طفولتي
" في طفولتي أصور نفسي كخلية نحل, وضع فيها مختلف الأشخاص البسطاء العاديين مثلما النحل عسل معارفهم وأفكارهم عن الحياة. وأثروا روحي بسخاء, كل بما استطاع . وكثيراً ما كان هذا العسل قذراً مراً,
ولكن كل معرفة هي مع ذلك عسل "
طفولتي - مكسيم غوركي
عندما كتب مكسيم غوركي ثلاثيته الشهيرة التي تحكي سيرته منذ الطفولة, كان يقصد الدعوة للنهوض بالمجتمع الروسي, وبالأخص طبقة المجتمع الفقيرة المعدمة , التي تعيش مآسي وصراعات لا تحتمل , حتى أصبح الروس المجبرين على حياة فقيرة فارغة, يفتشون عن تسلية لهم في الحزن نفسه, فيلعبون به كالأطفال, ولا يحسون بالخجل من مصائبهم إلا في القليل النادر. وحين تكون الحياة رتيبة يسمي الحزن نفسه عيداً وحدثاً مرحباً بهما! وحتى الحريق يصير تسلية لذيذة. وكذلك الجرح البسيط في وجه فارغ من كل معنى يضحى زينة جميلة رائعة. في كل بيت من طبقات هذا المجتمع كان يوجد " إنسان " يسقط وينهار ويتعذب . القيم العائلية منهارة, الفقر أجبر أطفال في عمر الزهور للعمل في تجميع الخشب من أجل كسب القوت اليومي. الضرب هو الوسيلة الوحيدة للتربية, ولأتفه الأسباب. بل حتى الصراعات الدينية تضرب في صدور هذا المجتمع, وهذا الإنسان الذي يتعذب . بالرغم من تشابه أغلب القصص التي تُحكى في هذه الثلاثية , إلا انها جميعاً تتشابه بصورة غريبة جداً, موضوعها الآلام البشرية والذل والهوان, وفي كل منهما انسان يتعذب .
لم يركز مكسيم في كتابته للرواية على حال الفرد الروسي, بل كان التركيز مركزاً باتجاه المجتمع الذي كان يحلم به مكسيم أن يتخلص من هذا الجنون. والقيام بنهضة إجتماعية تحفظ كيان الإنسان ومركزه وكرامته في هذا المجتمع. يقول مكسيم بين ثنايا " طفولتي " الجزء الأول من سيرته :
" حين أذكر شناعات تلك الحياة الروسية الهمجية أتساءل أحياناً أكانت تستحق المرء أن يتحدث عنها ؟ لكنني اقتنعت بعد التفكير أن من الواجب أن أعرضها , لأنها تشكل الحقيقة الشريرة الدنيئة التي لم تستأصل شأفتها بعد حتى اليوم الحاضر .. انها تمثل حقيقة يجب معرفتها حتى أعمق جذورها , كي ننتزعها بعد ذلك من حياتنا الكئيبة الملطخة بالعار , ننتزعها من صميم نفس الإنسان وذاكرته .
لكن هناك سبباً اخر , أكثر رضى , يدفعني إلى وصف هذه الاهوال المقيته . بالرغم من بشاعتها , وبالرغم من الطريقة التي تشوه بها ما كان يمكن أن يكون في نفوسنا رائعة دون ذلك . إن الإنسان الروسي يملك من الفتوة وسلامة الفكر ما يكفي كي يبيد مثل هذه الأشياء ... إن حياتنا لرائعة , ليس لأنها نمت في تربة خصبة من الحيوانية فحسب . بل لما يتضوأ وراءها من قوى خلاقة براقة وصحية . وإن اثر الخير ليتضاعف , وإن شعبنا سوف يستيقظ أخيراً إلى حياة ملأى بالجمال , مشعشة بالإنسانية "
التصوير الفني في الرواية ,موسيقى حزينة واقعية أساسها البؤس والحزن. لم يرسم مكسيم من خياله شخصيات خيالية , كل شخصية تحمل الطيبة والنقاء , وشخصية أخرى الشر مزروع في أحشائها . بل كان يكتب شخصيات عاشها وتعامل معها أقسى سنوات أيامه عذاباً . فالجد الذي لم يرحم مكسيم , وكان شريراً ,كان طيباً بعض الأحيان , ويتحول لطفل وديع بسبب تأثره بذكرياته القديمة .كل شخص في شخصيات حياة مكسيم كان يحمل الطيب من جهة , والشر من جهة آخرى .
بعد الإغفاءة الاخيرة لوالد أليوشا بشكوف - بطل السيرة والروائي نفسه - بسبب مرض الكوليرا الذي ضرب روسيا تلك الفترة , ومشاهدته لدموع الرجال التي لم يشاهدها وهو في عمر الأطفال, ينتقل مع والدته فاريوشا, وجدته أكولينا إيفانوفنا إلى مدينة نيجنئ المعروفة بمدينة الكنائس. للعيش في كنف عائلة والدته. وفي هذه المدينة, وفي جو هذه العائلة المثيرة تدور سيرة أليوشا المليئة بالقهر والحزن والبؤس. عندما يصل أليوشا للعيش في كنف هذه العائلة وهو طفل يتفاجئ بجو العائلة القائم على الصراعات بين أفراد العائلة الواحدة. لا رحمة ولا ترابط بينهم ,ولا علاقة صحية قائمة بينهم, التفكك الأسري والصراعات على أموال الأب الحي هي القائمة منذ وصول أليوشا للمنزل. صراعات الخال ميخائيل الذي يوصف بالسيرة بالمنافق الكبير, والخال ياكوف الكافر الجبان كما يصفه الجد هي البداية لدخول الطفل اليتيم في صراعات العائلة, التي تمثل العائلة الروسية الفقيرة في العهد القصيري.
الجد وهو إحدى شخصيات السيرة بالإمكان تصوره أنه مجنون طائش. وسيلته في الإدارة هي العقاب الجماعي, ضرب الأطفال والرجال, بل حتى النساء. ولا يمكن صبغة صفة الشر على الجد بصورة مطلقة, فهو رغم جنونه وتعطشه للضرب, إلا أنه يتحول لطفل وديع حين يسترجع ذكرياته مع زوجته ,والعذابات التي قاساها في حياته . يقول مكسيم بما معناه أنهما كانا دائماً ينسيان وجوده عندما يسترجعون ذكرياتهم , حتى يلوح لي أنهما ينشدان أغنية شجية, لكنها حزينة في الغالب, موضوعها النار, والامراض والمصائب والإعتداء على الناس بالضرب, والموت المفاجئ, واللصوص الأذكياء, والنبلاء المرتزقة, والمتسولون المتعددون . يبقى التذكير بأن الجد كان يعطف على أليوشا بعض الأحيان, ويحبه في لحظة صفاء, حتى قال لـ أليوشا ينصحه " ستبقى وحيداً, أفاهم أنت.. تظل وحيداً تدبر أمور نفسك بنفسك . تعلم أن تعتني بنفسك, وإياك أن تنحني للغير ! عش هادئاً مسالماً, لكن كن عنيداً, وامض في طريقك الخاصة دون خوف او وجل.. واصغ للجميع, لكن افعل ما تعتقد أنه الافضل "
الجدة وهي الشخصية الثانية في السيرة تحمل الطيبة والنقاء والعطف على هذا الطفل اليتيم, وهي في نفس الوقت, تقع في المتاعب وتدمن الشرب بسبب الصراعات والقلق لـ إعتمادها بعد فترة من حياتها على العيش من رزق يديها, بعد الإنفصال المالي بين الزوج وزوجته . تصور مكسيم لجدته انها تمثل العذراء في حبها له وعطفها عليه. هي الي تدافع عنه تحت سياط الجد, و صراعات العائلة. تحكي له القصص, وأعتقد ان مكسيم استفاد من الروح القصصية التي كانت تقولها له جدته. فبعض القصص التي ذكرها في ثنايا السيرة لا يمكن القول إلا أنها رائعة جداً, خصوصاً قصة إيفان المحارب وفيرون الراهب.
تنتهي السيرة الأولى من الثلاثية بوفاة والدة مكسيم بعد فترة من زواج ثاني, وبقول الجد لـ أليوشا " ليس لك مكان بعد اليوم هنا.. فقد آن لك أن تخرج إلى ما بين الناس لكسب القوت " . وهكذا خرج أليوشا إلى ما بين الناس .وهي الجزء الثاني من سيرة المؤلف اليتيم أليكسي مكسيموفيتش بيشكوف.
تعليق