عندما نسير في طريق سريع ..
تزدحم فيه السيارات .. وتزداد سرعتها ..
لا يرى الراكب إلا أشباحا تمر كالبرق الخاطف أمامه ..
إنها أشبه حالا بالدنيا التي نعيشها ..
مسرعة تأخذنا بحوادثها وأيامها فلا نعي إلا أننا بدأنا من أول الطريق ..
ووصلنا آخره .. دون أن نتفكر بكل ما نراه حولنا ..
أو نحاول الوقوف قليلا لنهدأ من هذه السرعة وهذا الدوران ..
توقف الطريق السريع الموصل إلى مدينة هانوفر في ألمانيا .. فجأة ..
يا إلهي .. وموعدنا بعد نصف ساعة ؟
لا يمكننا التحرك .. فمئات .. بل آلاف السيارات وقفت رغما عنها ..
إنه الازدحام الدائم في تلك البقع المكتظة ، على أن الطريق واسع وكبير جدا !!
ها نحن نسير ببطء شديد ولا أحد يستطيع التنبؤ كم من الوقت يلزمنا لينفك هذا الزحام ..
لا بأس .. لا بد أن أجد ما أفعله في هذا الوقت .. فالانتظار قاتل ..
أمسكت أوراقي وقلمي ..
وبدأت أفكر بموضوع أكتبه ..
لا شيء في بالي الآن .. إلا أننا سنتأخر عن موعدنا ..
نظرت من النافذة الجانبية .. وبدأت بعَدِّ السيارات ..
سيارات المرسيدس فقط .. لأني أحبها .. وبعد أن عددت ما يقارب من مئتين وخمسين سيارة من هذا النوع .. بدأت بعد سيارات الـ بي إم .. وأنظر في ساعتي
خلال عشر دقائق .. كم مرت من سيارة مرسيدس ..
وكم من الـ بي إم دبليو ..
لا تستغربوا .. عملتُ إحصائية .. أليس الفراغ يفعل كل شيء !!!!
أخيرا ولا أدري كيف ..
تركت العد .. وبدأت أتأمل الراكبين في تلك السيارات .. وأتأمل أفعالهم ..
فالبطء الشديد في المسير يجعلني أقرب إلى تأملهم ..
وبما أني أركب ( كرفانا ) عاليا .. والسيارات قصيرة .. فالنظر من علو يعطي انطباعا وتصورا أجمل وأفضل ربما ..
هذه امرأة عجوز .. لا بد وأنها تجاوزت السبعين من عمرها ..
فقسمات وجهها تدل على ذلك ..
تضع في رقبتها المليئة بتجاعيد السنين طوقا من اللؤلؤ الغامق .. لعله يخفي شيئا من هذه الترهلات ..
أو كما هي عادة الكبار هناك .. وكأن اللؤلؤ دلالة على الثراء والغنى ..
فهي تركب في سيارة حديثة من طراز بي إم .. وبجانبها زوجها المقارب لها عمرا ..
كما هي أيضا عادة الأوربيين في الزواج من نفس العمر أو قد تكون المرأة أكبر بعامين .. وربما أكثر .. وتضع على شفتيها الرقيقتين ملونا للشفاه بلون وردي غامق ..
وتلبس تنورة ( بليسييه ) مكسرة صفراء .. وقميص حريري أبيض ..
وزوجها يلبس بدلة كحلية اللون .. وقد خلع سترته وعلقها بالخلف على النافذة من الداخل ..
بيدها تفاحة .. تقشرها ببطء شديد .. وكأنها تحفة فنية بين يديها ..
وتقسمها أهلة صغيرة تناولها لزوجها .. أو تدسها برقة بين شفتيه ..
كان منظرهما أكثر من رائع .. كعصفورين محبين حتى في نظرات العيون ..
لا أدري كيف تفلتت هذه السيارة من جانبي .. وحلت محلها أخرى ..
إنها امرأة شابة تجلس بين صغيرين لها في الخلف ..
كل طفل على كرسيه الخاص مربوط به ..
الزوج يقود السيارة في الأمام وحده ..
وهي في الخلف ترضع هذا وتُطعم ذاك ..
لعلها فترة الأمومة .. لا بد أن تـُفقد الزوجين شيئا من تقاربهما ..
وتحتاج إلى تضحية من كليهما ..
ها هي ذي تمر .. مركبة ثالثة ..
زوج وزوجته .. في نهاية العشرينيات من عمرهما ..
يبدو أنهما متزوجان حديثا .. فكل منهما يضع في إصبعه خاتم خطوبة ..
ولكن !!
لماذا هذا الجمود !! لعلهما تزوجا .. وبدأت المشاكل كما هي عادتهم ..
يعيش الرجل مع صديقته سنوات طويلة .. وقد يُنجبا أطفالا ..
وهما في سعادة غامرة .. وما أن يتم العقد بينهما .. حتى تبدأ المشاكل ..
وتبدأ النهاية .. للطلاق !!
كانت ترتسم على وجهها هالة من العبوس والغضب .. وهو كذلك ..
لا يشتركان بشيء إلا بالخاتم في أصابعهما .. وبكيس ( الشيبس ) الذي يأكلان منه بصمت ..
هنا .. في المركبة الرابعة أمامي ..
امرأة في الأربعينيات من عمرها وزوجها يسوق السيارة .. وأبناؤها بالخلف ..
كانت تمسك الخريطة .. تفرشها على ساقيها المرفوعتين إلى أعلى ..
ويدل شكلها على احتدام المشكلة بينها وبين بعلها الهاديء جدا ..
ينظر إليها بعين المسكين ..
وهي تصرخ به .. وتضرب على فخذيها من العصبية ..
لا أدري مالذي كانت تقوله له .. ولكن يبدو أنها تحذره من عدم سماعه لمشورتها في اختيار الطريق مرة أخرى .. فهاهو الزحام يوقفها ربما لساعات ..
ولأنها من الوزن الثقيل فلا بد أن الجلوس في السيارة لفترة طويلة يضايقها بشدة ..
ما أكثرهم .. هؤلاء الذين يتكلمون في هواتفهم الجوالة ..
وعجبا ترى من تعابير الوجوه ..
تارة ضحك هستيري ..
وتارة بسمات وهمسات وتأوهات وإرخاء للجفون وميلان بالرأس بدلال ..
وتارة غضب وصراخ .. أو عصبية ونرفزة ..
رائع هو تأمل الوجوه وقت تحدثها في الهاتف .. دون أن تشعر أن هناك مَن يراقبها عن بُعد !!
هذه التي تقضم أظافرها ..
ذاك الذي يمد أصبعه في أنفه .. ثم مباشرة .. إلى فمه .. أي لذة في هذا .. لا أدري ..
ولكنها الدنيا تحمل العجائب والغرائب ..
رجل يدخن بشراهة عجيبة .. وبجانبه ابنه الصغير لا يتجاوز السابعة ..
ينفث في وجهه كل هذه السموم ..
يا إلهي .. أين روح الأبوة .. والخوف على الإبن !!؟
وتلك التي تلبس نظارة مكبرة .. وتحمل سنارة في يدها تحيك منها مفرشا رائعا ..
التفت إلى أمي .. وإذ بها تقشر لأبي برتقالا ..
وتناوله إياها حزوزا ليأكلها ..
هل قال أحد من قبل أن البرتقال يهدئ الأعصاب !!؟
أما أنا .. فقد استمتعت بهذا الوقت .. وكتبت كل هذه الصفحات ..
وها قد انفرج الطريق .. أيعقل هذا .. ساعتان من الوقت مرتا وأنا أتأمل الغادي والرائح !!
وأعد السيارات .. وأكتب ملاحظاتي !!!
أسماء هيتو
ألمانيا
10 / 5 / 2003 م
تزدحم فيه السيارات .. وتزداد سرعتها ..
لا يرى الراكب إلا أشباحا تمر كالبرق الخاطف أمامه ..
إنها أشبه حالا بالدنيا التي نعيشها ..
مسرعة تأخذنا بحوادثها وأيامها فلا نعي إلا أننا بدأنا من أول الطريق ..
ووصلنا آخره .. دون أن نتفكر بكل ما نراه حولنا ..
أو نحاول الوقوف قليلا لنهدأ من هذه السرعة وهذا الدوران ..
توقف الطريق السريع الموصل إلى مدينة هانوفر في ألمانيا .. فجأة ..
يا إلهي .. وموعدنا بعد نصف ساعة ؟
لا يمكننا التحرك .. فمئات .. بل آلاف السيارات وقفت رغما عنها ..
إنه الازدحام الدائم في تلك البقع المكتظة ، على أن الطريق واسع وكبير جدا !!
ها نحن نسير ببطء شديد ولا أحد يستطيع التنبؤ كم من الوقت يلزمنا لينفك هذا الزحام ..
لا بأس .. لا بد أن أجد ما أفعله في هذا الوقت .. فالانتظار قاتل ..
أمسكت أوراقي وقلمي ..
وبدأت أفكر بموضوع أكتبه ..
لا شيء في بالي الآن .. إلا أننا سنتأخر عن موعدنا ..
نظرت من النافذة الجانبية .. وبدأت بعَدِّ السيارات ..
سيارات المرسيدس فقط .. لأني أحبها .. وبعد أن عددت ما يقارب من مئتين وخمسين سيارة من هذا النوع .. بدأت بعد سيارات الـ بي إم .. وأنظر في ساعتي
خلال عشر دقائق .. كم مرت من سيارة مرسيدس ..
وكم من الـ بي إم دبليو ..
لا تستغربوا .. عملتُ إحصائية .. أليس الفراغ يفعل كل شيء !!!!
أخيرا ولا أدري كيف ..
تركت العد .. وبدأت أتأمل الراكبين في تلك السيارات .. وأتأمل أفعالهم ..
فالبطء الشديد في المسير يجعلني أقرب إلى تأملهم ..
وبما أني أركب ( كرفانا ) عاليا .. والسيارات قصيرة .. فالنظر من علو يعطي انطباعا وتصورا أجمل وأفضل ربما ..
هذه امرأة عجوز .. لا بد وأنها تجاوزت السبعين من عمرها ..
فقسمات وجهها تدل على ذلك ..
تضع في رقبتها المليئة بتجاعيد السنين طوقا من اللؤلؤ الغامق .. لعله يخفي شيئا من هذه الترهلات ..
أو كما هي عادة الكبار هناك .. وكأن اللؤلؤ دلالة على الثراء والغنى ..
فهي تركب في سيارة حديثة من طراز بي إم .. وبجانبها زوجها المقارب لها عمرا ..
كما هي أيضا عادة الأوربيين في الزواج من نفس العمر أو قد تكون المرأة أكبر بعامين .. وربما أكثر .. وتضع على شفتيها الرقيقتين ملونا للشفاه بلون وردي غامق ..
وتلبس تنورة ( بليسييه ) مكسرة صفراء .. وقميص حريري أبيض ..
وزوجها يلبس بدلة كحلية اللون .. وقد خلع سترته وعلقها بالخلف على النافذة من الداخل ..
بيدها تفاحة .. تقشرها ببطء شديد .. وكأنها تحفة فنية بين يديها ..
وتقسمها أهلة صغيرة تناولها لزوجها .. أو تدسها برقة بين شفتيه ..
كان منظرهما أكثر من رائع .. كعصفورين محبين حتى في نظرات العيون ..
لا أدري كيف تفلتت هذه السيارة من جانبي .. وحلت محلها أخرى ..
إنها امرأة شابة تجلس بين صغيرين لها في الخلف ..
كل طفل على كرسيه الخاص مربوط به ..
الزوج يقود السيارة في الأمام وحده ..
وهي في الخلف ترضع هذا وتُطعم ذاك ..
لعلها فترة الأمومة .. لا بد أن تـُفقد الزوجين شيئا من تقاربهما ..
وتحتاج إلى تضحية من كليهما ..
ها هي ذي تمر .. مركبة ثالثة ..
زوج وزوجته .. في نهاية العشرينيات من عمرهما ..
يبدو أنهما متزوجان حديثا .. فكل منهما يضع في إصبعه خاتم خطوبة ..
ولكن !!
لماذا هذا الجمود !! لعلهما تزوجا .. وبدأت المشاكل كما هي عادتهم ..
يعيش الرجل مع صديقته سنوات طويلة .. وقد يُنجبا أطفالا ..
وهما في سعادة غامرة .. وما أن يتم العقد بينهما .. حتى تبدأ المشاكل ..
وتبدأ النهاية .. للطلاق !!
كانت ترتسم على وجهها هالة من العبوس والغضب .. وهو كذلك ..
لا يشتركان بشيء إلا بالخاتم في أصابعهما .. وبكيس ( الشيبس ) الذي يأكلان منه بصمت ..
هنا .. في المركبة الرابعة أمامي ..
امرأة في الأربعينيات من عمرها وزوجها يسوق السيارة .. وأبناؤها بالخلف ..
كانت تمسك الخريطة .. تفرشها على ساقيها المرفوعتين إلى أعلى ..
ويدل شكلها على احتدام المشكلة بينها وبين بعلها الهاديء جدا ..
ينظر إليها بعين المسكين ..
وهي تصرخ به .. وتضرب على فخذيها من العصبية ..
لا أدري مالذي كانت تقوله له .. ولكن يبدو أنها تحذره من عدم سماعه لمشورتها في اختيار الطريق مرة أخرى .. فهاهو الزحام يوقفها ربما لساعات ..
ولأنها من الوزن الثقيل فلا بد أن الجلوس في السيارة لفترة طويلة يضايقها بشدة ..
ما أكثرهم .. هؤلاء الذين يتكلمون في هواتفهم الجوالة ..
وعجبا ترى من تعابير الوجوه ..
تارة ضحك هستيري ..
وتارة بسمات وهمسات وتأوهات وإرخاء للجفون وميلان بالرأس بدلال ..
وتارة غضب وصراخ .. أو عصبية ونرفزة ..
رائع هو تأمل الوجوه وقت تحدثها في الهاتف .. دون أن تشعر أن هناك مَن يراقبها عن بُعد !!
هذه التي تقضم أظافرها ..
ذاك الذي يمد أصبعه في أنفه .. ثم مباشرة .. إلى فمه .. أي لذة في هذا .. لا أدري ..
ولكنها الدنيا تحمل العجائب والغرائب ..
رجل يدخن بشراهة عجيبة .. وبجانبه ابنه الصغير لا يتجاوز السابعة ..
ينفث في وجهه كل هذه السموم ..
يا إلهي .. أين روح الأبوة .. والخوف على الإبن !!؟
وتلك التي تلبس نظارة مكبرة .. وتحمل سنارة في يدها تحيك منها مفرشا رائعا ..
التفت إلى أمي .. وإذ بها تقشر لأبي برتقالا ..
وتناوله إياها حزوزا ليأكلها ..
هل قال أحد من قبل أن البرتقال يهدئ الأعصاب !!؟
أما أنا .. فقد استمتعت بهذا الوقت .. وكتبت كل هذه الصفحات ..
وها قد انفرج الطريق .. أيعقل هذا .. ساعتان من الوقت مرتا وأنا أتأمل الغادي والرائح !!
وأعد السيارات .. وأكتب ملاحظاتي !!!
أسماء هيتو
ألمانيا
10 / 5 / 2003 م
تعليق