكلام أحمر
لون التنهد برتقالي
لون التكبر أسود
ومنذ البداية ، نحن مدعون لما أسماه باشلار ب{ نسيان المعرفة } ، لان ما نعرف عن اللون في خياراتنا الحياتية يتغير هنا ويأخذ عمقا آخر
فاستعراض اللون في القصيدة ليس اعتباطيا أو تحصيل حاصل، انه مرتبط بالنفس البشرية المتقلبة حسب المزاجية والأجواء التي تديرها هذه الحياة فينا وبذلك ننسى معرفتنا باللون العادي هنا
إضافة إلى ذلك نجد تناغم / ضمير المتكلم / أنا / المحرك للحديث في النص وضمير / الحاضرة / الغائبة / هي /، والتي تستقرى ألآت من الحكاية / الحدث/ الخبر
لان / هي/ المحركة الرئيسية لتشكيلة اللون
لاحظ عزيزي القارئ هذا الحوار الشاعري الضمني للصورة في الضميرين .
نقرأ
لون رحيلي
لون الحب وردي
لو الكره رمادي
لون اللقاء اخضر
أول شيء هنا نلاحظه هو توزيع الأبيات بحوارية شاعرية تصاعدية نحو الأعلى ولغة الشعر / لغة السماء تأخذ هذا الأفق المتعالي في النـََّفـَس
فمن خلال فاصلة / لون رحيلي / والتي تقطع أشواط الأجواء الغائمة الحمراء ، السوداء الباهتة ، إلى الوردي لون الحب وتتويجه بلون اللقاء // الأخضر/
ان القلب يحضره الربيع مع ولادة الحب و { المرء يصبح شاعرا حين يمسه الحب } يقول أفلاطون
ويباركه في هذه اللحظات من الولادة فرح طفولي بلون البياض
يقول الشاعر " محمد محمد الشهاوي " ، في تعارض جميل مع شاعرنا حسام الدين خلاصي :
يا وجهها الشمسي إنك في دمي : السيمياء
والسحر المموسق والسطوع وأنهار الدفء والوهج
المقطر والسطوع
والسحر من موسيقى الحضور يطوف
بكل ألوان الطيف ..
فالفضاء الموحد ما بين الشاعرين هنا ، هو تجاوب إيقاعي ، ذبذبته اللون.
ويتدرج في القصيدة { ألوان } اللون عبر الحكاية الممتدة تصاعدا بالأحداث تسمعه الأذن تغريدا حزينا و طربا فيه الجناح منكسر. نقرأ :
البومة محدقة
تنظر إلي بشجن
والبلبل يغرد في القفص
بجناح مكسور
يطرب صاحبه أكثر
إن الكتابة { حالة من التخدير الموضعية. قد تشلك وقد تسليك وقد تسألك وقد تحرضك وقد تخونك..} الشاوي نقلا عن العوفي .
والكتابة هنا محرضة بامتياز ، في حضرة طقوس اللغة الشعرية الممتلئة بالدلالات العميقة..
مفردة { بومة} تفي غرض الحزن ، وهي في عرف التقاليد { نحس} كما الغراب أيضا .، .والحديث يطول هنا شرحا ومعارضة واعتراضا ، ولكن سنتجاوز هذه التفاصيل ، ونسترق السمع بتلقائية وطواعية ، لإيقاعات ما يحدث في هذا النسيج اللغوي الجميل ما بين / البومة / البلبل/ و ما بين / التحديق/ والتغريد الحزين
لاحظ عزيزي القارئ ، هذه التضاديات التي خدمت المعنى ، وأسست العلائق الباطنية للألفاظ ، في اتساقها ومعناها عبر الأبيات ، حيث نخترق بالسؤال الصورة ونخترق بالعين / التقاطا / شجن البومة ويتكرر التحديق من مفردة / محدقة / .
وهنا اللغة متعدية ، تخرج بالوظيفة الدلالية اللفظية ، إلى الإيحائية الشعرية ومن تم قد ينفصل الاسم / الشيء رسما ويتحدان عبر المعاني
فالكلمة { ممتلئة بالمعنى } كما يذهب إلى القول " صلاح عبد الصبور ".
يقول " محمد بنيس " متحدثا عن هذا الدور للغة والمفردة الممتلئة بالمعنى { تحتضن اللغة المتعدية على ما هو خارجها من فعل في الوقت نفسه الذي يصدر الفعل عنها ، في صفائها وامتلاءها تكتمل الشهادة ، فيكون الشعر بذلك يصدر عن المفهوم المركزي للحداثة وهو التقدم الذي يتحقق في الشعر عن طريق الفعل } .
لاحظ عزيزي القارىء
العلاقة ما بين / البومة / و / البلبل/ في سياق نسيج الدلالات له عمق وظيفي مهم جدا
فمفردة { تحديق } ينم عن مركزية احتواء الفضاء كناية عن الحرية او عن حرية نسبية ، وفي المقابل مفردة { القفص} في تضاد تناسقي يرسم أحقية وجود الشجن
جميل هذا المقطع من حيث وظيفة المعاني ورائع فيه التصوير على أمره.فالتحديق أعمي ، وعاجز على تحريك الفعل / ساكن / لا يتحرك بحضور القفص/ السجن
استدعى في خاطري هذا المقطع أبيات للفيتــوري يقول فيها:
أنا أتمرغ في شجني
أتوهج في بدني
غيري اعمي، مهما أصغى
لن يبصرني
يؤكد شاعرنا "حسام الدين " في البيت هذا بشكل رائع حيث نقرا :
{ يطرب صاحبه أكثر } انفرادية الفعل، ولا يشمل سوى الصاحب.
يستمر الشجن والبوح، وترسم معالم هذه اللوحة التي استقت من كل الألوان أدواتها وديكورها الروحي / فهي مرتبطة بالنفس البشرية ، كما أسلفنا ، وفي أعمق تفاصيلها
نقرأ :
وصغار ُ الحي ِّ يكبرون َ صغاراً
وعلى خدهم ْ تفاحة ُ البرد ِ الحمراء ِ
وأصابعهم ْ ألماً تتكسر ْ
لا يمكن أن يمتد العمر / صغرا/ ، بدهية معلومة ، ولكن هنا تيمة الغياب ألقسري لاحتياجات المعنوية لأنها غيابات معنوية بالأساس فان العمر يبهت لونه ومشروعية استمراريته الوظيفية
لاحظ كيف تعود قضية اللون هنا بشكل عميق ولذلك قلنا بداية بان استعمالها ليس اعتباطيا ، إنما للدلالة على تيمة النص المركزية والمؤسسة لكامل الأبيات.
يستمر هذا الصراخ المكتوم بلواعج كظيمة ألما حيث نقرا :
وأمهاتهم ْ بالنحيب ِ على الراحل ِ
يملأن َ جرار َ الدمع ِ العصي ِّ
والقلب ُ يتمر مر يتمر مرْ
نلاحظ قوة تماسك الريتم هنا الإيقاعي / الدلالي ومنذ المقطع الأول ، كإشارة مـُحـْدِثة لمستقبلية القراءة في نسيج الكتابة هنا . حيث النـفـَسُ ممتد ، واللون يتداعى أمامنا في تجلياته المسكونة بالضبابية الباهتة
فصورة الكلمة في هذا المقطع عميقة ، تؤدي دورها بامتيا ،وتوافق حنيني داخلي من خلايا الحروف ، فأتت مفردات / النحيب/ الراحل / جرالدمع / القلب يتمر مر ْ .. متماسكة.
يستمر الإيقاع الدلالي لهذه الألوان الباهتة ونقرأ مع شاعرنا خلاصي :
أشجارنا ليست ْ زاهية َ الألوان ِ
وكتب ُ الأطفال ِ تمتلئ ُ بقصص ِ الرعب ِ
وعلى الرصيف ِ بقايا الهمبرغرْ
وعلب ُ التنك ِ الفارغة ِ
تنتظر ُ عشاق َ الجمع ِ للمَكْسَرْ
تمررنا الأشجار في إعصارات قوية كالهجير، صهدا ليس به زهوة / في غياب الألوان وغياب الحياة
فما فائدة الشجرة دون لون ؟ دون عطاء ؟؟ ما فائدة أن نستحم خواء فيها ومنها ؟؟
ننتقل من الذات إلى الجماعة ، من الوعي الفردي إلى التوحد في الرؤيا البانية ، المؤسسة لكينونة السؤال فينا .
المرآة هنا ، متنفس لكل الإحباط والهموم النفسية المدركة ، لتجليات الواقع .المرآة هنا ليس واجهة عاكسة إنها إخراج لما في الداخل من الداخل ، فالرؤية داخلية عميقة ..
يقول " هيجل " في هذا الصدد { إن الشاعر لا يملك غير الكلمات ، لكنه يملك أن يغير العالم بهذه الكلمات } نقلا عن العوفي.
يقول "صلاح عبد الصبور " عن علاقة الشاعر باللفظة / الكلمة / :
حديثي محض ألفاظ ، لا أملك إلاها
أرقرقها لكم نغما ، أجملها أفانينا
ارقشها تلاوينا
وللألفاظ سلطان على الإنسان
فللكلمة قوة الحضور { إن اللغة مطر وطين في آن ، بالكلمات نفسها ، يصنع بعضهم الينابيع ، ولا يصنع بعضهم سوى الآخر غير الوحل } ادونيس.
وفي { البدء كانت الكلمة }.
يستمر العزف على وتر الشجن وتكون الصورة صعبة جدا والأحلام لا حبر يكتبها تحقيقا ولابن ولا سكر، تـُحلى به أوردة الأمنيات ولا غصن زيتون أماله الهوى ، نقرا مع شاعرنا حسام الدين خلاصي هذه المبعثرة للحلم الغياب :
أحلامنا لا يوجد ُ أحد ٌ فيها
خاوية ٌ مثل َ محطات ِ السفرْ
أقلامنا ناشفة ٌ
من َ الحبر ِوالبن ِ واللبن ِ
والتين ِ والزيتون ِوالسكر ْ
ورغم هذا الخواء فان المتلقى / القارىء يسترجع بعضا من أنفاسه في ظل كل هذا النفس المتلاحق ، وتنفرج للحظات أساريره مع نهاية الابتسامات مع ضمير المتكلم / أنا / وحضور / الغائبة / هي/ ، في حوارية جميلة تسترخي فيها العين من تعب ما مضى .
نقرا في آخر مقطع من القصيدة :
مـُرة هي ابتساماتي...
إلا وجهك المنير كقمر تكور
دُومي معي
لك ِ قلبي الملون ِ بالعطر ِ
وقلبي كل ُ ما أملك ُ ولا أملك ُ أكثر ْ
تنفتح الرؤيا اخير وتاحذ لونا شفافا ، يلغي من ذاكرة العين والقلب كل الألوان الباهتة ويتسلطن لون الحب ماحيا كل ضبابية
يقول الشاعر " عزت الطيري " في تعارض جميل مع شاعرنا "حسام الدين خلاصي ":
اعد كل شيء
في انتظاره لها
ودندن اسمها
وهدب الكلام والاحلام
لون المكان والزمان
بازدهائه بها ..
الله ..
كم جميل هذه الثنائية في الحب منه إليها ومنها إليه ..
يصادق " درويش محمود " عزت الطيري وحسام الدين خلاصي بترنيمة مواتية والحديث عن " الحبيبة " يقول درويش "
يطير حمام
يحط حمام
اعدي لي الأرض كي أستريح
فإني أحبك حتى التعب
صباحك فاكهة للأغاني
وهذا المساء ذهب
ونحن حين يدخل كل ظل إلى ظله في الرخام
وأشبه نفسي حين اعلق نفسي
على عنق لا تعانق غير الغمام
وأنت الهواء الذي يتعرى أمامي كدمع العنب
وأنت بداية عائلة الموج حين تشبث بالبر
حين أغترب
واني احبك ، أنت بداية روحي / وأنت الختام
ومهما تكن الحبية هنا / أرضا/ وطنا / المراة ....فإنه في غيابها تضيع كل ألوانه / هو /
لأنها شعلة كل الألوان ..
قصيدة رائعة أخذتني بالجملة وبالتفصيل الصغير وودِدْت أن أقف مرة أخرى هنا سيدي .
وأتمنى أن أكون قد وصلت إلى بعض ما يخفيه النص في ثنايا الحكاية ولحظة الكتابة.
***
دكتور حسام الدين خلاصي شكرا جزيلا على أناقة التعبير وجمالية اللغة وحضورها المميز الذي يبهج النظر والفؤاد معا
دمت بكل خير أستاذي وعفوا إن لم أوفق في قراءتي لقصيدتك والتي هي كانت لحظة التلقي بكل الألوان الجميلة.
***
ملا حظة نشرت القصيدة يوم 19/ 09/ 2009
ومن بين هاته النصوص التي استوقفتني لحظة طويلة قصيدة { ألوان } للشاعر حسام الدين خلاصي
اقر بدء ا بأنها قراءة ثانية ووقفة تأمل وليس نقدا أو تحليلا .لأنني لست بناقدة ولا املك أدوات التحليل ..
نقرا في استهلالية القصيدة :
لون التفكير أزرق
لون السمع أصفر
لون الكلام أحمر
لون التنهد برتقالي
لون التكبر أسود
ومنذ البداية ، نحن مدعون لما أسماه باشلار ب{ نسيان المعرفة } ، لان ما نعرف عن اللون في خياراتنا الحياتية يتغير هنا ويأخذ عمقا آخر
فاستعراض اللون في القصيدة ليس اعتباطيا أو تحصيل حاصل، انه مرتبط بالنفس البشرية المتقلبة حسب المزاجية والأجواء التي تديرها هذه الحياة فينا وبذلك ننسى معرفتنا باللون العادي هنا
إضافة إلى ذلك نجد تناغم / ضمير المتكلم / أنا / المحرك للحديث في النص وضمير / الحاضرة / الغائبة / هي /، والتي تستقرى ألآت من الحكاية / الحدث/ الخبر
لان / هي/ المحركة الرئيسية لتشكيلة اللون
لاحظ عزيزي القارئ هذا الحوار الشاعري الضمني للصورة في الضميرين .
نقرأ
لون رحيلي
لون الحب وردي
لو الكره رمادي
لون اللقاء اخضر
أول شيء هنا نلاحظه هو توزيع الأبيات بحوارية شاعرية تصاعدية نحو الأعلى ولغة الشعر / لغة السماء تأخذ هذا الأفق المتعالي في النـََّفـَس
فمن خلال فاصلة / لون رحيلي / والتي تقطع أشواط الأجواء الغائمة الحمراء ، السوداء الباهتة ، إلى الوردي لون الحب وتتويجه بلون اللقاء // الأخضر/
ان القلب يحضره الربيع مع ولادة الحب و { المرء يصبح شاعرا حين يمسه الحب } يقول أفلاطون
ويباركه في هذه اللحظات من الولادة فرح طفولي بلون البياض
يقول الشاعر " محمد محمد الشهاوي " ، في تعارض جميل مع شاعرنا حسام الدين خلاصي :
يا وجهها الشمسي إنك في دمي : السيمياء
والسحر المموسق والسطوع وأنهار الدفء والوهج
المقطر والسطوع
والسحر من موسيقى الحضور يطوف
بكل ألوان الطيف ..
فالفضاء الموحد ما بين الشاعرين هنا ، هو تجاوب إيقاعي ، ذبذبته اللون.
ويتدرج في القصيدة { ألوان } اللون عبر الحكاية الممتدة تصاعدا بالأحداث تسمعه الأذن تغريدا حزينا و طربا فيه الجناح منكسر. نقرأ :
البومة محدقة
تنظر إلي بشجن
والبلبل يغرد في القفص
بجناح مكسور
يطرب صاحبه أكثر
إن الكتابة { حالة من التخدير الموضعية. قد تشلك وقد تسليك وقد تسألك وقد تحرضك وقد تخونك..} الشاوي نقلا عن العوفي .
والكتابة هنا محرضة بامتياز ، في حضرة طقوس اللغة الشعرية الممتلئة بالدلالات العميقة..
مفردة { بومة} تفي غرض الحزن ، وهي في عرف التقاليد { نحس} كما الغراب أيضا .، .والحديث يطول هنا شرحا ومعارضة واعتراضا ، ولكن سنتجاوز هذه التفاصيل ، ونسترق السمع بتلقائية وطواعية ، لإيقاعات ما يحدث في هذا النسيج اللغوي الجميل ما بين / البومة / البلبل/ و ما بين / التحديق/ والتغريد الحزين
لاحظ عزيزي القارئ ، هذه التضاديات التي خدمت المعنى ، وأسست العلائق الباطنية للألفاظ ، في اتساقها ومعناها عبر الأبيات ، حيث نخترق بالسؤال الصورة ونخترق بالعين / التقاطا / شجن البومة ويتكرر التحديق من مفردة / محدقة / .
وهنا اللغة متعدية ، تخرج بالوظيفة الدلالية اللفظية ، إلى الإيحائية الشعرية ومن تم قد ينفصل الاسم / الشيء رسما ويتحدان عبر المعاني
فالكلمة { ممتلئة بالمعنى } كما يذهب إلى القول " صلاح عبد الصبور ".
يقول " محمد بنيس " متحدثا عن هذا الدور للغة والمفردة الممتلئة بالمعنى { تحتضن اللغة المتعدية على ما هو خارجها من فعل في الوقت نفسه الذي يصدر الفعل عنها ، في صفائها وامتلاءها تكتمل الشهادة ، فيكون الشعر بذلك يصدر عن المفهوم المركزي للحداثة وهو التقدم الذي يتحقق في الشعر عن طريق الفعل } .
لاحظ عزيزي القارىء
العلاقة ما بين / البومة / و / البلبل/ في سياق نسيج الدلالات له عمق وظيفي مهم جدا
فمفردة { تحديق } ينم عن مركزية احتواء الفضاء كناية عن الحرية او عن حرية نسبية ، وفي المقابل مفردة { القفص} في تضاد تناسقي يرسم أحقية وجود الشجن
جميل هذا المقطع من حيث وظيفة المعاني ورائع فيه التصوير على أمره.فالتحديق أعمي ، وعاجز على تحريك الفعل / ساكن / لا يتحرك بحضور القفص/ السجن
استدعى في خاطري هذا المقطع أبيات للفيتــوري يقول فيها:
أنا أتمرغ في شجني
أتوهج في بدني
غيري اعمي، مهما أصغى
لن يبصرني
يؤكد شاعرنا "حسام الدين " في البيت هذا بشكل رائع حيث نقرا :
{ يطرب صاحبه أكثر } انفرادية الفعل، ولا يشمل سوى الصاحب.
يستمر الشجن والبوح، وترسم معالم هذه اللوحة التي استقت من كل الألوان أدواتها وديكورها الروحي / فهي مرتبطة بالنفس البشرية ، كما أسلفنا ، وفي أعمق تفاصيلها
نقرأ :
وصغار ُ الحي ِّ يكبرون َ صغاراً
وعلى خدهم ْ تفاحة ُ البرد ِ الحمراء ِ
وأصابعهم ْ ألماً تتكسر ْ
لا يمكن أن يمتد العمر / صغرا/ ، بدهية معلومة ، ولكن هنا تيمة الغياب ألقسري لاحتياجات المعنوية لأنها غيابات معنوية بالأساس فان العمر يبهت لونه ومشروعية استمراريته الوظيفية
لاحظ كيف تعود قضية اللون هنا بشكل عميق ولذلك قلنا بداية بان استعمالها ليس اعتباطيا ، إنما للدلالة على تيمة النص المركزية والمؤسسة لكامل الأبيات.
يستمر هذا الصراخ المكتوم بلواعج كظيمة ألما حيث نقرا :
وأمهاتهم ْ بالنحيب ِ على الراحل ِ
يملأن َ جرار َ الدمع ِ العصي ِّ
والقلب ُ يتمر مر يتمر مرْ
نلاحظ قوة تماسك الريتم هنا الإيقاعي / الدلالي ومنذ المقطع الأول ، كإشارة مـُحـْدِثة لمستقبلية القراءة في نسيج الكتابة هنا . حيث النـفـَسُ ممتد ، واللون يتداعى أمامنا في تجلياته المسكونة بالضبابية الباهتة
فصورة الكلمة في هذا المقطع عميقة ، تؤدي دورها بامتيا ،وتوافق حنيني داخلي من خلايا الحروف ، فأتت مفردات / النحيب/ الراحل / جرالدمع / القلب يتمر مر ْ .. متماسكة.
يستمر الإيقاع الدلالي لهذه الألوان الباهتة ونقرأ مع شاعرنا خلاصي :
أشجارنا ليست ْ زاهية َ الألوان ِ
وكتب ُ الأطفال ِ تمتلئ ُ بقصص ِ الرعب ِ
وعلى الرصيف ِ بقايا الهمبرغرْ
وعلب ُ التنك ِ الفارغة ِ
تنتظر ُ عشاق َ الجمع ِ للمَكْسَرْ
تمررنا الأشجار في إعصارات قوية كالهجير، صهدا ليس به زهوة / في غياب الألوان وغياب الحياة
فما فائدة الشجرة دون لون ؟ دون عطاء ؟؟ ما فائدة أن نستحم خواء فيها ومنها ؟؟
ننتقل من الذات إلى الجماعة ، من الوعي الفردي إلى التوحد في الرؤيا البانية ، المؤسسة لكينونة السؤال فينا .
المرآة هنا ، متنفس لكل الإحباط والهموم النفسية المدركة ، لتجليات الواقع .المرآة هنا ليس واجهة عاكسة إنها إخراج لما في الداخل من الداخل ، فالرؤية داخلية عميقة ..
يقول " هيجل " في هذا الصدد { إن الشاعر لا يملك غير الكلمات ، لكنه يملك أن يغير العالم بهذه الكلمات } نقلا عن العوفي.
يقول "صلاح عبد الصبور " عن علاقة الشاعر باللفظة / الكلمة / :
حديثي محض ألفاظ ، لا أملك إلاها
أرقرقها لكم نغما ، أجملها أفانينا
ارقشها تلاوينا
وللألفاظ سلطان على الإنسان
فللكلمة قوة الحضور { إن اللغة مطر وطين في آن ، بالكلمات نفسها ، يصنع بعضهم الينابيع ، ولا يصنع بعضهم سوى الآخر غير الوحل } ادونيس.
وفي { البدء كانت الكلمة }.
يستمر العزف على وتر الشجن وتكون الصورة صعبة جدا والأحلام لا حبر يكتبها تحقيقا ولابن ولا سكر، تـُحلى به أوردة الأمنيات ولا غصن زيتون أماله الهوى ، نقرا مع شاعرنا حسام الدين خلاصي هذه المبعثرة للحلم الغياب :
أحلامنا لا يوجد ُ أحد ٌ فيها
خاوية ٌ مثل َ محطات ِ السفرْ
أقلامنا ناشفة ٌ
من َ الحبر ِوالبن ِ واللبن ِ
والتين ِ والزيتون ِوالسكر ْ
ورغم هذا الخواء فان المتلقى / القارىء يسترجع بعضا من أنفاسه في ظل كل هذا النفس المتلاحق ، وتنفرج للحظات أساريره مع نهاية الابتسامات مع ضمير المتكلم / أنا / وحضور / الغائبة / هي/ ، في حوارية جميلة تسترخي فيها العين من تعب ما مضى .
نقرا في آخر مقطع من القصيدة :
مـُرة هي ابتساماتي...
إلا وجهك المنير كقمر تكور
دُومي معي
لك ِ قلبي الملون ِ بالعطر ِ
وقلبي كل ُ ما أملك ُ ولا أملك ُ أكثر ْ
تنفتح الرؤيا اخير وتاحذ لونا شفافا ، يلغي من ذاكرة العين والقلب كل الألوان الباهتة ويتسلطن لون الحب ماحيا كل ضبابية
يقول الشاعر " عزت الطيري " في تعارض جميل مع شاعرنا "حسام الدين خلاصي ":
اعد كل شيء
في انتظاره لها
ودندن اسمها
وهدب الكلام والاحلام
لون المكان والزمان
بازدهائه بها ..
الله ..
كم جميل هذه الثنائية في الحب منه إليها ومنها إليه ..
يصادق " درويش محمود " عزت الطيري وحسام الدين خلاصي بترنيمة مواتية والحديث عن " الحبيبة " يقول درويش "
يطير حمام
يحط حمام
اعدي لي الأرض كي أستريح
فإني أحبك حتى التعب
صباحك فاكهة للأغاني
وهذا المساء ذهب
ونحن حين يدخل كل ظل إلى ظله في الرخام
وأشبه نفسي حين اعلق نفسي
على عنق لا تعانق غير الغمام
وأنت الهواء الذي يتعرى أمامي كدمع العنب
وأنت بداية عائلة الموج حين تشبث بالبر
حين أغترب
واني احبك ، أنت بداية روحي / وأنت الختام
ومهما تكن الحبية هنا / أرضا/ وطنا / المراة ....فإنه في غيابها تضيع كل ألوانه / هو /
لأنها شعلة كل الألوان ..
قصيدة رائعة أخذتني بالجملة وبالتفصيل الصغير وودِدْت أن أقف مرة أخرى هنا سيدي .
وأتمنى أن أكون قد وصلت إلى بعض ما يخفيه النص في ثنايا الحكاية ولحظة الكتابة.
***
دكتور حسام الدين خلاصي شكرا جزيلا على أناقة التعبير وجمالية اللغة وحضورها المميز الذي يبهج النظر والفؤاد معا
دمت بكل خير أستاذي وعفوا إن لم أوفق في قراءتي لقصيدتك والتي هي كانت لحظة التلقي بكل الألوان الجميلة.
***
ملا حظة نشرت القصيدة يوم 19/ 09/ 2009
تعليق