((قرن غزال )) للأديب ربيع عقب الباب الإصدارالرابع والجديد ..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #16
    ليلة عزاء العمدة
    بالفعل كانت ليلة رهيبة ، عاشتها قرية الناصر ، كنت تستطيع أن تسمع بوضوح ، ولو كنت هناك على مشارف حدودها ، أصوات الرجال ، وهى تصهل فى ليلها ، و كأنهم بين وهج نار ، بين أنياب وحوش ضارية ، الغوث يطلبون ، بينما بين الفينة و الأخرى تعلو أصوات ضربات ، و طرقات عصى ، تشج الحجر الصوان ، وربما صراخ نسوة ، وفى الخلاء ركضهن ، يبدو واضحا ، مسرعات طالبات النجدة !
    لن تنسى القرية ليلة بالتأكيد ، نكص رؤوسهم فيها الرجال ، و بشكل مفاجىء ، ومبكٍ لأبعد حد ، أمام نسائهن ؛ فقد كانت ليلة ، ودعوا فيها ابن العمدة الصغير ، و بكامل عددهم احتشدوا لعزاء كبيرهم ، و أحد منهم لم يتخلف ، مخافة ورهبة ، وربما إتباعا لحديث رسولنا الكريم !
    اندفع الرجال ، كل من طريق ، و كأنهم بالفعل يعرفون ما انتابهم ، كان ذلك قبيل أذان الفجر بساعتين على الأكثر ، كل وضع في عينيه صورة و قامة ، وكفا أطبقت على كفه ، كف كان لها قوة السحر ، و اتجاها يسير فيه ، و بأسرع ما يمكن ؛ لدرء خطر داهم ، بعد أن طاشت رجولتهم ، و هراء أمست ، و عجزا ناقعا ، ربما حمل واحد منهم شرشرة أو فأسا أو بلطة ؛ دفاعا كانت عن كينونتهم ووجودهم ، فلا يصح بأية حال ، ومهما كان ، أن يصبحوا أمام النساء بلا جدوى ، ليكون التخبط ، وقلة القيمة ، و البحث عن بدائل هم فى غنى عنها .. !!
    عطوان .. كانت البلطة معلقة في جيب سرواله ، و قد لف جلبابه حول وسطه ، و بين المزارع اتخذ طريقا ، و قطيع من كلاب يطارده ، فما كان منه سوى التقاط كمية هائلة من الطوب و الحصى ، و صكها في رؤوسها، أو كيفما اتفق ، حتى و صل بعد مكابدة إلى عزبة السبع ، التي ترقد فيها بغيته .
    بجانب مصرف كانت مشاية ، أى جسر لعبور، ونقيق يدوى ، ولا ينقطع صرير ، و عفاريت تترقص ، و ترمى بنفسها على تراب السكة ، تتراقص به ، وتنهكه ، هو لا يهدأ ، وإن نال منه الخوف ، إلا أنه مستمر ، و بالحصوات ، و بعض آيات قرآنية ، يطارد شياطين و عفاريت ، تراوغه وتكاد تبكيه ، حتى وصل أخيرا ، و قد طقطق شعر رأسه تماما !!
    طرق بابا مغلقا بالبلطة. أفزع من كان خلفه ، و لكن سرا في الأمر ، الباب فتح ، و قابله وجه الشيخ بركات ، عبوسا في أول الأمر ، وحين تأكدت حاجة القادم ، ابتسم وهو يتابع شيئا خلفه ، وأخيرا فتح له ؛ ليعبر إلى الداخل :" أنا مش جى أتضايف .. اخلص ".
    بافتعال تصنع الغضب :" قال يا قاعدين يكفيكم شر الجايين .. مالك ".
    و فجأة رفع البلطة :" قلت لك اخلص ، و بلاش لف و دوران .. يللا ، لأحش رقبتك !! ".
    هنا تراجع بركات قليلا ، و على دكة خلفه استرخى:" طيب ماشى .. أمرك .. بس أعرف ..مش نتفق الأول على الحلاوة ؟!".
    قليلا هدأ عطوان ، وعن غضبه لم يتنازل:" اللى تقول عليه يا كافر .. بس خلصني ".
    كانت لعبة ، لعبها عبد الجبار بمهارة ، بعد كساد الحال ، و عجزه تماما ، عن تدبير مال لازم لسفر ولده ، إلى دولة خليجية ، فراح يلف على كل معارفه ، من شيوخ المندل و الكوتشينة ، و الربط و الأعمال ، و غيرهم من الدجالين المهمين والمعروفين بسوء فعالهم ، ممن وضعهم الناس ، فى بؤرة أهل الإيذاء والسحر و تناسوهم حتى بالسلام .
    دبر معهم الأمر ، على أن ينال نسبة من حصاد عملهم ، ووافقوه تماما ، كانت مناسبة عزاء العمدة فى ولده كافية ، تماما كافية وعز الطلب ؛ لملء جيوبهم ، بل أكثر ، امتلاك مالم يستطيعوا خلال سنين من أغنام و ماعز !
    في طابور المعزين على منافذ المقابر اندسوا ، متباعدين وقفوا ، كل أهل القرية مروا عليهم ، رجالها و شبابها ، و برغم اكتراث الجميع ، و محاولة تجاهلهم ، إلا أنهم ، و بلا استثناء وقعوا في الشرك ، و سلموا عليهم ، لتكون هواجس و قلق و استرابة ، تلازمهم بشكل بشع ، بل مرضى ، حتى فراشهم ، و لم يستطع سوى قلة التغلب على هذه الحالة ، لأن رؤوسهم كانت قادرة ، على الفتك بأي هاجس قد يحاول النيل منها ، وهؤلاء يطلق عليهم الدجالون :" دمهم زفر كالشياطين !!".
    طائرا عاد عطوان ، يركل الأرض ، و الشياطين يضاحك ، وعفاريت المصرف ، بل و يكاد ينازلهم ، و من بعيد تنتظر أوبته الكلاب ، مر من بينها ، و بكل بساطة ، و حين ابتعد قليلا ، كانت تركض خلفه ، وهو يطير مفعما ، يلوح بالبلطة ، كان يلمح على مدد الرؤية الكثير من الهياكل ، تسعى فى ظلام البلدة ، بين مغادر و عائد ، حتى وصل داره ، فرمى بالبلطة جانبا ، وفى لمح البصر تخلص من جلبابه ، و كافة ثيابه ، وطار ، وحط في أحضان زوجته ، أكثر فحولة وبأسا !
    :" أنت واد غلبان .. كفاية عليك ورقة بخمسة .. قلت إيه ؟!!".
    :" يعنى جيت فى جمل .. يللا بس أنت .. الله لا يسيئك ".
    قدم له الورقة ، وهو يتأمل فيها عرقه ، و بيد مترددة ، فلقفها منه بركات ، وفورا وضعها في جيبه ، و أمسك به ، وعزم عليه ، ببعض كلمات يتمتم، وسهم الله كأنه حط بقلب عطوان ، لا ينطق ، ولا يأتي ببنت شفة ، يفغر فاهه كأنه يعبئه بأشكال التمتمات ، و رائحتها ، أو هو يتذوقها .
    :" خلاص ياعم .. يللا .. بقيت صاغ سليم .. اتكل على الله ".
    :" جد .. أما لو بتضحك عليه ؛ و الله لأجيب خبرك ، أفلقك اتنين ".
    :" يللا يارجل ، بلاش جعجعة زى عدمها .. لا .. تعالى من هنا ، ما يصحش حد يشوفك ياوله .. يللا ، الباب التانى وراك أهووه ".
    عاد الهدوء للقرية مع حلول الفجر، حين خمدت أوتار النشوة ، و نامت رؤوس النار ؛ بينما كانت دار عبد الجبار تلفها ألسنة دخان معبأ بالكيف ، و ضحكات ساخرة تعلو فيها ، و ربما مساومة أحد الرجال على حصة أكبر ، و لكنه بالتأكيد كان يفكر في حيلولة فعل ذلك مرة أخرى ، فى الوقت الحالي على الأقل ؛ حتى ينسى أهل القرية والعزب المجاورة ، ليلة عزاء العمدة في ولده الأصغر !!
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    • محمد سلطان
      أديب وكاتب
      • 18-01-2009
      • 4442

      #17
      طائر مغرد
      مهداة للمبدع السوري : أكرم حسن

      ينتظرهاكان ، في ذات البقعة ، على جمر أحر ، وحضورها يترقب ، بين وقت و آخر ، أوحشهاسمها ، حروفه الأحلى ، كنجم قطبي ، في الأفق يشدو ، فيختفي كل ما في المجرة .. كم يحبها ، لو أن الوقت ينسلخ ، لو يستطيع ، لسلخ كل عمره ، كثوب خرق تخلصمنه ، و أبقى على أجمل ما فيه هي ! بدموع حنين تتندى عيناه ، و الساعات تولى،وهو على حاله ، يترقب وصول خرافته ، وحلمه المستحيل ، كل شيء شائه أمام عينيه،لا معنى لشيء دونها ، غرس المنى يشتل ، في كل ساعاته ، ما عاد يهمه سواها ، كلما يعنيه أصبحت ، و ليذهب العالم إلى الجحيم ، كفاه ما ضاع ، و ما بقى إلا القليل ،و هي تستحق عمرا فوق عمر . يستحضر ملامحها ، كل ملامحها ، ريحها ، حديثها ،صوتها ، كل شيء فيها ، كم بها هو مجنون ، و ما قبلها عرف الجنون . يضحك وحيدا،ووحيدا يبكى ، وحين يغضب ، كعصف السماء يكون غضبه ، حتى زرعها حلما في كل شبر،في هذا البيت ، و في أفئدة من يرفضونها ! هو المغنى الذائع الصيت ، ينام و يصحومعانقا زجاج المدينة ، لا يريم ، و لا شيء مهما عظم يوقفه ، ولم تكن بأقل منهجنونا !
      عبر شاب مدينة الزجاج ، أتى يترنم ، أعطوه تصريحا واسما فنيا،وربابة وهوية ؛ فعلا صوته متناغما ، مما استرعى انتباهة المغنى الكبير،وهو بأحلى أغانيه يصدح ، تقف به قدماه ، على آثار انطبعت ،وتوهجت ، في ذاتالبقع المتشظية ، والكبير يكاد يقضى ، كلما توقف الشاب ، يعلو أنينه ، وبلا توقف تسيل دمعاته ، بينما تنهدات القادم تتلاحق ، و تترى اهتزازته ، و كأنهالطاووس تنتفش ، ثم يخطو لنقطة أخرى ، بكفيه يلم أثرا ، يفرشه على رقعة جسدهمنتشيا.إنها آثارها ، آثار معشوقته . عين الكبير تتابعه ، عبر زجاج أغبشتتكسر ، وروحه كعصفور حط قرب موقد ؛ فهلك زغبه ، وريش جناحيه .
      في موضع يتوارى ، يرى منه كل ما يتم ، وحين اكتفى الشاب ، جمارك المدينة لم يعبر ماضيا لحالسبيله ، بله انتظر .. انتظر كثيرا ، والكبير تتخلع أوردته ، و دمه أمامه ينسل ، بكل ما تحمل رأسه يفتك الحزن ، من نخاع ، و فتات لحم ودماء ، فتنقله الرأسالمقتول ، لنفس المشهد .. نعم ، سبق ورأى ، وعاش ، وتألم .رأى نفس المشهدالرهيب ، ذات مساء ليس ببعيد !!
      أيضا شاب كان ، يحتضن ربابته ، عبر مدينةتشبه تلك ، وغنى حتى رقصت نوافذ المدينة وأبوابها ، وعلى خطى حبيبته ، ارتمى، و بترابها عفر وجهه ، ثم موضع قدمها احتضن ، حتى أكلت الدهشة الكبير ، فدنامنه :" كنت رائعا .. رائعا ".
      انتشى الشاب ، وخطف كفى الرجل ، ودار به :" إننيفي انتظار ربتي . سيدي .. كم أحبها .. أحبها .. لا .. بل أعبدها ".
      رقص قلبالكبير ، وضمه بقوة ، و عيناه تذرفان :" يالك من محب جسور ".
      بربابته طارالشاب ، حلق عاليا ، بين نجوم السماء سكن ، تخاطفته هناك ملائكة للمحبين:" هيقادمة .. قادمة ".
      الكبير يتابع ، التوت رقبته ، انثنى جذعه ، اكتوى ، فانبطح أرضا :" من هي سيدي .. من ؟!!".
      كأنه بمعراج يقترب ، ثم قبل وصوله للأرضهوم :" يا ربى .. ألا تعرف ، ألا تحس ، كم ربة هنا في مدينتك ، هي واحدة ، وهىفي إجازة منذ .... ".
      فرش شك خيمته ، و نار تولدت ، لفت الخيمة ، أحرقتكل أوراق عمره ، فغنى موتا ، وركضا اختفى ؛ حفاظا على بعض كبرياء ، فتلقفتهالسقطات ، حتى أدمت جلده ، لكنه إلى سدرته وصل ، يأكله الحزن ، و يعضه الألم،كانت قد حاصرته ، و فى الإيقاع به تفننت ، وهو ضاحك يردد :" كبير أنا ، لي منالسنين ضعف عمرك ".
      تضحك مهللة :" ليس العمر بتعكز السنين ....... ".
      وكلما وجد طريقا للهرب تسلل ، لكنها كانت تدميه سخرية ، و غنى يومها كما لم يغنمن قبل !
      الآن حل الرحيل ، وإلى أبعد نقطة للحنين :" ألا تنتظرها ، كيف صدقت مخبولا ، أرعن هو بلا شك ؟!".
      إنه جارها ، لصق حارتها ، و فيمدينة من زجاج أنا عابر ، محض خيال ، بينما مجسد هو ، دم ولحم ، يطرق أبوابحارتها ، و بيتها ، ويشهد كل ما لا يراه هو ، أنفاسها يشم ، رائحة عرقها ، صوتهاكيف له تناغم وتغنج ، شفتيها .. بسمتها .. ضحكاتها .. حزنها .. حنينها ، التواءهاتحت وطأة الكلمات!!
      يا ويلك من مدن الزجاج ، وضراوة المحبين ، والتصاقالأعتاب ، وأنت هنا محض هواء .. هواء . ألا تنتظر حتى تأتى ..انتظر ، ولاتتعجل الأمور
      حين أتت في نفس توقيت ، أذاع سره الشاب ، وقفت أمامه ترقص :" أحببت ، قابلت حب عمري ، افرح لي ، كم أحبه ".
      وجه الكبير سلخته الكلمات ،أصبح وجها يشبه ضفدعة :"وما كنت أنا .. ما كنت ؟!".
      بأفاع أحسها ، تلتفحول عنقه ، تعتصره ، يختنق حد الموت ، يمزق قميصه تماما ، و يتراجع قليلا، تبيض الرؤية في عينيه :" لكن يمامتي لا .. لا .. ليست هي ".
      غامت الدنيا ، وحينكان الشاب يغادر مدينة الزجاج ، بعد أن شتل في كل أثر من آثار حبيبته وردة ، كان هو الكبير يتمالك نفسه ، وعرق غزير يبلله ، يسرع صوب جمرك المدينة ، ومنموظف هناك ، عرف أن الشاب ، يسكن نفس مدينة تسكنها خرافته ، فتجمد تماما !!
      كانألم ينتقل بسرعة على جانبي رأسه :" إلا جوهرتي .. لا .. بيننا ما يجعل الأمرمستحيلا ، نعم .. نعم ". هز جسده ، دفعه للتحرك ، ما ترك موضعه ، كتمثال منتصب ،كعجز نخلة خاوية ، وعلى جانبي شفتيه ظهرت بعض رغاو ، وتهالك أخيرا ، سقطأرضا بلا حراك :" لا أصدق .. لا أصدق .. لا أصـ..... ".بينما أضواء مدينة الزجاج ، تبهت ، وتبدو كأن سخط السماء ، حل بها فجأة ؛ فأصبحت مدينة موتى ، لا أثرفيها ، ليس إلا أصوات غربان ، وحدآت تحوم ، وجثث متناثرة تتخاطفها نسور جائعة !!
      صفحتي على فيس بوك
      https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

      تعليق

      • محمد سلطان
        أديب وكاتب
        • 18-01-2009
        • 4442

        #18
        عرق دساس
        تعاودني تلك الليلة .. الآن ؛
        حين جرني شيطاني ،
        وصاغنى حلما متمردا ..
        لا يأبه بقهر الرجال ..
        وأفانين الغواة !!
        سالت بعض خيوط .. لها رائحة دمى :
        هنا بالأنف ، و الفم ،
        ومن جلد المؤخرة ،
        ولونت أحلامي ؛
        جبينا يتعشق الحزن !!
        فرأيته دركيا ..
        يفتتل شاربه ..
        و بهراوة يفتت ،
        رؤوس طيوره - دون تفرقة -
        فهممت صارخا ،
        و تفلت منه ، وتركته يسلخ عمره ؛ لإعادة ترميم طيوره !!
        و أنا أنبش رقعة للحنين ، و أحيلها وشما .. في زرقة أوردتي :"
        أنا و مالي لأبى ، ولو كان دركيا .

        و استدرجنى ببسمة ، ونبضة عدل ،
        وبعض توت ، وسماحة مغناة !
        حتى تلاشيت فيه ،
        و تناسيت أمر طيوره -
        وإن رويتها روحا ، وحَبًّا،
        ولازمتها فيضا ، وشدوا لدمى –
        وهراوته تسيل ، زئبقا نورانيا ،
        يخزنها بين رئتيه .
        و لا أدرى .. هل كانت بعض دمه ..؟!
        اليوم خاتلنى ،
        روض شاربه ، و قص بضع سنين ،
        من شجرته العتيقة ،
        و التبس جلدا غير جلده ، واسما جديدا ،
        ودفق دمه في عروق طفلي ،
        و أعطاه تصريحا بذبحي ،
        و تفتيت رأسي ؛
        وبنفس هراوته .. يلاحقني !!
        فمن يرممني ،
        و يجتث غباء ، شكل طينتى ،
        ومنع عرقي الدسَّاس ،
        عن دور له ، وغرس خارطة لعالمي ،
        وحلمي ؟!
        صفحتي على فيس بوك
        https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

        تعليق

        • محمد سلطان
          أديب وكاتب
          • 18-01-2009
          • 4442

          #19
          نهاية خليفة
          كان ينازعأنفاسا أخيرة ، حزينا .. واهنا ، بين شهقة و زفرة ينادى وزيره:" يا فضل .. يا فضل ".
          ربما بمحض الصدفة ، وصل صوته إلى سمع الفضل ، على عجل أتى يسعى ، بوجه ذئب ، وخطى حية رقطاء :" مولا ى .. مولاي موسى ".
          ينشد اعتدالا برغمه - هو القوى - شديد البأس ، يفشل ، و ثانية يعاود ، فيقعى ، يلطم الوسادة بقبضة واهنة:" أين أمي ، أين الخيزران يا فضل ؟!".
          بعنف عجيب ، و بجلفة يجيبه ، ويلقى بحشا قيظه ، بآخر مااصطبرعليه حنق قديم :" مولاي ، لا بد أنها ، وصلها أمر مرضك ، نعم لا بد ، غاضبة منك ما تزال.. نعم ما تزال ".
          جاءه صوت موسى ضعيفا حزينا ، كأنه لميت :" أريدها ، هاتها يا فضل ، هاتها أكرمك الله ".
          قليلا ترقق الفضل ؛ فلم ينس بعد ، أنه أمام موسى الهادي ، ابن المهدي ، وشقيق الرشيد :" لكن لا ، يا ربى ، كيف نسيت ، أربع جوار حسان ، أرسلت إليك.. هدية ، هدية لك ".
          اهتز جسده ، و دموع محتبسة اندفعت ، تحت رأسه طوى ذراعه:" أريدها يا فضل ، أريدها حالا ".
          بنهاية أحس الفضل ، ما تصورها الآن ، كأنه طلب أخير ، فوقع في قلبه ، الأمر لم يعد يحتمل ، على نفسه أشفق ، ماذا لو سؤل ، عن هذه اللحظات ، ووقف أمام الخيزران أو الرشيد :" أمر مولاي ، سوف أرسل لمولاتى برغبتك في رؤيتها .. حالا ".
          تحشرج صوته كأنه الموت :" بسرعة يا فضل .. هيا ، و لا تغب عنى ".
          مرغما كان الفضل بن الربيع ، يقطع مسافة بين قصر سيده ، و قصر الخيزران أم أمير المؤمنين ، وهو واقع تحت تأثير ، ماذا لو مات ، الرشيد لا يحبه ، و الخيزران أيضا ، آن أن أظهر طاعة لهما ، ولاء ؛ فالملعون يحيى البرمكى لن يتركه على حاله ، لا هو و لا ولده جعفر ، ربيب الرشيد وأخوه ، كاد يتعثر ، يضل طريقا يعرفه ، بينما تحركت أفاعي أربع ، على أطرافهن زاحفات ، غزون عليه جناحه ، كان هناك ، معلقا بين الرشيد ، و بين أولاده ، وولده الأكبر جعفر - ابن السابعة - عيناه تذرفان دمعات غاليات ، بينما الجوارى يتسلقن فراشه ، و يدنين منه ، دون تردد ، و صوت الخيزران يرن في أعماقهن :" إياكن و الضعف ، لو فشلتن ، ليس عندي غير الموت ، أما نجاحكن ، ففيه تحرركن .. هيا ، لقد توحش ، توحش موسى ، اليوم يسمني ، وغدا يفتك بأخيه ".
          كانت ثنتان عند رأسه ، و ثنتان عند القدمين ، يداعبنه ، و يربتن على وجهه ، و كل أعضائه ، و هو متأفف كاره ، يصرخ ، و يتقلب ، ويهتف:" ابتعدن يا جواري الشؤم .. ابتعدن .. هيا ".
          وهن يقتربن أكثر ، فأكثر ، و في لمحة كانت الوسادة فوق وجهه ،وواحدة أعلاها ، بينما الأخريات يتشبثن به ، و هو يرتجف ، ويهتز بعنف عجيب ، وكأن تنينا يفترس ضحية ، يرتعد كل شيء في المكان ، يكاد ينهض ، يتملص منهن ، وفى وقت علا فيه صوت الخيزران :" ولدى .. موسى ". كانت أنفاسه تذهب ، ترتحل بعيدا ، و يخمد جسده تماما :" ابتعدن .. ابتعدن .. ولدى .. موسى ، قرة عيني ".. تنهار ، تبعدهن ، و باكية يرتخي جسدها ، ناشجة ، بينما صوت يعلو لبكاء طفل ولد توا ، يختلط بصوت يحي البرمكى الوزير الأكبر :" يموت خليفة ، و يولد خليفة ، و يتوج خليفة ".
          صفحتي على فيس بوك
          https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

          تعليق

          • محمد سلطان
            أديب وكاتب
            • 18-01-2009
            • 4442

            #20
            كيف هنَّا عليك ؟!
            ليلة فاصلة ، وشائكة المنافذ ، العطف محض سراديب ، تنهشها خفافيش العتم ، و حقول شوك الحارات ، و أصوات كأنها تأتى منمتاهة ، لغط من حكايا ، وتباريح ، تركت علبها المتراصة ، على أرفف الحارة ، وغير عابئة زحفت كسحالي ، بأي شيء كان ، و ها أنت يا سيدي ، تتململ ، تنين سعاليفترسك ، و بعيدا عن درجات صلاحيتك يطيح بك ، فتصرخ ، وهو يطوق رقبتك ، و بقوتهالرهيبة يضغط ، يذيبك ، نخالة و بعض سائل تصبح ، فتخمد صرختك ، و تتلاشى .. تتلاشى ، تهوم فى فراغ ورقة ، و دون أسف ترحل ، فى لاجاذبية مشاعر ، رغم كتلمغناطيس مبهمة ، ومحاولاتها المستميتة ، لكنك تتنافر ، و بلا اكتراث تصعد ، إلىسدرة ابتنيتها ، بعينين دامعتين تلقى بعض فتات منك ، و في نهر تخوض ، كنت له- ذات حب - صديقا ، ورفيقا ، انبرى لك سلما من نور ، عمودا يتوهج ، فأصابتك جلالة،و خيوطه عانقتَ ، بينما خلفك نبرات سحر ، في جوفك تتردد :" تعال .. تعال ،أريدك ، أريدك ، انقذنى ".
            أسألك أيها العاري ، أمام الطوفان :" كيف هُنَّاعليك ؟! ".
            لم يعد كثير وقت ، لا بد أن تجيب ، لا بد نعم ؛ لأستريح ، وأفهم ،بعد كل هذا الوقت ، أسألك :" من ندى الصبح تشقق جلدك ، ومات قلبك من طول تربصالليل بك ، و من تحنطك تيبست عظامك ، عبر الوقت ، فلم فرطت ، في كل هذا ، لم ؟!".
            لا .. لا ، هل قادرا مازلت ، على رسم تكشيرتك السرمدية ، لتقيم بينناألف سماء و سماء ، و ألف سدرة و سدرة ، أن تجيب أتوسلك ، لم حرمتنا حنوك ، وأعطيته لغريب ، و أسكنته بيتا لنا ، لم ؟!".
            نفس الدور ها أنت تمارس ، تعطنيظهرك ، و تمضى ، انتظر ، أمامك حقول شوك ، انتظر ، ولا من هنا ؛ فالخفافيشعطشى لدمك ، انتظر ، سيدي ، إلى متى تغلق روحك ، أن تقتات بحبنا ، إلى متى ، أنا أدْرِى ، بل أدرَى انفعالاتك بك ، نعم ، بعض انفعالاتك أنا ، نطفتك أيهاالمتوحد ، بشكواه ، بألمه ، بفرحه الذي لا يأتي .. ماذا ؟!
            قلها يا سيدي،كقفاز الق بها ، ماذا يضيرك ؟!
            لا .. لا .. لا أريد رؤية ضعفك الآن ، ضعفكإلينا ، ما رأيته قط ، عبر السنين تلمسته ، تمنيت أراه ، مِتُ لأراه ، و مثل بصقةيأتيني الآن ، لطمة .. لا ..
            أيها القاتل المقتول ، كم رأسا هشمت بهراوتك ، بلقل لي كم رأسا قبلت ؟! ياللسخرية ، أبكى الآن ، غلظة أبكى وفهما خاطئا ، وعصفورا رقيقا يسكن صدرك ، كنت تذبحه ، كل صباح ، كل مساء ، كل الوقت ، وكنافي حاجة إليه ، يبلل حرقتنا ، يقينا الموت ، و ها أنت تضعينا ، تلقى بنا طعومالكلاب السكك ، ثم تتعالى ، تتعالى عنا وعنك ، لو أدرى ما الغباء ، ومتى يسكنالعقول ؟!
            مالك ، أعطيتني هبة ، لستٍ ، وعشتار ، لإيزيس ، للنيل ضحية،لوفاء من ، للموت قدمتني عن طيب خاطر، ولقعر بئر سحيقة ، بم تفكر ، أجبني؟!
            ما الذي تخفيه عنى ، انتظر ، الخفافيش ، حقول الشوك . أسألك :" كيف ياأ..... . كيف ؟!!!
            طاردته بسؤالي سنين عددا ، ما أجاب ، و لا حتى التفت لى ،أو أعارني أذنا، هاهو أمامي ، مثل طائر البطريق ، يزحف متهدل الجناح، يسعى زاحفا ،و لا أدرى ما يخبئه ، هناك شيء بين ثيابه ، إلى أين ، أنهكتني، انتظرني، لايتوقف ، يسمعني ، ولا يلتفت ، فقط يهش على أذنه ، كأني هومة ، هو سادر ، متماسك ، رغم تنين سعال ، يكاد يقصمه ، كأنه خارج من رماد ، هاهو يختفي منى ، يختفيعن عيني ، أين أنت ، ألاحقه ، لا أتوقف ، لا أجده ، كأن الأرض ابتلعته ، فجأةاهتزت الأرض ، و صعقني صوت دوى ، ماذا؟!! التم الخلق ، كل يتساءل ، أقف برغمى، أين أنت أيها الشيخ ، في أى طريق اختفيت ؟! أجرى ، أركض هنا وهناك ، أينأنت ، تأتى أصوات :" دمر البيت بكامله ".
            :"
            كان خطأه ، هو من جلب الغريب، وهو من قوض بناءه ".
            أركض ، لا أفهم ، أكاد أصرخ ، لم يجبني كعادته ، لمتستوقفه دموع لي ،
            أعرج صوب بيتنا القديم ، كانت لمة هائلة ، وسياراتإطفاء ، و شرطة ، و كان هو ، يقف كوحش ضار ، وقع في قبضة صياد ، كان مبتسما ، لم أره مبتسما مرة ، لم أره ، جميلا مثلما الآن ، وهالني مشهد البيت منهارا والأتربة تصاعد من جوفه ، تعمى وتقذى ، كميدان قتال ، و همسات تتردد :" شفت ماوجدت ..؟!".
            :"
            حشيش .. أمعقول ؟! ".
            علا صوت شرطي :" توقف .. أنت .. أسرعوا ، هاتوه بما يحمل من أسلحة .. هيا ".
            هال الجموع الغفيرة مشهد لرجال ونساء ، تقذف بهم أشلاء البيت ، كانوا شبه عراة ، يتساقطون مع كل خطوة ، يتنفسونبصعوبة ، يقيئون ، يا ربى ، يقيئون حيات و عقارب ، وبرص ، كأني أعيش كابوسا، كيف أصدق ؟! كيف لي أن أفهم ما يتم ؟!
            و حين وقفت في مواجهته ، أريد أفهم ، كنت مصعوقا ، وكانت عيناى مغرورقة بدموع :" لم فعلت ؟! ".
            :"
            وأنت ، لم تر ماوجدت بين الركام .. انظر ؟! ".
            :"
            يا ربى .. كوكاين ، القه ، و اهرب ، قبلأن تسحبك الشرطة ".
            زحف نحوى ، ربت على رأسي ، مسح عليها ، وقبل جبيني :" كانلابد ، أضعته ، و كان علىّ استعادته ، و هاهو لكم دون أغراب ".
            لم يكن الرجل، لا ، لم يكن ، كان خلقا جديدا ، مذهول أنا ، التصق به ؛ لأتأكد منه ، جيدا أتأكدمنه ومنى !
            طوابير من جرذان ، وزواحف ، وهوام هائلة العدد ، تخرج منبين الركام ، مسرعة مبتعدة ، و الخلق تطاردها ، بما ملكت أيمانهم ، وجثث تعافرأنفاسا أخيرة :" تريد أن تعرف لم ، كان دائما سؤالك ؟! ".
            حدقت في وجهه ، وأنا أتضاءل ، و بشكل غريب : " لا أريد ، عرفت ، عرفت ".
            جذبني ، يا ربى، في ضلعه كنت :" لا ما عرفت شيئا ، ما عرفت ".
            أجهشت ، تشممت رائحته لأول مرة :" بقطعة أفيون ، وزبدة من حديث ، أذهب عقلي ، و سرق البيت بأوراقه ، و ما يحمل ، آن لك أن ترتاح ، هيا ، هات إخوتك ، ونظفوه ، هو لكم ، هو لكم !".
            صفحتي على فيس بوك
            https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

            تعليق

            • محمد سلطان
              أديب وكاتب
              • 18-01-2009
              • 4442

              #21
              مأمورية عاجلة
              كان اليوم السادس لبدء المعارك ..استدعيت لمكتب القيادة ، فى أمر عاجل ، لا يحتمل تأخير .. و كنت هناك .. أنتظر ما يلقى من أوامر :" سيارة أشارة تعطلت قرب المعبر .. عليك فورا بتوصيل قطع غيار و فني .. هناك سيارة في انتظارك بالحملة .. انصرف ".
              :" تمام يا فندم ".
              :" انتظر .. تذكر دائما .. العربة فى العراء .. بدون غطاء ".
              :" تمام يا فندم ".
              كان لليل الصحراء رائحة غريبة ، و طعمة ما أحسستها من قبل ، برغم كثرة مأمورياتي ، منذ و قبل بدء المعارك .. أصوات دوى .. هالات من غبار تملأ الطريق بين الأرض و السماء .
              صرخت فى السائق :" انته .. الوقت يمر .. مالك باردا ؟!".
              أجاب :" أبدا .. كنت أتسلم قطع الغيار المطلوبة .. هيا بنا ".
              على طريق القاهرة الإسماعيلية .. كانت السيارات تعبرنا كالريح العاصف .. و الظلام متكاثف بشكل غير معهود ، و أنا أنفث دخان سيجارتى ، و كلما أحسست بصمت السائق ، رحت أطعنه بكوعى .. وهو أكثر تركيز .. و ربما خوفا .. حتى أدركت أنه يدور فى حلقة مفرغة .. فداخلنى شعور ما بالتورط .. صرخت :" ما بك .. تكلم ".
              :" تاه منى المدق .. تاه ".
              كان الأفق القريب يتلألأ تحت دوى طلقات كاشفة ، تحيل المنطقة القريبة إلى نهار وامض ، و سرعان ما تتوالى زخات من طلقات .. و خيوط نارية تتصاعد .. وتهبط :" كيف .. من وقت أن عرفت أنك من سيلازمني .. و أنا أتوجس منك .. انزل .. انته ".
              كنت أريده أن يحدد المكان جيدا .. العربات تنهش وجوهنا .. فارس من يحاول اعتراض طريقها .. لا وقت .. كل إلى مداه يمضى .. و يجب أن نمضى .. وفورا .. سيارة الإشارة من المؤكد أنها ستدمر لو بقينا هنا .
              :" هيه .. ما وجدت ؟!".
              :" شلت رأسي .. ما عاد عندي تركيز .. ما عاد ".
              لا أدرى وقتها ما شعرت به ، سوى أنني وجدتني ، أطيح به ، و أنطحه بقسوة عجيبة ، و أمسك بتلابيبه : اركب .. اركب .. در بنا .. هيا ".
              لا بد أنني كنت في ذلك الوقت لا أطاق أبدا .. أنا أعرف نفسي .. بحجم كارثة كانت تعبيرات وجهي .. المهم .. دار .. و انطلق لمسافة قريبة .. وفجأة هتف :" أهه .. نعم هو .. هو ".
              و انعطف بنا فورا .. و هنا.. انفرجت أساريري .. و أحسست براحة ، فملت عليه ، و قبلته ،و أنا أتحسس جبهته ، التي تجلطت بها بعض قطرات دم ، وأخرجت منديلا .. و نظفتها .
              و بكل ما كنت أحمل من هم و ضياع ، مازحته ، و أطلقت بعض نكات لا لون لها ، ربما لقتل القلق الذي تولد ، وغنيت و أنا أشد على ساعده :" هيه .. لا نريد توهانا آخر .. هيه ".
              حين وصلنا .. كانت العربة فعلا في العراء .. و كان طاقمها حولها ، سرعان ، ما تقدمونا إلى قائد اللواء .. و هناك في ملجأ متسع .. كان وقار وسكون يسيطر على المكان .. أجواء رهيبة .. رحم لأبطال ..كل إلى جوار صاحبه .. لا فرق بين أحد و أحد.. لا رتب .. و لا نياشين .. و حين وقفت أمامه .. أحسست برجفة .. و شعور عارم بتقبيل كل من هنا .. كانت الأجساد كأنها كتل لحم بشرى .. بلا أنفاس .. كأنهم يعبئون أجسادهم لأيام مقبلة .. لن يجدوا فيها لحظة هدوء.. و حين أنهيت مأموريتي ، و برغم عدم تمسكي بالتقاليد العسكرية ، إلا أنني كنت أؤدي التحية العسكرية لكل من بالملجأ ، في اعتزاز و قوة ما عهدتها بنفسي ، و انصرفت و بى إحساس رهيب ، يكاد يعانق بي عنان السماء بالعزة و الكبرياء ، و عدت بعينين دامعتين ،و قلب طائر ، و لا أدرى حجم الحزن الذي كان يتولد داخلي ، و أنا لا أتصور هؤلاء الأبطال ، يذهبون ، و لا يعودون !!
              صفحتي على فيس بوك
              https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

              تعليق

              • فاطمة الزهراء العلوي
                نورسة حرة
                • 13-06-2009
                • 4206

                #22
                مبروك للاستاذ القدير والمبدع ربيع
                وفرحون جدا لهذا الاصدار

                ونشكرك اخي محمد على هذا الحضور الطيب منك
                التعديل الأخير تم بواسطة محمد رندي; الساعة 15-11-2009, 21:01. سبب آخر: تصغير الخط حفاظا على انسجام الصفحة ،، فمعذرة لأختنا الغالية فاطمة
                لا خير في هاموشة تقتات على ما تبقى من فاكهة

                تعليق

                • محمد سلطان
                  أديب وكاتب
                  • 18-01-2009
                  • 4442

                  #23
                  احتراق



                  تشاغبه مدن بعيدة ، فيسرع صوب النهر ، يتجاذب و إياه حديثا طويلا ، وحين لا يجدمنه جوابا ، يخلع نفسه من ثيابه ، يخوض فى عالمه ، يبصر الشمس بين كفيه ، فيحتضنهاكعاشق ، و يتغنى ، وهى تضحك على كفيه ، فتكشف له مدنا جديدة للسحر ، يقرأ نارها،حبيبات روعتها تسيل ، خيطا خيطا تلفلف نفسها ، تدميه اندهاشا ، وهى تستحم معه ،وتنثنى بين ذراعيه ، فتأخذه رجفة ، ويبحر بها بعيدا ، صوب الأعماق.

                  حين كشرالملك ، و أشتعل غضبه ، نهشت أظافره أكباد معارضيه .. و الذين فتكت بعقولهم آفةالحفر فى محاجر المجهول . كوت غلظته قلوبهم على ذويهم .. كان يختفي و ابنه في كهفسحيق ، اختبأ فيه طويلا ، تأتيه أخبار متفرقات ، عن غزوات الملك التي لا تنفض ، ولم تهدأ سورة غضبه إلى الآن ، بينما الولد يختنق ، يموت شغفا لمحبوبته ، فيخاتلأباه ، ويصعد خلسة ، ليكون معها ، يبثها لواعجه ، وشجونه ، فتكشف له جديدا ، وتعرىبقاع الأرض من حوله ، ثم يتسلل و الحمى تنهض فاتكة برأسه .
                  لم يكن يقين يسكنه ،بنجاته وولده ، فكان يعد عدته ؛ ليعبر المفازة ، و يكون خارج دائرة الموت .. فكركثيرا .. فكر حتى ما عاد في رأسه شيء يصلح ، ليس إلا أزيز لدبابير ، تنهك تماسكه ،وتصليه حيرة و ارتباكا .
                  جاءته حين كان يهدهد ولده ، و يزرع شتلات أمل في روحهالمحلقة ، في ارتحالها العميق ؛ حين دندن ، و النعاس يداعب أحلامه :" بي رغبةللتحليق .. للارتفاع إلى ما لا حدود يا ابتى ؛ لأصبح هناك فى سديم هذا الكون معالنجوم ، و لن أكتفي ، بل أكون أبعد و أبعد .. يجذبني غرام عجيب إلى كشف أسرار لاأعرفها .. أكاد ألمحها ، و لا أمسكها بيدي".. وأغلق دون انتظار لسماع رد والده ،هام في لجة غرامه !
                  لم ينم الأب ؛ حيث أشرقت المعاني ، وتجلت الحاجة ، نور لميتوقعه ، ومن فوره كان خارج الكهف ، يلاحق رياش النسور ، و الجوارح ، و قفل عائدافى جبين الفجر ، يحمل فوق رأسه خمرا لليلته ، كان حملا ضخما من الريش ، ملأ صدرالكهف ، و غطى قامته !
                  شيء محير ، فى الحبال يفكر ، و الحبال صعبة ، و ليستمجدية ، أيضا غير متوفرة ، جدائل شجر الصفصاف و السرو والليف ، سوف تحدث ثقلا ، والأمر لا يحتمل .. ما العمل إذا ؟!
                  يكاد يخبط جمجمته فى نتوءات الحائط الصخري ،و أيضا أتت .. نعم أتت كوحى أوحى إليه ، رقص رقصا عجيبا ، وحده رقص بين كومة الريش، فحمل حربته ، و تسلل ثانية ، و عاد تسبقه آنات ولهاث عال ، و كان على رأس الكومةيحمل غزالا .. وشع العقل حد الجنون !
                  أخيرا حلقا ، بعيدا كطائرين من عالم لا يمتلهذه البسيطة ، عبرا أراضٍ ، ومساكن ، وغابات ، وبحار ، حتى كانا بعيدين .. بعيدينعن قبضة الغضب ، فنادى ولده :"هيا نحتضن أرضنا الجديدة ".
                  كانت مفاجأة ، لم تخطربباله ، وقت سمع رفضه ، و أطلق العنان لارتفاعه ، بينما الأب يصرخ فيه ، بله بكىاستعطافا ، عله يحن ، لكن الولد لم يسمع له ،و أشرق في صدره شيء خارق ، لم يدر كنهه، وظل يرتفع .. يرتفع ، غير مدرك ، أنه فى رحلة الصعود يلزمه الكثير ؛ يلزمه إلىجانب عشقها وعشقه لها!

                  احتضنته الشمس ، و في حضنها السخن ، العنيف لهذا المعشوق، أطارت ريش الجناحين ، فهوى كأوراق خريفية ، بينا تتخلى عن عناقها ، تلتقط أنفاسهالمعاودة الالتصاق به ، إلا أن العاشق تفلت منها .. تهاوى ، وهو يفتح لها جناحيه ،ويصرخ فيها :" أين ما وعدت به .. خنت عهدا بيننا ؟! ".
                  بكت الشمس ، دارت :" لمتكن على قدر جنوني ؛ فاذهب .. أشعلتني ؛و أنت أضعف من أن تتحمل احتراقي بك !! " .
                  صفحتي على فيس بوك
                  https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                  تعليق

                  • محمد رندي
                    مستشار أدبي
                    • 29-03-2008
                    • 1017

                    #24
                    ألف ألف مبروك لمبدعنا الكبير ربيع عقب الباب على هذا الإنجاز الأدبي الجديد ،، والشكر موصول للبهي سلطان ،، ولو أنني أتمنى نشر العمل على شكل pdf حتى لا يتعرض لأي تشويه أو قرصنة ..
                    مع التحية والتقدير
                    sigpic

                    تعليق

                    • محمد سلطان
                      أديب وكاتب
                      • 18-01-2009
                      • 4442

                      #25
                      المشاركة الأصلية بواسطة محمد رندي مشاهدة المشاركة
                      ألف ألف مبروك لمبدعنا الكبير ربيع عقب الباب على هذا الإنجاز الأدبي الجديد ،، والشكر موصول للبهي سلطان ،، ولو أنني أتمنى نشر العمل على شكل pdf حتى لا يتعرض لأي تشويه أو قرصنة ..
                      مع التحية والتقدير
                      و الله لو تقدر تقوم لنا بالموضوع هذا أكون شاكر جداً لأنني أخيب من الخيابة في تلك الأمور .. و بالمرة لكي نحمي جماعة المعنى من هؤلاء القراصنة .. و نضمن لهم حماية فكرية و هذا ما أتمناه فعلاً و كنت قد نوهت للأستاذ ربيع عن ذلك قبل خبر النشر لكنه قنوع بما قسمه الله كما تعودت منه ..
                      صفحتي على فيس بوك
                      https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                      تعليق

                      • محمد رندي
                        مستشار أدبي
                        • 29-03-2008
                        • 1017

                        #26
                        المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
                        و الله لو تقدر تقوم لنا بالموضوع هذا أكون شاكر جداً لأنني أخيب من الخيابة في تلك الأمور .. و بالمرة لكي نحمي جماعة المعنى من هؤلاء القراصنة .. و نضمن لهم حماية فكرية و هذا ما أتمناه فعلاً و كنت قد نوهت للأستاذ ربيع عن ذلك قبل خبر النشر لكنه قنوع بما قسمه الله كما تعودت منه ..
                        [line]-[/line]
                        ـ والله ياعزيزي الغالي /// غالي والطلب رخيس ..
                        تترك كل الأساتذة فقهاء الإعلام الآلي ،، وتطلبها من أمي بتقدير ممتاز جدا في هذا المجال ،،
                        والله أنا أعرف هذه الكلمة pdf من خلال تحميلي للكتب من النت فقط ،، وقد تكفلت إحدى الصديقات ( الجزائريات طبعا ) بتحويل أعمالي إلى هذه الصيغة ،، وهي التي إقترحت علي التحويل ،، فأخبرتها أنني أجهل الأمر ،، فطلبت مني النسخ المطبوعة وقامت بالباقي ..
                        ـ إذا كان الأمكر يتطلب تكنولوجيا عالية ، فسأكلمها وأطلب منها المساعدة ، أما إذا كان بسيطا للحد الذي يسمح لبعض اساتذنا القيام به فليفعلوا ،،
                        ألا تراني في موضوع حمل إلى المدونة أطلب من عميدنا إزالة هذه الضبابية اللغوية حتى نفهم كل ماهو جميل بنا في مجال الإعلام الآلي ؟؟؟
                        تحياتي
                        sigpic

                        تعليق

                        • عبد الرشيد حاجب
                          أديب وكاتب
                          • 20-06-2009
                          • 803

                          #27
                          الإخوة الأعزاء

                          هناك طرق متعددة للتحويل من وورد للبي دي إف ، أسهلها إن لم يكف الملف أكثر من 20 ميغا ، أن تدخل هذا الرابط وتقدم له الملف وهو يحوله لك ويرسله على بريدك الذي تختاره ، ثم اتبع الخطوتين التاليتن لتحميل نسختك.



                          تحيتي .
                          "ألقوا بالثورة إلى الشارع يحتضنها الشعب"​

                          تعليق

                          • رغد اليميني
                            عضو الملتقى
                            • 14-06-2009
                            • 115

                            #28


                            الأديب القدير الأستاذ

                            ((( ربيـع عقب الباب )))

                            أتقدم لكم بأسمى وأرق آيات التهانى والتبريكات على هذا الإنجاز الجميل

                            مع خالص دعواتى لكم بمزيد مِنْ العطاء والتقدم والتألق برقى ورخاء،،

                            وشكر يسبق تقديرى للزميل الفاضل إبراهيم سلطان على البادرة الطيبة،،

                            وكمساهمه مُتواضعه قمت بتجميع هذه الدررّ وتنسيقها داخل ملف " pdf"

                            أتمنى أن تنال رضاكم....


                            قــــرن غـــزال




                            التعديل الأخير تم بواسطة رغد اليميني; الساعة 16-11-2009, 07:42.
                            [CENTER][U][COLOR=#000066][URL="http://img838.imageshack.us/my.php?image=3a30c4b06209cf899f9561b.gif"][IMG]http://img838.imageshack.us/img838/1199/3a30c4b06209cf899f9561b.gif[/IMG][/URL][/COLOR][/U][/CENTER]
                            [CENTER][B][FONT=Comic Sans MS][COLOR=#008080]يأتى الخريف تتساقط أوراقه ويتماوج الدمع ولا يسقط[/COLOR][COLOR=red]![/COLOR][COLOR=dimgray]![/COLOR][/FONT][/B][/CENTER]

                            [CENTER][B][FONT=Comic Sans MS][COLOR=#696969]مِنَ الجميل أن تَرى حقيقتك في مِرآة نفسكَ[/COLOR][/FONT][/B][/CENTER]
                            [CENTER][B][FONT=Comic Sans MS][COLOR=#696969]لَكنْ مِنَ الصعب أن ترى مَنْ حولِكَ بدون أقنعه[/COLOR][/FONT][/B][/CENTER]
                            [LEFT][SIZE=5][U][URL="http://raghad-alyameny.blogspot.com/"][COLOR=darkorchid]إرها[COLOR=plum]صة[/COLOR][COLOR=yellowgreen] قل[/COLOR][COLOR=darkorange]م[/COLOR] ر[/COLOR][COLOR=yellowgreen]غ[/COLOR][COLOR=#0066cc]ـ[/COLOR][COLOR=plum]د[/COLOR][/URL][/U][/SIZE][/LEFT]

                            تعليق

                            • محمد رندي
                              مستشار أدبي
                              • 29-03-2008
                              • 1017

                              #29
                              المشاركة الأصلية بواسطة رغد اليميني مشاهدة المشاركة


                              الأديب القدير الأستاذ

                              ((( ربيـع عقب الباب )))

                              أتقدم لكم بأسمى وأرق آيات التهانى والتبريكات على هذا الإنجاز الجميل

                              مع خالص دعواتى لكم بمزيد مِنْ العطاء والتقدم والتألق برقى ورخاء،،

                              وشكر يسبق تقديرى للزميل الفاضل إبراهيم سلطان على البادرة الطيبة،،

                              وكمساهمه مُتواضعه قمت بتجميع هذه الدررّ وتنسيقها داخل ملف " pdf"

                              أتمنى أن تنال رضاكم....




                              [line]-[/line]
                              ألف ألف شكر المبدعة المتألقة رغد اليميني
                              sigpic

                              تعليق

                              • غاردى عبد الرحمن
                                أديب وكاتب
                                • 30-08-2009
                                • 828

                                #30
                                مبروك للاستاذ القدير ربيع مجموعته القصصية الجديدة
                                وبالتوفيق دوما
                                غاردي


                                كلما اتقنا التوغل في الاشياء
                                كلما تكشفت لنا الاعالي أكثر

                                تعليق

                                يعمل...
                                X