على مرمى سراب
كانت السماء رغيفاً من خبز (الرقيق) المخمّر على وهج القمر ببعض غيوم الخريف. عن يمينه تعبر أضواء البيوت، تبتعد عنه وهي تنوس، ويرتعش الظل الواهن عن يساره فوق الحجارة والصخور. بعد ساعة من الآن ستصبح البلدة هالة نيزكٍ سقط لتوّه عند سفح الجبل، وستسبح في مدى نظراته، كلما التفت إلى الوراء، سحبٌ من كلام لم يودّع به أحداً. لقد أمضى ساعات النهار مستلقياً فوق فراشه، يملأ عبوة الغرفة بالدخان ويعلّق الذاكرة صوراً فوق جدرانها. وعندما حلّ المساء نهض من فراشه، حمل وجهه الثقيل إلى المرآة، مسحه بكل ما يملك من عزم، ثم قال بصوت مسموع:
- الآن أمضي.
كان أيوب آخر الأفراد الناجين لعائلة عبثت الريح بتاريخها المحروث، فتشظّى الجمر في موقدها، وتبعثرت أجزاؤه في المدى المفتوح على كل الجهات. منذ عام كانت أمه آخر الناجين، فصارت منذ أشهر آخر الراحلين، مخلّفة وراءها بيتاً متواضعاً من غرفتين وابناً متّقد الذاكرة، سوف لن يجد شيئاً يعزّيه بعد وفاتها إلا الرحيل، وسيكتب في مذكراته ذات مرة:
- (حين أرحل سأطلق على هذا المكان بيت العنكبوت).
وفي مرة أخرى أسماه (بئر يوسف)، لكنه إلى الآن لم يرحل، ولم يتسنّ لأحد بعد أن يسأله: من أين أنت قادم؟
أيوب لم يمنح الحرب فرصة كي تحفر تفاصيلها الرديئة في رأسه الصغير. لقد ولد بعد آخر غارة فيها. انزلق من بطن أمه معافى، لا طنين في أذنيه أو زوغان في نظراته. واستطاع لفظ اسمه بوضوحٍ قبل أن تقدر ساقاه الصغيرتان على حمله من ركن الحجرة البعيد إلى حجر أمه. فرحت الأم كثيراً بببغائها الصغير. رفعته بين ذراعيها، ثم ثبتت إصبعها الممدود إلى صورة تعلو الجدار، وكررت لفظ الاسم بتأنٍ عدة مرات. تشوّش أيوب الصغير وقد زاغت عيناه بين الصورة ووجه الأم، وصار بعد ذلك يشير بإصبعه الرفيع إلى الجدار كلما سئل عن اسمه. لاحقاً ستشي جميع الصور بهوية أصحابها، هذه الخالة، هذا الجد، وهؤلاء أعمام وعمات.
هم الآن في الطرف الآخر على مرمى سراب، خطّه سياج من الأسلاك وحقل ألغام يمتد حتى قمة الجبل. وحدها صورة الأب تحمل شريطاً من القماش الأسود، يتجدد إطارها الخشبي على الدوام، فيما البيت يتقادم شيئاً فشيئاً، ويتراخى الأثاث فيه. لن يكبر أيوب لو عرف أن حياته ستكون موهوبة للوحدة والضياع. كان سيلعب وسط الشوارع المكتظّة بالحافلات المسرعة، أو يطارد الطيور عند حواف السطوح الشاهقة. لكنه لم يبتعد عن محيط المنزل مذ كان صغيراً.
استبدل بجميع من لم يصاحب من الصغار / نداء / بنت الجيران، وتينة سامقة قرب المنزل تمر بها أعوام عمره الأولى ثم تمضي. كان لكل منهما بيت آخر فوق شجرة التين، وأرجوحة تجلس فيها نداء وتصيح بأيوب:
- إدفعني بقوة، إدفعني كي أطير في الفضاء.
فيظل يدفعها إلى أن صار يحمل رأساً خصباً تنمو فيه الذكريات. حينها كانت حبال الأرجوحة قد تراخت رغم اشتداد ساعديه، والمنزل الصغير المعلّق على الأغصان قد تبعثرت أخشابه، وغدا ناموس الناس يعترض انفراد العاشقين فيه، أو يقيم والد نداء الدنيا ويقعدها إن هي فعلت ذلك. صارت اللحظات تزاحم كل لقاء بينهما، ثم تتراخى قبيل أزوف موعد جديد. في ذلك الزمن الغافل عمّا سيؤول إليه مصير العاشقين، كان لقاء كادت فيه نداء ترقص من الفرح، لولا أن أيوب قد هدّأ من روعها قائلاً بخبث:
- مبروك، عقبال الشهادة الجامعية.
أجابت نداء وقد هدأت قليلاً، أن والدها ليس من صنف الرجال الذين يرسلون بناتهم للجامعات. ثم أضافت:
- نسيت أن تهنئ نفسك أيضاً، أم أنك من صنف الرجال الذين ينسون الوعود.
ابتسم أيوب لتلميحها قبل أن يغيّبه الشرود ويرسم وجه أمه المريضة متهللاً بالسرور عند سماع الخبر، ثم انتصب بعد مضي لحظات وقال:
- حسنا، ستعرفين ذلك عما قريب.
يومها عادت نداء تحمل ابتسامة رقيقة إلى المنزل. وفي اليوم التالي قالت الأم وهي تظفر شعر ابنتها:
- عندما يصير لك زوج وبيت إفعلي ما تشائين.
ثم صمتت تبحث عن أسباب الرضى البادي على وجه نداء دون مبرر قابل للتخمين، هي التي كانت حاضرة أيضاً حين أعلن زوجها بصوت جهور كاد يسمعه الجيران، أن بيت الزوج هو المكان الطبيعي لكل فتاة مهما تحصلت من شهادات. هذا الأب ذاته سيجن عندما يتقدم أيوب لخطبة ابنته، سيصل صوته إلى الجيران هذه المرة بكل تأكيد، وهو يصيح بوجه ابنته:
- إن النجوم أقرب إليك من أيوب هذا.
وأنه:
- لا جاه لديه ولا مال.
وأنه:
- لن يكون لأولاده أعمام أو عمّات.
وعندما يتمكن منه الغضب، سيصفه باللقيط. كان يصرخ بأعلى صوته كالملسوع، وهو يرشق عبارات كالرصاص تئزّ في أذني نداء، فتتداعى ببطء وترتطم مرة واحدة بالأرض.
حدود الحلم سياج من الأسلاك، وحقل ألغام يمتد من قمة الجبل إلى السهول آلاف الأمتار، يشطر مدينة توضّعت سطوح منازلها فوق التراب. كان القادم منها قبل وقوع الحرب يجيب إن سُئل: (قادم من القنيطرة). مضى على الحرب أعوام كثيرة، والمشهد لم يسترد وداعته، أكوام من الطوب والحجر المهذب، شواهد القبور، حُفر بأحجام انفجارات، تقرحات في جسد التي كانت مدينة، وبوابة وحيدة تفتح مرتين كل عام، تصد الجميع تقريباً، وأخصهم أناس من أمثال أيوب يقرأون الكثير من كتب التاريخ والشعر. ولا يحملون شهادة مدرسية.
في هذا الصباح، شعاع الشمس يسيل فوق بلور السماء الأملس وينسكب على طول الحدود. نداء تحمل حقائب السفر. تعبر والعينان دامعتان، والصوت يتلو كلمات وداع، ......... ويغيب.
أيوب...؟ نصب يقوم في مكانه وراء النافذة منذ ساعات الصباح. والغرفة المجاورة تلفظ أنّات وسعال، تتحضّر لطقوس الموت. قد صار حلم العاشقين هباء. هو الضائع في مجدل شمس وهي الآن في دمشق.
ترى ماذا تهيّئ لك الأيام أيضاً. لطالما حذرتك دموع الأم من هذا المصير، ثم انتهيت وحيداً. اعتصرتْ في راحتيك عنقود أيامها حتى الغارة الفاصلة في الحرب. الفاصلة بينك وبين أناس بدّل غبش الزمان ملامحهم الجامدة في صور تقابلها أينما تحركت داخل المنزل. الفاصلة في حياة أبيك الذي لم تعرفه قط إلا في ميثولوجيا الأبطال والسيَر الذاتية التي ترويها البائسة أمك. أنت الموتّد في حقل لن تملأه بذاراً كما كانت هي تحلم. كانت تقول أن الله قد عوضها فيك. وتدعو أن يمد في أيامها حتى ترى الصغار أحفادها يملأون البيت. لكن ملح الدمع الغزير في عينيها قد أذاب وجهها الذابل، فضمر وتلاشى وغاب تحت شاهد القبر. كعادتك إن تألمت، لم تذرف دمعة واحدة. لذت إلى الأوراق تخطّ فيها عبارات لن يفهمها أحد سواك :
( كل الخطوط تبدأ لحظة جمود القلم عند النقطة الأولى، وتنساب في اتجاهها المحتوم). ثم انتهيت وحيداً. نصباً يقوم في مكانه قرب النافذة المطلة على الشمس عند شروقها. نداء في دمشق، وأنت هنا ضائع ووحيد. البيت مُعْرض عن موجات الصوت، وزفير أنفاس الزائرين. والأفكار السوداء تتخاصر في رأسك، وتحيلك فجأة إلى شبح يجوب زوايا البيت خفيفاً مضطرباً، وآثار خطاه تلهث في إثره، وظله الواهن ينخطف في كل لحظة باتجاه جديد. يتسارع وقع خطاه، تتعالى زفراته، يتصبب، يحمر، ويشتعل، ثم يرتمي فوق الأريكة هامداً مشدوهاً يزيّن له الخوف من خلاصه الوحيد، خيالات تحمله في كل مرة إلى ذات الممر الضيق المهجور، وهو يحاول اجتيازه بكل ما أمكن من هدوء وحذر إلى أن تتلقفه البساتين السامقة عند الطرف الآخر في أسفل الجبل، فيخلع عنه الخوف الذي تلبّسه ويرتمي بأمان في سواد العتمة الكثيف بعيداً عن عيون الجنود، والأضواء الكاشفة التي تمشط الجبل من القمة إلى السفح بوقع هستيري مباغت.
فيما كان أيوب يحاول نفض خوفه الشديد، تراءت له بثور خلّفتها تفاصيل الحرب في دماغه المرهق، وهو في غفلة عنها طوال عمره القصير. كانت نوازعه تخلع على الأشياء صفاتها، فتحيل الظلمة إلى حضن أمومي دافئ، والضوء لقاتل مهووس يبحث عن ضحية.
قال لنفسه وقوامه ما زال مطروحاً على السرير منذ ساعات الصباح:
- لن أكون ضحية لغير أحلامي.
ثم انتفض من مكانه حاملاً وجهه الثقيل إلى المرآة، وخاطبه بصوت واثق مسموع:
- الآن أمضي.
قرر أولاً أن يقطع الطريق الصاعد باتجاه القمة حتى يجتاز آخر البيوت النائية، ثم ينسل بين صخور الجبل الأجرد في خط مستقيم إلى أن يصل المنحدر الصخري الذي كان يراه من بعيد. عندها يعبر الحدود في مكان تنقطع فوق صخوره حبال الألغام الممتدة باتجاه السهل، ثم يطلق ساقيه للريح.
بعد وقت قصير كانت أضواء البيوت تعبر عن يمينه في وجهة معاكسة. المنحدر الصخري لا زال بعيداً وهو يدنو على مهل متلفتاً حوله بحذر، القمر يعاكسه ويحيد عن مدار الغيم المبعثر في السماء، وهو يدنو. يتحرك الهواء بخفة، فيقتحم الصخور والأعشاب محدثاً خشخشة وصفيراً. والمسافة لا زالت تطوى تحت قدميه حتى تجاوزت نصفها الأول. للحظةٍ وافاه وجه نداء بابتسامةٍ عذبةٍ ظل يجيد رسمها كما تعوّد. ترى كيف سيكون وقع المفاجأة عليها؟ أخيراً سيكون لها زوج وبيت لتفعل ما تشاء بعيداً عن سطوة الأب المستبد. ويكون لأولادها أعمام وعمات، وجاه يفاخرون به.
ما عاد يفصل بين العاشقين سوى ليلة وبضع مئات من الأمتار. سيقطعها أيوب خلال وقت قصير إن سرّع الخطو قليلاً، ها قد وصل أخيراً عند أكمة تطل على المنحدر الصخري. تراخى فوق التراب حانياً ظهره إلى الأمام، وأخذ يستجمع ما هرسه الخوف من عزم، ويتفحص النقطة الأنسب للعبور غافلاً عما يدور من حوله، وعندما همَّ بالسير من جديد، داهمه الصوت بلغة لم يعد يفهمها لشدة الذعر:
- عتسور (توقف).
للحظة خاطفة سمّره الذهول، وانكمش الوجود حوله إلى منحدر من الصخور أضاء أمام عينيه كشرارة برق، وقبل أن يتلو الخطوة الأولى أدنى حراك، مزّق صوت الرصاص هدوء الكون، فتهاوى ببطء وجثا الجسد الثقيل على التراب قبل أن يلفظ أنّة واحدة، وفي عينيه تخبو هالة نيزك سقط لتوه على مرمى النظر. ارتعشت شفتا أيوب دون أن تنبسا بشيء، لقد خذل حلمه عري الجبل.
كانت السماء رغيفاً من خبز (الرقيق) المخمّر على وهج القمر ببعض غيوم الخريف. عن يمينه تعبر أضواء البيوت، تبتعد عنه وهي تنوس، ويرتعش الظل الواهن عن يساره فوق الحجارة والصخور. بعد ساعة من الآن ستصبح البلدة هالة نيزكٍ سقط لتوّه عند سفح الجبل، وستسبح في مدى نظراته، كلما التفت إلى الوراء، سحبٌ من كلام لم يودّع به أحداً. لقد أمضى ساعات النهار مستلقياً فوق فراشه، يملأ عبوة الغرفة بالدخان ويعلّق الذاكرة صوراً فوق جدرانها. وعندما حلّ المساء نهض من فراشه، حمل وجهه الثقيل إلى المرآة، مسحه بكل ما يملك من عزم، ثم قال بصوت مسموع:
- الآن أمضي.
كان أيوب آخر الأفراد الناجين لعائلة عبثت الريح بتاريخها المحروث، فتشظّى الجمر في موقدها، وتبعثرت أجزاؤه في المدى المفتوح على كل الجهات. منذ عام كانت أمه آخر الناجين، فصارت منذ أشهر آخر الراحلين، مخلّفة وراءها بيتاً متواضعاً من غرفتين وابناً متّقد الذاكرة، سوف لن يجد شيئاً يعزّيه بعد وفاتها إلا الرحيل، وسيكتب في مذكراته ذات مرة:
- (حين أرحل سأطلق على هذا المكان بيت العنكبوت).
وفي مرة أخرى أسماه (بئر يوسف)، لكنه إلى الآن لم يرحل، ولم يتسنّ لأحد بعد أن يسأله: من أين أنت قادم؟
أيوب لم يمنح الحرب فرصة كي تحفر تفاصيلها الرديئة في رأسه الصغير. لقد ولد بعد آخر غارة فيها. انزلق من بطن أمه معافى، لا طنين في أذنيه أو زوغان في نظراته. واستطاع لفظ اسمه بوضوحٍ قبل أن تقدر ساقاه الصغيرتان على حمله من ركن الحجرة البعيد إلى حجر أمه. فرحت الأم كثيراً بببغائها الصغير. رفعته بين ذراعيها، ثم ثبتت إصبعها الممدود إلى صورة تعلو الجدار، وكررت لفظ الاسم بتأنٍ عدة مرات. تشوّش أيوب الصغير وقد زاغت عيناه بين الصورة ووجه الأم، وصار بعد ذلك يشير بإصبعه الرفيع إلى الجدار كلما سئل عن اسمه. لاحقاً ستشي جميع الصور بهوية أصحابها، هذه الخالة، هذا الجد، وهؤلاء أعمام وعمات.
هم الآن في الطرف الآخر على مرمى سراب، خطّه سياج من الأسلاك وحقل ألغام يمتد حتى قمة الجبل. وحدها صورة الأب تحمل شريطاً من القماش الأسود، يتجدد إطارها الخشبي على الدوام، فيما البيت يتقادم شيئاً فشيئاً، ويتراخى الأثاث فيه. لن يكبر أيوب لو عرف أن حياته ستكون موهوبة للوحدة والضياع. كان سيلعب وسط الشوارع المكتظّة بالحافلات المسرعة، أو يطارد الطيور عند حواف السطوح الشاهقة. لكنه لم يبتعد عن محيط المنزل مذ كان صغيراً.
استبدل بجميع من لم يصاحب من الصغار / نداء / بنت الجيران، وتينة سامقة قرب المنزل تمر بها أعوام عمره الأولى ثم تمضي. كان لكل منهما بيت آخر فوق شجرة التين، وأرجوحة تجلس فيها نداء وتصيح بأيوب:
- إدفعني بقوة، إدفعني كي أطير في الفضاء.
فيظل يدفعها إلى أن صار يحمل رأساً خصباً تنمو فيه الذكريات. حينها كانت حبال الأرجوحة قد تراخت رغم اشتداد ساعديه، والمنزل الصغير المعلّق على الأغصان قد تبعثرت أخشابه، وغدا ناموس الناس يعترض انفراد العاشقين فيه، أو يقيم والد نداء الدنيا ويقعدها إن هي فعلت ذلك. صارت اللحظات تزاحم كل لقاء بينهما، ثم تتراخى قبيل أزوف موعد جديد. في ذلك الزمن الغافل عمّا سيؤول إليه مصير العاشقين، كان لقاء كادت فيه نداء ترقص من الفرح، لولا أن أيوب قد هدّأ من روعها قائلاً بخبث:
- مبروك، عقبال الشهادة الجامعية.
أجابت نداء وقد هدأت قليلاً، أن والدها ليس من صنف الرجال الذين يرسلون بناتهم للجامعات. ثم أضافت:
- نسيت أن تهنئ نفسك أيضاً، أم أنك من صنف الرجال الذين ينسون الوعود.
ابتسم أيوب لتلميحها قبل أن يغيّبه الشرود ويرسم وجه أمه المريضة متهللاً بالسرور عند سماع الخبر، ثم انتصب بعد مضي لحظات وقال:
- حسنا، ستعرفين ذلك عما قريب.
يومها عادت نداء تحمل ابتسامة رقيقة إلى المنزل. وفي اليوم التالي قالت الأم وهي تظفر شعر ابنتها:
- عندما يصير لك زوج وبيت إفعلي ما تشائين.
ثم صمتت تبحث عن أسباب الرضى البادي على وجه نداء دون مبرر قابل للتخمين، هي التي كانت حاضرة أيضاً حين أعلن زوجها بصوت جهور كاد يسمعه الجيران، أن بيت الزوج هو المكان الطبيعي لكل فتاة مهما تحصلت من شهادات. هذا الأب ذاته سيجن عندما يتقدم أيوب لخطبة ابنته، سيصل صوته إلى الجيران هذه المرة بكل تأكيد، وهو يصيح بوجه ابنته:
- إن النجوم أقرب إليك من أيوب هذا.
وأنه:
- لا جاه لديه ولا مال.
وأنه:
- لن يكون لأولاده أعمام أو عمّات.
وعندما يتمكن منه الغضب، سيصفه باللقيط. كان يصرخ بأعلى صوته كالملسوع، وهو يرشق عبارات كالرصاص تئزّ في أذني نداء، فتتداعى ببطء وترتطم مرة واحدة بالأرض.
حدود الحلم سياج من الأسلاك، وحقل ألغام يمتد من قمة الجبل إلى السهول آلاف الأمتار، يشطر مدينة توضّعت سطوح منازلها فوق التراب. كان القادم منها قبل وقوع الحرب يجيب إن سُئل: (قادم من القنيطرة). مضى على الحرب أعوام كثيرة، والمشهد لم يسترد وداعته، أكوام من الطوب والحجر المهذب، شواهد القبور، حُفر بأحجام انفجارات، تقرحات في جسد التي كانت مدينة، وبوابة وحيدة تفتح مرتين كل عام، تصد الجميع تقريباً، وأخصهم أناس من أمثال أيوب يقرأون الكثير من كتب التاريخ والشعر. ولا يحملون شهادة مدرسية.
في هذا الصباح، شعاع الشمس يسيل فوق بلور السماء الأملس وينسكب على طول الحدود. نداء تحمل حقائب السفر. تعبر والعينان دامعتان، والصوت يتلو كلمات وداع، ......... ويغيب.
أيوب...؟ نصب يقوم في مكانه وراء النافذة منذ ساعات الصباح. والغرفة المجاورة تلفظ أنّات وسعال، تتحضّر لطقوس الموت. قد صار حلم العاشقين هباء. هو الضائع في مجدل شمس وهي الآن في دمشق.
ترى ماذا تهيّئ لك الأيام أيضاً. لطالما حذرتك دموع الأم من هذا المصير، ثم انتهيت وحيداً. اعتصرتْ في راحتيك عنقود أيامها حتى الغارة الفاصلة في الحرب. الفاصلة بينك وبين أناس بدّل غبش الزمان ملامحهم الجامدة في صور تقابلها أينما تحركت داخل المنزل. الفاصلة في حياة أبيك الذي لم تعرفه قط إلا في ميثولوجيا الأبطال والسيَر الذاتية التي ترويها البائسة أمك. أنت الموتّد في حقل لن تملأه بذاراً كما كانت هي تحلم. كانت تقول أن الله قد عوضها فيك. وتدعو أن يمد في أيامها حتى ترى الصغار أحفادها يملأون البيت. لكن ملح الدمع الغزير في عينيها قد أذاب وجهها الذابل، فضمر وتلاشى وغاب تحت شاهد القبر. كعادتك إن تألمت، لم تذرف دمعة واحدة. لذت إلى الأوراق تخطّ فيها عبارات لن يفهمها أحد سواك :
( كل الخطوط تبدأ لحظة جمود القلم عند النقطة الأولى، وتنساب في اتجاهها المحتوم). ثم انتهيت وحيداً. نصباً يقوم في مكانه قرب النافذة المطلة على الشمس عند شروقها. نداء في دمشق، وأنت هنا ضائع ووحيد. البيت مُعْرض عن موجات الصوت، وزفير أنفاس الزائرين. والأفكار السوداء تتخاصر في رأسك، وتحيلك فجأة إلى شبح يجوب زوايا البيت خفيفاً مضطرباً، وآثار خطاه تلهث في إثره، وظله الواهن ينخطف في كل لحظة باتجاه جديد. يتسارع وقع خطاه، تتعالى زفراته، يتصبب، يحمر، ويشتعل، ثم يرتمي فوق الأريكة هامداً مشدوهاً يزيّن له الخوف من خلاصه الوحيد، خيالات تحمله في كل مرة إلى ذات الممر الضيق المهجور، وهو يحاول اجتيازه بكل ما أمكن من هدوء وحذر إلى أن تتلقفه البساتين السامقة عند الطرف الآخر في أسفل الجبل، فيخلع عنه الخوف الذي تلبّسه ويرتمي بأمان في سواد العتمة الكثيف بعيداً عن عيون الجنود، والأضواء الكاشفة التي تمشط الجبل من القمة إلى السفح بوقع هستيري مباغت.
فيما كان أيوب يحاول نفض خوفه الشديد، تراءت له بثور خلّفتها تفاصيل الحرب في دماغه المرهق، وهو في غفلة عنها طوال عمره القصير. كانت نوازعه تخلع على الأشياء صفاتها، فتحيل الظلمة إلى حضن أمومي دافئ، والضوء لقاتل مهووس يبحث عن ضحية.
قال لنفسه وقوامه ما زال مطروحاً على السرير منذ ساعات الصباح:
- لن أكون ضحية لغير أحلامي.
ثم انتفض من مكانه حاملاً وجهه الثقيل إلى المرآة، وخاطبه بصوت واثق مسموع:
- الآن أمضي.
قرر أولاً أن يقطع الطريق الصاعد باتجاه القمة حتى يجتاز آخر البيوت النائية، ثم ينسل بين صخور الجبل الأجرد في خط مستقيم إلى أن يصل المنحدر الصخري الذي كان يراه من بعيد. عندها يعبر الحدود في مكان تنقطع فوق صخوره حبال الألغام الممتدة باتجاه السهل، ثم يطلق ساقيه للريح.
بعد وقت قصير كانت أضواء البيوت تعبر عن يمينه في وجهة معاكسة. المنحدر الصخري لا زال بعيداً وهو يدنو على مهل متلفتاً حوله بحذر، القمر يعاكسه ويحيد عن مدار الغيم المبعثر في السماء، وهو يدنو. يتحرك الهواء بخفة، فيقتحم الصخور والأعشاب محدثاً خشخشة وصفيراً. والمسافة لا زالت تطوى تحت قدميه حتى تجاوزت نصفها الأول. للحظةٍ وافاه وجه نداء بابتسامةٍ عذبةٍ ظل يجيد رسمها كما تعوّد. ترى كيف سيكون وقع المفاجأة عليها؟ أخيراً سيكون لها زوج وبيت لتفعل ما تشاء بعيداً عن سطوة الأب المستبد. ويكون لأولادها أعمام وعمات، وجاه يفاخرون به.
ما عاد يفصل بين العاشقين سوى ليلة وبضع مئات من الأمتار. سيقطعها أيوب خلال وقت قصير إن سرّع الخطو قليلاً، ها قد وصل أخيراً عند أكمة تطل على المنحدر الصخري. تراخى فوق التراب حانياً ظهره إلى الأمام، وأخذ يستجمع ما هرسه الخوف من عزم، ويتفحص النقطة الأنسب للعبور غافلاً عما يدور من حوله، وعندما همَّ بالسير من جديد، داهمه الصوت بلغة لم يعد يفهمها لشدة الذعر:
- عتسور (توقف).
للحظة خاطفة سمّره الذهول، وانكمش الوجود حوله إلى منحدر من الصخور أضاء أمام عينيه كشرارة برق، وقبل أن يتلو الخطوة الأولى أدنى حراك، مزّق صوت الرصاص هدوء الكون، فتهاوى ببطء وجثا الجسد الثقيل على التراب قبل أن يلفظ أنّة واحدة، وفي عينيه تخبو هالة نيزك سقط لتوه على مرمى النظر. ارتعشت شفتا أيوب دون أن تنبسا بشيء، لقد خذل حلمه عري الجبل.
تعليق