السيد الكبير
بهائي راغب شراب
2 / 10 / 1986
يسكن الكابوس المرعب وبلا نهاية له تبدو قادمة في الأفق المختفي خلف أوهام متطاولة من عدمية الفعل ولا جدواها ، صدور الرجال التي اتسخت من تراكمات الذل والاستسلام أمام طاعون ينتمي للشر الذي يبدوا وكأنه لا نهاية له ، ويقيم في عيون النساء والأطفال حيث غابت الرؤية الصافية وحيث ذبل بريق الأمل داخلها ..
عيون السيد الكبير وأذنابه لا تهدأ ، ولا تقر أبداً ، دائماً تجوس الشوارع .. شارعاً شارعاً ، وتتحسس البيوت والنوافذ بيتاً بيتاً ، ونافذةً نافذةً ، السيد الكبير يملك كل شيء في القرية .. الأرض والمال والقوة .. والقانون لا يتعرض له ، لا يوقفه عند حد ، فالقانون هو السيد ، والسيد هو القانون ..
منذ أول يوم استمتع فيه السيد بجسد امرأة من نساء القرية ، دون أن يحاسبه أحد ، ومرّ حتى بدون كلام .. استمرأ السيد اللذة وتمادى في طلب المزيد والمزيد ... لا يهمه امرأة متزوجة كانت ضحيته ، أم طفلة صغيرة في العاشرة من عمرها ، المهم أن تحمل مسحة من الجمال .. أو لا تحمل ، قد أصبح يتلذذ بهتك الأعراض ، ويشعر بالسعادة تغمره عندما يفشل مشروع زواج أحد الشباب من إحدى فتيات القرية لسبقه إليها قبله ، فتتحول سعادته إلى اللون القاتم المتكدر بالحزن والضعة التي لا ترحم أحداً ، ولا تسمح لأحد بالتنفس الطبيعي في أجواء طبيعية ..
أطلق السيد عيونه وآذانه وأذنابه تتسمع له وترى عنه ، تحمل له ما تشتهيه نفسه ، وكأنها رحلات صيد الفريسة فيها للقوي الذي يقنصها أولاً .. وتزداد سعادته لمّا يرى عجز الناس ويعرف أن أحداً لن يجروء على الوقوف أمامه أو يحاول إيقافه .. وأن أحداً لن يفكر أبداً برفع عينيه نحوه أو يفتح فمه بكلمةٍ تنم عن السخط والتأفف .. خوفاً وهلعاً من انتقامه السريع والقاسي وأقله طرد العائلة وتشريدها بعد نهب ممتلكاتها إلى العراء والبرية ...
الإناث يتناقصن والرجال ثابتون على حالهم لا يحركون ساكناً .. عاجزون مشلولون لا يقدمون ، ولا يؤخرون .. همهم الانزواء بين زوايا بيوتهم يرتعشون ... ينتظرون ، يتوقع كل واحد منهم أن الدور القادم سيصله ، وحينها سيفقد امرأته أو ابنته الصبية في إحدى اللحظات الغادرة التي تحتويه وتشده بقيود الخوف والذلة والعبودية
ما أعمقها هاوية ، وما أتعسها حياة ، وما أرخصها معيشة .. يفعلون كل شيء لأجل السيد ، يواصلون العمل بلا توقف ، لأجله فقط .. يملأون جيوبه بالمال .. لا تصدر عنهم أنّة إرهاق أو ملل ، ولا صرخة تأفف أو غضب ، ليرضى السيد .. والذي على ما يبدو غير راض أبداً عنهم ، ولا يرضيه شيء أبداً غير إحساسه بأنه حر تماماً وبلا حدود في فعل كل ما يحلو له ، أياً كان شكل هذا الفعل ، وهو على منوال واحد تجاه الناس ، لا يرحمهم ولا يعطيهم حقوقهم .. فقط المزيد من التسلط والعنف والأغلال والطرد والدم ، ثوابهم الوحيد لديه ..
يرفض أن تنظر عيونهم نحو الأمام كي لا تستكشف أخطاءه فيفكرون ، وأنهم محكومون بضعفهم وليس بقوة السيد ، ويستكشفون بالتالي قوتهم ..
ولا يتحمل سماع أغنية جميلة تدعو للفرح وللحياة ... فعلى الجميع النظر الى الأسفل ، حيث تدوس أقدامهم ، وعلى الجميع أن يصمتوا بلا كلام ولا غناء ولا همس ولا غمز ... ممنوع ممنوع ممنوع ...
غناؤهم يزعجه ، ومواويلهم تغضبه ، وهو يعرف إذا غنى الناس تجمعوا واتحدوا ، وإذا نظروا إلى الأمام ، ستبزغ الشمس عليهم .. سيرونها وهي تشرق ، وسيطلع النهار عليهم يغمرهم بضيائه فتنكشف لهم الظلمات الخافية ، وتعود لهم حيوية الرؤية فتفور أجسادهم بعنفوان القوة والنشاط والحيوية يستمدونها من حيوية النهار
إن حدوث ذلك كله لا يعني إلا شيئاً واحداً وهو أن المصيبة قادمة بالتأكيد على السيد الكبير ، حيث سيرفض الناس البسطاء التقوقع مرة أخرى ، سيتمردون على الانتظار الذي لا يعرفون من شكله إلا استمرار الاغتصاب والقتل والتشرد والجوع والعذاب و.. و.. و..
وصدر السيد الكبير منشرح دائماً ، وصوله إلى غاياته مؤكد ، وفرائسه لا يستطعن الفكاك من بين مخالبه المنغرزة إلى أعماقهن التي تئن تحته نازفة العمر الواسع والفرح البعيد الذي يتوارى بعيداً والى الأبد مع أول نقطة دم تلوث ردائها الطاهر الممزق
ينام السيد بلا أرق ، بلا ألم ، بلا إحساس بفظاعة ما أجرم بحق أنثى بسيطة طاهرة ، سلبها من وسط أطفالها وبيتها ، ومن أحضان زوجها الذي لا هم له إلا العمل من أجل السيد ، ودون أن يستيقظ ضميره بأنه قد ثلم شرف صبية لم تفرح بعد بريعان شبابها ، فأضحت منبوذة عند الناس يشيرون اتجاهها كغانية رخيصة ، هكذا هم الناس ملجمون عن قول الحق ، صم لا يسمعون نداء المروءة والنجدة ، مغمضين العيون فلا يرون ما يجري في وضح النهار أمامهم بدون تورية ولا مداراة ، هذا حالهم ودأبهم غير واعين أن ذلك يمسهم مباشرة .. ويؤثر عليهم ، يهزأون بوالدها العاجز عن الانتقام لشرفه ، بل يدفعونه إلى حلقة التنفيذ ... والانتقام لا يكون إلا بواحدة من اثنتين .. أن يقتل الرجل أنثاه الضحية المسلوبة في أعز ما تملك ، أو يواجه السيد الكبير ولأن ذلك مستحيل في عرفهم فإنه ليس أمامه سوى الحل الأول ..
***
خلال السنوات الأخيرة وجدت العديد من جثث الضحايا من النساء والفتيات في القرية ، عم التذمر ، وبدأ التململ يأخذ طريقه إلي الصدور التي لم تعثر بعد على شعاع النور الذي يبدد عن عيونهم ظلمة الرؤى التي يقبعون أسارى تحتها ..
حتى جاء ذلك اليوم الذي وجدت فيه الصبية الحسناء التي كان عرسها سيتم بعد يومين ، \" إلهام \" عروس الشاب معروف ... وجدت مقتولة ، ملتحفة بدمائها التي أغرقتها ، مثل بركة من دماء متخثرة قاتمة ..
لم تنم القرية ليلتها تلك .. الناس يرون .. ماذا يرون .. الزوجات والبنات يمتن على التوالي ، كل ميتة تخالف الأخرى ، وجميعهن يشتركن في شيء واحد .. أنهن في صباح اليوم الذي متن فيه أو أي يوم قبله كن قد دخلن إلى بيت السيد الكبير .. بل حملن إليه قسراً في غيبة الأزواج والآباء الذين يرون ولكنهم يعجزون ... فلا يرون إلا الفضيحة التي يجب التخلص منها .. حسب فهمهم ، وبناء على أقاويل رجال السيد الذين يبثون الوهن والضعف والخضوع ، ويروجون للطهارة الزائفة التي تمنح السيد المزيد من الجبروت والإجرام بلا حدود .
القرية لم تنم ..
بيوتها تتأجج نارها بعنف وقوة ..
شوارعها أصبحت ممتدة دون الوصول إلى النهاية
تضيق شيئاً فشيئاً
تصنع المجهول المخيف
كرائحة بركانية تتخلل النوافذ والأبواب ،
داخلةً إلى صدور الناس الذين ..
يهبُّون فجأة مفزوعين ..
يهرولون بكل القوة ..
بكل ما أوتوا من حظ اللحظة الحاسمة ..
إلى الشوارع ..
يسيرون بلا اتجاه ..
بلا هدف ..
بلا معنى يحملونه .. لكنهم يسيرون ..
يسيرون دون توقف ..
رؤوسهم تغلي بها الأفكار ..
بداية النضوج تتلبسهم ..
يتحولون تدريجياً إلى أحجام أكبر ..
إنهم يكبرون ،
كل خطوة يجتازونها يكبرون بمراحل بعدها .. وأخيراً يصلون دون ميعاد سابق ..
دون إحساس بالزمن ..
يصلون إلى الساحة .. يتكاثرون ..
تضيق بهم الساحة ..
تختفي الساحة نفسها ..
لم يعد يظهر للعيون إلا الرؤوس العالية
تحملها أجسام عملاقة وجدت طريقها إلى الشيء المفقود وضالتها البعيدة ..
وجدت مكانها في ساحة القرية ..
قريتهم .. ساحتهم ..
وهذه السدرة تشهد حقيقة تجذرهم في أعماق الأرض التي حلموا بها جنةً تؤويهم ...
حلموا أن يصنعوها بأياديهم ..
لهم ولأولادهم وللجميع ..
لا لفرد واحد يتحكم فيهم ..
يتسلط عليهم ..
لا لسيدٍ كبير ،
كل مميزاته امتلاكه للمال والرجال والسلاح ، واختفاء الإنسان منه .. لجبروته ووحشيته .. لنزواته وشهوانيته الحيوانية ..
القرية قريتهم لن تكون لغيرهم ..
لن تكون لأحد الوصاية عليهم بعد اليوم ..
لقد بدأوا الآن ..
متأخرين حقاً لكنهم بدأوا وهذا يكفي ...
سينطلقون ..
سيحلقون مع الحرية ..
سيعيدون إلى الحياة رونقها وربيعها وخصوبتها التي غادرتهم لما سكتوا لأول مرةٍ أرتكب فيها غيرهم جريمة ضدهم ..
الأصوات تتعالى وتختلط ، كل واحد يريد الكلام ، كل فرد يريد التعبير عن نفسه وعما يجول في هذه اللحظات داخل صدره ، كلٌ يريد الإدلاء بالرأي .. فالمهمة جسيمة والأمر أخطر من أن يحتكره شخص بمفرده ، الجميع لهم الحق في امتلاك هذه اللحظة الخالدة ، الجميع لهم الحق في التحرك للدفاع عن حقوقهم المسلوبة من بين أياديهم وعلى مرأى ومسمع منهم .
الوضوح يبدأ في السيطرة والأصوات بدت منتظمة ، يعلو صوت من هنا وصوت من هناك ، صوت من اليمين وآخر من الشمال ، مرةً من القلب ومرةً من الأطراف ، الجميع سواسية متفقون والكلام يأخذ شكله الصريح القوي لتبدأ الحكاية الجديدة .. حكاية الحياة
صوت 1 : لقد فاض الكيل ، السيد الكبير يواصل اعتداءاته على حرماتنا لا يراعي فينا إلاً ولا ذمة .
صوت 2 : يبدوا أننا سنستيقظ يوماً فلا نجد زوجاتنا ولا بناتنا .. لأنهن سيكن قد متن جميعا بسبب السيد الكبير
صوت 3 : لا يجب السكوت أكثر من ذلك ، أولادنا يتيتمون على مرأى منا ومسمع ، ونحن واقفون ، مكتوفوا الأيدي ، مشلولوا الأرجل والأقدام ، لا نفعل شيئاً ولا نتحرك نحو أي اتجاه ..
رجل اسمه مصطفى : كلامكم خطير ، لا تتفوهوا به ، عيون السيد تملأ القرية ، آذانه ملتصقة على الأبواب والنوافذ ، يحاولون معرفة ما يدور في عروق القرية
صوت 4 : لكن الأمر لا يطاق ، صبرنا ما فيه الكفاية ، إلى متى سنستمر على ذلك ، والى متى سيواصل السيد خطف بناتنا وزوجاتنا وهتك أعراضنا ..!
صوت 5 : يجب أن نتحرك ، ونفعل شيئاً لم نفعله بعد .. شيئاً وجب علينا فعله قبل اليوم بكثير ..؟
معروف عريس إلهام : نعم علينا أن نفعل شيئاً ، إلهام يجب أن تكون آخر فتاة يصيبها الإثم .. آخر فتاة ينالها الموت لهذه الأسباب وبهذه النهاية ..
صوت 6 : الله وحده يعلم على من سيكون الدور غداً ، وسينال من منا ، وأي رجل سيأخذون زوجته من أحضانه ، وأي أبٍ سينتزعون ابنته من كبده وهى بحاجة إلى عطفه وحنانه وحبه ..
صوت 7 : أيها الناس .. اسمعوني جيداً والزموا الهدوء ، الأمور لا تعالج هكذا بالكلام وبالخطابة والغضب .. علينا أن نفكر وأن نعي ما نريد ، وما الذي سنقدم عليه من عمل وتصرف ..!
صوت 8 : والى متى إن شاء الله سنظل نفكر ؟ والى متى سنتمهل .. والى متى سنخاف ألاّ نجد اللقمة نأكلها والماء لنشربه ..
ألا بؤساً للحياة التي لا تساوي إلا الأكل والشرب والنوم ..
أهذه في أنظاركم الحياة ..!
صوت 3 : لا.. لا .. ليست حياتنا هكذا ، أولادنا حياتنا .. حريتنا حياتنا ..
السيد الكبير يكبلنا لأنه يملك أقواتنا ..
لأنه يستطيع أن يطردنا عن قريتنا وعن دورنا وعن أرضنا.
صوت 1 : السيد الكبير يهددنا دائماً بلقمة الخبز ، فنسكت جبناً ، ونخاف على أولادنا من الجوع ومن العري ومن الضياع ..
ولا نخاف عليهم من اليتم ومن العبودية ..!
صوت 6 : ألا ترون أنهم يموتون الآن ولكن بنذالة وقرف ، وبالعار يجلل وجوهنا وجباهنا المطأطئة ، من الخير لنا ولأولادنا الموت جوعاً من أن نواصل حياتنا المسلوبة منا .. لا نملكها ..
معروف : لسنا ضعفاء وسترون قوتنا ..
إننا أقوياء أقوياء ..
لنكن يداً واحدة .. قلباً واحداً .. روحاً واحدة
ضعفنا هو سبيل السيد الكبير للهيمنة والسيطرة علينا ، إن اهتمام كل واحد منا بنفسه وعياله فقط هو ما أعطى السيد الكبير الفرصة للانقضاض عل كل واحدٍ منا بمفرده ، نعم لقد أتانا فرادى وكنا نسهل عليه الأمر بتفرقنا وعدم تجمعنا ، حتى الغناء خشينا أن نغنيه معاً وغنى كل واحد منا أحزانه آهاتاً مكتومة ، وأنينا مكلوماً .. لا صوت له ولا حياة ، داخل الغرف المغلقة خوفا من أن يسمع السيد غنائنا ، إن جبننا وهروبنا من مواجهة أنفسنا ومواجهة ضعفنا هو الذي أعطى السيد القوة التي يحكمنا بها ، نخاف أن يحرمنا من العمل فلا نجد الخبز لنأكله ، ونخاف بالتالي أن نقول لا.. كي لا يطردنا من القرية ..
ولا يشردنا بعيداً عن الجنة الزائفة ..
ونخاف الوقوف أمامه ومجابهته بقوة الند للند
خشية انتقامه بقتلنا أو خطف زوجاتنا وبناتنا
وماذا كانت النتيجة ..؟
السيد الكبير مستمر في الاعتداء على حرمات بيوتنا ، مستمر في استعبادنا ، وهاهن زوجاتنا وبناتنا يمتن الواحدة تلو الأخرى .. إنهن لا يعرفن طعم النوم ولا مذاق الراحة ، كل واحدة منهن تخشى أن تختطف أو تغتصب أو تموت ، فتترك وراءها العار والأحزان التي لا تنتهي ..
إنهن يتساءلن لماذا نتزوج ..
ولماذا ننجب أطفالاً ما دامت نهايتهم محددة بمزاج السيد وبرغباته التي لا حدود لها ولا تنتهي ..
صوت بعيد : لنجعل إلهام آخر الضحايا .. اجمعوا كلمتكم أيها الناس وابدأوا ..
لا تؤجلوا عمل اليوم إلى الغد ..
إلهام هي الأخيرة .. الأخيرة .. الأخيرة .
صوت 10 : الحق فيما قاله معروف .. لنتكاتف أيتها القرية .. لنقف سداً منيعاً يتصدى لأطماع السيد .
مصطفى : إنكم تريدون لنا الموت ..
ولأطفالنا التشرد والجوع ..
السيد لن يرحمنا ..
السيد لن يرحمنا وهو لن ..
صوت 20 : أسكت يا هذا .. أسكتوه لا تسمعوا له .. لن يكون للسيد منذ الآن كلمة علينا .. الكلمة كلمتنا .. نحن أصحاب الحق ونحن المستعبدون .
صوت 30 : أنا معكم
صوت 40 : وأنا معكم
صوت 50 : وأنا معكم
الجميع في صوت واحد : كلنا معكم .. كلنا معكم .. لننقذ زوجاتنا وبناتنا وأولادنا .. لنستعيد حريتنا وكرامتنا .. لنجدد أعمارنا ونحرر قريتنا ..
مصطفى : سأذهب بعيداً عنكم .. السيد لن يرحمكم ، سيعاقبكم بأقسى ما يملك من جبروت ومن قسوة .. سأذهب ولن أواصل معكم .. سأنفد بجلدي
صوت : اتركوه يذهب .. لا فائدة من أمثاله .. هو جبان
صوت : بل هو عين من عيون السيد وأذنٌ من آذانه .. هو جاسوس
معروف : لا أعتقد أنه جاسوس .. هو خائف فقط
صوت قوي : وما يمنع أن يكون جاسوساً فعلاً ، وما يدرينا أن خوفه من انتقام السيد سيجعله يوشي بنا إليه فيكشف خططنا وما نفكر فيه فيحتاط السيد ويلزم الحذر وقد يبادر فيضربنا قبل أن نضربه ..!
معروف : حق ما تقول .. وعلينا تلافي الخطر بسرعة
صوت : باستطاعتنا تلافي الخطر إذا تحركنا اليوم بل الساعة وأن نبدأ في عقاب السيد الآن وليس في وقت آخر .
صوت : إذاً فالسؤال الآن هو كيف نبدأ .. وكيف نعاقبه ؟
معروف : لنفكر بهدوء عن الطريقة المثلى الواجبة لمعاقبة السيد والانتقام منه ، ولن يمضي وقت طويل إلا ونكون قد وصلنا إلى الخطة المناسبة التي تخلصنا منه والى الأبد ، وغدا سيكون بإذن الله أول يوم نتنشق فيه رياح الحرية والأمان .
***
هناك في طرف القرية وعند أول الطريق المؤدي إلى المدينة كان ثمة بيت كبير ينتصب قائماً ، يحيط به سور عظيم له باب كبير يواجه الطريق .. والحراس يتعاقبون الأدوار للحراسة والمراقبة
في تلك الساعة المتأخرة من الليل كانت أنوار البيت تبدد الظلام عن المنطقة المحيطة .. فالليل مضى أكثره ، ولم يبق إلا الوقت القصير وينبلج الفجر معلناً عن بدء يوم جديد .. عندما شاهد الحارس شبح شخص يتحرك نحو بوابة البيت .. بيت السيد الكبير
انتظر الحارس حتى اقترب الشبح بحيث صار واضح المعالم فصوب بندقيته نحوه
وصرخ بقوة : من هناك من القادم .. تكلم وإلا أطلقت الرصاص عليك ..
يقترب القادم أكثر ويرد : أنا .. أنا ..
صرخ الحارس : أنا ..! ومن يكون أنا هذا .. قل ما اسمك أيها الرجل وإلا فأقسم أن أقتلك فوراً ..
رد القادم بخوف : أنا مصطفى .. مصطفى الأرضي .. أريد لقاء السيد الكبير
الحارس : مصطفى الأرضي ( هازئاً ) إذن فأين أخيك مصطفى السماوي أو البحري .. وتريد لقاء السيد الكبير ها.. ها .. ها.. أضحكتني يا رجل ألا تستحي ، أتحسب سيدي تحت أمرك أيها الأرضي ، تطلبه متى تشاء ، عد من حيث جئت ، هيا عد إلى بيتك ، وسيدعوك السيد ، أو أحضر إليه غداً ..
مصطفى : إسمعني أيها الحارس .. الأمر جدي وخطير وأخطر مما تتصور ، حياة السيد في خطر عظيم وإن لم أخبره الآن .. وإن لم يعلم بما أتيت إليه من أجله .. الآن .. فقد لا يكون هناك وقت آخر ..
الحارس : لقد قلت لك سيدي نائم الآن فوق فراشه الناعم الوثير ولا يحب رؤية أمثالك في هذا الوقت المتأخر من الليل كي لا يعكر صفو ليلته الجميلة ..
مصطفى : اسمعني جيداً أيها الحارس .. إن حياة السيد في خطر .. القرية تدبر أمراً ضده .. يريدون قتله هل تفهم ..؟ يريدون قتله ..
الحارس : أيجروء أحد على الاقتراب من السيد ، سنطلق رصاصنا فوراً على كل من تسول له نفسه بأنه يمكن أن يصيب السيد بسوء
مصطفى : لا تضيع الوقت وافهمني جيداً .. دعني أقابل السيد ، يجب أن أعلمه الآن ليأخذ حذره ، ويواجه ما يدبر ضده .. إذا علم أنك منعتني من إخباره فسيغضب جداً عليك وسيعاقبك بدون شك ، وأنت أعلم مني كيف يكون عقابه .
الحارس متململاً : حسن سأدعك تراه ، لكن عليك الانتظار هنا قليلاً ريثما أخبره ومن ثم سأدخلك إليه إذا أمر بذلك .. هل تسمع .. إجلس على هذا الحجر ولا تتكلم بحرف واحد
مصطفى : حاضر حاضر المهم أسرع أنت وأخبره بحضوري ورغبتي في التحدث معه لأمر هام
الحارس : قلت سأخبره لا تكن ثرثاراً ، فقط اجلس بهدوء ولا تتكلم .. هل تفهم ما ... و...
يقطع الحوار صوت السيد الكبير :
أيها الحارس خذ هذه المرأة أوصلها إلى الخارج ، ولا تدعها ترجع .. هيا تحرك وبإمكانك الاستفادة منها قبل ذلك .. ها ..ها ..
الحارس ( مسرعاً في اتجاه السيد الواقف أما الباب الداخلي) : أمرك سيدي .. أمرك ..
يقترب الحارس من المرأة .. يمسكها بقوة دافعاً بها أمامه وهي نافرة متعبة متهاوية ، تتعثر قدماها اللتين لا تكادان تحملانها وهناً وارتجافا ...
الحارس صارخاً بالمرأة : هيا أيتها المرأة أمامي وأسرعي وإياك والوقوف وإلا فأنت تعرفين العاقبة وما سيحل بك وبزوجك وبأولادك .. هيا انصرفي بسرعة .
المرأة تصرخ وتحاول ضرب الحارس : الله أكبر .. الله أكبر منكم ، سينتقم الله لي وللقرية جميعها .. أيها الوحوش أيها الكلاب العفنة أيها الأنذال خذوا .. خذوا .. ( تنحني إلى الأرض تغترف بيديها التراب وتعفر به وجه الحارس إلى يحتد عليها )
الحارس : أيتها المجنونة الوقحة ، أبلغت الجرأة منك هذا المبلغ خذي هذه الضربة تعلمك كيف يكون سلوكك التالي ، ولعلك تعودين الى رشدك .. يضربها الحارس بعنف وقوة على رأسها بعقب البندقية فتسقط متمددة بدون حراك على الأرض جثة هامدة ... ينحني الحارس نحوها محاولاً تحريكها ورفعها ..
الحارس : قومي أيتها المرأة اللعينة .. قومي وابتعدي عن هنا .. هذه التمثيلية لا ننخدع بها (يركلها بقدمه ) .. أتريدين تلويث اسم السيد ليقول الناس أنك مت في داره ( يركلها بقوة أكبر محاولاً قلبها) قومي .. قومي .. ما بالها لا تتحرك أتكون قد ماتت فعلاً ( يرتجف لهذه الفكرة ) .. وفجأة تتجه نظراته نحو الباب الخارجي .. يرى مصطفى واقفاً ينتظر .. فيتذكره ويعود مسرعاً الى السيد الذي قفل راجعا إلى داخل البيت ..
الحارس : سيدي .. سيدي إن شخصاً بالخارج من أهل القرية يريدك لأمر خطير كما يقول ..
السيد الكبير : أي أمر خطير الذي لا ينتظر إلى الغد .. ليحضر غداً
الحارس : قلت له ذلك لكنه رفض ، يقول إن الأمر لا يحتمل التأجيل لأنه يتعلق بحياة سيدي
السيد الكبير : ماذا تقول .. أي خطر هذا الذي سيصيبني ، هيا اذهب وأحضره على الفور ثم اذهب وابق متيقظا في المراقبة والحراسة .. هيا أغرب عن وجهي .
الحارس : أمرك سيدي .. يسرع باتجاه الباب الخارجي وقبل وصوله يجد مصطفى واقفاً عند المرأة يتحسسها ويبدو كمن يحاول إنقاذها وإفاقتها .
الحارس : هيا أيها الرجل السيد يطلبك ، إنه ينتظرك بالداخل ..
مصطفى ( وجهه ممتقع وأحاسيس كثيرة تروح وتجيء داخل رأسه) بثبات : .. ولكن هذه المرأة ..!
الحارس : دعها وشأنها ..
مصطفى : هي ميتة ..!
الحارس : ماذا تقول ما .. ما .. ماتت ، اسمع .. اذهب أنت إلى السيد لا تدعه ينتظر طويلاً إنه سريع الملل وقد يتراجع عن رأيه فيرفض لقائك بل وقد يعاقبك
مصطفى : كيف ماتت ..؟ أرى الدم يغطي وجهها ورأسها و..
الحارس : أرادت أن تضربني فما كان مني إلا أن ضربتها بعقب البندقية فسقطت في الحال .. و.. و.. لم أقصد قتلها .. كان يجب عليها الموت بعيداً عن هنا ..
مصطفى : وهل عرف السيد ذلك ..؟
الحارس : ماذا قلت .. السيد عرف بذلك لا..لا.. سيقتلني لو عرف بموتها ولا يجب أن يعرف .. لكن لم سؤالك .
مصطفى : قد أخبره بما حدث
الحارس : اسمع إياك وإخبار السيد وإلا ستلقى نفس مصيرها .. مشيراً نحو جثة المرأة ..
مصطفى : لكن عقب البندقية يشير إليك مخبراً عن فعلتك ، فالدم كما ترى ملتصق به ، نظفه أولاً كي لا يتهموك بقتلها ..؟
الحارس : معك حق ، سأنظفها ، هل تساعدني ؟
مصطفى : لا لن أساعدك ، ضع بندقيتك جانباً ثم احمل جثة المرأة وإرمها بعيداً عن هنا وعد مسرعاً لتنظف المكان أما أنا فأدخل إلى السيد هيا هيا .. الوقت يمر مسرعاً والسيد سيقلق وقد يخرج في أية لحظة ..
الحارس ( يضع البندقية جانباً وينحني نحو المرأة ليحملها) : هيا اذهب قبل يتنبه السيد لتأخيرك ..
مصطفى : سأذهب ( يتظاهر بالتوجه نحو باب البيت وينتهز انشغال الحارس بمحاولة حمل الجثة فيعود بخفة وهدوء ويلتقط البندقية بسرعة ويرفعها عالياً قبل أن يهوي بها بكل قوته وعزمه نحو رأس الحارس إلى يترنح ثم يسقط مدرجا بدمائه بجوار المرأة .. ، ) وبسرعة يحمل مصطفى البندقية بيده بعد أن هيأها للإطلاق ويتوجه إلى الباب المفتوح فيلجه داخلاً حيث يرى السيد جالساً يدخن سيجاره المفضل .. يؤخذ السيد لمنظر مصطفى المتحفز ويداخله بعض الخوف .
السيد صارخاً : من تكون أيها الرجل ، وماذا تريد .. تكلم بسرعة ، لا تضيع وقتي أكثر مما ضيعته حتى الآن .. أخبرني الحارس أنك تود مقابلتي لأمر هام يتعلق بحياتي الثمينة ..
مصطفى ( متشبثاً بالبندقية بقوة وثبات ) : جئتك لأمر هام جداً ولكن تغييراً طرأ على السبب الذي جئت من أجله ..
السيد : ما بك تقف متحفزاً ، لا تخف يمكنك الكلام ولك الأمان ، لن أؤذيك ، ولكن يجب أن يكون كلامك مهما حقاً ، هيا تكلم فوراً وإلا أمرت الخدم بطردك .. ( يتحقق السيد ببصره من البندقية التي يحملها مصطفى فيعجب خصوصا أنها من نفس طراز البنادق التي يحملها حراسه ) ثم كيف تدخل إلى هنا وأنت تحمل البندقية .. هؤلاء الأغبياء لا بد أن أعاقبهم .. أرني بندقيتك ، تبدو جميلة وجديدة ( يتقدم السيد نحو مصطفى )
مصطفى : ( واثباً كالنمر ) : قف مكانك ولا تتحرك ، أتري حقاً معرفة ماهية هذه البندقية .. إنها بندقية حارس البوابة ..
السيد ( في خوف ) : الحارس .. أين هو وكيف يعطيك البندقية ، هذه مخالفة جسيمة سأعاقبه بشدة .. ( يحاول الصراخ على الحارس) .. أيها الحارس ..
مصطفى : لا تتعب نفسك .. لن يستجيب لندائك ..
السيد : ماذا تعني .. ماذا حدث له ..؟
مصطفى : تركته يهوي ساكناً إلى جانب جثة المرأة في الممر الخارجي ..
السيد : جثة المرأة ... أي امرأة تتحدث عنها؟
مصطفى : ألا تعرفها .. حقاً لقد خرجت لتوها من عندك .. أنت أوصلتها بنفسك إلى الباب .. رأيتها بعيني .. المرأة التي اغتصبتها من زوجها وأولادها قبل أن تغتصب شرفها وتهتك عرضها .. المرأة التي قتلتها أنت بقذارتك وفعلك المشئوم .. ورميتها لحارسك ليفعل معها ما فعلته أنت لكنها قاومته فقتلها .
السيد ( محاولاً التماسك والثبات ) : أنا .. أنا لم أفعل شيئاً ( يقترب مصطفى من السيد ويصوب البندقية إلى قلبه ) لا .. لا تقترب وإلا أمرت الحراس بالفتك بك وصلبك لتكون عبرة لغيرك من الرعاع ..
مصطفى : أنت من سيموت أولاً .. إذا نطقت كلمة واحدة لن يكون علي إلا الضغط بإصبعي على الزناد .. رصاصة واحدة تكفي للقضاء عليك .. أتفهم .. ( هازئاً ) إنه سلاحك ... أيها السيد العظيم .. العظيم جداً
السيد ( يكاد ينهار ورجلاه لم تعودا تقدران على الثبات تحت ثقله ) : نعم ..نـ..نـ.. نعم أرجوك لا تفعل شيئاً ، لا تفعل دعني أعيش سأعطيك المال والأرض .. سأعطيك كل ما تطلب .. سأمنحك حمايتي أعدك .. لن يتعرض أحد لك بسوء .. فقط دعني أعيش
مصطفى : تعطيني المال .. تمنحني حمايتك .. جميل ما أسمعه ..العرض مغر .. لكنه جاء متأخراً .. لكن ما رأيك أن تحمي نفسك أولاً مني .. المال لا أريده ولست بحاجة له (هازئاً ) لا يخطر ببالي أن أصبح سيداً كبيراً .. هه مثلك أيها السيد الكبيــــــييييير .. لكن ولأكون عادلاً لدي عرض جيد لك إذا قبلته سأتركك ولن أتعرض لك بعد ذلك واضمن عدم تعرض القرية لك ..
السيد متلهفاً : تكلم سأقبل أي شيء تعرضه ، سأنفذ ما تريد مني
مصطفى : أريد زوجتي
السيد : زوجتك ..! وما دخلي أنا بزوجتك ، أنا لا أعرفها
مصطفى : وجميع النساء والفتيات اللواتي فقدتهن القرية ..!
السيد : ماذا تقول .. أولاً زوجتك والآن تطالبني بكل النساء والفتيات .. أنا لا أملك لكم شيئاً ... نساؤكم لسن عندي .
مصطفى : رد الحياة إليهن
السيد : أرد الحياة إليهن .. هن ميتات إذن بالله أخبرني كيف تريدني أن أرد الحياة لهن .. أم أخبروك أنني أحيي الموتى ..
مصطفى : أستغفر الله .. أخبروني أنك تقتل الأحياء .. عليك أن ترد الحياة لهن والا ..
السيد : أنا لا أعرفكم .. لا أعرف نسائكم وزوجتك بالذات لا أعرفها .. ما تطلبه مستحيل ولا يقبله عقل عاقل أبداً ..
مصطفى : أما النساء فقد مررن عليك وحملن إلى بيتك هذا قبل موتهن .. وأما زوجتي فإنها ملقاة بالخارج جثة هامدة لا روح فيها بجوارها ترقد جثة حارسك الذي قتلها بهذه البندقية ...
السيد : ما .. ما .. ماذا .. تقول .. زوجتك .. زوجتك هي من كانت عندي الليلة ..؟
مصطفى : نعم .. الصدفة وحدها جعلتني أكتشف ذلك .. نعم زوجتي أيها الكلب .. زوجتي أيها الوحش الآدمي … حياتي الدافئة وجنة الدنيا التي أعيش فيها .. زوجتي وعرضي الذي ثلمته .. وشرفي الذي مزقته بمخالبك ونهشته بأنيابك .. وأنا .. أنا هو الغبي أتيت إليك واشياً بإخواني .. أحذرك منهم .. لأقول لك أنهم يخططون للانتقام منك لقتلك ويتآمرون عليك .. أتيت أحذرك لألقي انتقام الله مني .. بعثني إلى دارك لأشهد جريمتك بنفسي .. وقد ظننت أنك تشملني بحمايتك ، فتسلم زوجتي ويسلم بيتي من شرِّك .. وأراك سبقتني إلى داري .. استلبت مني أعز شيء في قلبي … زوجتي .. روحي الهائمة .. سكن قلبي ، وهدوء نفسي الحائرة ..عرضي وشرفي .. آه ما أعظم انتقام الله .. أردت خيانة القرية التي آوتني وأطعمتني واتخذتني ولداً لها ، لأتقرب منك .. فعققتها كما يعق الابن أبيه وأمه .. لكن لا .. لن يكون عليّ الانتقام فقط لزوجتي بل للقرية جميعا . هل تسمع ..؟ أنت أيضاً يجب أن تموت .. يجب أن تموت .. يقترب مصطفى من السيد كثيراً .. يضع فوهة البندقية فوق قلب السيد وإصبعه على الزناد متأهب للضغط ..
السيد : ماذا تقصد أيها المجنون ، رجالي لن يدعوك تخرج سالماً ، سيقتلونك ، ابتعد عني .. ابتعد .. أيها الحراس .. أيها الحراس .. أيها الـ .. ( صوت الرصاص ينطلق ويفور الدم من صدر السيد )
مصطفى : ومن قال لك أنني أريد الحياة التي أنت فيها أو أنني حريص عليها .. الحياة بدونك ستصبح أفضل للناس جميعاً .. خذ أيها السيد .. منذ الآن ستختفي عن الوجود ، وستنتهي أسطورتك الى الأبد .. سيرتاح العالم من شرورك ومن طغيانك .. عليك اللعنة … الموت أقل شيء يمكنني عقابك به
***
الضجة والصراخ يملآن أرجاء البيت الذي استيقظ سكانه جميعهم حيث هرعوا إلى مكان إطلاق الرصاص في الصالة الكبيرة الأمامية للبيت حيث كان السيد الكبير ممداً أمامهم على الأرض مضرجاً بدمائه يخور كالثور وهو ينازع الموت في لحظاته الأخيرة ، وعند رأسه ثمة رجل يقف بشموخ وانتصار .. مظهره يوحي بأنه من أهل القرية ومن عامتهم .. والابتسامة تضيء وجهه ..
حارس : أمسكوا الرجل ولا تدعوه يهرب ..
حارس آخر : اقتلوه إنه يحمل بندقية
حارس آخر : اقتلوه لقد قتل السيد .
يتجمع الحراس حول مصطفى ، يحيطون به من كل الجهات .. يهجمون عليه ، يكيلون له الضرب والركل .. كادوا أن ينتزعوا أنفاسه التي هدأت إلى أدناها عندما توقفوا فجأة مبتعدين عنه إثر سماعهم لأصوات قوية هادرة تقترب من البيت قادمة من بعيد .. ينظر الحراس من النوافذ .. هالهم ما رأوا وتزلزلت صدورهم رعباً
حارس : إنهم أهل القرية قادمون إلى هنا
حارس : إنهم يحملون النار والفؤوس والهراوات في أيديهم
حارس : إنهم ينوون شراً بنا .. علينا بالاحتماء
حارس : أسرعوا وتحصنوا وراء النوافذ .. أطلقوا الرصاص عليهم ... لا يجب أن يدخلوا إلى هنا
حارس : لا .. لن نطلق النار .. إنها معركة خاسرة ، هم أضعافنا بمراحل كثيرة ، وهم أضعاف أضعاف طلقات الرصاص الذي نملكه .. لن نقتل منهم سوى القليل ويصلون إلينا ويقتلوننا
حارس : لقد مات السيد فلماذا نقاتل القرية ؟
حارس : السيد الكبير هو من يريدونه ؟
حارس : ومات السيد .. مات السيد .. مات السيد
الحراس ينظرون إلى بعضهم .. عيونهم تتكلم ونظراتهم تترجم المعاني ، وفي وقت واحد تحركوا وألقوا بنادقهم فوق الأرض ..
حارس : ارفعوا الرايات البيضاء ولنخرج إليهم قبل وصولهم فيقتلوننا شر قتلة ..
عندما وصل الأهالي الثائرين إلى بيت السيد الكبير فوجئوا برؤيتهم للحراس المستسلمين الرافعين الرايات البيضاء أمامهم وفوق بوابة البيت .. ظنوا أن في الأمر خدعة وأن السيد لا شك دبر كمينا لهم ... إذ من الواضح أنه عرف بنواياهم من خلال جواسيسه المبثوثين في أنحاء القرية .. ولكنهم لا يهتمون ، فلقد حزموا أمرهم وعزموا على الفعل ، وبغضب شديد انهالوا ضرباً على الحراس الصارخين طلباً للرحمة والعفو .. لكن من يستمع إليهم وقد ذاقوا الذلة والعذاب على أيديهم الملوثة بدماء ضحاياهم من أهالي القرية .. ثم أنهم امسكوهم وقيدوهم بالحبال حتى يتبينوا الأمر وينتهون من السيد
واصل الأهالي سيرهم .. اجتازوا البوابة إلى داخل البيت ، وفي الممر تعثروا بجثة المرأة متمددة وبجانبها جثة أحد الحراس .. أمعنوا النظر في المرأة وإذا بصوت يصرخ : بالله إنها زوجة مصطفى ، يبدوا أن السيد قد نالها ، الويل له ..
صرخ الجميع : الويل له .. الويل له أما كفاه .. أما كفاه .. لا بد من قتله
اندفعوا بكل قواهم الى داخل البيت .. وياللعجب .. ماذا يرون أمامهم .. إنه السيد الكبير ملقى على الأرض مضرجاً بدمائه والى جواره رأوا مصطفى متمدداً يحاول أن يتحرك وأن يقول شيئاً .. تحلقوا حوله مسرعين فاستقبلهم بوجهه وعلامات الارتياح والسعادة تكسو ملامحه المحتضرة .. يريد أن يقول لهم كلاماً ، انحنوا نحوه وقد قاربت أنفاسه على الانتهاء وروحه كانت على وشك الصعود إلى السماء في رحلتها الأبدية .. كان ينظر إليهم وكأنه يناديهم ..استندوا على ركبهم في محاولة لسماع ما يقول .. وأخذوا يحثونه على الكلام : مصطفى .. مصطفى ماذا حدث اخبرنا لقد تركتنا وظننا بك السوء .. قل لنا ماذا جرى وكيف ... بإعياء وتعب شديدين وبصوت ضعيف جداً تكلم مصطفى .. اعترف لهم .. : سامحوني .. سامحوني
أردت خيانتكم والوشاية بكم إلى السيد الكبير..
أردت أن يحميني ويبسط رعايته على بيتي
وأن يكفيني شره ..
ويبدوا أن الله كان لي بالمرصاد ..
وصلت في الوقت المناسب لأنتقم لزوجتي .. تعرفونها كلكم إنها ممددة في الخارج .. ماتت .. لقد قتلوها أمامي ..
وكان لا بد من الانتقام لها ولكم وللقرية جميعها .. لقد قتلته ..
كان نذلاً وجباناً وحقيراً
كان قويا بسلاحه ورجاله وبخوفنا منه ..
عندما ثرت ورميت الخوف عني صرت قوياً
وواجهت السيد الكبير ..
لن يكون هناك سيد كبير بعد اليوم ..
لن يكون سيد كبير أبداً ..
لقد انتهى ..
إياكم إياكم أن يعود ........
مات مصطفى
عاد الأهالي يحملون فوق أكتافهم مصطفى وزوجته إلى القرية ، لقد قرروا تخليدهما بجعل السدرة الكبيرة في الساحة تظلل قبري آخر الضحايا وآخر الشهداء .
تعليق