ازمة في السماء - رواية قصيرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بلقاسم عفيصه
    أديب وكاتب
    • 16-03-2008
    • 60

    ازمة في السماء - رواية قصيرة

    حزمت أمتعتي أخيرا وقررت السفر إلى بلاد راودني الحلم أحيانا القفز إليها و التمتع بمناظرها و السياحة في أرجائها؛ بلاد لم تدع النّوم يسكن داري، و الأرق من صحبتي وخلاني لا يبرح مكانه. في كل لحظة يأخذني في غفلتي و تيهي عطر أزهارها، وواحاتها الغنَّاء وروعة تناغم أطيارها إلى أبعد حد، إلى حيث أصنع بساطا من الأوهام وأهب مسرعا لأمتطيه وأشق به الريح شقا، إلى هناك حيث يناديني صوت لا أعرف عنه شيئا، سوى أنه حرم النّعاس إِطباقه أجفاني وهيمن على أفكاري و أبلاني، فما العمل ؟
    جمعت ما استطعت من مال لهذا اليوم المشهود الذي أرى فيه حلما لابد من تحقيقه و سلما يفرض عليّ ارتقاءه ولو لوهلة أو مدة قصيرة أشفي بها لهفي وحبي .
    ما جمعت من سيولة قد لا تكفي، المكان بعيد و التكاليف باهظة في هذه الأيام، وأنا لست ملمّا بالخبايا والمفاجئات التي قد تحصل أو تحول بيني وبين الاستمتاع، من غلاء المعيشة اليوم وتكلفة الطائرة و النزل وما شابه ذلك .
    لكن إرادة كسرت كل القيود وعششت كاللقلق فوق رأسي لا تريد أن تدعني أو تفارقني وما زاد شوقي و حب المغامرة شريط وثائقي كنت قد رأيته يوما بإحدى الإذاعات المختصة بالبيئة والحياة، فأخذ ما بقى من صبري، وكرهت من جرائه بيئتي الحقيرة و مقت نفسي بها .
    عمدت إلى مدّخراتي، وما استطعت الإحاطة به وجمعه، و اضطرني الأمر إلى الاستدانة. وبعد أيام فقط حزمت أمتعتي ووضعتها في زاوية من زوايا غرفتي أنتظر الموعد المناسب للسفر الذي قرر يوم الثلاثاء من بسكرة على الساعة العشرة صباحا .
    لم أدع شيئا لم أحمله معي في الحقيبة الكبيرة، لوازم الحلاقة، ملابس جديدة اقتنيتها، كتيبات ودفتر لتدوين بعض الأفكار أو اللحظات الجميلة إن سنحت الفرصة، وآلة تصوير رقمية أيضا. كادت الحقيبة تتمزق من فرط ما حملت، لم أشفق عليها المسكينة لأنها تذكرني بمسكني و بيئتي.
    مرت الأيام كأنها وميض لم أستفق إلا و أنا أودع الساعة المتبقية من زمن الرحلة، ودعت أهلي وصحبي وألقيت نظرة على غرفتي التي تزداد ضيقا رغم اتساعها وأمعنت النظر فيها جيدا، و أنا أردد داخلي:" سوف أغيب عنك أيام أيتها الضالة المظلمة، سأتركك وهذه البيئة الناكرة الظالمة؛ والتي زرعت فيها كثيرا وما جنيت إلا الكره واليأس".
    نمت تلك الليلة بين الأرق وشهوة النّوم لإدراك الصبح وموعد السفر، وأخيرا راودني الكرّى، فنمت وما إن بان خيط من خيوط الشمس المرسلة، يقبل جدران ونافذة غرفتي حتى أسرعت لتغيير ثيابي وتناول الفطور، وأرسلت في طلب سيارة تقلني ومتاعي إلى المطار. ولحسن الحظ فالمطار ليس بعيدا عن مقر سكناي كثيرا .
    انطلقت السيارة أخيـرا وروحي تكاد تطير من بين ألواح صدري أكاد أسابق الزمن و الأحداث و أرسم لوحة أمامي أكون فيها بتلك البلاد و الطبيعة الخلابة، أفتش عن نفسي بين أهلها وزخرفها فلا أكاد أجدها.
    الوقت يمر وكأني به يسير إلى الخلف وخيل لي أنني متوقف فلا عجلة الزمن أو السيارة تتحركان. دقائق حتى توقفنا بالمكان المخصص للسيارات بساحة المطار، نزلت ونظرت حولي لم أجد إلا بعض الركاب متجهين مثلي صوب المدخل الرئيسي للمطار وحولهم من يشيعهم...
    حملت متاعي وعرجت إلى الباب فتلقاني رجل أمن وجمركي وأجريا معي ما يطلبه القانون من إبراز الوثائق و تفتيش الأمتعة و الحقيبة، ووُجهت إلى رجل آخر. وتوجهت إلى قاعة الانتظار بعدما ألقى مسئول الجوازات على الوثائق ووضع عليها الختم.
    حملت حقيبتي ومشيت إلى أن انتهيت بغرفة واسعة لا تخلو من مسافرين لهم وجهات مختلفة على ما أظن. اخترت لنفسي كرسيا من بين الكراسي المتناثرة منها و المصطفة، و أخرجت كتيبا صغيرا من حقيبة يدي أردت به تجزية بعض الوقت لكن دون فائدة ولا طائل، فالأفكار المتزاحمة بمخيلتي لم تدع للقراءة مكانا ولا لغيرها. أدرت رأسي صوب الزجاج الذي يفصلني عن الساحة الخارجية المؤدية إلى ميدان الطائرة أبصرت هناك طائرة متوقفة وحولها رجال هم من عمال المطار قد هموا بتنظيفها وتهيئتها لرحلة ربما ستقلع بعد ذهابنا.
    كان بالقاعة ضجيج شغلني عن النظر بالخارج مع إني لمحت جمعا من المسافرين قد تجمعهم روابط عمل أو غير ذالك، تمعنت فيهم جيدا فلم يسعفني الحظ في التعرف على شخص واحد كأني في مكان غريب أو أنا الغريب بينهم . سمعت صوت مضيفة أو مشرفة تقول: "سيداتي سادتي المسافرين على متن الطائرة نحوى مطار orly بباريس على الساعة العاشرة يرجى منكم الاستعداد ."
    ما إن أتمت تلك الجملة المكررة حتى وثبت من مكاني ودبت الرعشة ببدني و ازدادت ضربات القلب، شعرت بسخونة وشيئا غير معتاد يتملكني وفرحة ارتسمت على وجهي العبوس طيلة هذه المدة، وغير بعيد سمعت صوتا مدويا و أزيزا اهتز من وقعه زجاج النوافذ والأبواب، إذا بها الطائرة الماكثة من ساعة وصولي، شغلت محركاتها وتنادي ركابها.
    اتجهت ومن كان معي بالقاعة صوب هذا العملاق الجاثم أمامنا مرددا " هل هذه الكتلة الحديدية هي من تقلنا وهذا الجمع؟ وتشق بنا الريح و السحاب؟ يا إلهي أدركني بصبرك وعونك ومغفرتك" وصلنا أخيرا إلى السلم المؤدي إلى باب الطائرة وتوقفنا بالقرب منه واصطف الواحد وراء الآخر. وذلك من أجل استكمال أخر مرحلة وهي تقديم قصاصات الحجز لعون الأمن وتفتيش حقائب اليد إن وجدت. صعدت السلم وكلي دهشة من هذا الطائر الحديدي العجيب الذي يقل عددا هائلا من المسافرين و أمتعتهم، يا له من منظر رهيب ومدهش لهذا الكم المعدني .... ما إن بلغت آخر درجات السلم حتى قابلتني مضيفة بهية الطلعة جميلة ذات قوام حسن بابتسامة قد أخذت عليها دروس في معهد متخصص ووجهتني إلى ردهة كانت على يميني بها صفان من المقاعد المرتفعة المنسقة، وسرت حتى بلغت منتصف الطائرة أو الصفان كما جلست بمقعد محاذي لأحد النوافذ كي أتفرج في ملكوت الله وطبيعة المدن التي ربما يتاح لي التعرف إليها.
    ما ان أخذت مكاني حتى كادت المقاعد من حولي تمتلئ . وجلس بقربي رجل ذو أناقة وهندام ووقار، بين الكهولة والشيخوخة أخذ مكانه ولم يقل أو يدر رأسه نحوي حتى السلام والتحية نسيها أو ربما تناساها.
    في الأسفل عمال المطار يشحنون ما تبقى من متاع، وسحب السلم أخيرا من مكانه ولم يبقى إلا الإقلاع. زمجرت محركات الطائرة معلنة بداية المشوار ونهاية فترة كانت بالنسبة لي كل ما جمعت من ذكريات سخيفة لا تتعدى البيت و المدرسة ومناطق زرتها قريبة و أتربة لعبت بها في صغري وحين كبرت لم تنمو تلك الذكريات بل اضطجعت وانزوت وتركت العنكبوت تصنع لها قضبانا من الخيوط الواهية.
    اشتدت قوة صوت المحركات بالخارج و إذ بها تسير ببطء شديد وبين الحين و الأخر تدفعها المحركات إلى الأمام أكثر فأكثر ويحدث صفيرها دويا في أذني له رهبة تدب بداخلي، حملتها الريح كريشة تتلاعب بها. دقائق حتى سكنت الطائرة السماء وجاورت سحبها، نظرت من النافذة فشعرت بالغثيان للوهلة الأولى لكن سرعان ما زال شغفي وحب الاستطلاع فحال دون ذلك و استمرت مشاهدتي إلى حين مجيء مضيفة أخرى تدفع نقّالة به أنواع من العطور و التدخين، صرفت نظري وعاودت ملاحقتها بعينيّ لأرى معاملتها للزبائن أو المسافرين التي تمنيت لو عوملنا بها في كامل الإدارات و المحلات و الطابوهات التي تشتكي إلى الله سوء الاستقبال ونفور النفس منها .
    عقارب الساعة تصعد بعناء كأن شيئا ما يثقلها و الوقت لا يكاد يطل علينا فانتابني شيء من القلق سرعان ما تلاشى لصوت ناعم ناد من خلال خصاص آلة فوق رؤوسنا تدعوا لنا بالسلامة وتحدد لنا الوقت المتبقي لرحلتنا. لكنه صوت أنعم من صوت صاحبة الحركات التي قدمت لنا استعلامات حول كيفية ربط حزام الأمن و استعمال آلة الأكسجين في حالة الاختناق أو خلل ما.
    تابعت سير الرحلة مبصرا تارة إلى من حولي أتفحصهم و أتمعن في وجوه بعضهم متسائلا: " ما حاجتهم؟ وهل مقصدنا واحد وحلمنا واحد ؟ أم هي الدنيا نثرت همومها و أشجانها و حوائجها فاصطبغ كل بلون من ألوانها وهام من هام على وجوهها، و أدركت مبتغاها وفازت ثلة قليلة لا تكاد تحصى"، وتارة أخرى أتفرغ لحالي و أفكاري المتراكمة التي تفسح الطريق لنفسها لتجد لها موضع قدم بين هذا الزخم الحقيقي في هذا الكون الرحب الشاسع الذي يتسع لما لا تحصيه عين أو كتاب.
    مر على حالتنا ونحن بالسماء قرابة الساعة و أربعة وأربعون دقيقة. الوقت ليس بالهين بالنسبة لسائح مثلي لا يعرف أسرار الطيران أو مشاكله و عواقبه.
    دقائق حتى عاد ذلك الصوت يقول: أعزائي المسافرين لم يبقى على الهبوط إلا قرابة العشر دقائق نرجو منكم تفقد أحزمتكم أو ربطها جيدا، فالنزول وشيك لا تنزعوها حتى تتوقف الطائرة تماما شكرا .
    تفقدت حالي وتيقنت أني والحزام بسلام ننتظر الهبوط والمغادرة السريعة إلى تلك الأرض الساحرة... فجأة أحسست بشيء غريب يحرك الطائرة ويرجها رجّا لكن لجهلي بأمرها لم أعي شيئا وزادت تلك الحركة و الانقباض في أحشائي و أحسست أن قلبي تركته فوق رأسي، ويا لغفلتي لقد كان هذا النزول اتخاذ الطائرة مسارا أخر للهبوط. فهي تكاد تقبل الأرض وتصطدم عجلاتها بكف الأرض، فيا لها من دهشة ويا لها من أرض رحيمة على هذه الطائرة فقد استوت عليها أخيرا وقدمتها للمطار كعروس بحلة بيضاء وجهت صوب غرفة عريسها .
    زالت تلك الرهبة التي امتلكت كل جوارحي وبدا أخيرا لي المطار ومن حوله ، اشتد الضجيج بالداخل من نازع لحزامه ومناديا صاحبه أو زوجه ومتفقدا نفسه كحالي وما حوله باحثا عن أشلائه يلملمها ويرجعها مكانها.







    نهضت من مضربي بعد أن نزعت الحزام وحمل سترتي وحقيبة يدي وسرت مع الوفد المتجه صوب سلم لم أرى مثله بمطارنا حسبته للوهلة الأولى نفق حقيقي، لكن هو نفق به مساحة مسطحة خاصة بالمشاة ينتهي بباب المطار أو مدخله .
    تساءلت في نفسي:" لماذا لا توجد هذه الآلات المتطورة في بلادنا ؟ أم هي حكرٌ على الدولة المتقدمة فقط؟ وا أسفاه على حالي وبيئتي .!! "
    قابلتنا وجوه بريئة طيبة تقطر فرحا وبشاشة ووجهتنا حيث نجد أمتعتنا بساحة واسعة كثرت بها الشبابيك و اللافتات و الأضواء، ذهبت بحثا عن متاعي الذي هو خلف حائط تقده لنا سلسلة متحركة والناس من حولها يترقبون مثلي ومن بعيد تعرفت على حقيبتي المنتفخة من بين كم هائل من الحقائب. مثلت أمامي فحملتها وسرت بها نحوى أحد الشبابيك به طابور لا يقل عن عشرة مسافرين، طابور هادئ ساكن وقور لا يشبه طوابيرنا وحالتهم المتعفنة من غليان وفوضى جعلت أتقدم شيئا فشيئا حتى وصلت أمام كوة الشباك قابلني صاحبه أو العامل وهو رجل أسود لم ألحظ علامات السرور التي ألفتها عليه، سلمت وقدمت له الجواز. نظر إليه جيدا وتمعن في خلقتي وقارنها بالتي على الجواز ومرر فوقه ضوء حسبته للتبيان أو لنقص الإضاءة لكن هو لكشف التزوير والمطابقة. هو نظام معمول به منذ زمن بعيد في الدول المتطورة أو الغربية. ختم على الجواز وقدمه إليَّ فأخذته وجعلته داخل حقيبة اليد وتوجهت إلى رواق به من المسافرين ما لا يحصى ووجوه لا تتشابه إطلاقا من أبيض مائل إلى الحمرة وأبيض معتدل و أسود و أصفر وقامات مختلفة اختلاف أشجار الحديقة و الغابة، وسرت به حتى انتهيت بقاعة فسيحة الأرجاء بها أكشاك عديدة لمختلف الصنوف والحاجيات وكراسي متناثرة، منها الشاغرة والممتلئة والمسافرين في غدو و رواح، حركة تعج بها القاعة وتعطيها رونقا وزخرفة رائعة تصلح لرسام يجسدها في لوحة تبرع بها أنامله وتضفي عليها مكنونات طاقته وحسّه الراقي . أخيرا خرجت من هذا المعترك و السوق إلا ما لا يقل عنه تعقيدا وتشابكا هي متاهات صرت بداخلها من أجل بلوغ المخرج وقد كان لي ذلك بعناء، استوقفتني بائعة الورد، ذات الجمال النادر، أحسست نفسي أمام عارضة أزياء لكن لم يدع جمال طبيعة الأرض المتجه إليها مكانا لهذا الوجه المليح والعيون الزرقاء و القامة الطويلة و الكلام الجذّاب، مع أنني استرقت النظر إليها من الحين إلى الآخر قبل خروجي لرؤية العالم والطبيعة خلف هذا المطار الضخم الواسع ولمدة قصيرة فقط ، فموعد إقلاع الطائرة غير بعيد يفصلني عنه قرابة ساعة. تسكعت خارج المطار والتهمت الطبيعة الخضراء بعينيا وروعة اصطفاف أشجارها بشراهة كأنها آخر مرة سأزورها أو أدخرها ليوم لا رجعة فيه إلى هذه البلاد. لم يطل مكوثي بالخارج كثيرا، ووليت راجعا للمطار أنتظر وأسمع صوتا يخبرني قرب موعد الإقلاع. وفي هذا الوقت المتبقي عمدت إلى تسوية آخر الترتيبات والإجراءات لهذه المرحلة، و انتظرت بقاعة الجلوس أو الانتظار. كم هو الوقت بشحيح هنا، لا يكاد يقترب منا حتى يطير بلا رجعة ... مرت نصف ساعة ولم يبقى إلا القليل وجاء من بعيد صوت كالذي عهدته، لكن هذه المرة بلغة مغايرة، صوت يدعونا للتقرب من الشبابيك لاستكمال الإجراءات الأخيرة وقرب موعد الإقلاع ، حينها علمت أن سفري سيبدأ من الآن، فخفق قلبي مجددا وامتلكني برد ساد جسمي، وذهبت ببالي وخاطري وفكري إلى هناك حيث لا أعلم سوى أن قوة ساحرة تدفعني. كنت على مقربة من عائلة مسافرة مثلي يتهامس أفرادها فيما بينهم بلغة لا أكاد أجيدها كثيرا، سعداء هم حقا وبين أيديهم أبنائهم أو ولدان لم يتعديا الرابعة من عمرهما، شدني الانتباه إليهما لجمالهما وشدة التقارب بينهما، وتبين لي بعدها أنهما توأمان التصق بصري لتواصل وتفاهم وتواد بين هذه الأسرة، تساءلت في نفسي:" هل نحن و أبنائنا كذلك؟ هل منا من يقرب أولاده وزوجته ويلعب معهم ويتحدث إليهم؟ " انتبهت لنفسي أخيرا وصرفت نظري عنهم كي لا أزعجهم أو أحرجهم بتصرفي هذا، ولجأت إلى جريدة كانت بالقرب مني على مقعد شاغر أتفحصها مريدا بها اجتياز بعض الوقت... استوقفني صوت ينادي بقوة: أدركوني ......أدركوني ... ابني يموت. صوت امرأة تتقطع لها الأفئدة، صعقت لهذا الصوت الحزين الذي يبعث بداخلي نوعا من القوة و الشجاعة للذهاب إليها وتفقد حالها و المصيبة، انتفضت من مكاني وأسرعت نحوها فقد كانت غير بعيدة مني وعند وصولي هالني المنظر إذ هي المرأة نفسها من تلك العائلة التي كنت بها أحدق ومعجب، و ابنها ملقا على الأرض يتخبط و الروح تكاد تفارقه فقد تغير لونه وهي تبكي وتضرب نفسها، ما حيلتها وهي عاجزة عن إدراك ولدها أو علاجه أو إسعافه وهو بين الحياة و الموت؟ وصلت أخيرا فوجدت حولها جمع من الناس قد التف بها من سائل ومتحير لا يقوى على الكلام و باك. قالت لهم: اطلبوا الإسعاف أو الشرطة انه يموت يا ناس، لقد ابتلع لسانه للتو وهو يلعب مع أخيه ... كان لها ما طلبت فقد أسرعوا للإسعاف و لرجال الشرطة وأمن المطار، لكن الوقت قصير و الموت لا يؤجل عمله أو يتريث.
    دفعت من كان أمامي وقلت لهم صائحا بلغتي المتكسرة: أفسحوا المجال للطفل كي يتهوى، وهويت على الولد وقلبته على جانبه الأيسر ورفعت يده اليمنى ..... وكما تعلمت في عملي السابق فعلت معه، فهذه الإسعافات الأولية البسيطة رسخت في ذهني منذ زمن رغم مرور الوقت و المحن وعدم تكرارها أو معاودتها.
    قمت معه بحركات خفيفة بعدها وأنا أرتجف خوفا من أن يموت بين يدي وتصبح المصيبة مصيبتان و البلية أكبر. بينما أنا في حالتي هذه إذ بي أسمع شخيرا لهذا الولد أو كحشرجة الموت ساعة الاحتضار... لكن الله أرحم مني ومن هذه الأم و الناس أجمعين وربما دعائي وهذا الجمع جاء بنتيجة، أخرجت بعدها لسانه بسهولة، وما كان من صوت أصدره الطفل سوى حشرجة عادية نتيجة عودة التنفس إلى مساره الطبيعي و انتظامه .
    فتح الولد عينيه بعد إغماءة أو غياب عن هذا العالم و الناس وراعه الموقف فبكى محتضنا أمه بقوة والدمع سيد الموقف هنا، ومن لم يبكي خنق دموعه وجمدها كي لا تفضحه، وهلّل الجميع و حمد كل منهم إلههُ أو الله على سلامته، وأما الأم فنظرت إليّ نظرة لم أعهدها أو أرى مثلها قط، بعينين زرقاوين ذابلتين سيل من محاجرها الدمع، وقالت لي: أشكرك من أعماق القلب ولولا وجودك هنا لكان ابني في تعداد الموتى، والله كدت أجن و أنا أنظر إليها دون حيلة مني وأنت ترى هذا الجمع ما من أحد تقرب وعمل ما صنعته، أنا مدينة لك بحياتي و لك كل الاحترام والشرف ... وجاء من بعيد رجل وكله حيرة من هذا المنظر ينظر إلينا ولا يعلم ما الخطب، استفسر زوجه فأخبرته بالحادثة فكاد أن يغمى عليه وجلس مقبلا الطفل، يحمد الله على سلامته وشكر لي صنيعي، وقربوني من مجلسهم بعد أن انصرف كل إلى حاله، بقيت معهم نتجاذب أطراف الحديث الذي لأكاد أفهم نصفه فقط، وعلمت من بعد أن لهم نفس الرحلة و الطائرة معي. بينما نحن نتحدث و نتعرف على بعضنا البعض جاء عبر مكبر الصوت نداء عهدته يخبرني والمسافرين أن موعد الرحلة لم يبقى عليه إلا عشرون دقيقة فقط.
    نهضت مودعا إياهم شاكرا لهم طيبتهم وضيافتهم وحملت متاعي وسرت حيث الشبابيك التي تفصلنا عن هذا المكان لأجري بها آخر الترتيبات وتوقفت عند أحد الشبابيك لأسلم للعون التذكرة والجواز لختمه. أدرت رأسي فرأيت ابتسامة جميلة و رائعة في وجهي مباشرة قابلتني بها تلك المرأة أم التوأم وزوجها لوح بيده مشيرة لابنها عليَّ وما كان منه إلا أن ابتسم هو الأخر. رفعت يدي و أفرجت عن بسمه خفيفة وحمدت الله على أنني حظيت بشأن وقيمة من هذه العائلة التي أكاد لا أعرف عنها شيء، حالها حل المكان المتجه إليه .
    أكملت ما عليا من إجراءات وسرت نحوى غرفة الانتظار وكلي فرحة وسعادة تدخل بيت أفكاري المنهار من ذكر واقعي و بيئتي، التي لم تدع للحبور موضع قدم لكن زال كل شيء مع رحلتي وتعرفي على هذه الأسرة التي جعلتني فرحا وبانت على محياي، وطرت بها كعصفور بعشه خفق لرؤيت أمه فكاد يسقط ...ابتسامة جعلتني أقابل الدقائق المتبقية هنا مفعم بالحيوية و النشاط.
    لم أنسى أني خليق بيئة جافة لا ينقصها من الكدّر و الحرمان شيء ، تتمتع و شاكلتها بمزايا فريدة قد لا تجدها في موطن آخر وزمان آخر بيئة قدرنا أن نحيا ونموت بها كمن سلبت حريته داخلة زنزانة محكمة الإقفال لا يرى و لا يسمع إلا ما يفرض عليه مسلوب الحرية كمن يقطن بيئتي و بلدي أو قريتي ترى أرجائها الشاسعة الواسعة ولا تقدر على الخروج منها أو مغادرتها، وحين تكبر يتملكك رعب و هول من قحطها و قساوة المعيشة فما بالك بقاطنيها، هم مثلها طبعا، إلا البعض منهم الذين لم تلفحهم شمسها المكدرة، فعاشوا بين الحيرة و حب الهروب و الرضا بالواقع؛ فتتصارع القوتان بداخلهم مرة تفوز هذه ومرة أخرى تفوز الثانية وهكذا دواليك، هي الحياة هكذا عندنا، و الأمر كذلك حين تتجه يوما صوب إدارة ما فلا تكترث لما يحصل لك وربما يزج بك كل هذا في بحر من الغم و الحزن و الشكوك و النوايا التي تجعل عيشتك منقصة فتحاول أن تنتفض كي تخرج كصوص من قشرتك الكلسية فلا تستطيع ويذهب بك خيالك إلى متاهات يعلم الله أولها من آخرها وبدايتها من نهايتها، ولا تستفق حتى ترى العمر قد رحل وقاربت الكبر أو الشيخوخة المبكرة فينزع منك الحب نزعا و الغيرة و الحنان كما ينزع السهم من أحشائك أو عضو من الأعضاء بالقوة دون رحمة .
    غليان و هيجان أفكار تزاحمت عليا دونما إشفاق، وما طردها إلا تحية تلقيتها من الزوج و الزوجة حين اقتربا مني ظنا منهما أنها آخر مرة نلتقي فيها حييتهما وودعتهما و الولدان .
    خرجت من المطار إلى الطائرة كعادتي حاملا حقيبة اليد بعدما سلمت متاعي الآخر لتشحن، وكما جرت العادة سلمت قصاصة بها رقم الرحلة و رقم تسلسلي آخر إلى العون، وصعدت السلم، التقيت بمساعد قبطان الطائرة ومضيفة بالباب يحيون المسافرين، حييتهم وسرت نحوى أحد المقاعد الشاغرة المحاذي للنافذة قرب قمرة القيادة أي درجة أولى، جلست مكاني وتفرغت لحالي ولملمت شتات أفكاري، وتقييمي لما حدث وبدأت أجتر الأحداث، وكيف عوملت من طرف الأسرة فضحكت من نفسي، وأنا المسكين الذي يرثي الزمان لحاله أعامل معاملة بشرية لو قارنتها بواقعي لما انطبقت ولو درستها من كل النواحي لأدركت أني مخطئ أو من كان هو شخص آخر وليد بيئة مغايرة لكن هم أناس ليس بمخابرهم أو حقول تجاربهم كلاب وقطط وبشر بل هي فئران بيضاء لطيفة .
    أناس يعطون القيمة للشخص على حساب شهادته أو مستواه الثقافي أو مكانته العلمية و الخلقية، لا على هندامه و مكانته الاجتماعية وخطبه الرنانة. فأين هم و أين نحن، قد يستحي المرء او المقارن من كشف الزلات والعيوب .
    سمعت مناد يقول: سيد "بلقاسم"... لفظ اسمي بلغة رقيقة جميلة عذبة ما عهدتها من قبل، أدرت رأسي نحو الصوت إذ بالمرأة نفسها أم الولدين تقترب مني أكثر مبتسمة كأني أحد أقاربها أو معارفها سابقا سلمت و ألقت التحية و استسمحتني في الجلوس بقربي، قلت في نفسي ما بالها تركت زوجها وولداها وجاءت بجنبي؟ ما خطبها؟ أهكذا عندهم النساء تعمل دون المراعاة لشعور زوجها أو ضوابطها وحدودها الزوجية. ما همها؟ قلت لها طبعا سيدتي تفضلي وبادرتها بسؤال ربما هو ساذج و جريء. أين زوجك و الولدان؟ قالت لي: إنهما بالمطار وقد حضروا لتوديعي فقط، أنا ذاهبة لبيت والدتي المقيمة في أحد القرى بهولندا و أما إقامتي و أسرتي فهي بضواحي باريس .
    فهمت ويا ليتني لم أفهم لقد تراكمت أفكار بدائية بمخيلتي وذهبت إلى حيث لا يجب أن أكون .....قلت لها: سعدت بمعرفتك سيدتي. وهنا استوقفتني وقالت مبتسمة: أتستطيع مناداتي باسمي فقط سيد "بلقاسم" ... و أتت على ذكر اسمي كأنها متعمدة، وراودتني أشياء زادت من قلقي ، جلوسها معي وتحديقها بي حين كنا في المطار و قاعة الانتظار و الآن قولها هذا . ما قصدها؟ .....ربما هي الأمور عندهم تجري على هذا النحو ونحن لا نعي . حسنا يا " ليتيسيا ". قلتها و أنا مثقل بعض الشيء وخرجت بعناء شديد ... ومن هذا الحوار و الكلام أخذنا نقترب من بعضنا البعض ويتعرف الواحد من على الآخر، على عادته وحياته ومساراته في هذه الدنيا، وهذا ما جعل الساعات الثقيلة على متن الطائرة تمر مسرعة .
    حين كنت أتكلم ألحظت عليها تحديقا و تفتيشا بعينيها صوبي كأنها تريد أن تلتهمني، وتتمعن في هذه الخلقة الواهنة، الخشنة التي اصطبغت بلون بيئتي، أما هي فلا ينقصها من الجمال و القد و الإثارة، بيضاء مائلة إلى الحمرة، شقراء الشعر زرقاء العينين لا تظهر عليها علامات الزواج أو الإنجاب، كأني أمام عذراء لم تطمث وحسناء فاتنة. لكن عندما تقاس ببيئتها و موطنها فهذا ليس بالغريب أو النادر فأمثالها كثر هناك .
    دبت رعشة خفيفة ببدني و أخذت لها نفسا عميقا، ولولا أني أدرت رأسي عنها لحدث ما حدث وحصلت أشياء لا طاقت لي بها و لا أعلم مصيرها . تحايلت على هذه المشاعر المتهيجة و أمسكت أوراقا قد وضعتها قبل مجيئها في مكانها على الطاولة وصرت أقلب صفحاتها لأتحاشى نظراتها المحرقة أو التي تبعث أشعتها لتخترق العقل البليد فتعطل محركاته وتصرفه عن حالته الطبيعية وحاولت أن أقرأ فحوى الأوراق وما جاء فيها . لكن العجز أقرب إليّ من إدراك و فهم ما فيها و كأن الأوراق أصبحت مرآة انعكس وجهها محدقا بي، حاولت جاهدا تجاهلها و النظرات، لكن سهامها كانت أقرب وعطرها تسلل وسكن أنفي كل نفس هو "ليتيسيا" الماثلة أمامي . وكل زفير هو أنين جوارح تبكي و تشتكي ظلمها لهذا الكائن البشري الماثل بجنبي، جوارح تحاول الكلام لتبين وتقول: قم من مكانك لا تظلم المسكينة بخشونتك وباديتك الملتصقة بك أنت لم تخلق لمثل هذا الجمال، أين أنت وأين هي؟


    قالت: مابك يا سيدي هل مللت الجلوس بقربي أو جلوسي بجنبك و التحدث إلي؟ أم بك بد؟ قلت لها: حاشى والله يا سيدتي. لكن أشياء تخالجني و تفرض عليّ السكوت أحيانا، فلا تكترثي و لا يهمك حالي. قالت: لا يهمني أمرك؟ و أنت من أنقذت حياة ابني و حياتي من الكدّر والحزن الذي يعلم الله أين مصيره ما بالك؟ لا تقل هذا من فضلك، أنت عزيز وغال عندي .
    قالت هذا وهي شديدة الغضب بصوت مشحون بضغط وقوة كأنها توبخني على جوابي الذي لا معنى له عندها. يا ويلتاه ماذا صنعت؟ لقد زاد تعلقها بي حتى كادت تصرخ في وجهي وتقول: أنت نقشت اسمك عل قلبي ومن يفعل هذا فهو ليس بالهين أو البسيط وجزاؤه الشكر والعرفان والحب الذي لا يكدر صفوه الزمن ونوائبه.
    قلت لها: سامحيني و الله ما قصدت إزعاجك لكن ما فعلته يا سيدتي هو قدر عليّ ومكتوب لا مهرب منه وديننا الحنيف يحثنا على التعاون وبذل النفس فيما يرضي الله وهذا ما كان مني، فلا مزّية لي وقد كان باستطاعة أي شخص آخر فعل هذا ولا يتطلب منك كل الاهتمام
    ردت عليا: أما نحن يا سيدي فعندنا هنا قمة العطاء والتضحية ومن يفعل هذا فلا معدّى أنه يملك قلبا رائعا، حنون، عطوف وشجاعة لا يجب تجاهلها و الإنقاص من قدرها، أنا يا سيدي ما تقربت منك الآن إلا لأنك كذلك ونحن لا نعطي قلوبا و نهبها لمن هبّ ودبّ ولا نرتاح لأحد إلا إذا كان ذو صفات عالية و أخلاق رفيعة.
    ولا نجالس و لا نعاشر إلا من ملك القلب وصفت له المشاعر و خلصت له المحبة. هكذا نحن يا سيدي مع انه لا تخلو بلادنا من دنيء وحقير وشاذ ... فهذه طبيعة كل البلدان.
    وقع كلامها موقع السهم في القلب وسرى بالعروق صحبة الدم، وكثرت شكوكي و أوهامي، قلت في نفسي: ما بها؟ إنها متزوجة وتتكلم معي هكذا؟ وتنظر إليَّ كما ينظر العاشق عشيقه، تحت سماء صافية بخلوة تفترس كل شيء وتبيح ما حضر... ما بالها، وما مغزى حديثها؟ ترى هل تنوي على شيء؟ أم هذا أيضا عادي عندهم؟ بينما أنا أحدث نفسي إذ بها تأخذ يدي وتجعلها بقربها وعيناها بعينيّ ملتصقتان وهي تبتسم، حاولت جذب يدي لكن دون جدوى ثقلا ما حال دون ذلك ولم يكن هذا ثقل يديها أو قوتها، بل هو شيء غير عادي لم أفهم عنه أو منبعه. إستسمحتها قائلا: عذرا يا سيدة ليتيسيا أنت متزوجة ولا يعقل أن تتقربي من شخص مثلي وهذا حرام بديننا الحنيف ويمنعني من الاقتراب منك أو الكلام معك على إنفراد أو بغير قصد و حاجة، سامحي جهلي وقسوتي إن بدت لك كذلك، وهذا والله من أجل المحافظة عليك وعلى عهدك بالزواج.
    ضغطت على يدي أكثر من السابق و تنهدت ونظرت إليّ بشدة لم أعرف لماذا، لكن رأيت إشفاق وبداية البكاء على محياها يرتسمان و أخيرا أفرجت عن يدي و حررتها قائلة بصوت هادئ لطيف تكاد تبكي معه: أنت من يسامحني فلقد ظلمتك فأنا لا أنوي شيء سوى التقرب إليك أكثر وهذا ليس بالعيب فينا و جلّنا يفعل الشيء نفسه لكن باحترام ووقار، لا تظنن أن هذا من دناءة فينا أو انحلالنا المفرط وهبوط أخلاقنا أنا جد آسفة يا سيد " بلقاسم " .
    طمأنتها و أرجعت لها ثقتها وعزيمتها و قوتها السابقة قائلا : نعم صدقت، أنا لم أسفهك أو أحط من قيمتك بل أنت غالية عندي لكن يمنعني ديني و حيائي وعرفي من المضي معك إلى أبعد حد ، أو إلى حيث نكو ن لوحدنا في غرفة واحدة أو مكان خال رغم أنني قد أذهب و إياك إلى حيث تريدين ، نلهو نلعب ونتسامر دون قيد لو أنك كنت غير متزوجة .
    أتمنى أنها اتضحت الصورة لديك الآن سيدتي هذا مصيري معك، قالت لي: نعم الرجل أنت، تكبح جماحك أمام امرأة قدمت نفسها في طبق جاهز إليك وفي حلة بهية. أشكرك كثيرا. أتعرف يا سيدي لقد ازداد إعجابي بك أكثر، ومن الآن أنت صديقي و عزيزي وسوف أترك لك عنواني ورقم هاتفي و أتمنى ألا تكون هذه الرحلة آخر مرة نلتقي فيها، و عدني أن تزورني في مدة إقامتي هناك، وفي باريس أيضا و سأزورك في بلدكم إن سنحت الفرصة وسمحت لي بالقدوم. قلت لها: طبعا يا سيدتي ٍإن شاء الله سيكون لك ما أردت... استمر الكلام بيننا و أخذ كل وقتنا ولم نسمع للطائرة صوت أو إقلاع كأن الحديث الذي بيننا حجب عنا كل شيء و أخذ منا كل الحواس .
    تسبح الطائرة الآن في السماء تحاكي السحب المتراكمة التي تزداد تجمعا من الحين إلى الآخر و كأنها ستمطر بعد حين. قالت لي: ها أنت قريبا ستكون فوق سماء البلاد التي تجهلها، عدى شغف يقودك إليها وحب ملك خواطرك و جوارحك، سوف تحبها أكيد ولن تندم على يوم أو دقيقة مرت بك و أنت تجوب شوارعها أو غاباتها و طبيعتها الخلابة و إن لك بها أناس من الآن فصاعدا هم من أحبتك و صحبك يتمنون لك كل السعادة و الهناء يدعون الله لك بطول المقام ليسعدوا بقربك و أنسك.
    طربت حقا لهذا الكلام المعسول المنمق الذي لا يمسه رياء ولا تفاخر الذي جاء من قلب حنون يرى الدنيا لا تحلو ولا تطيب إلا بصحبة كهذا.
    بينما نحن في أخذ ورد في الحديث إذ بالطائرة تهتز وتَُرَتج بقوة وتتمايل كأنها بين أيدي عفريت يلهو بها. كثر الضجيج و الأسئلة عن هذا الاهتزاز والكل في دهشة ورعب يسرى في عروقهم. جاء صوت قائد الطائرة يطمئن الركاب قائلا : سيداتي سادتي أتمنى أن لا يسكنكم الهلع و الخوف وهذا أمر اعتدنا عليه إنه تصادم الطائرة بالسحب الكثيفة ونوشك أن ندخل منطقة ذات ضغط عال ورياح قوية، لكن أتمنى أن تبقوا صامدين ساكنين. لم يقع كلامه في القلب ليسكنه ويهدئه بل هذا الاهتزاز المتزايد ومنظر السحب بالخارج يبعث الهلع والخوف والرعشة في البدن، نظرت إلى السيدة إذ يداها متشابكتان تدعوا الله وتبكي وما كان معنا من مسافرين ليسوا بأحسن حال منها، توجهت إليها بكلام وبلغتي المتكسرة كي أهدئ من روعها و أذهب عنها الحزن و البكاء لكن دون طائل أو جدوى، وارتمت عليّ تحضنني رغم بعدها عني وحافة المقاعد التي تفصلنا و أنشدت تقول: هل سنموت هنا؟ هل هذا مصيرنا؟ سوف لن أرى زوجي و وولدايّ " يا للكارثة " أدركني يا إلهي .
    بللت دموعها الجانب الأيسر من سترتي و اختلط عطرها بالعبارات. وأنا كصخرة جاثم، ما حيلتي ونحن مصيرنا واحد وحتفنا إن كان واحد؟ هل أندب حظي الذي قادني إلى هذه المحنة ؟ أم أبكي و أنوح كهذه المسكينة ؟ اسوّدت الدنيا أمامي وراح كل شيء وزال ما كان يبعث الفرح و الطمأنينة، وخيمت على المكان كآبة صامتة خرساء موحشة تتقطع لها الأفئدة
    أين أنت أيتها البلاد و دورك وشجرك وعطرك أزهارك الفواحة، لم أعد أحس بشيء منها، هل أموت دونما زيارة أو وصلة منك؟ هل أساق الآن إلى مثواي الأخير دون رجعة ودون إطالة ؟ يا لمصيري المحزن ، حتى القدر الموحش تذكرني وحال دون رؤيتي لتلك الأرض ، أين كان مخبئا كل هذا؟
    صحيح أن من كتب عليه الشقاء يعيش ويسعى و يساق إلى قبره شقيا حقيرا لا يأبه له أحد و ربما لن يجد من يذكره. موتنا الآن وشيك و أكفاننا الرمزية قد خيطت من إعلان دخولنا منطقة العاصفة، و تسارعوا لاقتناء أزهار بعدد الركاب هنا لوضعها على توابيتنا الفارغة وتقام لنا جنازة مهيبة، أو لهم جنازة مهيبة، لا يذكر فيها إلا أسماء و ربما تدفن في مقابر جماعية و أصبح مع غرباء من غربة عشتها في بيئتي إلى غربة في سفري إلى غربة في لحدي و بين أموات أجهلهم، رباه ما هذه التعاسة والشقاء اللذان كتبا عليّ ، و انحدرت دمعة طائشة فأسرعت إلى مسحها كي لا تراها السيدة .
    عاود قائد الطائرة جملته السابقة لكن هذه المرة أضاف إليها ما لم يكن في الحسبان قال: إننا على وشك هبوط اضطراري وهذا آخر حل لدينا لن نستطيع الاستمرار فهذه الحالة ستؤدي بنا إلى الموت الأكيد، أتمنى أن لا يهولكم الأمر. ساد الضجيج مرة أخرى وغليان و تضارب آراء وما هي إلا دقائق حتى بدأت الطائرة بالنزول في أقرب نقطة تجدها ملائمة و بلغ الخوف أوجه و الهلع ودبت في الجسم رعشة كأنها الموت قربت و النهاية لا محال قادمة لا مفر منها، فكيف الهروب و الطائرة ازدادت تمايلا والظلمة بالخارج التهمت كل شيء بدأت الطائرة في الهبوط بعدما اختار قائدها المسار الذي يحول دون وقوعها في شرك العاصفة القادمة والأمطار الغزيرة وهذا بعد نداءات إلى جميع المحطات القريبة و البعيدة لتسهيل عملية النزول و كان لها ما أرادت وعند هبوطها ازداد تحركها و تمايلها وقوة تصادمها بالسحب الكثيفة وعندا اقتربنا من الأرض ناد القائد وحثنا على رباطة الجأش و قوة العزيمة والثبات والصبر وأخبرنا أن الطائرة ستلامس الأرض عن قريب و سيكون هبوطها قويا لبعض الشيء فهيئوا أنفسكم و أربطوا أحزمتكم و استعدوا. و أخيرا اختار لها مكانا فسيح الأرجاء على أرض كثر شجرها وتيقن أن هذا المكان هو المناسب لا غير مكان يعرفه هو ومن معه من الطاقم الذي يقوده في محطة الاتصال بالمطار.
    بدأت تقترب الطائرة من الأرض المبللة و أنزلت العجلات و تهيأ الجميع للهبوط هي الآن تلامس الأرض وتصطدم بها وبدأت في الاهتزاز والتدحرج ومن الحين إلى الأخر نسمع أصوات قوية هي لأشجار تصطدم بها أجنحة الطائرة فتزيد من الهلع و الخوف و الجميع هنا يصرخ ويبكي و يستغيث، وأتت دقائق الفرج و السكون وهدأت الطائرة أخيرا، وسكتت المحركات ولم ينهض أحد من مكانه كأن المشهد و الواقع جمّدت ما بقى من فكر و أذهبت العقل وما يحوي .
    إن الجميع يحدق ببعضه البعض ينتظر من ينهض أو يتحرك ليخرج من صمته ويلحقه... فبينما نحن على هذا الحال، إذ فتح باب قمرة القيادة وخرج القائد ومن معه من مساعد حامدين الله على السلامة وكلهم دهشة يختلط بها فرح لهذا النزول السليم، وقال لنا: الحمد لله على سلامتكم وأتمنى ألا يكون بينكم مصاب أو متضرر، ونحن الآن في أرض شبه خالية إلا من أشجار وحيوانات في سهول (ترانسلفانيا) شرقي نهر تيسا. وتبعد حوالي مائتان وثلاثون كلم من المنطقة المتجهين إليها وسنبقى هنا حتى يأتونا بالمعدات اللازمة لنقلنا، من حافلات وشاحنات لنقل البضائع والمتاع فلا تقلقوا، وتنفس الصعداء وهدأت الثورة قليلا التي أتت على صبر وحلم المسافرين، نظرت المرأة إليّ مبتسمة ابتسامة معها بعض خوف وشك وقالت: هل صحيح ما قاله يا سيدي؟ هل نحن بأمان الآن؟ هل سأراك و أسرتي من الآن وصاعدا؟ قلت لها: نعم سيكون لك ذلك بعون الله ، إن الله رحيم بعباده يا سيدتي .
    إغرورقت عيناها بالدموع وبكت وعاودت احتضاني مرة أخرى كأنها سنّة عندهم هذا الفعل، وكادت تبكيني معها المسكينة قالت لي: أتعرف يا صديقي كأن القدر يريد جمعنا مرة أخرى و أنت ترى هذه الحادثة وما نتج عنها الآن نحن في مكان خال وقريتي تبعد مسافة مئة وسبعون كلم تقريبا وقدرك أن تذهب معي ولا خيار لك في ذلك، و لأني لن أتركك تمضي هكذا ستبقى عندنا إن قدر لنا المضي الآن وتحل ضيفا عندي ، أنت لا تعرف فرحتي وسروري وكم أنا محظوظة في هذه الرحلة ، سأعرفك على الكثير في بلدتي و القرى المجاورة ولن تنسى يوما كنت فيه برفقتك ستتذكرني كما تذكر هذه الطائرة و هبوطها الاضطراري .
    جاءت المضيفات بنقالات بها من الأطعمة الشهية والمشروبات ما يسد الجوع ويذهب الضمأ وينسي الفزع والرهبة وقدموا إلينا ما طلبنا أو اخترنا وبينما نحن في حالتنا هذه سمعنا أصوات بالخارج نظرت من النافذة إذ بها سيارتا الإسعاف تصاحبهما سيارة الشرطة وخلفهما حافلتان لنقلنا و شاحنتان أيضا لحقتا من بعدهما . قيل لنا على لسان المضيفة أن نهيئ أنفسنا ونجمع ما عندنا لننزل و نستقل الحافلتان.
    نزعت الحزام ووقفت حاملا معي حقيبة يدي و سترتي وتوجهت والسيدة إلى السلم ونزلت منه وصعدنا في الحافلات مباشرة وكدنا نتبلل من فرط المطر الغزير و الرياح أيضا كان لها حظ في هذا الجو فهي تضرب ضربا وتصفر إنه منظر مخيف لو أننا بقينا في السماء تلعب بنا أياد القدر .
    اختارت لي السيدة مقعد بالقرب منها ونادتني، وهي تكاد تطير من الفرح، والسرور باد على محياها الجميل و عيناها مفتاح البهجة لمدينة و أبواب إمبراطورية لا أحب أن أرى غيرها و لا أعاشر إلا أناسها و لا أنام إلا على عشبها و أشم أريج أزهارها.
    جلست متأملا الوجه الفتان و القد الميّال والجسم الرّخامي الذي أخشى عليه التكسر من أناملي و أصابعي المخشوشنة قالت لي : إنها رحلة رائعة بمحطاتها وفزعها وفرحته، إنها حقا تاريخية ويجب علينا تخليدها من الحين إلى الآخر. قلت لها: نعم يا سيدتي و أنا لا أكاد أسترجع أنفاسي التي كانت تريد البوح لها إنك سحرتني و هيمنتي على فكري، لكن القدر سيحول على إحيائها ونحن مع بعضنا أو ربما سيموت أحدنا أو يغيب، ستشغله الدنيا وهمومها لكن أعدك أنني سأحفظ الذكرى و سأبقيها خالدة في قلبي ووجداني لن أنسى هذا اليوم ولن أنسى امرأة طيبة حنونة مثلك... بينما أنا أخوض بالكلام إذ عاودت وضع يدها على يدي وهذه المرّة بجدية و رفعتها وقبلتها محدقة فيّ بعينيها الزرقاوين كالبحر و وأنا كالأبله أو المجنون لا أفهم شيئا ولا أقدر على منعها. دبت حرارة في جسدي و احمّر وجهي، فناشدتها أخيرا أن ترأف بي و تعفيني من هذه أشياء التي كانت سجينة بداخلي، لا أريدها أن ترى النور، وليس هذا من جهلي أو تخلفي لكن لأمور احتياطية تحفظني وإياها، لم تسمع لكلامي هذه المرة ولم تنزع يدها وقالت لي: أنت الآن مني وهذا الدم الذي بيننا يجب أن يختلط وربما سيكون شخص واحد، لا تحرمني هذه اللحظات من فضلك. كأنها تستعطفني أو شيء من هذا القبيل و امتلأت عيناها بالدموع وفاضت محاجرها عبرات حارة تكوي الخدود وتجرحها و ارتمت عليّ، وهذه المرة خرجت عن صمتها و قبلتني و يا ليتها لم تفعل تركتني من جرائها مخطوف البال، كأن بي صرع، مناجيا نفسي ماذا فعلت؟ هل قبلتني؟ أقبلة حقيقية أم ماذا؟ ما خطبها؟ قلت لها: ماذا صنعت؟ ولمَ؟ ألم أقل لك أنك متزوجة؟ لقد أوقعتني في الحرام وسوء العاقبة، بالله عليك ألا تعاودي الكرة .
    ردّت عليّ: أنا ما فعلت هذا عن قصد و الله.. هي مشاعر انتفضت وكان ما كان
    أنا آسفة جدا لم أستطع تمالك نفسي وحبس هذه المكنونات، تملصت منها و صرفت نظري من حولي، مريدا تجاهلها ونظراتها وحركاتها التي تزداد من الوقت إلى الآخر.
    وصلت الحافلة التي تقلنا إلى المطار ودخلنا قاعة الانتظار ريثما تسوى وضعيتنا و تعطى لنا أمتعتنا جلست بقربي ومن يرانا يخيّل إليه أننا صديقان أو حبيبان، لا يعلم أن ما بيننا سوى أحداث جمعتنا أو أقدارا إرتئت أن تنزل ضيفا عندنا، وتقرب ما بعدته السنين و المسافات وانسجم القلبان وصار لهما نبض واحد، و بالأخص من جهتها أما أنا ف مازلت شاردا، لا أعي شيئا، فكيف وقد ازدحمت الأمور وقرعت بابي ودخلت و أنا عنها مشغول، يراودني تارة الحنين إلى بيئتي الملتصقة رائحتها بثيابي وبين الأرض التي أنا الآن على محيطها و لا يفصلني عنا سوى هذا المطار وجدران قاعاتها، وهذه المرأة التي جرفتها سيول الحظ العاثر، وقربتها إليّ.
    لا أعلم حقا أخيرا أريد بها أم شرا؟ ولا أجزم أنها مرارة قد نتذوقها، ويحول بيننا ما هو صائب وحق، من يستطيع التقرب من امرأة متزوجة ولها أولاد ؟ هذا ضرب من الجنون و المجازفة.
    قد تعذر هذه المسكينة ولا تعذر، ومن ذا يدخل عقلها ويفتش في أرشيفها و أسرارها، باحثا عن لغز محير، أو سر مدفون؟ ربما لست الأول أو الثاني من تصنع معه هذا الشيء؟ أو قد تكون هذه المرة بادرتها، من يعلم؟
    سمعت نداءا من مكبر الصوت يطلب من التقرب لرواق به جمع من شخصيات محتمة وقائد الطائرة أيضا كان حاضرا. توافدنا نسمع ما يقوله أحدهم بعدما أثنى على شجاعتنا وصبرنا أثناء دخول الطائرة منطقة العاصفة وهبوطها الاضطراري، خاض في الكلام وختم بقوله أنه جد آسف على ما حدث وهذا الخلل أو الحادث خارج عن نطاقهم وتصرفهم، وأضاف: الحمد لله... أنتم سالمين وسترجعون دياركم فرحين. أتم كلامه وتفرق الحضور ونوديا علينا لأخذ أمتعتنا.
    حملت والمرأة متاعنا وخرجنا من المطار فسبقتني ووضعت متاعها على الأرض ونادت صاحب سيارة أجرة ليقلنا إلى بيتها أو بيت أمها و المكان الذي ولدت فيه فما أسرع السائق حين جاء، وبخفة شحن الأمتعة في سيارته، وركبنا.
    خرجنا من ساحة المطار وأخذنا الطريق المؤدي إلى ضاحية من الضواحي البعيدة عن المدينة.
    شبه تائه أنا في هذا التناسق الرائع واصطفاف الأشجار و الطريق المعبّد، والبساط الأخضر الذي لا ينقطع إلا ببيت أو محطة أو قرية.
    ما أقصر المسافة بين المطار و الدار، وأنا الذي حسبتها طويلة على حد قولها، وفي الطريق وعلى لافتة قرأت مدينة (جيولوجيا) خمسة عشر كلم. قلت: لها حقا لم يبقى إلا مسافة قصيرة على وصولنا؟ قالت: نعم و أنت كذلك، هي بضع كيلومترات ونصل. تأمل جيدا في هذه الطبيعة العذراء والجمال الإلهي والهدوء الذي يبعث فيك حلاوة الدنيا ويزيدك بسطة على بسطة وسعادة لا مثيل لها.
    وقبل أن نصل إلى المدينة أو القرية قالت للسائق منزل" فلان " المحاذي للنهر من فضلك. ذاك هو على اليسار، أتراه يا سيدي؟ قال: نعم، حاضر سيدتي . نظرت إليه إذ به منزل من الطراز القديم وحوله سياج وتتشابك به نباتات ملتوية ومنزل صغير أيضا محاذي له، و أشجار تكاد تخفيه، مطل على نهر صغير، كأنه يحاكيه أو يستأنس الواحد منهما بالآخر. انعطفت السيارة يسارا وسارت قليلا ثمّ توقفت.
    قالت لي السيدة: هذا هو المكان الذي ولدت به يا سيدي، عشت معظم عمري وأحلامي وطفولتي هنا، قلت لها: حقا مكان رائع أحسدك عليه يا ليتيسيا.. استوقفتني بقولها: هيا احمل متاعك و اتبعني.
    فعلت ما قالت وتبعتها، طرقت الباب طرقا خفيفا ما لبثت أن جاء من يفتحه وأطلت من وراء الباب امرأة تشبهها تماما عدى ملامح التقدم في السن التي تفصلها عنها، احتضنتها وقالت لها ليتيسيا: إن معي ضيفا كريما عزيز عليّ... ولي معه حكاية سأحكيها لك فيما بعد. تقدمت نحو السيدة الكبيرة وسلمت عليها بوقار يشبه تحية الملوك والنبلاء، ودعتنا للدخول وكان لنا ذلك. تبعتهما حتى وصلا قاعة واسعة بها من الأثاث القديم الرائع ما يخطف العقل، متناغم مرتب ولوحات زيتية هي لطائفة من الرسامين قد زالوا من هذه الدنيا، وما بقى منهم الا هذا الجمال المرسوم يخلد ذكراهم، لم استفق إلا والسيدة تناديني: ما بك هل أعجبتك اللوحات؟ قلت: نعم ومن ذا لا يأخذه سحرها ودقة رسمها، حقا هي جميلة جدا .
    يوما ما سنصبح كهذه اللوحات لا يذكرنا إلا من يعرف قيمتنا ولا يأتي على حديثنا وحكايتنا إلا عابر سبيل بين أروقة الذكريات ردت: صدقت لكن من يخلدنا أو يجعل لنا بين رفوف الزمان مكان ... تعال يا صديقي: لتضع متاعك في هذه الغرفة لقد جهزتها لك وإنها لمجهزة منذ زمن فهي لا تكاد تطأها قدم ولا يدخلها إلا غالي وحبيب قريب على القلب والوجدان..
    دخلت الغرفة ووضعت سترتي وحقيبة اليد و الحقيبة الكبيرة، وبدأت المرأة في توضيب ما فيها داخل الخزانة. وأنا أفتش عن نفسي بين جمال المرأة وخلوتي بها وبين ما تملكه من أشياء ثمينة تركتها هنا، كهذه الصور الرائعة لها في الصغر ومراحل عمرها، وبعض اللعب والمقتنيات التي كانت يوما ما كنزا عندها إنها غرفة صغيرة مرتبة تليق بها حقا.
    قلت لها : إن لك سرير مريح ومضجع هائل وأشياء تدل على انك كنت مدللة وذهب بصري إلى ثياب في الخزانة التي تضع بها متاعي، هي لها على ما اضن، قلت في نفسي حتى اختيار الألوان لم يغب عنها هي ذواقة، أنيقة، تعتني بهندامها، صرفت نظري عن الخزانة كي لا ينقطع نفسي من هذه الثياب الرائعة التي تخيلتها مرتدية إياها.
    قالت لي عندما أتمت وضع وترتيب ثيابي بالخزانة: الآن كل شيء جاهز ولم يبقى لنا إلاٌ أن نعد ما نأكله فالليلة باردة ولنا حديث في السهرة نذهب به ما كدرته متاعب الرحلة. قلت: نعم و لك ما شئت، سأستسمحك لبعض الوقت لألقي نظرة خارج المنزل و أتجول حوله ريثما يعد العشاء، و إن أردت أن أكون مساعدا لك و لأمك فلن أخذلكما أنا جاهز، ردت عليّ: لا خذ راحتك وتجول كما يحلوا لك، أنت في بيتك و بين أهلك. شكرتها على خلقها الرفيع و طيبتها النادرة، وخرجت استنشقت هواء لم أعهده، وأمتع نظري بطبيعة هي الأخرة ترحب بقدومي، وتهلل فرحا لضيافتي، لولا هذه الغيوم و لونها الرمادي الذي يعكس شحوبه على هذه القرية المسكينة والمدينة الصامتة، مشيت ما قدر الله لي أن امشي متفحصا العالم و الأرض و النهر الحزين الذي أفقدته السحب بريقه وجمدت حيويته، وعرجت راجعا بعدها إلى المنزل فوجدتهما قد فرغتا من إعداد الطعام ووضعتاه على طاولة بتقنية لا ينقصها الاّ نبيل من العظماء أو برجوازي قد عهد هذه الطاولات المزركشة و الهادئة في آن واحد، كيف لي أن آكل هكذا و أنا الذي تعودت على تناول طعامي وحدي و على قصعة أو صحن واحد وقد يزيد في غالب الأحيان طبق من سلطة .... هل سأعامل الأطباق كما كنت أفعل بقصعتي؟ وهي الأطباق الثمينة التي لا تحب الضغط عليها بقوة .
    جلست بالقرب من السيدة الكبيرة أمام التلفاز ريثما تأتي ليتيسيا التي حسبتها مازالت بالمطبخ، لكن يا لغبائي هي لم تكن كذلك. وهاهي قادمة تبتسم و النور منها مشع، لقد تغيرت تماما وازدادت بهاء على بهاء و حمرة تقطر دما على وجنتيها، وشعرها المنساب على كتفيها يحرس بريقها وجمالها، لقد كانت بالحمام و لم أتفطن لها.
    اقتربت مني حتى لامست رجلها فخذي و أحسست بسخونة دمها تصعد معي، و ازدادت ضربات قلبي، وصفعني عطرها الأخاذ، وخيل لي أنها سترتمي عليا كعادتها... ثم ضربت على كتفي بيدها الرقيقة الناعمة وقالت لي قم إذا شئت أن تستحم، لقد أعددت لك في الحمام كل شيء، تعال معي لأدلك عليه، سرت معها كطفل صغير خلف أمه لا يحرك ساكنا، محدقا في شعرها المتدلي على كتفيها وجسدها الزجاجي المتمايل، قالت: هاهو الحمام و إن به ما تحتاج، فقط أحضر الأشياء التي سترتديها من الخزانة و لا تطل علينا نحن بانتظارك، ومشت لكن شيئا ما أوقفها ظننتها نسيت أمرا تريد أن تريني إياه .
    وضعت يداها على كتفي وقربت وجهها المضيء إلى وجهي وهي تنظر مباشرة في عيناي و أنا صامت كعادتي. قالت: أريد أن أراك بحلة جديدة، فانزع عنك هذا التفكير و الحيرة، أنت في بيتك. و قبلتني وانصرفت، بقيت جاثما أشبه تمثال يداعبه نحات، لا أكاد أرجع أنفاسي، قائلا في نفسي:" تعودت هذه المرأة التقرب مني، وكلامي لم يجدي معها نفعا " ما قصدها؟
    تركتني واقفا أتذكر كلامها و نظراتها القاتلة و قبلتها الحميمية التي سكنت كالداء ببدني أتذكرها من الحين إلى الآخر فأشعر بقوة تدفعني إلى الذهاب إليها و معانقتها. لكن عندما أتذكر أنها متزوجة تهدأ أفكاري الجنونية و استغفر الله من جراءها، جلبت ما أحتاجه من الخزانة و عرجت على الحمام و لم أدم طويلا فيه رغم أن الماء ساخن و كرسي متوفر أسرعت في ارتداء ثيابي و توجهت صوب قاعة التلفاز أين وجدتهما يتحدثان وما إن وصلت إليهما حتى قاما و قالا بصحتك و توجها إلى المائدة ودعاني إليها. جلست من سوء اختياري وحظي بالكرسي المقابل لها، وجعلت أمها على يساري، وبدأنا في الأكل و هي تحدق بي كأنها أعجبت بطريقة أكلي التي تختلف عنهم، فهم يمسكون السكين باليمنى و يأكلون بالشوكة باليسرى وهذا مخالف لشرعنا، وأيضا نحن نلتهم كمية كبيرة من الخبز أثناء الوجبة الواحدة، وهم عدا قطع صغيرة تكفيهم. يتخلل هذه النظرات التي أبادلها إياها دون وعي مني، ومن الحين إلى الآخر تبتسم لي .
    يا له من عشاء فاخر وجلسة شبه عائلية دافئة بالقرب من امرأتان طيبتان. ذهبت بالتفكير إلى بيئتي المتواضعة و أكلي الذي كنت لا أزيد فيه عن خمسة دقائق وأنهيه والجو وكل شيء، حقا إنها طبيعة مغايرة تماما. انتبهت إلى صوتها الشجي الطروب الهادئ يناديني، يداعب أوتار الفؤاد القاسي المتحجر الذي بدأت تحرقه كلماتها و تهشش ما به من صلابة. قالت لي: أين أنت يا سيدي أراك غائب عنا هل هناك شيء، ما خطبك؟ قلت: لا و الله ...... و تلعثمت من فرط النظر إليها، زادتها فرنسيتي التي لم تعني على إبلاغ الرسالة كاملة، أنا هنا أستمتع بما جدتما به من طيب الأكل والمشرب ومتأسف لشرود عقلي وخاطري الذي ذهب بي إلى موطني و مسقط رأسي . الحمد لله لقد شبعت و سأغسل يداي و أرجع، نهضت و توجهت إلى الحمام.


    غسلت يداي و نظفت فمي ووليت راجعا صوب قاعة الجلوس أمام التلفاز.وجدتهما قد قامتا وبدءتا في رفع الصحون و أخذها إلى المطبخ، الليل بالخارج أنزل ظلمته وحام حول البيت سكون و رهبة من فرط الغيم المتكثف والسواد المرسل على هذه القرية المنعزلة عن ضوضاء المدينة و صخبها وأنوارها المتلألئة، و بالأخص البيت الذي نحن فيه فهو بعيد عن القرية بأمتار ليست بالهينة أو القليلة ، وهذا ما زاد من جماله و هدوئه نهارا .
    بعدما فرغتا السيدتان من عملهما في المطبخ وترتيب ما يلزم وجاءت الواحدة تلوى الأخرى إلى حيث أنا جالس و كلهما نشاط و حيوية. صرت مدللا بينهما ليت شعري ما سر طربهما و بالأخص السيدة الصغيرة التي تراءت لي أنها تريد القرب مني أكثر.
    جلست ليتيسيا وقالت: هل أنت مرتاح الآن يا سيد سيدي؟ وإن كنت تعب أو مرهق تستطيع الذهاب إلى النوم أو الخلو بنفسك أنت حر. قلت لها: إن كان علي الراحة فهي الراحة عينها أعيشها الآن وإن كان على الإرهاق فهو قليل و تغلبت عليه كلماتك و كرم ضيافتكما، أشكركما من كل القلب. دار الحديث بيننا قرابة الساعة تخلله صمت مني. وكان جل الكلام بين الأم و ابنتها فهما يتكلما بلغتهما الأصلية التي لا أفهم منها سوى حروف مبعثرة. انتبهت لي ليتيسيا فوجدتني مطأطأ الرأس. قالت لي: سامحني إن تكلمت بلغتي الأم مع والدتي، فربما يسايرك شك أننا نتحدث في أشياء سرية، إنما هي و الله وحشة فقط للغتنا و استرسال فيها دون وعي. قلت : لا عليك سيدتي أنا غبت عن المكان أو البيت لبعض الوقت، سرحت لأعالج أمورا أو أرسم طريقا، قد يكون غدا بداية الفسحة أو النزهة. فلا تكترثي سيدتي. استسمحتهما و توجهت الى غرفة النوم لأعطي الراحة لأعضائي و فكري، دخلت الغرفة و نزعت ثيابي و لبست ما يصلح للنوم.
    جلست على السرير أحاكي نفسي أبتسم تارة و تارة أخرى محتار من سفري و محطتي. وهذه الأسرة الصغيرة التي تعلقت بي و تعلقت بها. طرق الباب طرقا خفيفا ظريفا قلت من ؟ ردت ليتيسيا: أنا فقط هل أستطيع الدخول ؟
    دثرت نفسي جيدا في الفراش وقلت لها نعم: أدخلي. ولجت وهي في قمة الجمال و الأناقة و الابتسامة لا تفارقها و جلست بالقرب مني على السرير. لم أستطع النظر إليها طويلا في وجهها الذي ينادي مشاعري، أن هبي و انتفضي ولا تبقي حبيسة الصدر. جعلت تكلمني محدقة بي دائما وبعينيّ ، كأنها ساحر لا ينزل عينيه من شيء حتى يتحرك أو يسقط من فرط التعاويذ. قالت لي ثانية : هل أنت مرتاح يا ضيفي العزيز هنا ؟ قلت لها: نعم . لكن كأني ما فهمتها وهي تلمح، أو تجاهلت معانيها و انخفض صوتها قليلا وأمسكت بيدي تداعبها وانخفضت عليا لتقبلي كعادتها أو كأني ملكها أو زوجها أو شيء ما، تنحيت جانبا قائلا بالله عليك ألا تفعلي هذا معي أناشدك الله رأفتا بي و بمشاعري التي لم أكد أكبحها لكنها أصرت. فعاتبتها على ما كان منها، فاستدركت نفسها وطلبت العفو. وجعلت بعدها تحدثني عن نفسها وأهلها... ثم ودعتني .
    حاولت النوم بعدها فلم افلح، زارتني اشياءا كثيرة وحيرة وتشابك افكار نمت بعدها بعناء و صراع وفوضت أمري إلى الله.
    اقبل الصباح مشرقا باسما يبعث بنور شمسه و خيوطها الذهبية على الجبال و التلال وهذا البيت المنحاز عن القرية .
    سمعت الباب يطرق و صوت المرأة ينادي عليا يا "موسيو" ... هل انت مستيقظ؟ تعال لتناول فطورك نحن بانتظارك. ثم انصرفت، نهضت و ارتديت ملابسي وتوجهت إلى الحمام، غسلت وجهي، وسرت إلى المائدة، وجدتها تنتظرني و أمها لتناول الفطور معا، سلمت عليهما وجلست، لم أستطع بادئ الأمر النظر في وجهها، متحاشيا نظراتها لكن وقعت عيني بعينها فتبسمت وحركت رأسها بهدوء. وقالت: هل نمت جيدا يا سيدي؟ قلت: نعم. و أي نوم؟ لقد كنت أبحث عنه البارحة في كل أرجاء الغرفة دون جدوى و بكلل و تعب وجدني. ضحكت من كلامي و غمزتني بعينها، كأنها تريد القول: أنا أفهمك جيدا لا داعي للذكر. تناولت ما قدر الله لي من فطور و أخذت فنجال قهوة وسرت إلى قاعة الضيوف أقلب إذاعات التلفاز ريثما يطلع النهار جيدا وتدفئ أشعة الشمس المكان لتذهب عنه برد البارحة و تبدد غيومه التي لم يبقى منها إلا بقع صغيرة متناثرة .
    نظرت من النافذة المطلة على الجهة الخلفية للمنزل و المقابلة للنهر فلم أصدق نفسي، أنا هنا في بيت كهذا على نهر جميل كنت اصنع مثله في مخيلتي الشحيحة . ضحكت من حالي وعجلت الخروج صوب النهر للاستنشاق عبق الصباح وسحر الطبيعة الغناء، جعلت أروح وأرجع على حافة النهر أتأمل جيدا في مائه وتربة حافته والاخضرار الذي يلمع من الندى عليه. لحقت بي ليتيسيا وحين اقتربت قالت: هل أعجبك النهر؟ وهل عندكم مثله؟ تبسمت من قولها وقلت: نعم عندنا واد يسمى( واد جدي). لكن أي واد أو نهر يشبه هذا. الذي هو كطفل مدلل نائم: أخشى أن اوقضه أو أزعجه. إن لنا واد عريض على ضفتيه نخيل أو شجر التمر، وهو يشق القرية. جميل جدا. لكن أين هو من هذا النهر أو العروس التي لم تنزع حلتها بعد.
    ردت عليا: إني مشتاقة لزيارته والقرية. والتعرف على عاداتكم. ثم قالت: تعال معي لأريك باقي المنزل والبيت المحاذي له والحديقة. سرت معها متلهفا للتطلع والتعرف. أدخلتني بيتا صغيرا متواضع. قالت: هذا كان لأحد عمال الحديقة الكبيرة والذي كان يقطن قرية أخرى بعيدة، لقد رحل منذ شهور لأن زوجته مريضة ولم يستطع البقاء هنا معها فسافر إلى حيث عائلتها. تجولنا به وخرجنا إلى الحديقة التي قالت لي أنها صارت صغيرة جدا بعد رحيل العامل و أمي لا تستطيع إنفاق المال الكثير عليها وعلى العامل الجديد الذي سيأتي فلما مات أبي الذي كان يعيلها تغير كل شيء و صرت أنا من يعيلها وهي لا تقوى على العمل لهذا صارت الحديقة صغيرة و تعتني بها أمي فقط .
    جلسنا بعد هذه الجولة الصغيرة أمام الباب على كرسي طويل خشبي بقربه مائدة جميلة من الخشب الصلب وجعلت تحدثني عن كل شيئ محيط بنا، وتذكر لي الأشياء التي شق عليا فهمها، فهذا الطريق المؤدي الى القرية وهذه ضيعة فلان، وذاك المنزل البعيد هو لفلان من عائلة ثرية نبيلة...
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 27-11-2009, 22:29. سبب آخر: خطأ فى التصنيف
    [frame="11 98"]لتكون الكلمة صخرة لا تزحزحها اعاصير الحضارة الزائفة.[/frame]
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    بلقاسم .. أهلا بك
    هذه ليست قصة صديقى
    إنها رواية أخى الطيب
    و كان يجب أن تقطعها ، و تنشرها على فترات
    رواية تمتلىء بالتفاصيل ، و السرد الجاذب ، الجميل ، و إن تخللته الأخطاء
    التى يمكن تجاوزها ، و تصويبها بسهولة ، عند المراجعة !!

    قرأت جانبا منها ، و لم تتح لى الظروف استكمالها حد الانتهاء ، فى عودة إليها ، إن شاء الله !!
    أهلا بك أخى الطيب
    و شكرا لك

    محبتى
    sigpic

    تعليق

    • بلقاسم عفيصه
      أديب وكاتب
      • 16-03-2008
      • 60

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
      بلقاسم .. أهلا بك
      هذه ليست قصة صديقى
      إنها رواية أخى الطيب
      و كان يجب أن تقطعها ، و تنشرها على فترات
      رواية تمتلىء بالتفاصيل ، و السرد الجاذب ، الجميل ، و إن تخللته الأخطاء
      التى يمكن تجاوزها ، و تصويبها بسهولة ، عند المراجعة !!

      قرأت جانبا منها ، و لم تتح لى الظروف استكمالها حد الانتهاء ، فى عودة إليها ، إن شاء الله !!
      أهلا بك أخى الطيب
      و شكرا لك

      محبتى
      جزيل لبشكر لك سيدي واتمنى ان اوفق في مسيرتي . ولن شئت سيدي انر دربي بتوجيهاتك وانا انتظر التوضيحات بخصوص الاخطاء وغيرها.
      [frame="11 98"]لتكون الكلمة صخرة لا تزحزحها اعاصير الحضارة الزائفة.[/frame]

      تعليق

      • عماد يوسف محمد
        عضو الملتقى
        • 29-10-2009
        • 13

        #4
        رائعة بصوت ضمير المتكلم .. وانا اقول ليست رواية قصيرة فلا اجد مسمي فى عالم القصة بذلك الاسم .. هى قصة قصيرة فعلاً ولان القصة مجرد دوامة صغيرة فى نهر اما الرواية من المنبع الى المصب ..وانت تملك ملكة ابداعية جميلة ..شكرا استاذى بلقاسم ..

        تعليق

        • بلقاسم عفيصه
          أديب وكاتب
          • 16-03-2008
          • 60

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عماد يوسف محمد مشاهدة المشاركة
          رائعة بصوت ضمير المتكلم .. وانا اقول ليست رواية قصيرة فلا اجد مسمي فى عالم القصة بذلك الاسم .. هى قصة قصيرة فعلاً ولان القصة مجرد دوامة صغيرة فى نهر اما الرواية من المنبع الى المصب ..وانت تملك ملكة ابداعية جميلة ..شكرا استاذى بلقاسم ..
          بارك الله فيك اخي الكريم على المرور الطيب.. صدقت حقا هي قصة توحي بالكثير وهي مشروع رواية في صدد اكماله بعون الله. جزيل الشكر لك استاذ.
          [frame="11 98"]لتكون الكلمة صخرة لا تزحزحها اعاصير الحضارة الزائفة.[/frame]

          تعليق

          يعمل...
          X