أعتذر بداية ..ان القصة مكتوبة بالعامية ، وهي قديمة ونشرت في صحيفة الفجر الاماراتية في مارس 1981
المختـــار
بهائي راغب شراب
6/3/1981
شوف يا مختار إذا بدك صحيح ابنك محمود يرجع للبلد ويشتغل هنا ، أنا بانصحك تعزم الحاكم الإسرائيلي وهُوَّا ما راح يتأخر عنك بطلب ، بس إعزمه واسمع كلامى ..
ينظر المختار إسماعيل الى حمزه وعيناه تفرزان معان كثيره تخفى بداخلها الشك والاحتقار للواقف امامه .. حمزه .. الأفّاق الكبير الذى يدّعى صداقته وهو فى الحقيقه لا يسعى الا خلف مصالحه الأنانيه فماهو الا ذيل للصهاينة الأوغاد ينفذ أوامرهم حرفياً ، ولا يدخر وسعاً ولا جهداً إلا بذله لإرضائهم .
المدينة كلها تعرف دوره القذر الذي يمارسه فى ترحيل الناس واغرائهم بالمال تارةً وبالوعود الزائفه تارةً أخرى لإخراجهم من فلسطين كلها ليضافوا الى سكان آلاف الخيام فى معسكرات المشردين عن وطنهم بغير وجه حق ، وإن لم تفلح وعوده وإغراءاته فى إخراجهم إستخدم التحذير والإرهاب لفرض ما يريده العدو منه من تفريغ للوطن من سكانه الذين أصبحوا يحسبون ألف حسابٍ وحساب لتهديدات حمزه ، فهو لم يكن ليتورع عن تقديم الوشايات الكاذبه حول من يرفض تنفيذ طلباته فيحشرون فى الزنازين والمعتقلات التى زينها الأسرائيليون بأحقر أساليب وطرق التعذيب الغاية فى الدموية والوحشيه
يحاول حمزة ممارسة دوره على المختار اسماعيل الذي لم يدعه يهنأ بلذة الاثم الذى يكتسبه كل يوم ، فالمختار اسماعيل ليس أيّ شخص و هو ليس من الضعف حتى يرضخ لأقوال هذا الخائن ... صحيحٌ ظرفه حرج و هو بحاجة الى المعونة و لكنه لن يقبل الا المعونة الشريفة
ان حمزة و اسياده يرون فرصتهم مواتية الآن للتاثير عليه
يريدون منه ان يدور معهم فى فلكهم المثقوب الغارق فى أعماق الوحل الأسود ، .. لا .. لن يقبل أن تلطخ وجهه ذرة وحل مهما كانت دواعي الحاجه .
منذ اليوم الذى فتح فيه المجال لتقديم طلبات ما يسمى بجمع شمل العائلات و المختار إسماعيل يحاول الحصول على الموافقه لجمع شمل ولده الطبيب محمود ، المشهور فى إحدى الدول العربيه ، وهوما يزال يذكر أول مرة تقدم فيها للحاكم العسكري الصهيوني بطلب جمع شمل إبنه محمود .. لقد إبتسم الحاكم حينها وابتهج ووعده خيراً بل وأكد له أن محمود سيأتي وهو نفسه سيتابع اجراءات الموافقة علي جمع شمله .. آه .. كم كان غبيا المختار إ ذ استبشر من ردِّ الحاكم .. لم يكن يدري أن الحاكم وجد فيها فرصته الكبيرة التي كان ينتظرها منذ زمن طويل فالمختار من ضمن العدد القليل من وجهاء المدينة الذين لم يوجهوا دعوةً الى الحاكم للغداء في دورهم .. لقد حفظها الحاكم لهم لانه يعتقد انه عليهم أن يحذو حذو الآخرين الذين وجهوا الدعوه اليه .. المختار اسماعيل لا يشك بشرف ووطنيه زملائه وهو أيضا لا يقيّمهم .. كل شخص له الحق باتباع الاسلوب الذي يراه الافضل لتسوية الامور .. وللمختار اسماعيل تاريخ وطني حافل وهو أبداً لن يغير أسلوبه مع أعداء بلده مهما كانت نتائج موقفه الذي يتمسك به حتى الموت .
لم يكن المختار اسماعيل بالشخصية السهله ، ولم يكن بالممتنع ينظر له الانسان فيراه جبلاً شامخاً بهامته السحاب ، عيونه تشع منها أصالة الشمس عندما تنعكس على وجه القمر الذي يبدد ظلمات الليل الحالك الارضي .. حتى جسمه الممتلىء قليلا وقوته وحسمه السريع للمناقشات وهيمنته عليها اهلته جميعها لأن يتبوأ مكانته المعززة بين افراد عائلته الكبيره ، والمدينة بأسرها أصبحت تحترمه وتجلّه لمواقفه الانسانية والوطنيه .
عندما يدعو الحاكم الاسرائيلى مخاتير المدينه بدعوى التباحث معهم في شؤون المدينة فإنه يقوم بمحاولات جلّها فاشله للتأثيرعليهم لإرضاخهم للعيش بسلام مع احتلالهم البغيض الغاشم .. والمختار اسماعيل واحد من اولئك الذين كشفوا اساليب العدو فى استدراجهم للتعاون معهم فباتوا حريصين ، وتجنبوا عمل ما يطلب منهم الا ما يرونه لايمس مصلحة الأهالى ومصلحة المدينة وبما لا يتعارض مع كرامتهم ووطنيتهم .
وعندما يسألهم لماذا لم ينفذوا جميع تعليماته يجيبه المختار اسماعيل بـأنهم يبذلون كل جهودهم لعمل ما يقدرون عليه .. الحاكم لا يصدقه بالطبع فكل السوابق تؤكد عكس قوله فالمختار اسماعيل مثلا كان الوحيد الذى لم يقدم ولو قطعة سلاح واحدة من السلاح الموجود مع الأهالى وتسليمها لجنود الاحتلال الذين يبدون رضاءهم عن ذلك ويعتبرونها بادرة حسن نية للعيش بسلام مع الاحتلال والوضع القائم الناتج عنه .
وثم سابقة ثانيه عندما طالبوا المخاتير بتسليم أختامهم العربيه للسلطات العسكرية بهدف تغييرها وتسليمهم بدلا عنها أختاما مكتوبة بالعبريه تؤكد تبعيتهم واستكانتهم أمام الاحتلال وفى حينها ادعى المختار إسماعيل فقدان ختمه .... فهو يرفض تصور تغيير ختمه العربي بآخر عبري لأن ذلك يكون بمثابة إقرار بل صك اعتراف وموافقه على احتلالهم غير الشرعي للبلد .
تدور الأفكار فى رأس المختار اسماعيل وهو ينظر الى حمزه المنتظر جوابه الذى تأخر ولم يفق المختار من أفكاره إلا على صوت حمزه وهو يقول له : إيش يا مختار إيش قلت بالموضوع والله انا بأنصحك تعمل اللى قلتلك عليه وراح تلاقى مصلحتك كلها فيه . .
المختار لا يسعه الا أن يتكلم حتى يوقفه عن الاستمرار بهراء كلامه الأجوف : شوف يا حمزه الموضوع هادا انت بتعرف انا أرفضه ولايمكن أتنازل عن مبدئي وكرامتي ولو علشان ابني ... الموضوع هادا كبير وبدو تفكير سيبها للظروف ..
يرد حمزه .. ظروف إيش ومكاتيب إيش يا مختار اللى بتتكلم عنها .. العمليه واضحة زى الشمس إعزم الحاكم فى دارك بكره .. وبعد بكرة ابنك يكون فى البلد
ينظر المختار الى حمزه يملأه إحساس قوي بأن يهوي بيده على رأس حمزه فيهشمه ويخزيه فلا يعود ينخر كالسوس في جسد المدينه التي تنتظر يوم الخلاص من حمزه وأسياده بفارغ الصبر ، لكنه يستغفر الله ويتمسك بالصبر : هادا الظهر أذّن أما أروح الجامع أصليه حاضر .. السلام عليكم .. ما تيجي تصلي معانا .. يقول حمزه : أنا .. أنا .. لا..لا.. معيش وضو هالوقت .. بأشوفك الليله فى الديوان وللا أقولك بكره بآجي على الديوان علشان بالمرة أعرف رأيك النهائي بهالموضوع
يستحوذ محمود على فكر والده المختار اسماعيل فَلَكَمْ يتمنى ان يحضر محمود ويعيش معه ومع اخوانه ، ودائما يحدث نفسه .. ياما نفسي أشوف ولادي كلهم وولادهم حواليه ..والله كبرت ياحاج اسماعيل والزمن بيجري ، الأولاد صاروا رجال وكل رجال صار له عيله ودار .. آه الا انت يا محمود، الله يسامحك يا إبني يا حبيبي .. ترجع لبلدك وأبوك بالسلامه .. والله محتار ايش اعمل ، أعزم الحاكم في داري .. هادا إشي مستحيل أنا عارف غرضهم من كده ، انا لو عزمت الحاكم وأعوانه عندي راح أفقد ثقة الناس والبلد كلها فيّه ..وهادا اللي بدهم اياه .. ان أسقط من قلوب وعيون الناس فلا أجد الا الصهاينه قدامي يزيفون مودتهم ويمدونها حتى أسقط نهائيا .. ماذا سيقول الناس عني .. أول شيء يقولونه المختار باع بلده وباع دينه ، يا جماعه ، وأنا لا يمكن أبدا أبيع بلدي ولا يمكن افرط بملميتر واحد من تراب بلدي .. أنا من غير الناس ومن غير ثقتهم ومحبتهم لا أساوي الا ثمن الهدوم التي ألبسها .. لا .. لا .. لن أتنازل ولو بطلوع الروح .. .. بس محمود ايش ذنبه يعيش مشرد بعيد عن أهله وعن بلده .. في جواباته دائما يحكيلي عن غربته القاتله و العيشه الصعبه دائما يقول يابا نفسي أنام على الأرض هناك في الحكورة تحت شجرة اللوز القبليه ونفسي أقعد في الخص الصغير جنب الصبِّر ناكل فتة العجِّر المليانه فلفل وزيت زيتون آه ما أحلى هاديك الأيام متى تعود يابا ونتجمع تاني .
تذرف عينا المختار دموعاً غزيره كأنها هطول سحاب ثقيل اجتاحته عاصفة قويه فأسقطته مرة واحدة .. عند هذا الحد لا يستطيع المختار أن يستمر في تأملاته وشوارده .
بعد أن ينتهي المصلون من أداء الصلاة يبدأون بالخروج لمعاودة أعمالهم أو للعودة الى دورهم .
الشمس تميل قليلا عن خطها العمودي على الأرض متجهة قليلا الى الغرب مخلفةً ظلاً دقيقاً يسير تحته الحاج اسماعيل الذي تقوده خطواتُه الى داره حيث تفتح الباب له زوجته وشريكة عمره الطويل الحبيبه الحاجه أم أحمد .
الحاج اسماعيل : السلام عليك يا أم أحمد
أم أحمد : وعليك السلام يا حاج ، باشوف طولت اليوم عن الرجوع ان شاء الله بفائدة .. بشِّر ياحاج بشِّر .
ينظر الحاج اسماعيل اليها .. انه يرأف بحالها ومما قد يصيبها من الهَمْ والحزن ككل مرة عندما يخبرها برفض طلبه .. صحتها لاتتحمل الكثير انها طيبة جداً وحنونة جدا ليت هذا العالم الأسود يحمل بعض طيبتها وبعض شفافية روحها الفاضله ، اذاً لَعَرَفَ العالمُ معنى السعادة الحقيقية اذ يمارس أفراده انسانيتهم الفطرية الخيَّرة .. لن أخبرها الآن .. فيما بعد .
إِيه يا حاجه إن شاء الله يصير خير بالموضوع .. بدها صبر
أم أحمد : الظاهر مثل كل مرة .. على فاشوش ما في فائده .
الحاج اسماعيل : بالله تتركي الحكي فيه واذا الأكل جاهز خلينا ناكل لقمه ونرتاحلنا شويّه على قرب العصر .
تذهب أم أحمد لتعد الطعام وقد إسوّدت الدنيا أمام عينيها ويلاحظ الحاج ذلك فينادي عليها .. يا حاجه بالله تبعثي لأحمد ومحمد وعبدالله خليهم ييجو الليلة للدار بدي أشوفهم وأتكلم معاهم .
أم أحمد : طيب ياحاج بعد ماتنام أنا بأبعت الصبي يخبرهم أنك عايزهم الليلة ، ان شاء الله خير ايش فيه .
الحاج اسماعيل : الليلة راح تعرفي لما الأولاد ييجو .. يا الله بسم الله الرحيم ..
***
بعد صلاة العشاء بدأ أبناء الحاج اسماعيل في الوصول الي دار أبيهم .. دورهم تحيط بدار أبيهم وأمهم .. حقيقة كل واحد استقل ببيته واهله لكنهم جميعا يلتفون حول والدهم لا يشعرونه ابدا انهم بعيدون عنه بل هم دائما معه طوع بنانه ويفعلون ما يشاء والدهم .
كان أول القادمين أحمد الابن الأكبر ومن بعده توافد عليه محمد وعبدالله ، بعد ان يجلس الجميع يبدأون بالنظر حواليهم عساهم يكتشفون شيئا لكن نظراتهم لا توصلهم لشيء فوالدهم لم يعد بعد من الخارج وكان مفروضا وجوده فهو الذي أرسل وراءهم يريدهم ، ولا يجدون بُداً من التحادث مع بعضهم ريثما يعود والدهم
عبدالله : إيش يمّه يا حبيبه هو ليش أبونا بعث لنا نيجي الليله .
أم أحمد : ما بعرف .. لما ييجي بتسألوه
أحمد : سمعت انكما نزلتما الى القدس اليوم ، هل مررتما على الأقصى ؟
محمد : ولو يا أبو اسماعيل هيّه هادي بتفوتنا ، معقول نصل القدس ومنصليش في الأقصى ، طيب الود ودنا نعيش هناك دايما .. في الدنيا كلها ما في أحسن ولا أطيب من هالمكان .
أحمد : الله يجازي الاحتلال واليوم اللي شفناه فيه ، ربنا يخلصنا منه وتصير بلادنا بلد واحدة ، هالوقت ابوكم بيجي وتعرفوا كل حاجه منه .. اصبروا شويه
محمد : ربنا كريم يا ابو اسماعيل ، اليوم قرب واحنا اليوم فاهمين الصهاينه وراح ندبرهم .
( طرقات خفيفه على الباب )
أحمد : أبويا .. لما أقوم أفتح الباب ... ياهلا ياهلا يابا وين كنت الوقت هادا
الحاج اسماعيل : في الديوان .. المهم اني جيت ، كيف حالكم انتم ، بشوفكو كبرتو وأبوكو ما صار يشوفكوا الا اذا بعث الكم مرسال
عبدالله : العفو يابا ايش الكلام اللي تقوله هو انت أبونا بس انت كل حاجه في حياتنا ، ولا ممكن أبدا نسيبك في لحظه .
الحاج اسماعيل : آه منك ابلفنا بلسانك انت ، اقعدوا قدامي قريب مني .. وانت يا أم أحمد .. تشوفيلنا لقمه نتعشى ابها .
محمد : خير يابا ايش فيه .
الحاج اسماعيل : خير.. خير.. موضوع محمود وجمع شمله .
احمد : وافق الحاكم ....
عبدالله : يوافق ، هو معقول .. لازم في كل مره يسدها في وجه ابويا .
محمد : ايه والله همه بينسوا ان المختار اسماعيل الوحيد اللي قاللهم في وجههم انه بيكرههم وانه مابيتصور في يوم يتعاون معاهم ، طيب الود ودهم يشيلوه من المختره ويحطوا واحد غيره يسايسهم ويسمع كلامهم بس مش قادرين لان المختار اسماعيل مركزه كبير في عيلته وفي البلد كلها ولو غيروه لعبتهم بتنكشف
الحاج اسماعيل : بلاش حكي كثير ..اني رحت للحاكم ورفض طلبي زى كل مره .
عبدالله : شفتوا زى ماقلت تمام ..مش معقول الحاكم يوافق .
الحاج اسماعيل : وبعدين معاك،اسكت اني واتكلم انت ...
أحمد : المهم ايش صار...
الحاج اسماعيل : قبل ما اطلع من عنده لمح لي انه يتمنى يزورني في الدار وانتوا عارفين الحاكم من زمان بدوياني اعزمه عندي لكن انا رافض ولا يمكن اعزمه ، ومهما كان السبب .
أم أحمد : والله ..والله لو عزمته ما بقعد لك بدار بعد العمر هادا بدك مني استقبل بداري عدونا اللي قتل اقرب الناس النا . - صالح ابن اخوك _.. بلاش صالح .. الشباب والاطفال الصغار اللي صفوهم على الحيطان وطخوهم في الستة وخمسين وفي السبعة وستين ..عدونا اللي احتل الارض وسرق الخير واللي كل يوم يضيق علينا المعيشة ..واللي عماله بيحبس اولادنا الصغير قبل الكبير، والله لو باموت مابقدم لو كباية ميه لواحد كلب منهم .
الحاج اسماعيل : ياحاجه اهدي والله كلامك في قلبي وراسي ولايمكن انساه في حياتي .. هو أنا ولد صغير علشان يضحكوا عليّه .. خلونا في موضوعنا انا طبعا هزّيت راسي وروحت.. بعد شويه لقيت حمزه ..انتوا عارفينه والله مابحب اجيب اسمه على لساني ها الكلب اللي مافي البلد واحد على بعضه بيحبه ، البلد كلها شايلة منه وبتستنى اليوم اللي تنتقم فيه من ها الخاين .. هيه كل اعماله بتنعمل .. الصهاينه بحالهم ماعمله عمايله ... هيه اله اليوم .
محمد : ايش قلك حمزه هادا .كل حاجه بدخل راسه فيها واي حاجه بسمعها او بيشوفها على طول يروح يبلغها للصهاينة .
عبدالله : طيب الحاكم كان سهران عنده هو واثنين صهاينه معاة .. بتهيألي حمزة هادا مش راجل ما بستحي ابدا بخلي مرته تكشف عليهم وتقعد معهم هي وبناته الثلاثة .
احمد : هو من ها الوقت ،ما هو من زمان كده ،من ايام الانجليز وهو بها الحال المايل .
عبدالله : مش وطنه اللي باعه بس ..لا ..كرامته وشرفه كمان .عمري ما شفت حدا يذل نفسه بها الشكل المزري ، قول يابا قول فرجنا وسمعنا على الناس هادي اللي ما بدها غير الرجم والدفن بالحيا...
الحاج اسماعيل :لا..اتكلم ليش ..ما انتم قاعدين بتتكلمو وفوا كلامكم
عبدالله : ولا تزعل يابا هادي راسك ابوسها ... اّ خر مره نقاطع كلامك .
الحاج اسماعيل : اّخر مره ..
عبدالله : اّخر مره احلفلك اّ خر مره ..
الحاج اسماعيل : قال ايش حمزة جاي ينصحني ، ونصيحة لمصلحتي ، انا أعزم الحاكم الاسرائيلي في الدار وهو راح يوافق على طول على جمع شمل محمود وعياله كلهم ومش هيك بس ، كمان يعينه مدير للمستشفى الكبير ..... وأنا يا أولاد محتار أنا كبرت وعملي محسوب علي وبتعرفوا موقفي وما بعمل عمل الا اذا كان ضميري راضي عنه لكن موضوع محمود بيهمكم برضه وبيهم أم أحمد ، فإيش قولكم وايش العمل .. وخلوا في بالكم اذا عشت اليوم ما بعيش بكره ولو جمع الشمل ما صار في حياتي ، محمود عمره ما راح يرجع واليهود بالبلد ، أنا عارف الصهاينه .. ملاعين بفكروا بكل شيء وأنا لا يمكن أسلم أبدا ، لكن بدي أعرف رأيكم الآن لأنهي الموضوع ياهيك .. يا هيك ..
أحمد : ايش اللي بتقوله يابا انت لا يمكن تسلم ولا عاش اللي يدوسلك على طرف .. صحيح بيحز بنفوسنا ان محمود ما يرجع وما يعيش بيناتنا ، انت لو وافقت على كلام حمزة راح يمسكها ذلة النا كلنا في حياتك وربنا يديك طولة العمر من بعدك كمان وانت عارف مين احنا وايش اللي بنعمله بالصهاينه وأظنك سمعت بالقنبلة الأخيرة اللي انفجرت في دورية الاحتلال عند الجندي المجهول في غزة .. طيب احنا قاعدين ولا واقفين ولا حتى نايمين بنزلزل الأرض تحت رجليهم
محمد : طول عمرك يابا وانت طاهر ونضيف ما بنرضى ولا أي حد كمان بيرضالك توافق على كلام الحاكم وديله .
أحمد : البلد كلها بتحلف بحياتك ولازم يضلوا طول عمرهم يحلفوا بحياتك .
عبدالله : طيب انت الوحيد اللي قدر يواجههم ويصمد قدامهم همه بفكروا يقدروا يذلونا عن طريق محمود ، والله لا هم ولا شياطينهم كلهم بيأثروا على شعرة من شعرات راسك البيضاء ولا بيدنسوا حبة رمل تحت رمل رجليك .
أم أحمد : شوف يا حاج أنا قلتها كلمه لو عزمتهم والله والله ما بقعد في الدار ولا راح تشوف وجهي أبدا .. بلا منه محمود .. يكفي ربنا أعطانا .. عندنا أحمد ومحمد وعبدالله .. نعمه وفضل من الله .. خلي محمود بره ، بنبقى نجيبه زيارة والسلام ، هو احنا بدنا نوسخ اسمنا على آخر الزمان .. في داهية هم واللي يزرم لهم ..
الحاج اسماعيل : مباركة يا ام أحمد مباركة ، مباركين يا أولاد مباركين ، طوال عمري اعتز وأفخر بكم وقولي والله هو قولكم ، وأنا راح أفض الموضوع من ايدي وبكرة لما ييجي حمزة على الديوان زي عادتة راح اشربه القهوة سادة وسادة عن صحيح .
***
... قبيل صلاة المغرب بقليل يقترب حمزة من باب الديوان .. يدلف منه الى داخل قاعته الكبيره المفروشة ارضها من جميع نواحيها بالفرش القطني ، والوسائد المزركشه تتوسط المراتب في حين انتشرت المساند على الحائط حيث يسند الجلوس ظهورهم عليها ، في احدى الزوايا ثمة كراسي وبعض الكنب الكبير لجلوس الضيوف عليها .. بكارج القهوة مرصوصة فوق الكانون حول النار المتوهجة الذي يزكيها بالخشب كلما خبت الحاج خليل المتكفل بأداء جميع المهام التي يتطلبها الديوان .
كان الجلوس كثيرين نوعا ما ... حيث يستعدون لأداء صلاة المغرب جماعة ، وعندما أقبل حمزة كان المجلس بين متوضئ للصلاة وبين مستعد لها .. ينتظر دوره ريثما يتم زميله وضوءه
... أما الحاج إسماعيل فقد كان ممن أتموا وضوءهم وجلسوا يسبحون الله ويذكرونه في انتظار آذان المغرب عندما رأى حمزة داخلا .. فاستعد له الاستعداد الذي يليق بما سوف يقوله له الآن .. حيث ابتدره قائلا .. تعال هنا .. جنبي .. كيف حالك .. يا ولد هات القهوة للضيف .. بس كتر سكرها .. .
حمزة : بس أنا بشربها سادة دايما يا مختار وقهوة الديوان بتتقدم سادة
المختار إسماعيل : اليوم غير عن امبارح ولازم تشربها حلوة اللي تليق بك
حمزة : الله يخليك يا مختار بشوفك مبسوط .. أيوه هيك افرد وجهك الدنيا ما تساوي لحظة الواحد يحزن فيها .
المختار اسماعيل : بتقول حكم والله .. وكلامك حلو وصحيح ، الدنيا كلها ما تساوي لحظة الواحد يتنكد فيها ..
حمزة : بتهيألي انت فكرت بالموضوع يا مختار ولازم وافقت على كلامي
المختار إسماعيل : موضوع ..؟ ! موضوع ايش ..؟ وكلام ايش اللي وافقت عليه ..
حمزة : موضوع ابنك محمود وجمع شمله واللا نسيت ..
المختار إسماعيل : ابني محمود ..؟! بس أنا ما بتذكر انه لي ولد اسمه محمود .
حمزة : ايش هالكلام يا مختار ..؟ لسه امبارح متكلم معاك بالموضوع ..! والحاكم اليوم شدد على موضوعك بالذات وانه لازم ينتهي منه بأسرع وقت .. وخصوصا أنا اسمعت ان الحاكم الاسرائيلي راح يتغير بعد خمس شهور وهذا سر لم أقله لأحد غيرك ، والله هو بدو يخدمك الخدمه هادي قبل ما يروح من عندنا والله هو زلمة طيب ومن كلامه عنك تبين لي انه بيعزك كتير .
المختار اسماعيل : ايش الكلام الهبل اللي بتقوله ، محمود مين وجمع شمل مين .. وايش الخدمة اللي الحاكم بنفسه بيتكرم وبدو يخدمني اياها ، طيب أنا ما طلبت منه شيء وأنا الحمدلله أولادي كلهم عندي هذا أحمد وهذا محمد وذاك عبدالله هؤلاء هم أولادي لم أنجب غيرهم ولا عمري كله كان لي ولد اسمه محمود ..؟ حتى اسأل الناس .. يتوجه المختار الى الناس يسألهم .. أسمعتم قبل الآن انه يوجد لي ولد رابع واسمه محمود ..؟...
يتسارع الموجودون بالجواب .. وبطريقة تعبر عن السخرية .. ولا حتى حمد يا مختار ..!
المفاجأة وقعها شديد على حمزة الذي أصبح وجهه يحاكي في لونه اصفرار الأموات .. لم يحتمل أن يهزأ به إلى هذه الدرجة .. ... جميع الناس تعرفه ويخشون سطوته ولا يجرؤ أحد أيا كان أن يهزأ به بهذه الطريقة .. إلا هو .. هذا المختار.. المتعجرف .. ماذا يظن نفسه .. انه الوحيد الذي جعله أضحوكة
نظر حمزة الي المختار إسماعيل ووجهه يمتلئ بالخسة والنذالة وقال له : يبقى هذه قهوتك الحلوة يا مختار ..
رد المختار باشمئزاز : .. وشربتهالك يا حمزة .. وبعد اليوم قهوتك عندي حلوة ما في غيرها .
تعليق