[align=center]1[/align]
زمجرت السماء واسودت .. وانهمر المطر .. حملت معطفي على كتفي ووضعت كتبي في كيس نايلون يحميها من البلل , وخرجت من المنزل … توقفت لبرهة وأنا أنظر إلى الخيمة التي نصبت أمام بيت "سي حسين" في نهاية الشارع ,, لم تكن ثمة خيمة حتى ما بعد صلاة العشاء من الليلة البارحة .. سرت إلى الخيمة بفضول , كلما اقتربت خطوة كلما تعالى صوت بكاء وعويل وصياح .. أيقنت أن "سي حسين" مات … رجل مريض قد تجاوز السبعين من عمره لابد أن يكون أقرب أهل بيته إلى القبر ..
ولم يكن في بيته إلا زوجه التي جاوزت الخمسين وابنه الوحيد (وحيد) الذي كان في مثل سني أو أصغر قليلا .. في السادسة عشر أو السابعة عشر .. ربما …
هززت رأسي أسفا , فأمام الموت ترتبك الخطوات ويضيع الكلام وتسكت الضحكات .. أبي دائما يقول : " من لم يتعظ من الموت فلا واعظ له".. واتخذت سبيلي إلى المدرسة أفكر في " سي حسين"..
كان " سي حسين " أنيقا رغم شيخوخته , يحب دائما التبختر في بدل رسمية كل صباح أما يوم الجمعة فكان يطيب له لبس الزي الليبي التقليدي من بدلة عربية وفرملة و زبون ويضع شنة حمراء بها شنوارة على رأسه , وكان يمشي إلى المخبز والسوق القريبة وكشك الصحف , فلا عمل لديه .. إذ أنه تقاعد منذ أمد .. لم يكن يلقي التحية إلا على أناس معينين " سليم الجزار" صاحب الشاربين الطويلين و ( لطعة الصلاة ) رغم أنه لا يذهب إلى المسجد بتاتا .. و " وونيس الكواش" النحيف ذي البشرة المحروقة التي تبدو كأنها رغيف تأخر إخراجه من (الكوشة) والأستاذ " يوسف " مدرس الرياضة واللاعب السابق في النادي الذي يفضله أغلب أهل المدينة , والدكتور "خالد" طبيب الأسنان .. هؤلاء هم من ضبطته متلبسا بإلقاء التحية عليهم .. أما نحن معشر رجال المستقبل فلا وجود لنا في معاجمه .. غالبا ما كنت أعتقد أننا ضئيلو الحجم مثل نملة إلى الحد الذي يجعله لا يرانا .. وهل نرى النملة في طريقنا لنلقي عليها التحية ؟
لم أقتنع بالفكرة مع كل محاولاتي لتناولها في جميع جوانب دماغي .. أنا وتحديدا منذ سنتين أطول منه بكثير .. والمفترض أن أملأ عينيه شاء أم أبى .. لم أفهم ما الذي يجعله يصر على إطلاق التحية على جزار رائحته ( زفرة) وخباز رائحته عرق .. ومدرب كرة في الخمسين لم يتزوج بعد الأمر الذي سمح لأصحاب الخيال الجامح بنسج الروايات العديدة عن انحرافه وشذوذه مع كل ما يبديه من رفعة أخلاق ظاهرة ...
واقتنعت أن يكن سي حسين هذا الاحترام لطبيب الأسنان لأنه في نظري جدير بالاحترام , فهو متعلم ومثقف ومهندم علاوة على أنه طيب القلب .. ولكن ما شأنه بالثلاثة الباقين؟ وقد سمعت سي حسين مرة يقول للدكتور خالد : " إن شاء الله ولدي وحيد يصير دكتور أسنان مثلك " ..
كان يعد الكثير من الخطط لمستقبل ابنه الذي شرفه بعد طول انتظار , ولهذا كان يتدخل في أدق تفاصيل حياته .. كنا نراه يشتري له ملابسه , ويختار له مدرسيه الخاصين , وكان كثيرا ما يصحبه في مسيره في الشارع منذ طفولته ..
ومنذ طفولته لم يكن يسمح له باللعب معنا , وكان كثيرا ما يناديه عندما يحاول الاقتراب منا ويقول له :
- ابتعد عن اللعب مع هؤلاء ! هم ليسوا من مستواك ..
ولم يكن يقيم وزنا لشعورنا ولا لرغبة ابنه الذي يبتعد عنا وفي عينيه لهفة وفي قلبه شوق للعب معنا.. ولهذا حملنا في أنفسنا كرها كبيرا لذلك العجوز المتكبر المتعجرف ..
تذكرت أنه في مرة من المرات ضبطه يبادلني البطش (البلي) ببعض البلي التي يملكها ولا يلعب بها, وقال لي يومها إنه مل من الألوان التي معه ويرغب في اقتناء ألوان أخرى .. وكنا طبعا عندما نلعب تنتقل البلية الواحدة من طفل إلى آخر , لأن لعب البلي في العادة هو نوع من القمار الذي لم يكلف والدينا أنفسهم بالنهي عنه .. ولم أدر كيف ظهر سي حسين وكيف أمسك بيدي ليصفعني بقوة .. ويصحب وحيدا بعيدا عني قائلا له ومتعمدا أن يجعلني أسمع ما يقول :
- ألا تعرف أن البلي تنقل العدوى من أيديهم المتسخة .. ارم أمامي كل بلية في يدك وسأشتري لك أخريات بدلا عنها ..
ورمى المسكين كل البلي وعيناه دامعتان ...
وفي بداية العام الدراسي الحالي جاء وحيد إلى المدرسة بسيارة جديدة (أصفار) , قال إن والده اشتراها له بسبب وصوله إلى الثانوية العامة .. وتجلت فرحته بالسيارة في قيادته لها بسرعة فائقة في كل مرة أراه فيها ..
وفي المدرسة علمت أن المتوفى لم يكن سي حسين وإنما ابنه وحيد الذي فقدت سيارته توازنها وتهاوت به من أعلى الجسر لتسقط ويسقط داخل هيكلها الحديدي صريعا ...
[align=center]2[/align]
في رواق العزاء كان سي حسين حاضرا بجسده ..
نظره كان شاخصا إلى السماء بالكاد ينتبه إلى من يحدثه ...
وكان يتأخر كثيرا في مد يده إلى معزييه .. كان أبي من ضمنهم .. والخباز والجزار والمدرب الرياضي لا يبرحون المكان .. أما الدكتور فلم أره كثيرا وإن كان يحضر من حين لآخر وبسرعة قبل ذهابه إلى العيادة أو بعد عودته منها ..
ولم أعز سي حسين ... ومع هذا جلست على مقربة منه كي يراني , ويعرف أنني حضرت رغم كل شيء .. لكن يدي لم تمتد إليه ولساني لم ينطق بكلمة واحدة تجبر بخاطره ..
خفت أن يزمجر في وجهي ويتهمني بأني سبب وفاة ابنه لأنني كنت أتسابق معه بسيارتي.. مع أني لا أملك سيارة ولم أتعلم القيادة بعد ..
خشيت أن يدعو علي ويتمنى لي الموت بديلا عن ابنه الذي لا يستحق هذا المصير .. في نظره ..
وتألمت كثيرا وأنا أرى دموع سي حسين تنهمر حينا .. وتجف حينا آخر .. في آخر ليلة من ليالي (السهرية) التي قضيتها في مد (سفرة الشاي) وإيقاد النار في الفحم داخل (ديسكو) سيارة ..كان سي حسين يمزح مع معزييه في الليلة الثالثة والأخيرة ويبتسم ثم يجهش بالبكاء وكأنه مجنون ..
صباح اليوم الرابع علمت أن "سي حسين" قد نقل إلى المستشفى ...
[align=center]3[/align]
بعد شهر وفي يوم ربيعي مشمس رائق النسمات رأيت خيمة أخرى أمام منزل "سي حسين" .. هززت رأسي وقلت لنفسي لعلها زوجه هذه المرة ..
اقتربت من الخيمة .. ليس ثمة صوت بكاء أو عويل .. كل شيء كان هادئا .. ووقف رجل طويل ملتح أبيض البشرة يتلقى التعازي .. سألت جارا لي : من المتوفى ؟
أجابني : ومن سيكون ؟ عمك حسين الله يرحمه ..
ولم أر الخباز ولا الجزار طيلة ليالي العزاء .. وجاء المدرب الرياضي ليؤكد حضوره بقوة من خلال النكات التي يلقيها عن حياته في الملاعب وخارجها .. وأضفى على الخيمة جوا من المرح لم يكن ينقصها من الأساس.. وثالث ليلة جاء الدكتور خالد عائدا من عيادته .. ليمرر يده على الواقفين في طابور العزاء .. ويشق طريقه إلى شقته ...
ولأول مرة تذكرت وحيدا ...
أحسست بغصة في حلقي .. وتجمعت الدموع في عيني .. أخفضت رأسي ودفنته بين يدي .. وبكيت .. بكيت طويلا .. طويلا ..
زمجرت السماء واسودت .. وانهمر المطر .. حملت معطفي على كتفي ووضعت كتبي في كيس نايلون يحميها من البلل , وخرجت من المنزل … توقفت لبرهة وأنا أنظر إلى الخيمة التي نصبت أمام بيت "سي حسين" في نهاية الشارع ,, لم تكن ثمة خيمة حتى ما بعد صلاة العشاء من الليلة البارحة .. سرت إلى الخيمة بفضول , كلما اقتربت خطوة كلما تعالى صوت بكاء وعويل وصياح .. أيقنت أن "سي حسين" مات … رجل مريض قد تجاوز السبعين من عمره لابد أن يكون أقرب أهل بيته إلى القبر ..
ولم يكن في بيته إلا زوجه التي جاوزت الخمسين وابنه الوحيد (وحيد) الذي كان في مثل سني أو أصغر قليلا .. في السادسة عشر أو السابعة عشر .. ربما …
هززت رأسي أسفا , فأمام الموت ترتبك الخطوات ويضيع الكلام وتسكت الضحكات .. أبي دائما يقول : " من لم يتعظ من الموت فلا واعظ له".. واتخذت سبيلي إلى المدرسة أفكر في " سي حسين"..
كان " سي حسين " أنيقا رغم شيخوخته , يحب دائما التبختر في بدل رسمية كل صباح أما يوم الجمعة فكان يطيب له لبس الزي الليبي التقليدي من بدلة عربية وفرملة و زبون ويضع شنة حمراء بها شنوارة على رأسه , وكان يمشي إلى المخبز والسوق القريبة وكشك الصحف , فلا عمل لديه .. إذ أنه تقاعد منذ أمد .. لم يكن يلقي التحية إلا على أناس معينين " سليم الجزار" صاحب الشاربين الطويلين و ( لطعة الصلاة ) رغم أنه لا يذهب إلى المسجد بتاتا .. و " وونيس الكواش" النحيف ذي البشرة المحروقة التي تبدو كأنها رغيف تأخر إخراجه من (الكوشة) والأستاذ " يوسف " مدرس الرياضة واللاعب السابق في النادي الذي يفضله أغلب أهل المدينة , والدكتور "خالد" طبيب الأسنان .. هؤلاء هم من ضبطته متلبسا بإلقاء التحية عليهم .. أما نحن معشر رجال المستقبل فلا وجود لنا في معاجمه .. غالبا ما كنت أعتقد أننا ضئيلو الحجم مثل نملة إلى الحد الذي يجعله لا يرانا .. وهل نرى النملة في طريقنا لنلقي عليها التحية ؟
لم أقتنع بالفكرة مع كل محاولاتي لتناولها في جميع جوانب دماغي .. أنا وتحديدا منذ سنتين أطول منه بكثير .. والمفترض أن أملأ عينيه شاء أم أبى .. لم أفهم ما الذي يجعله يصر على إطلاق التحية على جزار رائحته ( زفرة) وخباز رائحته عرق .. ومدرب كرة في الخمسين لم يتزوج بعد الأمر الذي سمح لأصحاب الخيال الجامح بنسج الروايات العديدة عن انحرافه وشذوذه مع كل ما يبديه من رفعة أخلاق ظاهرة ...
واقتنعت أن يكن سي حسين هذا الاحترام لطبيب الأسنان لأنه في نظري جدير بالاحترام , فهو متعلم ومثقف ومهندم علاوة على أنه طيب القلب .. ولكن ما شأنه بالثلاثة الباقين؟ وقد سمعت سي حسين مرة يقول للدكتور خالد : " إن شاء الله ولدي وحيد يصير دكتور أسنان مثلك " ..
كان يعد الكثير من الخطط لمستقبل ابنه الذي شرفه بعد طول انتظار , ولهذا كان يتدخل في أدق تفاصيل حياته .. كنا نراه يشتري له ملابسه , ويختار له مدرسيه الخاصين , وكان كثيرا ما يصحبه في مسيره في الشارع منذ طفولته ..
ومنذ طفولته لم يكن يسمح له باللعب معنا , وكان كثيرا ما يناديه عندما يحاول الاقتراب منا ويقول له :
- ابتعد عن اللعب مع هؤلاء ! هم ليسوا من مستواك ..
ولم يكن يقيم وزنا لشعورنا ولا لرغبة ابنه الذي يبتعد عنا وفي عينيه لهفة وفي قلبه شوق للعب معنا.. ولهذا حملنا في أنفسنا كرها كبيرا لذلك العجوز المتكبر المتعجرف ..
تذكرت أنه في مرة من المرات ضبطه يبادلني البطش (البلي) ببعض البلي التي يملكها ولا يلعب بها, وقال لي يومها إنه مل من الألوان التي معه ويرغب في اقتناء ألوان أخرى .. وكنا طبعا عندما نلعب تنتقل البلية الواحدة من طفل إلى آخر , لأن لعب البلي في العادة هو نوع من القمار الذي لم يكلف والدينا أنفسهم بالنهي عنه .. ولم أدر كيف ظهر سي حسين وكيف أمسك بيدي ليصفعني بقوة .. ويصحب وحيدا بعيدا عني قائلا له ومتعمدا أن يجعلني أسمع ما يقول :
- ألا تعرف أن البلي تنقل العدوى من أيديهم المتسخة .. ارم أمامي كل بلية في يدك وسأشتري لك أخريات بدلا عنها ..
ورمى المسكين كل البلي وعيناه دامعتان ...
وفي بداية العام الدراسي الحالي جاء وحيد إلى المدرسة بسيارة جديدة (أصفار) , قال إن والده اشتراها له بسبب وصوله إلى الثانوية العامة .. وتجلت فرحته بالسيارة في قيادته لها بسرعة فائقة في كل مرة أراه فيها ..
وفي المدرسة علمت أن المتوفى لم يكن سي حسين وإنما ابنه وحيد الذي فقدت سيارته توازنها وتهاوت به من أعلى الجسر لتسقط ويسقط داخل هيكلها الحديدي صريعا ...
[align=center]2[/align]
في رواق العزاء كان سي حسين حاضرا بجسده ..
نظره كان شاخصا إلى السماء بالكاد ينتبه إلى من يحدثه ...
وكان يتأخر كثيرا في مد يده إلى معزييه .. كان أبي من ضمنهم .. والخباز والجزار والمدرب الرياضي لا يبرحون المكان .. أما الدكتور فلم أره كثيرا وإن كان يحضر من حين لآخر وبسرعة قبل ذهابه إلى العيادة أو بعد عودته منها ..
ولم أعز سي حسين ... ومع هذا جلست على مقربة منه كي يراني , ويعرف أنني حضرت رغم كل شيء .. لكن يدي لم تمتد إليه ولساني لم ينطق بكلمة واحدة تجبر بخاطره ..
خفت أن يزمجر في وجهي ويتهمني بأني سبب وفاة ابنه لأنني كنت أتسابق معه بسيارتي.. مع أني لا أملك سيارة ولم أتعلم القيادة بعد ..
خشيت أن يدعو علي ويتمنى لي الموت بديلا عن ابنه الذي لا يستحق هذا المصير .. في نظره ..
وتألمت كثيرا وأنا أرى دموع سي حسين تنهمر حينا .. وتجف حينا آخر .. في آخر ليلة من ليالي (السهرية) التي قضيتها في مد (سفرة الشاي) وإيقاد النار في الفحم داخل (ديسكو) سيارة ..كان سي حسين يمزح مع معزييه في الليلة الثالثة والأخيرة ويبتسم ثم يجهش بالبكاء وكأنه مجنون ..
صباح اليوم الرابع علمت أن "سي حسين" قد نقل إلى المستشفى ...
[align=center]3[/align]
بعد شهر وفي يوم ربيعي مشمس رائق النسمات رأيت خيمة أخرى أمام منزل "سي حسين" .. هززت رأسي وقلت لنفسي لعلها زوجه هذه المرة ..
اقتربت من الخيمة .. ليس ثمة صوت بكاء أو عويل .. كل شيء كان هادئا .. ووقف رجل طويل ملتح أبيض البشرة يتلقى التعازي .. سألت جارا لي : من المتوفى ؟
أجابني : ومن سيكون ؟ عمك حسين الله يرحمه ..
ولم أر الخباز ولا الجزار طيلة ليالي العزاء .. وجاء المدرب الرياضي ليؤكد حضوره بقوة من خلال النكات التي يلقيها عن حياته في الملاعب وخارجها .. وأضفى على الخيمة جوا من المرح لم يكن ينقصها من الأساس.. وثالث ليلة جاء الدكتور خالد عائدا من عيادته .. ليمرر يده على الواقفين في طابور العزاء .. ويشق طريقه إلى شقته ...
ولأول مرة تذكرت وحيدا ...
أحسست بغصة في حلقي .. وتجمعت الدموع في عيني .. أخفضت رأسي ودفنته بين يدي .. وبكيت .. بكيت طويلا .. طويلا ..
تعليق