كانت أول مرة يواجه فيها رضوان خبراً كهذا..!
"توفيت جدتك.." أيقظته أخته الكبرى مع الصباح الباكر وهي تبكي..
لا حول ولا قوة إلا بالله..
لا حول ولا قوة إلا بالله..
"قم يا رضوان يجب أن نسافر... توفيت جدتك الليلة ويجب أن نسافر..."
قام من سريره وكأنه في حلم مزعج.. في خرافة غير حقيقية... كيف...أين....؟!!
نظر لوجه أخته فوجد الدموع تملأ محجريها ورآها تجهش بالبكاء...
نظر لوجه أخته فوجد الدموع تملأ محجريها ورآها تجهش بالبكاء...
"أين أمي...!!"
"ذهبت.. سبقتنا إلى هناك مع أبي... يجب أن نسافر هيا يا رضوان..."
"ذهبت.. سبقتنا إلى هناك مع أبي... يجب أن نسافر هيا يا رضوان..."
قام الشاب تتصارعه المشاعر.. كيف يكون هذا... كيف يفقد أحد أقرب الناس إليه..؟؟.. جدته الحبيبة الصابرة الهادئة الحكيمة التي كانت موضع سره ومناط محبته... وهو يعلم أنه كان الأثير عندها..
كيف يقترب الموت ليلامس الدائرة القريبة منه.. يقترب حتى يصل لجدته... كيف يفعل....!!
كيف يقترب الموت ليلامس الدائرة القريبة منه.. يقترب حتى يصل لجدته... كيف يفعل....!!
قام مضطرباً مصدوماً.. وهو الذي كان يصارع كل ما يواجهه من صعوبات... وجد أنه اليوم أمام أمر لا مفر منه.. لا تراجع.. لا تبديل.. لا إصلاح.. لا أمل أبداً أبداً.. لن يكون الحال كما كان بعد الآن..
سافر كالمذهول... عيناه الواسعتان تنظران إلى الطريق...إلى البيوت...إلى الناس.. إلى الجدران..!!
. دخل بيت خاله.. الناس تتزاحم في البهو... والقادمون يتوافدون من الأهل والأقارب.. وصوت بكاء بين الحين والحين... وأمه وخالاته والمناديل في أيديهن...
أخوه الأكبر يبكي.. دموعه لا تجف.. أما رضوان فلم يشعر بشيء.. لا حزن.. ولا أسى.. ولا أي شيء.. ذهول..ذهول... !! ولا شيء آخر...
دخل الغرفة.. جدته الحبيبة مسجاة.. عليها غطاء يغطي جسدها الصغير الهزيل... رفع الغطاء.. على عينيها عصابة.. لمسها. تردد... أيقبل جبينها.. ؟؟ لا لا.!!. لن يبكي.. لن يبكي...
تلاحقت الصور..
أتين لتغسيلها...
دخلن الغرفة..
أصبح عدد الناس في تزايد!!
الرجال في الصالة الكبيرة .. والنساء في كل أرجاء البيت..
وهو يعيش كأنه يسبح في اللاحقيقة... في خيال غريب ليس فيه حياة.. في عالم لا يعرفه.. عالم الموت... عالم ما بعد الخطأ الذي لا يمكن إصلاحه...
سيصلوّن عليها بعد صلاة الظهر.. وسيذهب معهم لدفنها...
الأقرباء هنا... أبناء أخواله وخالاته ...الكل هنا.. وأصوات.. الكبار والصغار.. الشباب .. والكثير من رجال العائلة..
وصهره الشاب الذي يحبه كثيراً.. صديق طفولته وشبابه.. صديق المسجد والركعات.. اقترب من صهره.. التصق به.. بقي بجانبه .. لا يدري لماذا يشعر دوماً بالأمان مع صهره.. ربما لأنه صديق المسجد.. ومعه يتنفس أنسام المسجد ولحظات المحبة في الله.. لحظات الطمأنينة التي وجد نفسه يفقدها دون سابق إنذار...!!
دخلوا المقبرة.. حفرة عميقة... أنزلوها فيها... أخوتها الثلاثة.. اختفت فجأة تلك الحبيبة الأثيرة التي أمضى معها أجمل وأمتع وأحلى لحظات..!!
كان ينتظر وصولها للبيت.. يجلس بجانبها الساعات.. يستمع لكل حرف.. لكل همسة لكل ضحكة.. ما أحلى ضحكتك يا جدتي... ما أحلى ركعاتها في الصلاة.. وسبْحتها التي لا تفارق يدها.....
وما أحلى تلك السوعية التي خصته فيها بموال من العتابى.. كانت قد هجرت الغناء منذ سنين.. كانا في الغرفة ، غرفته.. كانت تنزل دائماً في غرفته عندما تزورهم.. فهو الوحيد الذي يصر أن يتخلى لها عن سريره وينام على الفراش بجانبها..
كان ينتظر وصولها للبيت.. يجلس بجانبها الساعات.. يستمع لكل حرف.. لكل همسة لكل ضحكة.. ما أحلى ضحكتك يا جدتي... ما أحلى ركعاتها في الصلاة.. وسبْحتها التي لا تفارق يدها.....
وما أحلى تلك السوعية التي خصته فيها بموال من العتابى.. كانت قد هجرت الغناء منذ سنين.. كانا في الغرفة ، غرفته.. كانت تنزل دائماً في غرفته عندما تزورهم.. فهو الوحيد الذي يصر أن يتخلى لها عن سريره وينام على الفراش بجانبها..
كان يدرس. ومع هدوء المساء .. هدوء الحي المتطرف في الحبيبة دمشق بدأ الشدو يعلو بالعتابى.. صوت لم يسمع مثله في حياته... صوت كأجمل قيثارة يحن مع النسيم العليل ويتمايل مع أحلى الخمائل ويتموج مع أسراب البلابل..
نزلت في الحفرة... بدأوا يهيلون عليها التراب..
اختفت.. عاد الجميع للبيت
هدوء غريب.. بالكاد يسمع صوت بكاء إحدى خالاته...
اختفت.. عاد الجميع للبيت
هدوء غريب.. بالكاد يسمع صوت بكاء إحدى خالاته...
أتت ابنة خاله الصغيرة تبكي.. طفلة لم تتجاوز الست سنوات.. اقترب منها يخفف عنها.."لا تبكي .. لا تبكي.. جدتك الآن في مكان خير مما كانت فيه... لم يدفنوها بل دفنوا جسدها.. أما روحها فهي في أحلى مكان..." ظن نفسه يتمثّل التماسك والقوة... ابتعد قليلاً.. اقترب منه صهره.. "ألا تذهب لصلاة العصر..." التفت ونظر في وجه صهره.. وجد نفسه في الحقيقة.. كل ما حوله حقيقة... ليس حلماً ولا خيالا.. بل حقيقة!!
وبدأت دموعه تسيل
ثم ازدادت. وازدادت.. وأجهش بالبكاء...
"لا حول ولا قوة إلا بالله...
لا بأس يا رضوان... نفِّس عن حزنك يا أخي..!!"
لا بأس يا رضوان... نفِّس عن حزنك يا أخي..!!"
أمسك صهره بيده وقاده كالطفل معه للمسجد.. بقي يبكي ساعات... لا يدري متى توقف.. لكن حزنه ذلك اليوم لم يفارقه.. لم يفارقه أبدأً
وربما لن يفارقه حتى آخر لحظات العمر..
وربما لن يفارقه حتى آخر لحظات العمر..
تعليق