تحفيز الشخصية في رواية قصة إرهابي لـ (حسين بن عبيد الله)

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • نبيل سعيد
    عضو الملتقى
    • 07-01-2009
    • 20

    تحفيز الشخصية في رواية قصة إرهابي لـ (حسين بن عبيد الله)

    تحفيزالشخصية
    في رواية ( قصة إرهابي ) لـِ (حسين بن عبيدِالله)
    نبيل سعيد مطبق
    Nabeelsa3eed@hotmail.com
    تشكل الحوافز الفعلية للشخصيات في رواية قصة إرهابي[1] الصبغة الانفعالية لدى القارئ ، و ذلك من خلال ظهورها عبر سردٍ موضوعي يتحكم في مجراه صوت الراوي[2].وتعنى هذه الدراسة المتواضعة بتأمل أفعال تلك الشخصيات عن طريق تعارضها و صراع المصالح الحاصل بينها ، و هو نمط أشار إليه الشكلانيون الروس في أبحاثهم الخاصة بالقصة والرواية[3]، و طوَّره فيما بعد الناقد الفرنسي تودوروف المتأثر بمواضيع تلك الأبحاث[4] ، فقد أفردت نظرية الأغراض مساحة خاصة للحديث عن الشخصيات بوصفها دعامة مهمة لتقديم الحوافز ، و آليةً سهلةً لتركيز انتباه القارئ ، و خيطاً مرشداً لتميز تلك الحوافز وتنظيمها[5] ، إذ يشير توماشفسكي في هذا الموضوع إلى أنساق معينة تلعب فيها الشخصيات دوراً مهماً في عملية ربط الحوافز وفهم العلاقات المعقدة في النص الأدبي[6] ، معتقداً أن الشخصية الرئيسية ( البطل ) ليست ضروريةً في الحكاية ، لأن النظر من زاوية منهج التحفيز تستلزم دراسة الأعمال الأدبية السردية بوصفها منظومة من الحوافز المتنوعة التي تقدم بأكثر من طريقة ، أبرزها نمط علاقات الشخصيات[7] ، إن طبيعة هذا التأمل المغاير للشخصية جدير بالاهتمام في الدراسة التطبيقية [8] .
    سعياً إلى ذلك تركز هذه الدراسة على تأمل الشخصيات في رواية قصة إرهابي من حيث تعارضاتها المنتجة للحوافز ، على وفق النمط الآتي : ( الرغبة / الكراهية ، المساعد / الإعاقة ، الاتصال / الانفصال ) ، إذ يعد هذا النمط آلية من آليات منهج التحفيز السردي الذي أنجزته الشكلانية الروسية [9] .
    اللحظةُ .. المفتاح

    يقحم الراوي الشخصية من اللحظة الأولى ، فيبدأ بوصف شخصية المغترب اليمني الحاج سعيد النبيه ، ليكوِّن ذلك الوصف غرض الرواية الأول الاغتراب ، الذي جاء عن طريق العرض المباشر exposition directe المستخدم من جهة المبنى الحكائي في بداية الحكي بوصفه مفتاحاً للرواية و مدخلاً أساسياً نحو استيعاب وضعيتها الأولى المرتبطة بوصف الشخصيات والحالات التي تعتريها وعلاقات بعضها ببعض ، ونكون في هذه اللحظة أمام سرد موضوعي Objective يحتكر فيه الراوي المطَّلع على كل شيءٍ عملية إعلام القارئ بأحداث الرواية [10]. تولد الجزئيات اللفظية لغرض الاغتراب انطباعاَ لدى القارئ يتعلق بمدى معاناة المغتربين اليمنيين من تلك الغربة التي فرضتها عليهم الظروف الاقتصادية ، إذ تبدو عبر صوت الراوي على هذا النحو : " عاش الحاج سعيد عبد الدائم النبيه ( أبو يعقوب ) جلَّ حياته في منطقة جيزان ، بدأ حياته العملية فيها تاجراً صغيراً . كَبُر بكِبرِ سنِّه و بكبر علاقاته التي صنعها على امتداد خمسة و أربيعين عاماً ، هي سنوات اغترابه عن بلاده التي غادرها عندما كان في مقتبل شبابه " [11] . تحت سقف هذا الغرض تبدأ الحوافز الفعلية بالتكوِّن ، فتبدو رغبة الحاج سعيد النبيه بالعودة إلى وطنه الذي اشتاق إليه كثيراً ، مقابل كراهية قضاء ما تبقى من العمر في أرض الغربة ، هنا يكون القارئ أمام حافز حب الوطن المتضمن دلالات : التضحية ،الوفاء ، الانتماء ، التي يمكن ملاحظتها عبر جمل النص : " يكبر الحاج و تكبر فيه الرغبة بالعودة إلى بلدته حجَّة التي يتوق إليها كثيراً ، و يتوق إلى أن يحطَّ بها رحاله ، لذلك فقد شرع بتصفية حساباته مع التجار و الشركات التي تعهد إليه ببيع بضائعها و منتجاتها في متجره الكبير ( السوبر ماركت ) الواقع وسط مدينة جيزان الذي كثيراً ما تجده مكتظاً بالزبائن ... لذلك فإن المستثمرين يحلمون بأن يكون لهم محلٌّ تجاري كمحلِّ الحاج سعيد " [12] .

    و بعد تحقيق الرغبة السابقة تتوالى الرغبات ، فنرى رغبة الحاج النبيه إخفاء أعماله الخيرية مقابل كراهيته الإعلان عنها بأي وسيلة ، و رغبته في أن يستضيف الوافدين إلى قريته على حسابه الخاص ، لأنه يكره أن تكون الضيافة من مخصصات المسجد الذي بناه ، كذلك رغبته في خلق العلاقات الاجتماعية ، و كراهيته لقطع عُرَاها المتينة . إن هذه المتواليات الفعلية تضع القارئ أمام حوافز الورع ، الكرم ، الحب المرتبطة بدلالات : التديُّن ، الاستقامة ، التواضع ، و يبدو ذلك واضحاً من خلال حديث الراوي عن هذه الفكرة : " توجد عند الحاج فكرة ربما يراها البعض غريبة ، فهو يفضل أن تعمَّ الفضيلة المجتمع ... لذلك فإن أعماله الخيرية معظمها خفية ... بالرغم من وجود مخصصات الضيافة في موازنة المسجد إلاَّ أن الحاج يحب أن يأخذ الضيوف إلى منزله الذي قلما لا يأتي يومياً بأحدٍ إليه ... لا زالت تربط الحاج الكثير من العلاقات الحميمة مع عدد كبير من أهل جيزان و مناطق أخرى في السعودية ... فهو كثيراً ما يتواصل معهم هاتفياً ، و يكون سعيداً عندما يستضيف أحدهم أو أي شخص آخر فهو كريم و مضياف " [13] .
    كانت هذه هي الحوافز الفعلية التي قدمتها الشخصية الأولى في النص ، أما إذا أتينا إلى تأمل الوضعية التالية للرواية ، فسنلاحظ بروز تلك الحوافز بطريقة أخرى ناتجة عن إدراج شخصية جديدة [14] ، هي شخصية الضيف الذي وفد إلى مسجد الحاج النبيه . إن الشخصية الجديدة غريبة الأطوار ، لذا لم يعجب الحاج النبيه بعض تصرفاتها و إن لم يصرح بذلك ، فالضيف يرغب في التزام الصمت ما استطاع إلى ذلك سبيلا بينما يكره الحاج النبيه هذه النوعية من الضيوف ، وعندما يرغب النبيه في استصحابه إلى بيته – كما هو دأبه دائماً مع سائر الضيوف – يفاجئه الضيف بعدم تلبية دعوته بنبرة توحي إلى كراهية ذلك الفعل ، لكن سرعان ما تخفتُ تلك النبرة إثر إلحاح الحاج عليه بقبول الدعوة ، ويتكرر هذا الموقف أيضاً عندما يرغب النبيه أن يتولى الضيف خطبة الجمعة في مسجده ، فيبادره الضيف بالرفض بملامح تشير إلى كراهية عرض مثل هذه الفكرة التي حاول تبديدها بالاستشهاد بأحد الأحاديث النبوية الشريفة . نتيجة للتعارض السابق تتولد حوافز الغموض ، التعجب ، الريبة التي تولد صبغة ًانفعالية عند المتلقي تتصل بدلالات : الكفر ، الكفاءة ، سوء النية ، الصيام و غيرها من الدلالات التي يمكن أن ينتجها القارئ من وصف الراوي لهذا الموقف : " دخل المسجد ذات يوم رجل ناهز الأربعين من عمره ... يتلفظ بمفردات فصيحة غير أن لسانه شابتها لكنةٌ خفيفة ، فهو كثيراً ما يؤثر السكوت و لذلك فهو من صنف الضيوف الذين لا يرتاح لهم الحاج كثيراً فهو يحب الحديث بل والدعابة مع ضيوفه ... امتدت إليه يد الحاج مصافحة مشفوعة بابتسامته المعهودة ... ثم دعاه إلى طعام الغداء ، اعتذر الرجل إلاَّ أنه استجاب لإلحاح الحاج بقبول الدعوة ... تجاذب الرجلان أطراف الحديث , وجد الحاج في ضيفه إلماماً بالحديث و تحرياً للسنَّة الأمر الذي جعله يطلب منه تأدية خطبة الجمعة في المسجد ، لم يستجب الضيف لفكرة الحاج قائلا : ً " لا يؤمُّ الرجُل الرَجل في بيته " . وظلاَّ يخرجان للصلاة ويعودان معاً " [15] .
    و باستمرار وضعيات المتن الحكائي في عملية المرور تبدأ حبكة النص بالتنامي ، فتطور المتن الحكائي الروائي أو القصصي مرهونٌ بالانتقال من وضعية إلى أخرى نظراً لارتباط هذه الوضعيات بالنظام الاجتماعي القائم في التعارض بين الشخصيات و بين مصالحها [16]، إذ تتنامى أحداث الرواية و حوافزها حتى تصل إلى ذروة تطور المتن الحكائي التي يطلق عليها توماشفسكي اسم الحبكةintrigue و هي النسيج الأولي للبنية السردية المغزول من مواد المتن الحكائي بواسطة الوسائل الأسلوبية و مجموعة من الحوافز المرتبة ترتيباً جمالياً [17] ، و تتحدد وظيفة الحبكة في خلق حالة من الترقب لدى القارئ تحفِّزهُ على مواصلة رحلة القراءة باستمتاع حتى ينتهي به المطاف إلى إحدى نقطتين : توليد أزمة جديدة . أي عقدة noeud ، وبالتالي استمرار القراءة ، أو تلاشي هذه الأزمة بظهور الحل denouement في النهاية [18] . و يعدُّ الفعل عند الشكلانيين الروس المرتكز الأول للحبكة بوصفه السبب الرئيس في وجود الشخصية و حوافزها اللفظية والدلالية .

    في خضم مرور الوضعيات في قصة إرهابي ، تبدأ الحوافز الدينامكية بإثارة الحركة في النص لتتولد العقدة الأولى في شريط الحبكة من خلال حافز الشوكولاته ( الديناميكي ) المتضمن فعل الاختطاف ، و قد نتج هذا الحافز عبر تناقض شخصية الحاج التي ترغب في ترك الضيف بمفرده في ملحق المنزل لكي يأخذ راحته و شخصية الضيف التي تكره تردد الحاج على الملحق حتى لا ينكشف أمرها ، إذ يتولد عبر جمل النص كما يلي : " اعتاد الحاج سعيد بأن يترك لضيوفه حريتهم في الجناح الذي أعده لهم ... وعندما يحين وقت الطعام يكون الحاج و أبناؤه وأحفاده عند الضيف لتناوله حتى إذا فرغوا من ذلك يتركون الضيف و شأنه ...نسج الضيف علاقة حميمة مع أحد أحفاد الحاج البالغ من العمر ست سنوات ، فهو يحكي له الحكايات العجيبة التي استولت على فؤاده . كان يجلب له من السوق كل يوم قطع الشوكولاته التي يخصه بها دون بقية الصبية ... في اليوم الثالث طلب الضيف من مضيفه الإذن بالمغادرة ... في الخامسة والنصف من مساء يوم الثلاثاء عاد الصبية أحفاد الحاج إلى المنزل من الحديقة المجاورة لمنزلهم كعادتهم ، ولكن يوسف لم يعد مع إخوته ، خرجت أمه وأخوته يبحثون عنه هنا وهناك لكنهم لم يجدوا له أثراً عاد الحاج من صلاة العشاء ليخبروه بفقدانهم ليوسف ، بحثوا عنه عند الجيران و الأقارب ... دون جدوى و كأن الأرض قد انشقت وابتلعته " [19]. لقد أثار حافز الشوكولاته هِزَّةً قوية و توتراً درامياً خلافاً لحوافز الوضعيات السابقة ، إذ يميز توماشفسكي بين نوعين من الحوافز تتلخص في الحوافز الديناميكية ، و هي تلك الحوافز التي تغير وضعية القصة من حالة التوازن إلى حالة اللاتوازن أو العكس ، فهي بمثابة محركات للقصة ، مثل ، أفعال البطل وتحركاته ، و الحوافز القارة التي لا تغير وضعية القصة مثل أوصاف الشخصيات و الطبيعة و غيرها[20] . و بعد قيام الحبكة بتجهيز مواد المتن الحكائي ، تقوم الوسائل بممارسة وظيفتها في صياغة هوية المبنى الحكائي عن طريق التحكم بالزمن ، إذ أن الفرق دقيق – لدى الشكلانيين - بين مصطلحي المتن الحكائي والمبنى الحكائي ، فهم يقصدون بالمبنى المادة الأدبية المقدمة بطريقة فنية و زمنية خاصة ، أي المادة التي تقوم بتحريك عقارب الزمن على وفق الطريقة الفنية التي تضمن للنص وظيفتهُ الجمالية ، أما المتن لديهم فهو المادة الأولية غير الأدبية المرتبطة بالتتابع السببي و الزمني الرتيب للأحداث[21] .

    من هذه الزاوية يمكن ملاحظة استخدام الراوي لوسيلة الاسترجاع الزمني المُولِّدةلـِحافز التعرُّف ( الديناميكي ) ، المهتم بكشف حقيقة الضيف و إسقاط التصور السائد عنه لدى أفراد أسرة الحاج النبيه من خلال ردِّ الأطفال على سؤال جدهم : " هل وجدتم ما يريب في الضيف أبي محمد ؟ . فقال أحدهم : عندما كنت أنظر من ثقب المفتاح أرى الضيف يقضي ساعات أمام الشرفة ينظر منها إلى النساء و الفتيات في حديقة منزلنا و يمعن النظر إليهن لوقت طويل صانعاً من الوسائد كرسياً لجلسته ... أدرك الحاج بأن الضيف له علاقة باختفاء حفيده يوسف . أخبر الحاج مركز الشرطة و النيابة و أجروا تحرياتهم الروتينية ولكن دون فائدة ... مرَّت الأيام والسنون و نسيت المدينة الطفل يوسف " [22] .
    لقد قام حافز التعرُّف على حقيقة الضيف بإثارة حركة أخرى في الرواية قامت بتغيير صورة الضيف في الوضعيات الأولى و تزويد القارئ بدلالات تتصل بالخيانة ، اللؤم ، نكران الجميل ، التنكُّر، الكذب و غيرها . ثم يقوم الراوي باستخدام وسيلة الاختزال الزمني في تشكيل المبنى لحظة الانتقال من وضعية إلى أخرى ، و تبلغ المسافة المختزلة التي تظهر عبرها شخصية المساعد اثنى عشر عاما ، هي المدة المنقضية على حادث الاختطاف التي إذا أضافها القارئ إلى عمر يوسف - آنذاك - سيحصل على عمره في الوضيعة التي يتحدث عنها الراوي ، تتجسد شخصية المساعد في ضيف آخر ينزل في ضيافة الحاج النبيه ليساعده على تخطي الإعاقة الممثلة في اختفاء حفيده يوسف ، لكن في الوقت الذي كان الحاج راغباً في استضافة عبد القدوس ، كانت تداعيات استضافة الضيف السابق تسيطر على تفكيره كراهيةَ أن يكون عبد القدوس مثل أبي محمد ، بيد أن حرصه على معرفة قصة حفيده دفعه إلى دعوة الضيف الجديد إلى المنزل ، يقدم النص هذا المشهد بقول الراوي : " بعد اثنى عشر عاماً مضت ... دخل المسجد في يوم السبت شاب وسيم في منتصف العقد الثالث... عرَّف الشاب نفسه للحاج مشيراً بيده إلى صدره قائلاً : أنا ابنكم عبد القدوس الريدي من قرية الريدة ... أحمل رسالة من العراق ... أهلاً وسهلاً بك ولكن ما هذه الرسالة ؟ إننا لا نعرف أحداً في العراق ! لعلها تخص ابني يعقوب ، بل تخصكما معاً ، إنها بشأن ابنكما يوسف ، يوسف !!؟ ... تفضل معي إلى المنزل ... برغم أن الحاج سعيد لم يعد يُدخلُ منزله إلاَّ من يعرفه بعد ما أصابه من جحود ضيفه أبو محمد ، إلاَّ أن تلهُّفه لمعرفة مضمون الرسالة التي يحملها هذا الضيف جعله يكسر القاعدة " [23] .

    و عند سرد الضيف لمضمون الرسالة التي ينتظر القارئ معرفتها بشغف كبير ، يظهر مساعد آخر تجاه نفس الإعاقة ، فشخصية وائل الزبيدي تعدُّ مساعداً آخراً للوصول إلى فك اللغز المحيط بحادث اختطاف يوسف قبل اثنى عشر عاماًً من قبل جماعات مشبوهة ، بعد معرفة مضمون الرسالة يأتي تعارض الشخصيات حول طريقة الإنقاذ التي تتطلب السفر إلى العراق ، فنرى رغبة عبد القدوس في السفر مقابل كراهية الحاج و ابنه يعقوب لهذه الفكرة تجنباً لأي غدرٍ قد ينتج عنها . وفي نهاية الحوار يستطيع حافز الشامات ( الديناميكي) إسقاط احتياطات الأب و الابن إزاء المساعدين ، فلمَّا أخبرهما عبد القدوس عن الشامات الثلاث الموجودة في ظهر يوسف ، تغيَّرت نظرتهما إلى الموضوع ، هكذا يمنح حافز الشامات القارئ دلالات متصلة بالصدق ، الحرص ، الحب ، تنبعث من مضمون رسالة الضيف الذي سأله الحاج النبيه قائلاً : " أي رسالة جئت بها أيها الضيف الكريم ؟ ، اتصل بي زميل في الجامعة المستنصرية ببغداد يدعى وائل الزبيدي ، وطلب مني أن أخبركم أن ابنكم يوسف لديه في البيت ... و أنه مهدد من قبل بعض الجماعات الخطرة ، لذلك فهو لن يبرح المنزل . وأن لابنكم قصة طويل وغريبة ... يجدر بكم التحرك إلى هناك بأسرع ما يمكن ... نخشى يا بني أن يكون في ذلك مكيدة ، لقد احتسبنا يوسف عند الله ونخاف من ضياع أبي يوسف ... استدرك الشاب أمراً ثم قال : أجل لقد أخبرني زميلي هاتفياً بأن يوسف قال له : حتى يصدِّقك أهلي أخبرهم بأن في أسفل ظهري ثلاث شامات سوداء منذ ولادتي . لا أعرف و لا أتذكر ... إذاً سأذهب إلى والدته لأسألها عن الشامات ... بعد لحظات عاد الحاج سعيد متهلِّل الأسارير قائلاً : لقد صدق ضيفنا ، إن بأسفل ظهر يوسف ثلاث شامات ... اقترح يعقوب على عبد القدوس أن يذهبا معاً جواً إلى سوريا ثم إلى بغداد " [24] .

    في مرحلة الإعداد لرحلة السفر إلى بغداد تتجلى حالتا الاتصال و الانفصال عن طريق شغف الحاج و ابنه لسماع أخبار يوسف عبر الهاتف ، فقد طلبا من عبد القدوس أن يزودهما بأرقام صديقه وائل الزبيدي في بغداد . وعندما يتم الاتصال فعلاً يحصل تجاههُ الانفصال ، إذ لم يجب أحد على الهاتف في بغداد في بداية الأمر و عندماً تمَّت الإجابة على الهاتف المطلوب لإنجاز الاتصال ، اتضح أن الرقم غير صحيح ؛ لتعود بذلك حالة الانفصال . كما تتجلى هاتان الحالتان في سوريا التي وصل إليها عبد القدوس و يعقوب في وقت متأخر غير مناسب لاستخدام الهاتف أدى إلى وضعهما في حالة انفصال عن السفير اليمني دامت بضع ساعات حتى جاء الصباح ليمكنهما من الاتصال به ، و يسفر تناقض المصالح السابق عن تكوُّن حافز الترقب الذي يحاول المحافظة على امتداد هِزَّات الحوافز الديناميكية لشدِّ انتباه القارئ .
    " هل لك أن تعطينا أرقام هواتف زميلك هذا ؟ قالها يعقوب و هو ينزع عن القلم غطاءه . بالتأكيد ... تكررت محاولاتهم الاتصال بهذه الأرقام ، رقم المنزل يرن ولكن لا أحد يجيب . أما الرقم الآخر فإنه مشغول على الدوام . إلاَّ أنه بعد وقت طويل أجاب ، لكن تبيَّن أن ذلك الرقم لأحد كبائن الاتصالات العامة في بغداد ... عند وصولهما دمشق حجزا فندقاً في وسط المدينة بحي المرجأ ، حينها كان الوقت متأخراً من الليل ولا يمكنهما من إنجاز أي مهمة على الإطلاق ، لا يمكنهما من الاتصال بالسفير ... في صباح يوم الأحد اتصلا بالأرقام ... الخاصة بالسفارة اليمنية في دمشق و بالسفير اليمني الذي كان وقته مزدحماً بسبب الأنشطة الدبلوماسية المكثفة للحد من معاناة العراقيين ، غير أنه حدد لهما موعداً في ظهر اليوم نفسه " [25] .

    في السفارة اليمنية بدمشق يرغب السفير في معرفة اختفاء يوسف فيما يكره يعقوب وصاحبه ذلك ، فيخبره يعقوب بأن يوسف تائهٌ في العراق ، ثم يقوم السفير بدور المساعد من خلال عرض الخدمات المتاحة له تجاه الإعاقة المخيمة على سماء بغداد ثم يرغب المسافران استئناف الرحلة في نفس اليوم مقابل كراهية السفير لهذه العجلة ، نستمع إلى ذلك عبر صوت الراوي : " كانت مقابلة السفير ممتازة ... لقد عرض عليهما خدماته و أسدى نصائحه ، بعد أن أبلغ يعقوب السفير بان له ابناً تائهاً قد أخبر بأنه في بغداد ... لقد ارتأى يعقوب ورفيقه أنه ليس من الحكمة إخبار السفير بكل الحقيقة بحسب توصية الصديق وائل الزبيدي ، ولذلك فق قال السفير : إن الأوضاع في بغداد ليست كما تتصوران . لقد عمَّت الفوضى هناك ... أستطيع منحكما مذكرة علها تكون عوناً لكما في رحلتكما هذه ... متى ستتحركان ؟ قال السفير ذلك وهو يستعد للنهوض محيياً ضيفيه ومودعاً إياهما . سنتحرك الآن إلى العراق ، قال ذلك عبد القدوس أما يعقوب فقد كان منشغلاً بقراءة المذكرة التي سلمها له السفير . إ كان ولا بُدَّ من التعجيل بالسفر فأنصحكما بالتحرك صباح الغد باكراً حتى يكون لكما من النهار فسحة . سيكون كذلك إن شاء الله ... أدعُ لنا يا سعادة السفير " [26] .

    من احتكار الراوي إلى شفافية البطل
    يتحرر النص في هذه المحطة من السرد الموضوعي للراوي إلى السرد الموضوعي لشخصية البطل عندما يصل القارئ إلى مرحلة التعرف على القصة الكاملة للبطل ، يميز توماشفسكي في هذا النمط بين رواية الكاتب ورواية الشخصية البطل ، فعندما يتحدد بناء العمل عن طريق الكاتب- فقط - بوصفه خيطاً مرشداً للسرد نكون أمام صوت الراوي ، أما إذا تعرف القارئ على مجريات الأحداث بواسطة البطل ، فنكون أمام خيط مرشدٍ آخر يُعدُّ أيضاً راوياً فيما يُعدُّ الكاتب - في هذه الحالة التي اجتمع فيها الصوتان - صوتاً متكلماً باسم الراوي ، ويكثر استخدام الراوي الكامن في شخصية البطل في القصة القصيرة والسيرة الذاتية [27]. في هذه المحطة من رواية قصة إرهابي ، يأخذ الراوي البطل بزمام السرد ليحكي قصة اختطافه كاملة للقارئ المتحفز لسماعها ، فيستهل يوسف قصته باستخدام وسيلة الاسترجاع الزمني المرتبطة بالمبنى الحكائي ، ليعود بذاكرته وذاكرة القارئ إلى زمن إحدى الوضعيات الأولى للرواية. إنه الزمن الذي نفذت فيه جريمة الاختطاف بخطةٍ محكمة ما زال يوسف يتذكر كل تفاصيلها المؤلمة الواقعة قبل اثنى عشر عاماً ، إن ذكر البطل لمدة الغياب و قطعة الشكولاته و الحديقة وخطة الضيف ، يولِّد حافز تأكيد لاستنتاج جده بأن للضيف علاقة وطيدة باختفاء حفيده ، كما يولِّد حافز التعرف على تفاصيل عملية الاختطاف ، و يتضمن الحافزان دلالات متصلة بـِالصدق ، البشاعة ، الخبث ، الصهيونية ، يبدأ البطل بسرد قصته قائلاً : " قبل اثني عشر عاماً استضاف جدي رجلاً حسن الهيئة ، كان ذاك الضيف يُدللِّني و يؤثرني بقطع الشوكولاته ن ويروي الحكايات التي تأثرت بها حينها بعد أن ألهبت خيالي حتى ألفتهُ و أحببتهُ ... وفي ليلة من ذات الليالي ، وبعد أن غادرنا ذلك الضيف كنت حينها في الحديقة العامة المجاورة لمنزلنا مع إخوتي الأطفال ، دعاني إليه ملوحاً بالشوكولاته التي عودني عليها خلال أيام استضافة جدي له ، عندما رايته خارج سياج الحديقة انسللت من بين إخوتي خلسة ، قربت منه ، حملني و ذهب بي على سيارة إلى مكان بعيد تحت الأرض به عدد من الصبية الذين يصرخ جديدهم و يسكت قديمهم بعد أن يُعْييه البكاء ... حتى وجدت نفسي مع الزملاء في بلد لا يتكلم أهلها العربية . درسنا العِـبْريَّة التي تشبه الكثير من مفرداتها اللغة العربية "[28].

    و يستمر البطل الراوي في سرد قصته مركزاً على كشف هوية الجماعات الإرهابية الصهيونية التي قامت بتجنيده في صفوف جماعة السقّارين الانتحارية حتى يصل إلى الحديث عن طبيعة مهمته الأخيرة التي تتكشف عبرها رغباته الشخصية ، فقد كان راغبا ًفي تفجير نفسه بين أعداد كبيرة من المصلين بحي الكاظمية كي يعوِّض فرصة عدم مشاركته في أحداث سبتمبر التي يتحسَّر عليها دائماً كارهاً إسقاط اسمه من بين الأسماء المرشحة لتنفيذها ، غير أن حافز الإقامة ( الديناميكي ) قام بتغيير هذه الوضعية مانعاً يوسف من القيام بهذه الجريمة ، هنا تتحول رغبته في القتل إلى رغبةٍ في أداء الصلاة ، و كراهيته للمسلمين إلى كراهية إيذائهم بالمتفجرات . هذا ما تشير إليه جمل النص المُفجِرة لدى القارئ دلالات متصلة بالعدوانية ، الطيبة ، الحقد ، الحب ... إلخ ، إذ يبدأ البطل اعترافاته بالحديث عن جرائمه المتعددة : " لقد قمت بقتل الكثير بالطريقة الخاطفة التي برعت في ممارستها في إسرائيل ، كنت تواقاً للاستشهاد ... ولكني حرمت هذا في أحداث سبتمبر و عندما سنحت لي الفرصة اليوم لتفجير نفسي في صلاة المغرب شعرت بأن هناك مانعاً قوياً يحول بيني و بين سحب خيط الحزام الناسف رغم أنني كنت تواقاً لذلك ... و لكن عندما سمعت إقامة الصلاة بذلك النداء العذب الذي كان أشبه ما يكون بصوت مؤذن مسجد جدي تماماً ... عندها خنقتني العبرات و تحولت رغبتي من الانتحار و القتل إلى رغبة جامحة في الصلاة في زمرة المصلين ... عندها فقط تذكرت أصلي وديني وتذكرت أبي و أمي و وطني ، تذكرت قيمي التي تعلمتها منهم ، تذكرت كيف كانوا يعلمونني التضحية من اجل المسلمين لا قتلهم و إبادتهم " [29] .
    هكذا يروي الكاتب عطُّش القارئ لمعرفة قصة البطل التي صرَّح بها لصديقه وائل الزبيدي وسط فلَّة الدكتور جاسم كرد ، الذي قام بدوره بروايتها لـيعقوب و عبد القدوس . و ما يلبث القارئ أن يطمئن إلى توقعاته لمشهد النهاية المتجسد في إنقاذ يوسف و التقائه بأسرته حتى يظهر حافز الموت ( الديناميكي ) من جديد مبدداً تلك التوقعات ، و مركزاً انتباه القارئ إزاء فك طلاسم العقدة الجديدة الكامنة في موت البطل نتيجة انفجار الحزام الناسف المربوط حوله أو انتقام جماعة السقَّارين الإرهابية منه ، هنا حصل ما يسميه توماشفسكي بـالتوتر الدرامي الذي ينمو دائماً عندما يكون القارئ قريباً من لحظة تغير الوضعية beripeties و مستعداً لذلك التغيير ، إذ يبلغ التوتر ذروتهُ القصوى قبل وقوع الحل denouement [30] ، فالقارئ يستقبل خبر موت البطل على النحو التالي : " كان القلق و التوتر باديين على وائل الزبيدي الذي بدا متعباً و كأنه ينوء بحمل ثقيل عندما قال : أريد منكما أن تتجلَّدا وأن تنصتا لقصة يوسف التي أخبرني بها ... و حين أقبلت على الفلَّة وجدتها قد دمِّرت بالكامل حتى صارت أثراً بعد عين و قد تأكدت بان يوسف كان فيها ... و لا أعرف أكان ذلك التفجير من قبل القنَّاصة الإرهابيين الذين يتعقبونه ، أم هو من الحزام الناسف الذي كان بخاصرته " [31] .

    عودة الراوي
    بعد ترسيخ خبر موت البطل في عبر رواية صديقه الزبيدي ، و استسلام القارئ لهذه النهاية غير المرضية لطموحه ، التي ولَّدت لديه لحظة انفعالية تتسم بالنفور من صياغة مصير البطل بهذه الطريقة - إذ كان من المفترض أن يعيش ليشهد النهاية السعيدة - يظهر الراوي مرَّةً أخرى عائداً بالقارئ المحطَّم إلى قصة انفجار الحزام الناسف المؤدي إلى موت البطل ، عن طريق تحكُّم المبنى الحكائي بالزمن . و من خلال هذا الاسترجاع الزمني يتضح أن البطل لم يَمُتْ ، بل نجا من الحادث. و إنما قام بتفجير الحزام الناسف و استخدام جثًّتي كلبين على أنهما لإنسان ؛ لتضليل السقّارين و إيهامهم بأنَّه أصبح جثةً متناثرة الأشلاء جرَّاء ذلك الانفجار القوي ، و بذا تسقط استعدادات القارئ حِيال وضعية الموت التي غيَّرها حافز الحزام الناسف لصالح طموحه المشدود إلى الرواية حتى الثمالة ، عبر الراوي الذي يصف له المشهد بهذه الطريقة : " أخذ يوسف يسلخ الكلبين و أخذ من أقدامهما و قوادمها ليصنع منها ما يشبه الأقدام الآدمية ، لقد لفََّها و أودعها جواربه و دسها في جزمتيه بعناية فائقة ، وأحسن صناعة ذلك كفنان تشكيلي ... لاح له غير بعيد شخصان يتجهان إلى باب الحديقة المخلوع ، إنهما يحملان أجهزة اتصال ... يقولان : لقد حددنا الهدف إنه بداخل الفلّة الصغيرة ، لقد تعرَّف يوسف عليهما إنهما من السقَّارين ... لقد تأكد يوسف من أن وتر كرة الصنِّارة مربوط بعروة الحزام الناسف جيداً ، أخذ الكرة معه برفق متجهاً إلى نافذة المطبخ في الجهة الغربية المطلة على النهر ، قذف بها خارج المنزل وبعد أن تأكد بأنها قد لامست الأرض تسلل من النافذة الأخرى إلى الخارج ... شدَّ الصنَّارة شيئاً فشيئاً . حدث في الفلَّة انفجار عظيم اهتزَّ له الحي كلُّه " [32] .
    لقد تنفس القارئ الصعداء بعدما علم بنجاة البطل و انتهاء الصعوبات و العراقيل التي كانت عائقاً أمام لقاءه بأبيه ، غير أن الراوي مازال يدعوه إلى الركض وراء الأحداث من جديد ، لأن هناك عقدة ً أخرى تتكوّن في ميدان النص داعمةً تماسك الحبكة و مرصَّعةً تاجَها المسبوك بعناية . فالنهاية السعيدة لم تنجز بعد ، و ذلك بسبب قيام يوسف بتنفيذ رغبتهِ في الهروب من العراق إلى دمشق تجنباً لمطاردة جماعة السقَّارين التي يكرهُ أن تنتقم منه ، في الوقت الذي مازال يعقوب و عبد القدوس متواجدين في بغداد . يدخل يوسف دمشق متنكراً في شخصية طالب عراقي يدعى مجيد الكرخي ، إنه يرغب في مقابلة السفير اليمني بأسرع وقت ممكن كي يطلب منه المساعدة في حلِّ لُغز مشكلته التي يكره أن يعلم بها أحد ، و عندما يكتشف من خلال مقابلته السفير أن والده قد أتى للبحث عنه ، تغمر القارئ السعادة لاقترابه من لحظة الاتصال إلاََّ أن فقد يعقوب للأمل في اللقاء بابنه عقب حادث الانفجار، يقف عائقاً تجاه تلك اللَّحظة لتستقر الوضعية لحينٍ في سَّرداب لحظة الانفصال التي يعبر عنها الراوي بوصف عملية الهروب : " الهرب من بغداد يمثل هاجساً أمنياً بالنسبة ليوسف ، فهو يعرف تماماً أن السقَّارين منتشرون في بغداد ... إذاً لا بُدَّ له من أن يتنكر ... بدا يوسف أكثر شبهاً بصورة مجيد الكرخي ...شعر مجيد بالأمان في ذلك الفندق الواقع وسط مدينة دمشق ... أراد يوسف أن يلتقي السفير اليمني في دمشق ... أعدت المقابلة مع السفير اليمني للطالب العراقي مجيد الكرخي ... أريد التحدث إليك في أمر بالغ الأهمية وعلى انفراد ... اسمي يوسف سعيد النبيه ... إذاً فأنت ابن يعقوب النبيه ... وهل تعرف أبي يا سعادة السفير ؟ ... أجل إنني أعرفه ، لقد كان عندي يوم الأحد الماضي قبل خمسة أيام فقط ... و لكن أين سأجده ؟ ، إنَّه في بغداد مع صديق له يبحثان عنك . آه يا سعادة السفير ، لا أحد على الإطلاق يعرف بأنني على قيد الحياة ، إنهم سيجدون أخبار سيئةً هناك ، سوف يخبرونهم بأنني قد مِتُّ ، لأنهم يظنون أنني في داخل الفلَّة عندما انفجرت " [33] ، ثم تتعمق لحظة الانفصال بحصول تطور جديد في المتن الحكائي ، يكمن في إلقاء القبض على الأب يعقوب في العراق ، و إيداعه السجن مع ثلاثة أشخاص آخرين لمدة تسعة أيام ، بسبب الشبه الكبير الذي يجمع بينه و بين ابنه يوسف المتهم المطلوب إحضاره حيَّاً أو ميتاً إلى قوات الاحتلال و الجماعات الصهيونية الإرهابية ، إن حافز الشبه يعدُّ سبباً مباشراً في تغيرِ الوضعية السابقة ، و استهلالِ فعلٍ جديد يُعَقِّدُ السياق العام لهذه الرواية . لذا يصنف ضمن الحوافز الديناميكية التي تقوم ببثِّ الحركة داخل النص السردي ، يتضح ذلك من حديث الراوي : " بعد لحظات أدرك يعقوب أنه مراقب ... همَّ بمغادرة طاولته إلاَّ أن ذلك الرجل فاجئهُ مسرعاً برفقة شخص آخر حاملاً مسدساً في جيب معطفه السفلي . أبرز منه طرف فوَّهته و هو يوجهها نحو يعقوب قائلاً : اتبعنا و إلاَّ أرديناك قتيلاً . تبعهم يعقوب على مضض و هما يرغمانه على ركوب سيارة أجرة صغيرة ... ترجَّل الرجلان من السيارة و هما يجران يعقوب الذي لا يرى شيئاً ، هبطا به سُلَّماً يؤدي إلى الملجأ ، أودعاه أحد غرفه و أغلقا الباب دونه ... أدرك يعقوب بأنه لم يكن وحيداً في هذه الغرفة ... أمضى الثلاثة في سجنهم تسعة أيام ... هناك شخص مجرم خطير فرَّ عليهم بحسب قول الحارس الذي أفرج عنَّا ، عُمِّمت صوره .و هو أشبه ما يكون بهذه الصور الثلاث التعيسة "[34]

    تبدأ الوضعيات الأخيرة للرواية بالتهدئة من روع القارئ الهائم مع احتمالات لحظة الانفصال ، وذلك بتهيئتهِ للاقتراب من لحظة الاتصال مرَّة أخرى ، ليتجدد نشاطهُ ويُركز انتباه تجاه الأحداث بصبغة انفعالية مستلطفةٍ لهذه الوضعيات التي تتماشى مع تصوُّراته لنهاية الرواية ، فعقب الإفراج عن والد يوسف ، يقرر يعقوب بمعية عبد القدوس مغادرة العراق و العودة إلى سوريا عبر نفس المركز الذي غادر منه يوسف ، ليشكل حافز المكان ( القار) قاسماً مشتركاً بين الشخصيات يعلن عن إمكانية اللقاء السعيد في أية لحظة . خاصةً أن البطل موجود في سورياً ، و فوّر وصول الاثنان إلى سوريا تعود شخصية المساعد إلى الظهور ، إذ يتصلان بالسفير اليمني بدمشق رغبةً في معرفة أخبار سارةٍ تدحضُ فكرة موت يوسف التي يكرهان الاستسلام لمؤشراتها القاتمة التي لا تبشر بالخير.، و قد وجدا فعلاً تلك الأخبار السَّارة بانتظارهم عندما أخبرهم السفير بزيارة يوسف للسفارة في نفس اليوم الذي وصلا فيه . بيد أن محاولة إنجاز لحظة الاتصال تبوء بالفشل مرَّة أخرى لعدم معرفة موظفي فندق الهلال بالشخصية الحقيقية للبطل ، الأمر الذي شكل عائقاً آخراً أمام حلِّ المشكلة , لكن ظهور حافز المسجد ( الديناميكي ) قام بحسم المسألة ، بتوفيرهِ بيئةً موائمةً لِلَحظةِ الاتصال بين الأب و الابن في مشهد ساخن يتصل بدلالات : حسن النيِّة ، أداء الصلاة ، علاقة النهاية بالبداية ،...إلخ ، و تبدأ هذه اللحظات في الظهور من قول الراوي : " كان يعقوب وعبد القدوس في محطة سيارات النقل إلى محافظة الأنبار التي عليهما أن يقطعاها إلى مركز الوليد العراقي الحدودي لمحاذي لسوريا من جهته الشمالية ... أول ما فعله يعقوب و رفيق رحلته عند وصولهما إلى دمشق ... اتصلا بالسفير هاتفياً الذي اخبرهما بضرورة القدوم إلى السفارة حالاً... كانت السعادة بادية على السفير ... فأجابه عبد القدوس : كل ما نحمله أخبار محزنة و مخيبة للآمال ... قال السفير : أظنني أحمل أخباراً سارة بشأن يوسف ، عندها نهض يعقوب كميت رُدت إليه روحه قائلا : بعد كل ما سمعت ؟ ، نعم لقد زارني يوسف في هذا المكتب يوم الاثنين وهو الآن في دمشق يسكن فندق الهلال ... كان الرد من الفندق بأنهم لا يعرفون شيئاً عن هذا الاسم ...عاد يوسف أدراجه إلى فندقه ...سمع نداء الظهر من المسجد ، أخذ وضوءه على عجل و لبس ملابسه و هو ينظر إلى مدخل الفندق من نافذته ، بعد حين خرج للصلاة التي لم يدركها إلاَّ في الصف الأخير ، كان قلبه يخفق و يهفو إلى أبيه ، عندما كان راكعاً لفتت نظره قدم جاره في الصلاة ، إن الخنصر و البنصر يكادان أن يكونا متشابكين غير فرجة في طرفيهما ، إنها أشبه بقدمه التي ورثها عن أبيه و جدِّه ،فرغ من صلاته . وجد نفسه منجذباً إلى جاره في الصلاة ، نظر في وجههِ ملياً . سأله : من يكون أخونا العزيز لو تكرمت ؟ ، أخ لكم من اليمن ... كان شعور يوسف غريباً ، فقد انتابته مشاعر و أحاسيس غريبة عليه ، قال يوسف بلهجة متعثرة : الوالد يعقوب النبيه ؟. اجل، إنني هو، أأنت يوسف ؟ . نعم ، أنا يوسف النبيه ، شرعا في عناق حار " [35] .

    لقد مثل إنجاز لحظة الاتصال نهاية أكثر واقعية على وفق توهم القرَّاء اللذين يتفاوتون في مستوى هذا التوهم الواقعي[36] ، و كان لتلك اللحظة أهمية كبيرة في النص ، غير أن الكاتب لا ينهي روايته في تلك اللحظة ، بل يفضل أن ينهيها بتحطيم العائق الأخير في حياة البطل ، إذ يتسائل النص عن الكيفية التي سيتمكن من خلالها يوسف الخروج من سوريا و دخوله اليمن ، و هو ينتحل شخصية غير شخصيته ، هنا يأتي دور حافز الشبه الذي يعدُّ رابطاً مشتركاً بين يوسف و أخيه إسماعيل ليحطم العائق و يسمح للحظة الاتصال أن تنمو بشكل طبيعي على هذا النحو : " بمناسبة أخي ، لقد سمعتك تحدث العم عبد لقدوس بأنه شبهي تماماً ، كيف لا و هو توأمك؟ ، إذا فإن الحل الوحيد لأن أنتقل بكامل الحرية هو جواز أخي وباسمه . أي أن اسمي سيكون إسماعيل ، ومن السهل عليه أن يطلب نسخة بدل فاقد ليكون لكل منِّا جواز " [37] .
    هكذا تغدو الشخصية في رواية قصة إرهابي ، دعامة أساسية لتقديم الحوافز ، و خيطاً مرشداً للتمييز بينها ، و آليةً رائعة لتركيز انتباه القارئ و جذب انتباهِهِ .
    المصادر و المراجع


    1.قصة إرهابي ، حسين حسن بنعبيدِ الله ، مركز عبادي للدراسات والنشر ، صنعاء ، طــ ثانية 2007م
    2.نظرية المنهج الشكلي ، ترجمة إبراهيم الخطيب ، مؤسسة الأبحاث العربية ، الشركة المغربية للناشرين ، ط أولى 1982م
    3.نقد النقد ، تزفيتان تودوروف ، ترجمة / سامي سويدان ، دار الشؤون الثقافية العامة ، بغداد ، طـ ثانية 1986م
    4.آليات المنهج الشكلي ( التحفيز نموذجاً تطبيقيا ً) ، مراد عبد الرحمن مبروك ، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ،الإسكندرية ، طـــ أولى 2002م
    5.الأدب و الأدلة ، تزفيتان تودوروف ، ترجمة / محمد نديم خشفة ، مركز الإنماء الحضاري،حلب، طــ أولى 1996م
    6. مدخل إلى التحليل البنيوي للنصوص ، مجوعة مؤلفين ، دار الحداثة ، بيروت ، طــ أولى 1985م
    7.القصة الحديثة في ضوء المنهج الشكلي ، وليم جي- هاندي ، ترجمة / شفيع السيد، دار غريب ، القاهرة ، طـ ثالثة 2006م
    8.نظرية الأدب ، رينيه ويليك ، أوستن وارين ، ترجمة / محي الدين صبحي و حسام الخطيب ، المؤسسة العربية للدراسات و النشر ، بيروت ، د . ط ، 1987م
    9. فن القص في النظرية والتطبيق ، نبيلة إبراهيم ، مكتبة غريب ، القاهرة ، د . ط ، د . ت






    تم بحمد الله


    [1] - قصة إرهابي ( رواية ) 2007م

    [2] - نظرية المنهج الشكلي ص 189 – 190

    [3] - نفسه

    [4] - ينظر : نقد النقد ص23، و آليات المنهج الشكلي ( التحفيز نموذجاً تطبيقيا ً) ص54

    [5] - نظرية المنهج الشكلي ص 204 – 205

    [6] - نفسه .

    [7] - ينظر : الأدب و الأدلة ص55

    [8] - مدخل إلى التحليل البنيوي للنصوص ص109- 111

    [9] - نظرية المنهج الشكلي ص186

    [10] - نفسه ص 186 - 192

    [11] - قصة إرهابي ص 18

    [12] - نفسه

    [13] - نفسه ص 20

    [14] - القصة الحديثة في ضوء المنهج الشكلي ص68

    [15] - نفسه ص 23

    [16] - نظرية المنهج الشكلي ص181

    [17]- ينظر : نظرية الأدب ـ ص 228 – 229 ، و فن القص في النظرية والتطبيق ص 8

    [18] - نظرية المنهج الشكلي ص 186

    [19]- قصة إرهابي ص 23 – 24

    [20]- نظرية المنهج الشكلي ص 184- 185

    [21] - فن القص في النظرية والتطبيق ص8

    [22] - قصة إرهابي ص 26 - 27

    [23] - نفسه ص28 - 29

    [24] - نفسه ص 29 - 34

    [25]- نفسه ص 32 - 33

    [26]- نفسه ص 36 - 38

    [27]- ينظر : نظرية المنهج الشكلي ص192، و القصة الحديثة في ضوء المنهج الشكلي ص98


    [28]- قصة إرهابي ص 46- 47

    [29]- نفسه ص54 - 55

    [30]- ينظر : نظرية المنهج الشكلي ص 186

    [31]- قصة إرهابي ص 43- 60

    [32] - نفسه ص ـ64- 66

    [33]- نفسه ص 71 - 92

    [34]- نفسه ص 98 - 108

    [35]- نفسه ص 116 – 127

    [36]- نظرية المنهج الشكلي ص51- 53

    [37]- نفسه ص132- 133
  • د. سعد العتابي
    عضو أساسي
    • 24-04-2009
    • 665

    #2
    الاخ نبيل سعيدالمحترم
    السلام عليك هذه دراسة طيبةة حاول الباحث ان يفيد من المناهج السردية الحديثة ليقدم قراءة لرواية (الارهابي) من خلال دراسة الحوافز (الموتيفات) .
    وفي الوقت الذي اححي فيه جهد الباحث واجتهاده وتوصلاته ولغتة النقدية الرصينة المميزة
    ارجو ان يتسع صدره لبعض الملاحظات وعلى النحوالاتي:
    1-يقول الباحث في بداية موضوعه(شكل الحوافز الفعلية للشخصيات في رواية قصة إرهابي[1] الصبغة الانفعالية لدى القارئ ، و ذلك من خلال ظهورها عبر سردٍ موضوعي يتحكم في مجراه صوت الراوي) ان هذا الكلام غير مترابط ولاينهض على اساس علمي ولامنجهي فماعلاقة الصبغة الانفعالية بالسرد الموضوعي الصبغة الانفعالية لدى القاري قضية خارج نصية والراوي قضية داخل نصية
    ثم ان الحوافز الفعلية(الحدثية) والشخصية تتمظهر من خلال الراوي الموضوعي والراوي الذاتي
    وحتى الراوي العليم
    2-يقول الباحث( حوافزها حتى تصل إلى ذروة تطور المتن الحكائي التي يطلق عليها توماشفسكي اسم الحبكةintrigue و هي النسيج الأولي للبنية السردية المغزول من مواد المتن الحكائي بواسطة الوسائل الأسلوبية و مجموعة من الحوافز المرتبة ترتيباً جمالياً) الحقيقة توماشفسكي لم يقل هذا فقد فرق بين المتن والمبنى الروائي فالاول هو القصة كما حصلت او المادة الاولية للقصة اما المبنى فهو مايقابل( الحبكة) في النقد التقليدي اي الصياغة الجمالية والسردية للاحداث القصصية
    3--يقول الباحث الكريم(
    يقحم الراوي الشخصية من اللحظة الأولى ، فيبدأ بوصف شخصية المغترب اليمني الحاج سعيد النبيه ، ليكوِّن ذلك الوصف غرض الرواية الأول الاغتراب ،) والحقيقة ان الرواية لاتتحدث عن الاغتراب وانما عن الغربة وهناك فرق كبير بين المصطلحين فالغربة هي ابتعاد مكاني لاي سبب كان اما الاغتراب فهو فكري ينهض على اغتراب الشخصية فكريا ونفسيا عن مجتمعه وان كان في بيته
    4-يقول الباحث العزيز(
    يتحرر النص في هذه المحطة من السرد الموضوعي للراوي إلى السرد الموضوعي لشخصية البطل عندما يصل القارئ إلى مرحلة التعرف على القصة الكاملة للبطل ) الحقيقة ان السرد الموضوعي ينهض به الراوي الخارجي الذي لايشارك بالاحداث انما يرويها فقط
    اما الراوي الشخصية (والتي تشارك في صنع الاحداث) فهو راو داخلي ذاتي يقدم الاحداث بحسب انطباعه هو ووعيه ورايه هو
    5-قدم الباحث معلومات تنظيرة هامة حول الحوافز من بعض المصادر
    غير انه لم يقدم تحليلا مناسبا لها فهو يحلل النص كانه يلخصة احيانا ويشرحه احيانا اخرى لذلك نرى انفصالا بين التنظير والتطبيق لغة واسلوبا ونتائجا
    تحاتي لك اخي وارجو الا اكون قد اثقلت عليك
    التعديل الأخير تم بواسطة د. سعد العتابي; الساعة 13-11-2009, 18:53.
    الله اكبر وعاشت العروبة
    [url]http://www.facebook.com/home.php?sk=group_164791896910336&ap=1[/url]

    تعليق

    • يوسف المرزوق
      عضو الملتقى
      • 03-12-2009
      • 11

      #3
      أشكرك

      وسأعود لاحقاً للاستفسار عن بعض الجمل

      كل الاحترام

      تعليق

      يعمل...
      X