تائه في أحراش العشق والموت

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إبراهيم كامل أحمد
    عضو أساسي
    • 23-10-2009
    • 1109

    تائه في أحراش العشق والموت


    تائه في أحراش العشق والموت

    [align=justify]
    الريح تزأر وتصفع وجه الأرض وتقذفه بالرمال في غضبة خماسينية ، رغم أنى أحكمت غلق النوافذ أحس بالغبار يتسلل إلي داخلي ويمتزج بريقي .. المذاق المر ذكرني بالتحقيق الذي أتولاه بصفتي رئيساً للنيابة .. قضية فساد تفجرت فجأة كقنبلة منسية من حرب قديمة .. تطايرت الشظايا فأصابت مسئولين كبار ورجال أعمال بارزين وسيدات مجتمع شهيرات .. سقط القناع فبان وجه الفساد والقبح . بصقت لأتخلص من طعم الغبار .. عادوني صوت النائب العام واتضحت فيه رنة التحذير : "لا توسع الدائرة أكثر من اللازم ، ولا تتعمق فتثير طين القاع".
    تزامن رنين الهاتف مع زمجرة وحشية للريح أيقظت الخوف في نفسي .. بعد التحية قال المستشار "صفاء النفوس" : "إن لم تكن مشغولاً أود أن أراك" .. وافقت دون تردد فليس لدي ما يشغلني ، والمستشار "صفاء النفوس المؤذن" رئيس سابق لمحكمة النقض ، وله في نفسي منزلة الأستاذ الجليل ، وفي قلبي مكانة الأب الروحي .. كان في نبرة صوته رجاء حثني على تلبية دعوته رغم الجو السيئ.
    قادتني "أم السيد" خادمة المستشار "صفاء النفوس" إلي غرفة المكتبة .. عجوز جاوزت الستين حيرني دائماً سر شبابها المتجدد ولغز جمالها الفاتن .. كلما رأيتها سألت نفسي : أليس للزمن سلطان عليها ؟ .. مكتبة المستشار "صفاء النفوس" عامرة بالكتب في كل فروع المعرفة ، وأضاف هو إليها الكثير من المراجع القيمة المعتبرة التي كتبها في القانون ، وبعد إحالته إلي المعاش نحى إلي الكتابة عن الروح والجن وكل ما يتصل بما وراء الطبيعة ، ورغم غرابة المنحي فلا ينكر منصف أنها كتابات رصينة وغير مسبوقة .. استغنى المستشار "صفاء النفوس" بالكتب والمعرفة عن الزوجة والأسرة ، وإن كان بعض الخبثاء الحاقدين يتهامسون أنه اكتفي بأم السيد التي التقطها من إحدى مدن الصعيد النائية حين كان يعمل وكيلاً للنائب العام في صدر شبابه.
    خلعني دوي الرعد من أفكاري ، داعبني الأمل في قرب نزول المطر ليغسل وجه السماء الذي لوثته الريح بالغبار .. هل المستشار "صفاء النفوس" تسبقه بسمته المشرقة .. احتضنني بشوق وحنو .. نهلت من عطر الياسمين الذي يفوح منه ويلازمه منذ عرفته .. انهمر المطر .. غمرني شعور بالبشر واجتاحني إحساس بالارتياح .. جاءت "أم السيد" تحمل القهوة المحوجة .. لم أشعر بها .. أعلن عن مجيئها شذي البخار المنعش المتصاعد من الفناجين .. لم تتصرف كعادتها بعد أن قدمت القهوة .. جلست على مقعد غير بعيد منا .. استغربت وحين دققت النظر إليها لمحت سحابة من الهم تحجب نور وجهها الجميل الذي يليق بعذراء في شرخ الصبا.
    حط غراب نوحي على حافة النافذة ، التحم سواد ريشه بظلمة الليل .. رفرف بجناحيه ونعب نعيباً موحشاً غير آبه بنظراتنا العدائية الزاجرة ..تقلصت ملامح أم السيد ، ونضح الخوف على وجهها .. بحثت عيناى عن السيف الأثري المعلق على جدار المكتبة ، ورست نظراتي عليه .. اخترق المستشار "صفاء النفوس" حصار الصمت الرهيب : "ماستسمعه جد خطير ، لكن تذكر أنى نذرت حياتي للبحث عن الحقيقة وما ملت ولو لحظة مع الهوى" .. بنظرة مشجعة أعطى الإذن لأم السيد فتكلمت بعد أن نظرت ناحية الغراب متوجسة وكأنها تخشى من استراقه السمع: "عاد السيد من الغرب" .. سكتت لحظة ثم واصلت بأسى: "ولا شيء يأتي من الغرب يسر القلب" نعب الغراب نعيباً أقرب إلي الزمجرة معلناً عن وجوده بتحد .. قام المستشار "صفاء النفوس" وقف وراء "أم السيد" .. وضع يده على كتفها مطمئنناً وحاثاً لها على أن تواصل : "قال إنه يعيش في مدينة الموتى في صحراء المماليك ، وإنه يحمل لنا ألواناً من الشر لم تخطر على قلب بشر ، وإن أباه .. أمير الظلام أطلق يده ووعده بكل عون....
    أحسست بصوت "أم السيد" يدفعني إلي الدخول في نفق مظلم .. لا حيلة لي .. الظلام حالك .. الأرض زلقة .. الجو خانق .. جاهدت للخروج .. صرخت: "مستحيل .. هذا كابوس لا يصدقه عقل يعربد في متاهة الجنون" .. وقفت وغمغمت مستأذناً في الانصراف .. رافقني المستشار "صفاء النفوس" حتى سيارتي ،شد على يدي وقال بصوت ذكرني بنطقه للأحكام : "ثق أن كل ما سمعت حقيقي وكل ما أرجوه أن تقف إلي جانبي لندفع هذا الشر الذي يتربص بنا جميعاً.
    تحول نومي إلي كابوس متصل ..تجرأ على فيه المتهمون في قضية الفساد بوقاحة وأذاقوني ألواناً من العذاب .. كنت ألمح المستشار "صفاء النفوس" تتبعه خادمته "أم السيد" .. لكنه كان يتفرج ولم يبد أي إشارة تدل حتى على رغبته في المساعدة والغريب أني نعمت بلحظات معدودات من السعادة والنشوة في تلك الأحراش المرعبة .. كنت ألتقط أنفاسي المبهورة في حدائق تسر الناظرين .. لكن جمال ورودها الوحشي وألوان أزهارها الصارخة كات توقظ الخوف .. والأغرب أن "أم السيد" كانت تبدو ملكة متوجة واثقة الخطى في تلك الحدائق تحيط بها حاشية من الحوريات جمالهن صارخ وفتنة أجسادهن زاعقة .. كانت "أم السيد" تضيفني وتلاطفني .. والحوريات تسقيني شراباً تمازجه نكهة الحيرة وفيه طعم الحرمان .. وكان المتهمون يخدمونني برقة .. يغسلون قدميّ .. ويمسحون رأسي بالزيت والعطور وإن لم تخلو عيونهم من نظرات التحدي ولمحات الإستهانة .. أما المستشار "صفاء النفوس" فكان يجلس مسنداً ظهره إلي جذع شجرة يتفرج وكأن الأمر لا يعنيه في شيء .. وفوق رأسه وعلى غصن من الشجرة يقف الغراب النوحى يتفرج هو الآخر ... سمعت أصوات هادرة تأتي من بعيد .. داعبني الأمل في قرب الخلاص مما أنا فيه.
    صحوت على موسيقى "ضربات القدر" لبيتهوفن .. قلت والنوم لم يفارق عيني ليتهم أذاعوا "في ضوء القمر" .. الماء البارد ساعدني على الإفاقة وخلص عقلي من ضباب الكابوس..
    في الدهليز المؤدي إلي مكتبي وقف المتهمون في قضية الفساد في طابور طويل يستندون إلي الحائط ومعهم محاموهم وحرسهم .. لفتت نظري فتاة تعدت العشرين بقليل نقف منكسرة مع حارسها وليس معها محام .. قررت أن أبدأ بها .. دخلت .. سمحت لها بالجلوس .. لاحظت الشبه بينها وبين "أم السيد " سألتها : "تريدين شاياً أو قهوة؟" .. حسبت أني أهزأ بها .. لما تحققت من جديتي طلبت شاياً وبنظرة استعطاف أن يكون معه بسكويت .. فرغنا من شرب الشاي .. قدمت لها سيجارة فقبلتها .. وفتح التحقيق..
    "سأحكي لك كل ما أعرفه ليس عن خوف ولكن لأني أريد الخلاص مما وقعت فيه حتى ولو كان الثمن السجن أو الموت" .. أخذت تغرد بما تعرف والكاتب يجاهد في تسجيل أقوالها المتلاحقة سألتها بدهشة: "هل وصل الأمر إلي بيع الأجساد وسرقة الأعضاء وحتى تزييف العذرية ؟ " .. أشعلت سيجارة من علبتي التي أبحتها لها .. وقالت بكلمات تخرج مع الدخان : "يبدو أن سعادتك تعيش في كوكب آخر !!" أغضبتني رنة السخرية في كلامها .. خط الغراب النوحي على حافة النافذة .. رغم أنه دب ورفرف بجناحيه لم يلفت نظر المتهمة ولا الكاتب .. اشتعل غضبي وتدفق الدم الساخن صاعداً إلي رأسي .. أخرجت مسدسي .. ذعرت المتهمة وولولت .. جرت هاربة وورائها الكاتب .. أطلقت الرصاصة هرب الغراب اللعين ولم تصبه .. عاد فأطلقت الثانية .. فالثالثة .. وتلاحقت الأحداث...
    أفقت لأجد المستشار "صفاء النفوس" بجانبي .. رغم غبشة الخدر التي تهوم على عقلي وعيني تعرفت عليه وعرفت كذلك أني في مستشفي .. ومن النافذة بانت على البعد أضواء المدينة في حضن الجبل فتأكدت أنها مصحة الأمراض النفسية والعصبية .. طالت تمتمة وهمهمة المستشار "صفاء النفوس" طلبت ماء .. ناولني الكوب ارتويت نظرت إليه بتساؤل بين .. قال باستسلام عاجز : "أنكر الكاتب وجود غراب على حافة النافذة وأيدته المتهمة" .. صحت بحنق : "وبعد؟ "سكت وألجمه الإرتباك .. أخذ يحرك حبات المسبحة صامتاً.. عاودني الخدر وسمعته يقول بصدق : "أنا نادم على أني فتحت لك باب الشر" .. وأنا أسقط برفق في هوة الغيبوبة جاءتني كلماته هامسة ولكن بوضوح : "يا ولدي .. سامحني .. يقول الله تعالى في حديثه القدسي: أنا الله لا إله إلا أنا خلقت الشر وقدرته .. فويل لمن خلقت له الشر وأجريت الشر على يديه."
    [/align]
    [CENTER][IMG]http://www.almolltaqa.com/vb/picture.php?albumid=136&pictureid=807[/IMG][/CENTER]
  • مها راجح
    حرف عميق من فم الصمت
    • 22-10-2008
    • 10970

    #2
    لغة سامقة عذبة ..مفردات خبير في الكتابة
    تكللتها حدث عميق رمزي غارق في الخوف
    نهاية مدهشة

    تحية واكبار استاذ ابراهيم
    رحمك الله يا أمي الغالية

    تعليق

    • إبراهيم كامل أحمد
      عضو أساسي
      • 23-10-2009
      • 1109

      #3
      [align=center]
      الأديبة الرائعة مها راجح
      [/align]
      [align=justify]كلماتك الغالية تشريف لي فهي صادرة عن أديبة قديرة لرأيها قدر عال في نفسي.. تحياتي.[/align]
      [CENTER][IMG]http://www.almolltaqa.com/vb/picture.php?albumid=136&pictureid=807[/IMG][/CENTER]

      تعليق

      • إيمان عامر
        أديب وكاتب
        • 03-05-2008
        • 1087

        #4
        تحياتي بعطر الزهور

        الأستاذ المبدع
        إبراهيم كامل

        أبدعت ذهبت أهرول وراء الإحداث


        وكأني استمتع بعزف هذه السيمفونية المحلقة في الأفاق البعيد

        رائع وأكثر هذا التألق

        سردك ممتع أحببت المكوث بين سطور إبداعك

        دمت متألق

        كون بخير

        لك أرق تحياتي
        "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

        تعليق

        • إبراهيم كامل أحمد
          عضو أساسي
          • 23-10-2009
          • 1109

          #5
          [align=center][/align]
          [align=center]
          الأديبة المبدعة و الفنانة الرائعة إيمان عامر
          [/align]
          [align=justify]
          دمت حانية علي فن الكلمة.. استعطف الكلمات كي تعبر لك عن امتنناني العميق وتقديري السامي لشخصك وإبداعك وأدعو الله ألا يحرمني من كلماتك.. خالص المودة.
          [/align]
          [CENTER][IMG]http://www.almolltaqa.com/vb/picture.php?albumid=136&pictureid=807[/IMG][/CENTER]

          تعليق

          يعمل...
          X