قراءة نقدية سيكلوجية لخيمة ليل جمال مرسي بقلم د. عبد الله كراز

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د. جمال مرسي
    شاعر و مؤسس قناديل الفكر و الأدب
    • 16-05-2007
    • 4938

    قراءة نقدية سيكلوجية لخيمة ليل جمال مرسي بقلم د. عبد الله كراز

    قراءة نقدية سيكولوجية في قصيدة "في خيمة الليل" للشاعر الدكتور جمال مرسي:
    البحث عن مكنون الذات الإنسانية


    بقلم د. عبد الله كراز


    القصيدة :

    في خيمة الليل

    شعر : د. جمال مرسي

    أَرَقٌ ، أَرَقْ .
    الليلُ يَسكُنُ خَيمَةً شِتوِيَّةً
    نَسَجَتْ خُيُوطَتَها الكَوَاكِبُ و النُّجُومُ..
    و ثَبَّتَت أَوتَادَهَا فَي الأَرضِ أَرسَانُ الأَرَقْ .
    مُتَأَهِّباً لِلنَّومِ،
    أَرخَى فَوقَ عَينِ الكَونِ سِتراً أَسوَدا .
    و على بِسَاطِ الأرضِ نَامَ مُمَدَّدا .
    نَظَرَت إلى الأُفقِ البعيدِ عُيُونُهُ .
    هُوَ لا يَكادُ يرى يَدَيهِ
    و لَيسَ يَسمَعُ في الفَضَا إلاَّ الصَّدَى
    أَحلامُهُ مَاتَت عَلَى شَفَةِ السؤالِ
    تَنَازَعَتهَا وَحشَةٌ،
    و نُيُوبُ ذئبٍ بَربَرِيٍّ ..
    لَم يَزَل يَطَأُ الجِراحَ ، النَّهرَ ،
    ضِحْكاتِ الصِّغَارِ ، الوَردَ ،
    آياتِ الكِتَابِ ، منازِلَ الشُّرَفَاءِ ،
    مَكتَبَةً ..
    بِكُلِّ صَغِيرةٍ و كَبِيرَةٍ زَخَرَت ،
    و حِبراً داعَبَت قطراتُهُ وَجهَ الوَرَقْ .


    أَرَقٌ ، أَرَقْ .
    الليلُ يَسكُنُهُ الأَرَقْ
    و أنا سَأَسكُنُ خَيمَةَ اللَّيلِ الذي أَبصَرتُهُ
    يَبكِي لأَوَّلِ مَرَّةٍ
    و لَطَالَمَا صَدَرَت عَلَى سَاعَاتِهِ أَحكَامُهُم
    هُوَ ظَالِمٌ ،
    هُوَ مُظلِمٌ ،
    هُوَ بَاعِثٌ لِلحُزنِ فَليُشنَق عَلَى بَابِ الفلقْ .
    أَو تُحبَس الأَنسَامُ عَنهُ
    يَنُوءُ بِالنَّجمَاتِ ، بِالقَمَرِ المُنِيرِ بِأفْقِهِ ،
    بِسكُونِهِ ،
    بِجَلالِهِ ،
    بِجَمَالِهِ ، بِسَوَادِهِ ،
    يَهوِي إِلَى أَرضِ النِّفَاقِ فَيَحتَرِقْ.
    يَا أَنتِ هَيَّا نُوقِدُ النِّيرَانَ ،
    أَضيَافُ الدُّجَى قَد أَقبَلوا..
    مِن كُلِّ فَجٍّ حَامِلِينَ جِراحَهُم ،
    و وُرُوُدَهُم ،
    و كُؤُوسَ لَهفَتِهِم إِلَى شَهدِ اللِّقَاءِ
    فَهَيِّئِي مِن خَيمَةِ اللَّيلِ الوِسَادَ
    و عَطِّرِيني مِن أَرِيجٍ لَيسَ يَعرِفُهُ سِوَانَا
    رُبَّما لَو تُهتُ عَنكِ يَدلُّنِي سِحرُ العَبَقْ .


    أَرَقٌ أَرَقْ
    الليلُ يُوشِكُ أَنْ يَنامَ على ذِرَاعِ الفَجرِ
    قد ثَقُلَت عليهِ همومُهُ .
    أَتُراهُ يتركني وحيداً ..
    لا نديمَ سوى التذكِّرِ ..
    حين يقطعُ طيفُكِ القَمَرِيُّ آفاقَ اغترابي
    تاركاً لي قصةَ الحُبِّ الطفوليِّ ،
    ابتسامَتَكِ البريئةَ ،
    لونَ عينيكِ ،
    الرؤى ،
    قاموسَ أيامِ الرعونةِ و النَّزَقْ .


    أرَقٌ أرَقْ .
    الليلُ يَضحَكُ لِي ،
    يُوَدِّعُنِي ،
    و يَمضِي حَيثُ يَأْخُذُهُ الصَّباحُ إِلى البَعِيدِ
    و لَم أَزَل أَقتَاتُ عُشبَ الحُزنِ
    أَلتَحِفُ الأَسى ،
    و النومُ يأبى أَن يُصَالِحَ مقلتي .



    القراءة :

    بقلم : د. عبد الله كراز


    أَرَقٌ ، أَرَق

    يبدو أن الشاعر يصر على الاشتباك مع لغة التكرار في تصويره لحالة شعورية تركت بصماتها على صفحة حرفه وواصل نهج البحث عن الذات التي تسكن في ليل يحاول أن يسكن تفاصيله ويستنطق كل دلالاته النفسية والمعنوية والطقوسية. لذلك، نرى أن للعنوان أهمية قصوى في استدراج المتلقي نحو أغوار النص التي تفضي بالكثير من تضاريس الحالة النفسية للشاعر - أو ما يمكن أن يكون قناعه – والتي تخرج من أتون تجربته الشخصية بما يعكس حالة من نفير المشاعر والأحاسيس نقش الشاعر ألغازها وشيفراتها وأيقونات دلالاتها في لوحة نصية تكتمل في انزياحات تعبيرية لا بد منها بهدف الإشارة الملحة للبعد الإنساني التي يحاول النص تحويلها من الشخصي إلى الكوني أو الجمعي.
    في البدء كان الأرق يستهل الداخل الذاتي للشاعر بما يحمله الأرق من أبعاد سيميائية وثيماتية تدل بم لا يدع مجالاً للشك على عمق الأحاسيس والتفاعلات التي خلقتها التجربة الشعورية و تركتها في الذات "الجوّانية" للمتكلم المعبر عن ضجره وملله وعميق التأسي لما وصل إليه مستحضراً تفاصيل الحالة الوصفية للشاعر وقت وقوع الحدث الشعري.
    لكل هذا، نجد الشاعر يلجأ لاستحضار المفردات وصورها التي تؤهل النص للاشتباك مع القارئ عندما يضطر لتفكيكها بحثاً عن دلالات الصور والمجاز واللغة البليغة وأيقونات يجترها الشاعر من رحم المعاناة الإنسانية ووحيها. فمثلاً، وبعد أن تكرر الأرق كحالة انفعالية وميكانيزمية للدفاع عن الذات، لجأ شاعرنا للوصف الجمالي لكنه الليل بحيث أنسن الشاعر ليله ليكون ملجأً خاصاً يلتحف عراه ويفترش نسيجه من الخيوط التي استمدها من الكواكب والنجوم. وهنا نستحضر عناصر الطبيعة بما تحمله من دلالات رومانسية تفشي بأسرار تلك النفس الشاعرة على ما تكتنف من رمزية جمالية شكلت مضموناً يزهو به النص ويجعل المتلقي يتماهى مع صاحبه أو قناعه، فهو يقول عن الليل كواحد من الأصدقاء والصحبة الذين يلجأ إليهم الشاعر في مثل تلك الحالات من الهم والتشظي: الليلُ يَسكُنُ خَيمَةً شِتوِيَّةً، بما تحمله هذه الصورة من دلالات فصلية أسطورية تدخل بنا عالم الشتاء وطقوسه من برد قارس و شديد التأثير، بحيث نستنتج أن الشاعر وخيمته عرضة للاقتحام والخطر المدلهم والذي لا مناص منه وبما أن اللغة لها شغلها الملح والضروري نجد الشاعر يشخصن (يشخص) – يجعله شخصاً يتماهى مع ذاته المعذبة، خاصةً ونحن نقرأ كيف لهذا الليل من قدرات فنية وحرفية – كما أراد الشاعر له – ليقوم بنسج متقن المعالم للخيوط التي ربما تشكل بدلالاتها حالة دفاع عن النفس التي هي أصلاً تتعرض للضغوط الآتية من خارج الذات الشاعرة أو داخلها.
    وما يعزز تلك الحالة الهروبية هو لجوء النص لاستخدام حالة من طبيعة الإنسان في حاجته الفسيولوجية في للنوم مبتعداً عن تفاصيل الرؤية الليلة ولكن يبدو أن الشاعر لم يسلم من وسوسات الليل القهرية، حيث يعبر عن ذلك في:

    أَرخَى فَوقَ عَينِ الكَونِ سِتراً أَسوَدا .
    و على بِسَاطِ الأرضِ نَامَ مُمَدَّدا .
    نَظَرَت إلى الأُفقِ البعيدِ عُيُونُهُ .
    هُوَ لا يَكادُ يرى يَدَيهِ

    هذا المقطع يعزز حالة الشاعر/القناع النفسية المتأزمة، بحيث تتسيّده العتمة بدلالاتها الباعثة على الخوف والرهبة والاغتراب النفسي، بحيث أيضاً لم يجد أنيساً حقيقياً حوله إلا الليل مرات ومرات وهذه المرة يلجأ لمفردة "الصدى" والي يمكن أن تنطوي على غموض، ذلك أن الصدى كصورة جمالية ودلالية قد تشير لحالات من الأنسنة لعنصر يستحضره الشاعر / القناع من وحي الطبيعة التي تشتبك معه ولا تغادر بؤرة إلا وشكلت أثرا سلبياً – تهديداً – له، وربما هي حالة أخرى ومباشرة للبوح بالتشظي التي تتكدس شظاياها فوق هام الشاعر وتجرح سكينته المعرضة للزلزلة:
    و لَيسَ يَسمَعُ في الفَضَا إلاَّ الصَّدَى

    ثم يجتر الشاعر/القناع صورة أخرى وأسطورية تكمن في "الموت" الذي يأمل القناع أن يتحول لخلاص أكيد من إرهاصات التشظي والوجع والألم الذي يسكن النفس الإنسانية، وهنا يجسد النصُ الأحلامَ وينفخ فيها ريح إنسان يتحرك ويتألم ويموت ولو بعد حين، ولكن يريدها هنا أن تستقبل موتها "عَلَى شَفَةِ السؤالِ" ، غير متناسين أن الصورة تتواصل بشقها الآخر في تجسيد السؤال وأنسنته وتحويله لكائن يمكن أن يلجأ الشاعر إليه وقت حاجته الملحة. على الرغم من هذا تبقى لغة الشاعر المجازية ملتهبة ومشتعلة الدلالات في استحضار المزيد منها تأكيداً للحالة الغرائبية التي بدأت تتشكل في ذهن الشاعر - أو قناعه – وبحيث تصبح أداته القصوى في التعبير الصادق والبناء المتين والقوي وبكل ما اكتنفت من جماليات وصفية وحيوية تتراسل مع رموز أكثر وحشيةً ورهبةً واستدعاءً لثيمة الخوف والهلاك:

    و نُيُوبُ ذئبٍ بَربَرِيٍّ ..
    لَم يَزَل يَطَأُ الجِراحَ ، النَّهرَ ،
    ضِحْكاتِ الصِّغَارِ ، الوَردَ ،
    آياتِ الكِتَابِ ، منازِلَ الشُّرَفَاءِ ،
    مَكتَبَةً ..
    بِكُلِّ صَغِيرةٍ و كَبِيرَةٍ زَخَرَت ،
    و حِبراً داعَبَت قطراتُهُ وَجهَ الوَرَقْ .

    وهنا نلمس تحولاً مفاجئاً في خطاب النص الشاعري ونقطة تحول في صوته التي لا تزال تعلن خوفها من المجاهيل الليلية بحيث يصبح هذا الوحش ضخماً وبربرياً دون رحمة وتطال تهديداته كل مناحي حياة الشاعر أو قناعه، لنستنج أن الشاعر لا يمكن من خلال هذه الصور وتداعياتها أن يخاطب كائناً حيوانياً بكل هذه القدرات على التدمير والبطش والهلاك، وهنا نقراً ما بين سطور التعبيرات والصور ما نصاً يختبئ وراء المصرح به ويستدعي تفسيرها رمزياً واستعارياً دالةًً على قوةٍ من صنع البشر قادرة على فعل أكثر مما قال النص وما لم يقل:

    أَرَقٌ ، أَرَقْ .
    الليلُ يَسكُنُهُ الأَرَقْ

    من هذه الصورة المتسيدة لليل نجد تحولاً في صيغة الخطاب الشعري في النص وبما يتيح للشاعر التعبير بعمق أكثر وحيوية شاعرية تفاعلية، لنجد أن الليل أصبح مسكوناً بالأرق ذاته بعد أن سكن الخيمة وعرضها لكل ما يستبيح استقرار الشاعر النفسية وهدأته الشعورية، وليصبح الليل أيضاً مكاناً يستوعب كل هذا الأرق والتشظي والتشتت ومعمقاً فكرة النص في تعرية ما يتعرض له الشاعر/القناع من هموم لا تنجلي ولا ينضب معينها وتبريراً لكل هذا الشعور السوداوي الذي يدثر باطن الشاعر.
    يبقى الرمز يولد آخر ويستجدي المزيد بأسلوب الانزياح تارةً والتكثيف تارةً أخرى، وهنا يدخل النص فضاءً شخصياً وذاتياً يبنيه الشاعر بألوان بديعه وجمالياته تكرساً لما بدأ به النص أصلاً، حيث يستخدم الشاعر "أنا" وبلغة المستقبل وكأن في ذلك استشرافاً لما يأتي:

    و أنا سَأَسكُنُ خَيمَةَ اللَّيلِ الذي أَبصَرتُهُ
    يَبكِي لأَوَّلِ مَرَّةٍ

    فالشاعر هنا يواصل البحث عن مستقر نفسي قبل - الفيزيائي – فهو يعلن قراره الذاتي بعد اعتمال الحالة الأولى من التشظي والتيه في جوّاه مستأذنا من "أناه" مروراً ب"الهو" واستئناساً ب"الوعي المطلق" الصاعد من الداخل المتألم والمتوهم، في أن يسكن خيمة الليل مكاناً نهائياً بعد أن رآه يبكي ، لذا نلاحظ تقنية التكثيف التي يوظفها الشاعر من أجل أن نتماهى معه ونتوحد مع قناعه دون تردد وكأننا نعيش الحالة ذاتها في أجواء واقعية ودون أقنعة. وبالتالي نجد الشاعر يصر على استحضار صفات تفي بدلالات الصراع مع الكون والبشر والحجر:

    و لَطَالَمَا صَدَرَت عَلَى سَاعَاتِهِ أَحكَامُهُم

    هُوَ ظَالِمٌ ، وهنا إيحاء مطلق بأن الظلم صفة تلازم الجنس البشر الإنساني ما دام هناك كون يتحرك فيه الإنسان على عجالة من عمره وأمره، وبالتجاور الفني والدلالي ذاته تأتي الصفة "مظلم" مكملةً للأسلوب التعبيري النفس-حركي، حيث:

    هُوَ مُظلِمٌ،
    هُوَ بَاعِثٌ لِلحُزنِ فَليُشنَق عَلَى بَابِ الفلقْ .

    من هنا يتأكد لنا أسلوب الانزياح بمهارة شاعرية تنم عن شاعر شغلته الدنيا بما فيها ولم يبق أمامه سوى الليل وطقوسه وإرهاصاته، وهذه المرة باجترار الرمز الديني في مفردة "الفلق" كتعويذة مستوحاة من اللجوء المقصود والمحمود إلى الديني والروحاني على أمل أن يساعده ذلك في الخلاص من أبشع صور الألم والتشظي وقسوتها، ولكن يصر الشاعر على التراتبية الرمزية العضوية والتراسل الرمزي النفسي المستوحى من واقعية التجربة وعالمها الباطني، حيث يقول:

    يَنُوءُ بِالنَّجمَاتِ ، بِالقَمَرِ المُنِيرِ بِأفْقِهِ ،

    وهنا لجوء مباح لقوى الطبيعة وعناصرها التي تعكس بدلالاتها نية الشاعر/القناع على الاستقواء بها ما يدل على استجدائه للطبيعة بكل قوة شراهة، حيث نرى الشاعر يستجلي الليل بالنجمات والقمر المنير وكأننا أمام مشهد ليلي محفور على لوحة تضيئها مصابيح من وراء سطحها مشكلتاً طقساً رومانسياً مسكوناً بإنسانيته ودلالاته التفاؤلية:

    بِسكُونِهِ ،
    بِجَلالِهِ ،
    بِجَمَالِهِ ، بِسَوَادِهِ ،

    ومرةً أخرى، يسقط الشاعر خصال إنسانية على الليل المخلص حينما "يَهوِي إِلَى أَرضِ النِّفَاقِ فَيَحتَرِق" وهنا تتراءى مظاهر قيمية وعادات يمارسها الإنسان فقط دون غيره من المخلوقات ما يدل تماماً على نزعة النص/الشاعر/القناع الإنسانية والكونية.

    وفي تطور مفاجئ وتحول أسلوبي في النص، نجد استحضاراً أسطوريا في مفردة "النيران"، بما تحمله من دلالات متعاكسة وضدية، إلا أنها توحي بقبس من تفاؤل في الخلاص القادم لا محالة، على أن في ذلك استدعاءً لأسطورة "بروميثيوس" الذي يسرق النار ويجلبها نحو الأرض بغية الخلاص ومعاقبة كل الأشرار وما يتسبب في قمعه وتكبيل إرادته:

    يَا أَنتِ هَيَّا نُوقِدُ النِّيرَانَ،

    ولتكون النار هنا مادة تطهيرية وشفائية أو ميكانيزمية دفاعية عن ذات الشاعر قبل أن يحوله الليل إلى شئ منسياً، وعندها لا يفع ندم ولا لوم أو ملامة،خاصةً انه يعبر عن حالة أخرى من التشظي الكوني لما يقول:
    أَضيَافُ الدُّجَى قَد أَقبَلوا..

    ولا نعلم من هم هؤلاء "الأضياف،" أهم ضحايا الليل البهيم وإرهاصاته الحسية والشعورية، أم وحدات خيالية من وعي الشاعر وتجربته المبنية على تكوين ردات الفعل والوساوس القهرية، وهو ما توحي به رموز النص ولغته المجازية وتقنيات التعبير من انزياح وتجاور وتكثيف وإسقاط، وليأتي الشاعر بالمزيد من صور التجاور المنية على التعاكس والتضاد بما يعزز تشظي الشاعر/القناع في قلقه وأمله وتشتته ووجعه، ولكن يبدو أن كل هذا يأتي إلينا من خلال عدسة الشاعر الشاعرية والذاتية مدججة بانطباعية وصفية أسهمت في تأسيس الفكرة والتعبير عنها والتدليل لها، ونقرأ:

    مِن كُلِّ فَجٍّ حَامِلِينَ جِراحَهُم ،
    و وُرُوُدَهُم ،
    و كُؤُوسَ لَهفَتِهِم إِلَى شَهدِ اللِّقَاءِ

    وهنا أيضاً تقنية التجاور التي تبعث على أمل ما يتسامى من لاوعي الشاعر وقناعه.

    وفجأةً يتحول الخطاب الشاعري عند هذه النقطة المفصلية إلى المخاطب الأنثوي، وهو ما يمكن تأويله ميكانيزم جديد وأخير للشاعر / قناعه للهروب مما يعترض درب حياته وأمانيه وآماله، لذا يقول لأنثاه:

    فَهَيِّئِي مِن خَيمَةِ اللَّيلِ الوِسَادَ
    و عَطِّرِيني مِن أَرِيجٍ لَيسَ يَعرِفُهُ سِوَانَا
    رُبَّما لَو تُهتُ عَنكِ يَدلُّنِي سِحرُ العَبَقْ .

    ولتبقى الصورة مسكونة بتفاصيل الليل كأحد أهم شخصيات النص الشعري الموسوم بقيم التعبير الجمالية والشاعرية، مناجاة في تأمل فصول الليل مع الأنثى والخلاص من وهن الواقع وأزماته وارقه.
    وتتداعى صورة الأرق متحولةً لثيمة متسيدة في النص رغم كل الانزياحات والمتجاورات التي استدعاها الشاعر من قاموسه الشاعري الخاص والمتفرد مع تكرار تعزيزي للفظة الأرق على ما تكتنزه من دلالات تشتبك مع الليلي فقط ودون النهار الذي غاب عن النص وذاب هو الآخر في الليل المتسيد وبما يترك الشاعر / قناعه في حالة اغتراب مكتنزة بالهموم ومستدامة ومستعصية على الحل:

    أَرَقٌ أَرَقْ
    الليلُ يُوشِكُ أَنْ يَنامَ على ذِرَاعِ الفَجرِ
    قد ثَقُلَت عليهِ همومُهُ .
    أَتُراهُ يتركني وحيداً ..
    لا نديمَ سوى التذكِّرِ ..
    حين يقطعُ طيفُكِ القَمَرِيُّ آفاقَ اغترابي
    تاركاً لي قصةَ الحُبِّ الطفوليِّ،

    على أن في البيت الأخير استدعاء من وحي الذاكرة وكأن الشاعر يقول لنا أن أحاسيسه الحزينة تسكنه في دمه الدافئ وذهنه وتضج مضجعه الذي توسد الليل وبما يرسم نصوصاً تختفي تحت النص المصرح به في الدعوة لنبذ الغريب العدو من سلوك أكثر وحشية ومنظومة أخلاقية سلبية تعوّد الناس عليها تدمر قيمه وتقتل تراثه الأخلاقي السامق وقيم عيشه وتربته.

    وبنفس التكرار والنبرة والصوت، يواصل الشاعر/القناع البحث عن الذات والكينونة المستقلة المستقرة والهادئة:

    أرَقٌ أرَقْ .
    الليلُ يَضحَكُ لِي ،
    و يَمضِي حَيثُ يَأْخُذُهُ الصَّباحُ إِلى البَعِيدِ
    يُوَدِّعُنِي
    أهو تعبير عن تصالح أخير وشافٍ أم تكريس للهروب من واقع لا يفارق كيانه الإنساني – الفردي والجمعي! وبنفس النبرة الجمالية في استدعاء الثنائيات المتعاكسة والضدية وبناء نص يقوم بالأساس على تبديل الصورة والانزياح للتعبير عن سكة الحزن والتشظي و عن حالة من الاستعصاء والعصيان، حيث:

    و لَم أَزَل أَقتَاتُ عُشبَ الحُزنِ
    أَلتَحِفُ الأَسى ،
    و النومُ يأبى أَن يُصَالِحَ مقلتي .

    وبالتالي لا يلتقي نقيضان متوجعان أصلاً ومهمومان بنفس النبرة والحدة والتشوش: الليل في النوم والأرق في المقل.

    نص وجد نفسه يصرّح عن حالة ذاتية متشظية ومشتتة تتأبط الجمعي، وتنقسم نبرتها المأزومة على مفاتيح عدة من الحلول بين القبول واليأس والاستسلام أو إعلان التحدي وقول الحقيقة والتشابك مع الطبيعي والواقعي دون انتقاص من قدرة الحالة الإنسانية على التوحد مع الآخر – أياً كان أنثى أم ذكراً، بشراً أم حجراً، مفهوماً مطلقاً وتجريدياً أم قيمة معنوية دلالية مجسدة – ويما يخدم فكرة النص وأغراضه. نص غمرته اللغة الفصيحة والشاعرية على بليغها وبديعها ومجازها الجمالي السامق موظفةً تقنيات بنائية وكتابية تعبيرية من تجاور وانزياح وتكثيف وغير ذلك.
    نص يبحث عن رحلة أخرى للبحث عن الذات الإنسانية بتفاؤل وتحدٍ ونبرة أكثر وضوحاً من الغياب عل ذلك يمكّن الشاعر من استنساخ ذات إنسانية تبتعد عن مواطن الوجع والألم والتشظي والتشتت، فهل نرى نصاً آخر يحيلنا نحو عالم أكثر يسراًً وفجراً ونوراً وتفاؤلاً بحق؟


    د. عبدالله حسين كراز

    أستاذ الأدب الإنجليزي الحديث والنقد المقارن
    sigpic
يعمل...
X