هناك عدة عبارات بدأت تردد في القطاع الصحي تحمل نفس المضمون . منها الطب المستند على الدليل , فالطب المسند على البيََنة , فالطب القائم على البرهان , هي عبارات تعني وجود مرجعية موثوقة تساعد على اتخاذ قرار طبي معين للحصول على أفضل النتائج . ولكن لماذا وجد هذا المنهاج في الرعاية الصحية . باختصار لأن :
أولاً : الطبيب حديث التخرج يمتلك معلومات نظرية هائلة في مقابل خبرة عملية قليلة , لذلك فهو بحاجة للطب المستند على الدليل .
ثانياً : الطبيب قديم التخرج يمتلك خبرة عملية كبيرة في مقابل معلومات نظرية قديمة تم نسيان معظمها بسبب كثرة المشاغل من جهة وبسبب التقدم بالعمر من جهة أخرى , لذلك فهو بحاجة للطب المستند على الدليل .
ثالثاً : الطب يتطور بسرعة هائلة , وهناك سنوياً ما يعادل مليوني مقالة طبية تنشر في آلاف المجلات المتخصصة. ولا يوجد وقت لدى أي طبيب للإحاطة بالمستجدات الطبية حتى فيما يتعلق باختصاصه بالذات . لذلك فالطبيب بحاجة للطب المسند على الدليل .
رابعاً : حتى لو امتلك الطبيب الوقت للقراءة العلمية في مجال اختصاصه عبر متابعة المقالات العلمية والمواقع الإلكترونية الطبية , فهل يملك الجرأة ليطبق ما قرأ على مرضاه بالاعتماد على مقالة هنا أو بحث هناك . طبعاً لا , لذلك فهو بحاجة للطب المستند على الدليل .
خامساً : شركات الأدوية العالمية تنتج العشرات من المنتجات الدوائية , وتطرحها بالسوق مدعية بأنها لها مواصفات معينة ( استطباب , اختلاط جانبي.... ) ولكن ما مدى صحة هذا الإدعاء . وفي حال ثبوت صحة هذا الإدعاء , وبوجود عدد كبير من الدواء الواحد بأسماء متعددة لشركات مختلفة ( مثال : مضاد التهاب معين تنتجه عشرات الشركات تحت أسماء تجارية مختلفة , وبأسعار متفاوتة أيضاً ) فأي من هذه الأدوية قد ثبتت فعاليته علمياً. لذلك فالطبيب والمريض بحاجة للطب المستند على الدليل .
سادساً : مريض لديه أكثر من مرض أو إصابة , وهو بحاجة لأفضل رعاية صحية ممكنة نظراً لحساسية وضعه الصحي . ( مثال : مريض سكري لديه اختلاطات وعائية كالقدم السكرية . مريض قلب رئوي لديه قصور كلوي مزمن . مريض حادث وعائي دماغي لديه قرحة فراش . مريض في قسم الإسعاف لديه إصابات متعددة ) لذلك فالطبيب والمريض بحاجة للطب المستند على الدليل .
سابعاً : كثيراً ما نصادف في عالمنا العربي أن من يمارس الطب ويتخذ القرارات بالتداخلات الطبية والجراحية هو غير مؤهل علمياً لذلك . ولكن الظروف تجعلنا نقبل بهذا الوضع ونتأقلم معه . وكم من مريض ( وعائلته طبعاً ) قد دفعت ثمناً باهظاً لمثل هذه الحالة . وأنا أقصد عندما يقوم الطبيب المتمرن ( طبيب مقيم للاختصاص ) باتخاذ قرارات مصيرية أثناء مناوبته الليلية مثلاً , فيقرر إجراء عمل جراحي لمريض أو تركيب قثطرة مركزية لمريض آخر , أو طلب فحوصات مخبرية لمريض ثالث , وهو بالأساس غير مؤهل علمياً لمثل هذا الموقف . ولكنه أمر واقع موجود في كل مشافينا على امتداد الوطن العربي , بل أحياناً يقوم الممرض أو الفني بلعب دور الطبيب خاصة في الأرياف والمناطق البعيدة عن العاصمة . لذلك فنحن أحوج من غيرنا للطب المستند على الدليل .
من كل ما تقدم نجد أنه لا بد من اعتماد منهاج الطب المستند على الدليل لتقديم أفضل رعاية صحية ممكنة للمريض . ولكن ما هو الطب المستند على الدليل :
تقول الموسوعة الالكترونية الحرة ( ويكيبيديا ) بأنه :
( Evidence-based medicine (EBM) aims to apply the best available evidence gained from the scientific method to medical decision making.[1] … ) Wikipedia, the free encyclopedia - Evidence-based medicine
أي أن الطب المستند على الدليل يهدف إلى تطبيق أفضل الأدلة المتوفرة المستقاة من الأساليب العلمية لاتخاذ القرارات .
ولكن هذا تعريف غير مفهوم , بل ويكاد يكون مثل الذي فسر الماء بالماء . إذاً لنستعين بأحد الخبراء العرب , ممن تبنوا هذا العلم . فالدكتور محمد أديب العسالي قد نشر عدة مقالات بهذا الخصوص . ومن أحداها نأخذ هذا التعريف للطب المستند على الدليل :
(الطب المسند (أو الطب المعتمد على البرهان) هو طريقة تم تطويرها مؤخراً بهدف مساعدة الأطباء ومخططي السياسات الصحية على مواكبة مستجدات البحث العلمي الطبي من خلال دمج الخبرة السريرية مع كل من علم الوبائيات السريرية والإحصاء الحيوي وفيزيولوجية الأمراض ... ) د . محمد أديب العسالي .
أيضاً هذا الكلام غير واضح تماماً لغير المختصين . لذلك أجد بأنه لا بد لي أن أجتهد وأقدم شرحاً لما تقدم وأرجو أن أصيب به . بالعربي الفصيح الطب المستند على الدليل هو طريقة علمية تعتمد الإحصاء والمراجعة المنظمة والمنتظمة والمقارنة باعتماد العينات العشوائية في الدراسة والإحصاء وفوق ذلك الاعتماد على رأي الخبراء , للوصول إلى أفضل الطرق في اتخاذ قرار طبي ما , سواء على المستوى الفردي في العيادة الخاصة , أو على مستوى جماعي في أقسام المستشفى ابتداء من قسم الإسعاف مروراً بالمخابر والأشعة والعمليات والتمريض وانتهاء باتخاذ قرار تخريج المريض من المستشفى .
مثال :
تقوم إحدى شركات إنتاج الدواء بطرح دواء جديد لمعالجة داء السكري , تدعي هذه الشركة بأن له المواصفات التالية , والاختلاطات التالية وهكذا .
عندها يأتي دور المراكز المختصة بالطب المستند على الدليل مثل :
(Cochrane Collaboration The ) أو
(Agency for Health Care Research and Quality The),
لإثبات مدى نجاعة هذا الدواء , ومدى مقاربته لمعالجة مرضى السكري . وما ميزاته ( مساوئه ومحاسنه ) بالنسبة لباقي أدوية معالجة الداء السكري . ومدى مطابقته لادعاءات الشركة المصنعة .
تقوم مجموعة من الخبراء بأخذ عينة معشاة ( عشوائية ) من مرضى السكري , ليكن عددها مثلاً 500 مريض , ثم تقوم بتقسيمها إلى قسمين متساويين بدون أي تحيز أو اعتبار . فيصبح لدينا 250 مريض سكري في كل مجموعة . يطبق على المجموعة الأولى الدواء الجديد مع مراقبة دقيقة لتأثيراته الدوائية واختلاطاته ومساوئه ومحاسنه . وبنفس الوقت يطبق على المجموعة الثانية الأدوية التقليدية القديمة. بعد فترة زمنية يحددها الخبراء ولتكن مثلاً ستة أشهر . يتم تقييم النتائج باستخدام طرق الإحصاء العلمي للوصول إلى القرار المناسب بخصوص هذا الدواء الجديد . وبعد عملية التقييم العلمي يأتي دورالفعالية الاقتصاديه له . ينظر إلى موضوع التكلفة المادية لهذا الدواء ومقارنتها مع باقي الأدوية وهكذا .. بعد اعتماده من قبل الخبراء يوضع على المواقع الالكترونية المختصة مع ذكر خصائصه وحالات استخدامه والجرعة والوقت والاختلاطات , طبعاً مع ذكر الدليل لهذا الاختيار ( فهم لا يكتفون بإخبار الطبيب بأنهم يعتمدون هذا الدواء بالذات لهذه الحالة بالذات فقط . بل يخبرونه بالتفصيل كيف توصلوا إلى هذا القرار . كيف جمعوا العينة وكيف طبقوا التجربة وما هي الأساليب العلمية الإحصائية وغير الإحصائية التي استخدموها للوصول إلى هذا القرار , ونسبة الخطأ .. إلخ ) وهكذا يعتمد الطبيب هذا الدواء عن قناعة علمية بحتة .
طبعاً المثال السابق يتحدث عن دواء وطريقة تبنيه من قبل الأطباء . ولكن ماذا عن مثال آخر عن حالة مرضية مثلاً ( احتشاء عضلة قلبية ) أو عن مثال يتحدث عن إجراء طبي معين ( إنعاش قلبي رئوي لمريض لديه توقف قلب وتنفس ) وماذا عن عملية التعقيم لناحية العمل الجراحي ! هل تقل أهمية عن العمل الجراحي نفسه ؟ . ماذا لو أن العمل الجراحي قد نجح إلا أن المريض قد سقط من على السرير بعد خروجه من الإنعاش.
لكل مما سبق . وكي لا يترك للصدفة أو الحظ أي دور في طريقة تقديم الرعاية الطبية , فقد اعتمد الطب المستند على الدليل . ومن ضمنه ما يعرف بسياسات العمل و بأدلة العمل وبروتوكولات العمل . ببساطة شديدة فسياسة العمل ( Policy ) تحدد أولاً ما الذي يجب أن يحدث بشكل عام ( مثلاً كل مريض يقبل في المستشفى يجب أن يجرى له فحص سريري شامل عند القبول ) . بعد ذلك يأتي دور دليل العمل ( Guideline ) فيحدد كيف يتم تطبيق السياسة أي كيف يتم الفحص السريري الشامل ( الطبيب الاختصاصي يتحرى عن الشكوى الحالية , يأخذ القصة المرضية الكاملة , أمراض وراثية , أمراض مرافقة للشكاية الحالية , عمليات سابقة , أدوية يأخذها المريض حالياً أو سابقاً ....... إلخ ..... يتحرى الطبيب المقيم الضغط الشرياني , النبض , التنفس ...... إلخ ) عندها يأتي دور البرتوكول حيث يحدد للطبيب المقيم دوره وللممرضة دورها وللفني دوره بشكل خطوات محددة مثلاً ( يقوم طبيب مقيم متقدم بمرافقة المريض إلى قسم التصوير بالمرنان المغناطيسي – يتأكد الطبيب من وضع رقبة للمريض في حال الشك بوجود إصابة بالفقرات الرقبية – يراقب الطبيب التنفس ويتأكد من خلو مجرى التنفس من أي عائق – يراقب الطبيب نبض المريض طيلة الوقت – يتأكد الطبيب من تثبيت الحزام حول المريض ورفع الحواجز الجانبية – يتأكد الطبيب من وجود جهاز أمبو وماسك مناسب لعمر المريض ... إلخ )
نلاحظ أن اعتماد الطب المستند على الدليل يرفع من إمكانية حصول المريض على أفضل جودة في الرعاية الطبية , تقليل الهدر , تقليل الاعتماد على الحظ والصدفة في النتائج , الارتقاء بأداء الأفراد والمؤسسات الصحية بالاعتماد على الإحصاء ونتائج البحث العلمي ورأي الخبراء وليس كما كان سائداً سابقاً من اعتماد مبدأ الشطارة والفهلوية أو الفلهوية أو الحظ أو الحدس .
أسأل الله العزيز القدير أن يلهم أطبائنا ومؤسساتنا الصحية , ابتداء من أصغر طبيب في عيادته الخاصة , ومروراً بالمستوصفات والمشافي وانتهاء بوزارة الصحة , أن يعتمدوا الطب المستند على الدليل في اتخاذ القرارات مهما كانت صغيرة أو كبيرة . فنحن أحوج من غيرنا لهذا الطب كون الأطباء المقيمين والممرضين والفنيين والقابلات هم الذين يقدمون الرعاية الصحية لقطاع واسع من الشعب العربي , وخاصة في الأرياف والمناطق البعيدة عن العاصمة .
وآسف للإطالة
أولاً : الطبيب حديث التخرج يمتلك معلومات نظرية هائلة في مقابل خبرة عملية قليلة , لذلك فهو بحاجة للطب المستند على الدليل .
ثانياً : الطبيب قديم التخرج يمتلك خبرة عملية كبيرة في مقابل معلومات نظرية قديمة تم نسيان معظمها بسبب كثرة المشاغل من جهة وبسبب التقدم بالعمر من جهة أخرى , لذلك فهو بحاجة للطب المستند على الدليل .
ثالثاً : الطب يتطور بسرعة هائلة , وهناك سنوياً ما يعادل مليوني مقالة طبية تنشر في آلاف المجلات المتخصصة. ولا يوجد وقت لدى أي طبيب للإحاطة بالمستجدات الطبية حتى فيما يتعلق باختصاصه بالذات . لذلك فالطبيب بحاجة للطب المسند على الدليل .
رابعاً : حتى لو امتلك الطبيب الوقت للقراءة العلمية في مجال اختصاصه عبر متابعة المقالات العلمية والمواقع الإلكترونية الطبية , فهل يملك الجرأة ليطبق ما قرأ على مرضاه بالاعتماد على مقالة هنا أو بحث هناك . طبعاً لا , لذلك فهو بحاجة للطب المستند على الدليل .
خامساً : شركات الأدوية العالمية تنتج العشرات من المنتجات الدوائية , وتطرحها بالسوق مدعية بأنها لها مواصفات معينة ( استطباب , اختلاط جانبي.... ) ولكن ما مدى صحة هذا الإدعاء . وفي حال ثبوت صحة هذا الإدعاء , وبوجود عدد كبير من الدواء الواحد بأسماء متعددة لشركات مختلفة ( مثال : مضاد التهاب معين تنتجه عشرات الشركات تحت أسماء تجارية مختلفة , وبأسعار متفاوتة أيضاً ) فأي من هذه الأدوية قد ثبتت فعاليته علمياً. لذلك فالطبيب والمريض بحاجة للطب المستند على الدليل .
سادساً : مريض لديه أكثر من مرض أو إصابة , وهو بحاجة لأفضل رعاية صحية ممكنة نظراً لحساسية وضعه الصحي . ( مثال : مريض سكري لديه اختلاطات وعائية كالقدم السكرية . مريض قلب رئوي لديه قصور كلوي مزمن . مريض حادث وعائي دماغي لديه قرحة فراش . مريض في قسم الإسعاف لديه إصابات متعددة ) لذلك فالطبيب والمريض بحاجة للطب المستند على الدليل .
سابعاً : كثيراً ما نصادف في عالمنا العربي أن من يمارس الطب ويتخذ القرارات بالتداخلات الطبية والجراحية هو غير مؤهل علمياً لذلك . ولكن الظروف تجعلنا نقبل بهذا الوضع ونتأقلم معه . وكم من مريض ( وعائلته طبعاً ) قد دفعت ثمناً باهظاً لمثل هذه الحالة . وأنا أقصد عندما يقوم الطبيب المتمرن ( طبيب مقيم للاختصاص ) باتخاذ قرارات مصيرية أثناء مناوبته الليلية مثلاً , فيقرر إجراء عمل جراحي لمريض أو تركيب قثطرة مركزية لمريض آخر , أو طلب فحوصات مخبرية لمريض ثالث , وهو بالأساس غير مؤهل علمياً لمثل هذا الموقف . ولكنه أمر واقع موجود في كل مشافينا على امتداد الوطن العربي , بل أحياناً يقوم الممرض أو الفني بلعب دور الطبيب خاصة في الأرياف والمناطق البعيدة عن العاصمة . لذلك فنحن أحوج من غيرنا للطب المستند على الدليل .
من كل ما تقدم نجد أنه لا بد من اعتماد منهاج الطب المستند على الدليل لتقديم أفضل رعاية صحية ممكنة للمريض . ولكن ما هو الطب المستند على الدليل :
تقول الموسوعة الالكترونية الحرة ( ويكيبيديا ) بأنه :
( Evidence-based medicine (EBM) aims to apply the best available evidence gained from the scientific method to medical decision making.[1] … ) Wikipedia, the free encyclopedia - Evidence-based medicine
أي أن الطب المستند على الدليل يهدف إلى تطبيق أفضل الأدلة المتوفرة المستقاة من الأساليب العلمية لاتخاذ القرارات .
ولكن هذا تعريف غير مفهوم , بل ويكاد يكون مثل الذي فسر الماء بالماء . إذاً لنستعين بأحد الخبراء العرب , ممن تبنوا هذا العلم . فالدكتور محمد أديب العسالي قد نشر عدة مقالات بهذا الخصوص . ومن أحداها نأخذ هذا التعريف للطب المستند على الدليل :
(الطب المسند (أو الطب المعتمد على البرهان) هو طريقة تم تطويرها مؤخراً بهدف مساعدة الأطباء ومخططي السياسات الصحية على مواكبة مستجدات البحث العلمي الطبي من خلال دمج الخبرة السريرية مع كل من علم الوبائيات السريرية والإحصاء الحيوي وفيزيولوجية الأمراض ... ) د . محمد أديب العسالي .
أيضاً هذا الكلام غير واضح تماماً لغير المختصين . لذلك أجد بأنه لا بد لي أن أجتهد وأقدم شرحاً لما تقدم وأرجو أن أصيب به . بالعربي الفصيح الطب المستند على الدليل هو طريقة علمية تعتمد الإحصاء والمراجعة المنظمة والمنتظمة والمقارنة باعتماد العينات العشوائية في الدراسة والإحصاء وفوق ذلك الاعتماد على رأي الخبراء , للوصول إلى أفضل الطرق في اتخاذ قرار طبي ما , سواء على المستوى الفردي في العيادة الخاصة , أو على مستوى جماعي في أقسام المستشفى ابتداء من قسم الإسعاف مروراً بالمخابر والأشعة والعمليات والتمريض وانتهاء باتخاذ قرار تخريج المريض من المستشفى .
مثال :
تقوم إحدى شركات إنتاج الدواء بطرح دواء جديد لمعالجة داء السكري , تدعي هذه الشركة بأن له المواصفات التالية , والاختلاطات التالية وهكذا .
عندها يأتي دور المراكز المختصة بالطب المستند على الدليل مثل :
(Cochrane Collaboration The ) أو
(Agency for Health Care Research and Quality The),
لإثبات مدى نجاعة هذا الدواء , ومدى مقاربته لمعالجة مرضى السكري . وما ميزاته ( مساوئه ومحاسنه ) بالنسبة لباقي أدوية معالجة الداء السكري . ومدى مطابقته لادعاءات الشركة المصنعة .
تقوم مجموعة من الخبراء بأخذ عينة معشاة ( عشوائية ) من مرضى السكري , ليكن عددها مثلاً 500 مريض , ثم تقوم بتقسيمها إلى قسمين متساويين بدون أي تحيز أو اعتبار . فيصبح لدينا 250 مريض سكري في كل مجموعة . يطبق على المجموعة الأولى الدواء الجديد مع مراقبة دقيقة لتأثيراته الدوائية واختلاطاته ومساوئه ومحاسنه . وبنفس الوقت يطبق على المجموعة الثانية الأدوية التقليدية القديمة. بعد فترة زمنية يحددها الخبراء ولتكن مثلاً ستة أشهر . يتم تقييم النتائج باستخدام طرق الإحصاء العلمي للوصول إلى القرار المناسب بخصوص هذا الدواء الجديد . وبعد عملية التقييم العلمي يأتي دورالفعالية الاقتصاديه له . ينظر إلى موضوع التكلفة المادية لهذا الدواء ومقارنتها مع باقي الأدوية وهكذا .. بعد اعتماده من قبل الخبراء يوضع على المواقع الالكترونية المختصة مع ذكر خصائصه وحالات استخدامه والجرعة والوقت والاختلاطات , طبعاً مع ذكر الدليل لهذا الاختيار ( فهم لا يكتفون بإخبار الطبيب بأنهم يعتمدون هذا الدواء بالذات لهذه الحالة بالذات فقط . بل يخبرونه بالتفصيل كيف توصلوا إلى هذا القرار . كيف جمعوا العينة وكيف طبقوا التجربة وما هي الأساليب العلمية الإحصائية وغير الإحصائية التي استخدموها للوصول إلى هذا القرار , ونسبة الخطأ .. إلخ ) وهكذا يعتمد الطبيب هذا الدواء عن قناعة علمية بحتة .
طبعاً المثال السابق يتحدث عن دواء وطريقة تبنيه من قبل الأطباء . ولكن ماذا عن مثال آخر عن حالة مرضية مثلاً ( احتشاء عضلة قلبية ) أو عن مثال يتحدث عن إجراء طبي معين ( إنعاش قلبي رئوي لمريض لديه توقف قلب وتنفس ) وماذا عن عملية التعقيم لناحية العمل الجراحي ! هل تقل أهمية عن العمل الجراحي نفسه ؟ . ماذا لو أن العمل الجراحي قد نجح إلا أن المريض قد سقط من على السرير بعد خروجه من الإنعاش.
لكل مما سبق . وكي لا يترك للصدفة أو الحظ أي دور في طريقة تقديم الرعاية الطبية , فقد اعتمد الطب المستند على الدليل . ومن ضمنه ما يعرف بسياسات العمل و بأدلة العمل وبروتوكولات العمل . ببساطة شديدة فسياسة العمل ( Policy ) تحدد أولاً ما الذي يجب أن يحدث بشكل عام ( مثلاً كل مريض يقبل في المستشفى يجب أن يجرى له فحص سريري شامل عند القبول ) . بعد ذلك يأتي دور دليل العمل ( Guideline ) فيحدد كيف يتم تطبيق السياسة أي كيف يتم الفحص السريري الشامل ( الطبيب الاختصاصي يتحرى عن الشكوى الحالية , يأخذ القصة المرضية الكاملة , أمراض وراثية , أمراض مرافقة للشكاية الحالية , عمليات سابقة , أدوية يأخذها المريض حالياً أو سابقاً ....... إلخ ..... يتحرى الطبيب المقيم الضغط الشرياني , النبض , التنفس ...... إلخ ) عندها يأتي دور البرتوكول حيث يحدد للطبيب المقيم دوره وللممرضة دورها وللفني دوره بشكل خطوات محددة مثلاً ( يقوم طبيب مقيم متقدم بمرافقة المريض إلى قسم التصوير بالمرنان المغناطيسي – يتأكد الطبيب من وضع رقبة للمريض في حال الشك بوجود إصابة بالفقرات الرقبية – يراقب الطبيب التنفس ويتأكد من خلو مجرى التنفس من أي عائق – يراقب الطبيب نبض المريض طيلة الوقت – يتأكد الطبيب من تثبيت الحزام حول المريض ورفع الحواجز الجانبية – يتأكد الطبيب من وجود جهاز أمبو وماسك مناسب لعمر المريض ... إلخ )
نلاحظ أن اعتماد الطب المستند على الدليل يرفع من إمكانية حصول المريض على أفضل جودة في الرعاية الطبية , تقليل الهدر , تقليل الاعتماد على الحظ والصدفة في النتائج , الارتقاء بأداء الأفراد والمؤسسات الصحية بالاعتماد على الإحصاء ونتائج البحث العلمي ورأي الخبراء وليس كما كان سائداً سابقاً من اعتماد مبدأ الشطارة والفهلوية أو الفلهوية أو الحظ أو الحدس .
أسأل الله العزيز القدير أن يلهم أطبائنا ومؤسساتنا الصحية , ابتداء من أصغر طبيب في عيادته الخاصة , ومروراً بالمستوصفات والمشافي وانتهاء بوزارة الصحة , أن يعتمدوا الطب المستند على الدليل في اتخاذ القرارات مهما كانت صغيرة أو كبيرة . فنحن أحوج من غيرنا لهذا الطب كون الأطباء المقيمين والممرضين والفنيين والقابلات هم الذين يقدمون الرعاية الصحية لقطاع واسع من الشعب العربي , وخاصة في الأرياف والمناطق البعيدة عن العاصمة .
وآسف للإطالة
تعليق