حضرموت .. إني أغرق
نبيل سعيد مطبق
Nabeelsa3eed@ hotmail. com
سماء مضطربة ، و شمس مكبوتة ، و نجوم لا تكاد تبين ، كل شيء هاهنا يبكي ، كل شيء هاهنا مطمور ، الأرض و الإنسان ، السهل و الجبل ، الرمل و الحجر ، الساحل والوادي .. الوجوه لم تعد تلك الوجوه ، و الزوايا لم تعد تلك الزوايا ، و الحقول لم تعد تلك الحقول .. لقد طمس الماء المُلبَّد بالصراخ كل المعالم و الملامح محولاً اللوحة الجميلة إلى طلل دارس انكسر أمامه امرؤ القيس ، فوقف مرةً أخرى باكياً على حبيب سافر _إلى رحاب الله _ لم يترك له هدير الماء الجارف أثراً أو حتى صوتاً يسعف الذكرى . أخيراً ، أدرك الملك الضِلِّيل أن الفرق بين الحقيقة و الخيال لا يتحقق إلاَّ عندما يكون المرء في منطقةٍ محايدة ، منطقة متمردة على كل الفصول ، مستعصية على كل المعادلات . منطقة ملغومة بالهواجس .. معجونة بالهزيمة .. مطلية بالقهر ، تطفو على تفاصيل نكبةٍ مفعمةٍ بمزيج ٍ من الأصوات العالقة وسط سجون ليس لها مفتاح .
في محيط الليل الداكن ما زالت المراوح الساخنة تزاول عزف الصراخ على عتبات الكؤوس المتخمة بالألم ،لاشيء يثنيها عن العزف ، ولا شيء يحفزها على التوقف عن مواصلة أنشودة الفصل الدائم . إنها تمارس تلك المهنة حباً في ذاتها التي صاغتها أعتى أقلام الأرض بأحبار قرمزية اللون ، رمادية المُحيّا .
في سراديب ذلك المشهد تقبع سعاد أسيرةً ، تتجرع تفاصيل وجعٍ لم يذق التاريخ مِثْلَه منذ بضعة نكبات ، الناي الوحيد الذي تمتلكه لمواجهة العزف المضاد أخرس ، والشرفة اليتيمة التي تأوي إليها دائما غادرها الضوء العميم بلا رجعة ، أما بستانها الجميل ، فقد هجرته الأشجار الحسان إلى زمن ما قبل العزف . ذُلُّ الأسر يضفي على الصورة قتامة بلهاء ، و عنفوان الأرض يلغي أي صلة لها بالآدمية . جلست سعاد على شاطئ الحسرة ترقب الفجر المكتنز بالخيبات ، وتغسل عن ذاتها ذرات تشرين الرعناء التي أثارتها المراوح الساخنة ذات وجع .. حاولت أن تقاوم العزف و أن تستمرئ صوته المخثر، لكن الهواء كله أضحى ملوثاً ، بشهادة خرم الأوزون المولود على كف عفريت ، في آخر الليل مرًّت نكتةٌ مُرَّةٌ من هنا ، نظرت إليها سعاد متنهدةً باشمئزاز، ثم أيقنت أن تواصل العزف هو سبب حلول الكارثة الجاثمة على أطراف أهدابها الثكلى وضواحي قلبها النازف .
في أسفل الوادي يبكي طفلان .. لقد نجيا من الغرق بأعجوبة بعدما خطف الماء أسرتيهما بعنف .
لا زال هناك ركن حزين في البيت القديم يعطف عليهما – تحت الأنقاض – بهدوءٍ يشوبه الحذر ، و صمودٍ متصلٍ بنور الأمل ، و تباشير الفرج .
تعليق