سيجارة وغليون
نهضت زوجتي متحفزة , كلبؤة تروم الدفاع عن عرينها . نفشت شعرها فبدت كالأسد
بضراوته وقالت مهددة متوعدة :
ــ سعالك المتكرر بدأ يقلقني . وهذه آخر مرة أحذرك بها . فإما السيجارة التي تعشقها ,
وإما أنا . فالبيت لا يتسع لكلينا .
حَرَّرتْ أطراف ثوبها الملتصق بعجيزتها , ووخزتني بخاصرتي تلاطفني ثم قالت :
ــ عيب عليك يا عجوز . جميع من هم بسنك , اقلعوا عن التدخين طواعية . ماذا تنتظر ؟
فتوى من شيخ الأزهر , أم وعظة من بابا الفاتيكان ؟
حين آنستُ انحسار حده لهجتها , قلت لها باسما :
ــ أنا انشد قذف هذه السيجارة خلف ظهري . وربما أفوق رغبتك بتحرري منها .
ولكن بالتدريج .
ــ لا تخدع نفسك يا رجل وتخدعني . عدد مرات تدخينك فاق الحد . أهلكت صحتك حتى
بت لا تقوى على ممارسة رياضاتك المفضلة . أصبحت تسير متدلي الرأس .
أين انتصاب قامتك يا زلمة ؟ لقد ولَّى مع هذه السيجارات .
ها هي زوجتي تعبر قنوات كانت على أيام والدي وجدي من المحرمات . فاخذ خطابها
الهجومي يحتد , ويزداد شراسة وانتشارا حتى اقترب من خطوط حمراء , إذا اخترقها ؟
فوداعا للسلاح .
اذكر فيما اذكر علبة – سعوط - والدي المعدنية ذات اللون الفضي . كما واذكر أخذه قليلا منها
وكيف كان يحك بها انفه , فينفجر قاذفا البلغم المترسب داخل رئتيه بأركان المعمورة .
كي لا يضطر للسعال فتتلطخ سمعته ويفضح أمره أمام أهل بيته متلبسا بعواقب التدخين .
بدأت حكايتي مع السيجارة حتى بِتُّ مسكوناً بعشقها , مُنقاداً وراءها ومُكْتوياً بنارها .
ذات يوم . حين كنت اختلس النظر نحو جارنا بينما كان يحشو ورقة - البفرة بالهيشي -
ويشعلها بالقداحة ذات الفتيلة . ثم يقرفص ويشرع بسحب النفس تلو النفس . فينتابني
شعور بالنشوة , ولَّدَ في ذاتي رغبة جامحة بتقليده.
بحثت بين أكوام القمامة فعثرت على عود ملوخية ناشف . قبضت عليه ودخلت الحمام
أمارس التدخين بسريه تامة بعيدا عن أعين أبي وأمي .
شعرت بدوار لذيذ في رأسي. تماديت مع أعواد الملوخية حتى أصبحت عادة لازمتني
إلى أن تحولت عنها للسيجارة .
كان أقسى هجوم لوَّثَ كرامتي . حين قالت لي زوجتي يوما بازدراء :
ــ المدخنون يا زوجي العزيز , هم ادنى طبقة في المجتمع . يُعزلون في أماكن لا تليق
بإنسان سَوي . ويُخصص لهم ركن مُنزوي في المطارات وفي – المولات - أشبه بالغُرز سيئة
السمعة . كما ويُظهرون بالأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية بالرجال الأشرار
المنحرفين جنسيا وأخلاقيا .
تفكرتْ زوجتي مليا مُتهيبة قسوة خطابها وصراحته المُدَوّية , لكنها وبقوة اندفاعها الذاتي
سددت حربتها نحو القلب وقالت :
ــ رائحة نفسك وأنت تتكلم كرائحة أكياس الزبالة العفنة , وتكاد تخنقني . ارحمني وارحم
أولادك واقلع عن التدخين .
لم انبس بكلمة . ماذا أقول لها ؟ لا مكان لمقارعة الحجة بالحجة .
مهما أبديت من مبررات , فلن تقف بوجه صواب حجتها . فلتذهب اللذة الآنية مع كل
سيجارة أدخنها إلى الجحيم . يجب ان اقلع عن التدخين فورا .
نظرتْ زوجتي نحوي , كأنها تريد ان تعتذر . وجدْتُها فرصة مناسبة لأعلن لها نيتي
الصادقة بالإقلاع نهائيا عن ممارسة هذه العادة .
لكنها بادرتني بالتحذير قائلة :
ــ إذا عُدت , فخيالك لن يصل لمدى ردة فعلي .
مرَّ أسبوع لم المس به أي سيجارة . والسعال اختفى .
فتسربلتْ زوجتي بنشوة انتصارها , وحازت ذروة ما تتمنى . حتى بَدَتْ اصغر من سنها
الحقيقي بعشرات السنين .
كم مرة تراءى لي في الحلم إني أدخن سيجارة . فاستيقظ مفزوعا أرنو زوجتي الغاطسة
بالنوم لأتيقن أنها لم ترنِ .
ذات مساء , وفي اليوم الثامن . تراقصت أمامي سيجارة عبقة برائحة التفاح المختمر .
رشيقة كملكة جمال الكون . بيضاء اللون . متوثبة الحلمات فوق بشرة مزدانة بالزغب
العذري . شبقه حتى خلتها تدعوني .
أخذتها بين شفتي . أشعلتها , ثم التهمتها . وكانت العودة .
دخلتُ البيت معلنا حضوري بسعلة . حدجتني زوجتي , موحية معرفتها بالمستور .
لكنها لم تكشفه .
أدمنت السيجارة أكثر من قبل . وكلما راودتني رغبة بالتدخين اختلق أعذارا كي اخرج من
البيت . وحين عودتي بعد انتهاء المهمة اقطف ورقة من شجرة الليمون التي بالحديقة
افرك بها أصابع يدي . وحين يطفو البلغم نحو البلعوم , كنت اصفق احد الأبواب واسعل
كي لا تسمعني . كل هذا , وزوجتي لم تبدِ أي امتعاض او شعور بكشفها سلوكي القديم
المتجدد .
إلى أن جاء اليوم الأربعون لإعلاني التوقف عن التدخين .
كنت وحيدا في البيت . عادت من مشوارها وعلى محياها كشره الماضي . سألتها باهتمام :
ــ هذه أول مرة تغادرين فيها المنزل دون علمي . أين كنت ؟
أجابتني بامتعاض قائلة :
ــ ولن تكون الأخيرة . كنت عند طبيب الأسنان .
استدارت وهي تفتح شنطتها , ثم قالت بحده :
ــ الم أحذرك من عودتك للتدخين ؟
سحبت من داخل شنطتها غليون بحجم كف اليد . قمحي اللون من طرف مبسمه حتى
قاعدة حنجوره . دكَّتْ التبغ حتى فوهته . قبضت الحنجور بكف يدها اليسرى تتحسسه
وتجسه . فبدا كقوس قزح , برأس يماثل ثمرة البلح الناضجة . حكت به انفها تشم رائحته
العطرة . بللت طرف المبسم بشفتيها ولسانها ثم عضت عليه بأسنانها وأشعلته بعود ثقاب .
أسبلت جفنيها وهي تسحب النفس تلو النفس إلى أن انتابتها نوبة سعال حاد .
وانتشر ضباب تبغ الغليون في الغرفة حاجبا كل طرف عن شريكه .
نهضت زوجتي متحفزة , كلبؤة تروم الدفاع عن عرينها . نفشت شعرها فبدت كالأسد
بضراوته وقالت مهددة متوعدة :
ــ سعالك المتكرر بدأ يقلقني . وهذه آخر مرة أحذرك بها . فإما السيجارة التي تعشقها ,
وإما أنا . فالبيت لا يتسع لكلينا .
حَرَّرتْ أطراف ثوبها الملتصق بعجيزتها , ووخزتني بخاصرتي تلاطفني ثم قالت :
ــ عيب عليك يا عجوز . جميع من هم بسنك , اقلعوا عن التدخين طواعية . ماذا تنتظر ؟
فتوى من شيخ الأزهر , أم وعظة من بابا الفاتيكان ؟
حين آنستُ انحسار حده لهجتها , قلت لها باسما :
ــ أنا انشد قذف هذه السيجارة خلف ظهري . وربما أفوق رغبتك بتحرري منها .
ولكن بالتدريج .
ــ لا تخدع نفسك يا رجل وتخدعني . عدد مرات تدخينك فاق الحد . أهلكت صحتك حتى
بت لا تقوى على ممارسة رياضاتك المفضلة . أصبحت تسير متدلي الرأس .
أين انتصاب قامتك يا زلمة ؟ لقد ولَّى مع هذه السيجارات .
ها هي زوجتي تعبر قنوات كانت على أيام والدي وجدي من المحرمات . فاخذ خطابها
الهجومي يحتد , ويزداد شراسة وانتشارا حتى اقترب من خطوط حمراء , إذا اخترقها ؟
فوداعا للسلاح .
اذكر فيما اذكر علبة – سعوط - والدي المعدنية ذات اللون الفضي . كما واذكر أخذه قليلا منها
وكيف كان يحك بها انفه , فينفجر قاذفا البلغم المترسب داخل رئتيه بأركان المعمورة .
كي لا يضطر للسعال فتتلطخ سمعته ويفضح أمره أمام أهل بيته متلبسا بعواقب التدخين .
بدأت حكايتي مع السيجارة حتى بِتُّ مسكوناً بعشقها , مُنقاداً وراءها ومُكْتوياً بنارها .
ذات يوم . حين كنت اختلس النظر نحو جارنا بينما كان يحشو ورقة - البفرة بالهيشي -
ويشعلها بالقداحة ذات الفتيلة . ثم يقرفص ويشرع بسحب النفس تلو النفس . فينتابني
شعور بالنشوة , ولَّدَ في ذاتي رغبة جامحة بتقليده.
بحثت بين أكوام القمامة فعثرت على عود ملوخية ناشف . قبضت عليه ودخلت الحمام
أمارس التدخين بسريه تامة بعيدا عن أعين أبي وأمي .
شعرت بدوار لذيذ في رأسي. تماديت مع أعواد الملوخية حتى أصبحت عادة لازمتني
إلى أن تحولت عنها للسيجارة .
كان أقسى هجوم لوَّثَ كرامتي . حين قالت لي زوجتي يوما بازدراء :
ــ المدخنون يا زوجي العزيز , هم ادنى طبقة في المجتمع . يُعزلون في أماكن لا تليق
بإنسان سَوي . ويُخصص لهم ركن مُنزوي في المطارات وفي – المولات - أشبه بالغُرز سيئة
السمعة . كما ويُظهرون بالأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية بالرجال الأشرار
المنحرفين جنسيا وأخلاقيا .
تفكرتْ زوجتي مليا مُتهيبة قسوة خطابها وصراحته المُدَوّية , لكنها وبقوة اندفاعها الذاتي
سددت حربتها نحو القلب وقالت :
ــ رائحة نفسك وأنت تتكلم كرائحة أكياس الزبالة العفنة , وتكاد تخنقني . ارحمني وارحم
أولادك واقلع عن التدخين .
لم انبس بكلمة . ماذا أقول لها ؟ لا مكان لمقارعة الحجة بالحجة .
مهما أبديت من مبررات , فلن تقف بوجه صواب حجتها . فلتذهب اللذة الآنية مع كل
سيجارة أدخنها إلى الجحيم . يجب ان اقلع عن التدخين فورا .
نظرتْ زوجتي نحوي , كأنها تريد ان تعتذر . وجدْتُها فرصة مناسبة لأعلن لها نيتي
الصادقة بالإقلاع نهائيا عن ممارسة هذه العادة .
لكنها بادرتني بالتحذير قائلة :
ــ إذا عُدت , فخيالك لن يصل لمدى ردة فعلي .
مرَّ أسبوع لم المس به أي سيجارة . والسعال اختفى .
فتسربلتْ زوجتي بنشوة انتصارها , وحازت ذروة ما تتمنى . حتى بَدَتْ اصغر من سنها
الحقيقي بعشرات السنين .
كم مرة تراءى لي في الحلم إني أدخن سيجارة . فاستيقظ مفزوعا أرنو زوجتي الغاطسة
بالنوم لأتيقن أنها لم ترنِ .
ذات مساء , وفي اليوم الثامن . تراقصت أمامي سيجارة عبقة برائحة التفاح المختمر .
رشيقة كملكة جمال الكون . بيضاء اللون . متوثبة الحلمات فوق بشرة مزدانة بالزغب
العذري . شبقه حتى خلتها تدعوني .
أخذتها بين شفتي . أشعلتها , ثم التهمتها . وكانت العودة .
دخلتُ البيت معلنا حضوري بسعلة . حدجتني زوجتي , موحية معرفتها بالمستور .
لكنها لم تكشفه .
أدمنت السيجارة أكثر من قبل . وكلما راودتني رغبة بالتدخين اختلق أعذارا كي اخرج من
البيت . وحين عودتي بعد انتهاء المهمة اقطف ورقة من شجرة الليمون التي بالحديقة
افرك بها أصابع يدي . وحين يطفو البلغم نحو البلعوم , كنت اصفق احد الأبواب واسعل
كي لا تسمعني . كل هذا , وزوجتي لم تبدِ أي امتعاض او شعور بكشفها سلوكي القديم
المتجدد .
إلى أن جاء اليوم الأربعون لإعلاني التوقف عن التدخين .
كنت وحيدا في البيت . عادت من مشوارها وعلى محياها كشره الماضي . سألتها باهتمام :
ــ هذه أول مرة تغادرين فيها المنزل دون علمي . أين كنت ؟
أجابتني بامتعاض قائلة :
ــ ولن تكون الأخيرة . كنت عند طبيب الأسنان .
استدارت وهي تفتح شنطتها , ثم قالت بحده :
ــ الم أحذرك من عودتك للتدخين ؟
سحبت من داخل شنطتها غليون بحجم كف اليد . قمحي اللون من طرف مبسمه حتى
قاعدة حنجوره . دكَّتْ التبغ حتى فوهته . قبضت الحنجور بكف يدها اليسرى تتحسسه
وتجسه . فبدا كقوس قزح , برأس يماثل ثمرة البلح الناضجة . حكت به انفها تشم رائحته
العطرة . بللت طرف المبسم بشفتيها ولسانها ثم عضت عليه بأسنانها وأشعلته بعود ثقاب .
أسبلت جفنيها وهي تسحب النفس تلو النفس إلى أن انتابتها نوبة سعال حاد .
وانتشر ضباب تبغ الغليون في الغرفة حاجبا كل طرف عن شريكه .
تعليق