[align=center]ابتسام ابراهيم تريسي
أم ابراهيم ابتسام ابراهيم تريسي[/align]
في مجلس ضم أهل الأدب قديما قال ناقد :
_ الشعر للرجال ولا توجد امرأة شاعرة تضاهي الشعراء . .
قال ناقد آخر متسائلا :
_ وماذا تقول في تماضر ( الخنساء ) ؟
فرد عليه الأول :
_ هذه بأربع خصى ! .
أي أنها تفوقت حتى على الفحول بشعرها . .
هذا ما خطر ببالي طيلة قراءتي لرواية ( جبل السماق ) الجزء الثاني التي خصصت لها يوما كاملا مشدودا منذ بدايتها حتى نهايتها معيدا كثيرا من الأحيان الصفحات حين أضيع عن التسلسل لأبقى مع الخط الروائي والتداعيات . . ما أكثر شخصيات الرواية وما أكثر الأسماء حتى خيّل إلي أن ابتسام تطمح أن تذكر كل أسماء الشعب السوري من شماله إلى جنوبه ومنتقلة من قرية إلى ضاحية إلى مدينة خلف مدينة وكأنها تحمل كاميرا وتبدع تصوير الطبيعة بأجمل كلمات شاعرية كما في الصفحة 144 مثلا ( لنيسان في هذه الجبال المنعزلة نكهة مختلفة ، نسماته مخنوقة برائحة الزهر والشجر حتى أنها تكتم الأنفاس . مساء خطر لي التوغل قليلا نحو الغرب في طريق ضيق لا يتسع لخطواتي ، انفرجت الأشجار عن فسحة مزروعة بالدخان وبعض أشجار الليمون والزيتون تتربع على حوافها أشجار التوت البرّي ، وعنب الديب والحميصة الصفراء ، احتضنتني شجرة صفصاف كبيرة ، وأرخيت عنان الحلم ليقتنص الروائح والأصوات الجميلة لطيور لا توجد إلا في هذه المنطقة ، اصطادتني الرائحة ، ورمتني في شباك وهم جديد وأخذت بيدي برفق فتبدى الحلم يقينا ما دمت لا أشعر بالموجودات . ) فهي لا تصف بالكلمات بل تضع القارئ فيها ليكون جزءا من الصورة البصرية بإحساس حقيقي هذا والكاميرا تنتقل معك جملة جملة ولهذه الكاميرا صفات لا تستطيعها آلة تصوير إذ هي مجهزة بثقافة وتاريخ وذاكرة لا ذاكرة واحدة فحسب بل ذاكرات كثيرة أهمها ذاكرة احتوت كل تلك الذاكرات بل وهيمنت عليها ويمكن القول أيضا إنها تماهت مع كل الذاكرات وأهمها ذاكرة الراوي الرجل الذي سيطرت طبيعته حتى الجسدية على كل العمل الروائي وأذابت الكاتبة فيه ماهيتها الأنثوية إلى حد بذر الشكوك في نفسي كقارئ وللحقيقة لم ألحظ طبيعة الأنثى داخل الرواية إلا قليلا فقد كانت تفلت منها أزمـّـة الخطة وتنساح أنوثتها لا شعوريا كما في الصفحة 30 ( بعد زواجه من عائشة بأشهر قليلة فاحت رائحة القلق في الزقاق ، وتناقلت النسوة همسا أسرارا تقول إن خلافا بينهما تطور إلى ضرب محمد لعائشة ، ثم سمعهن يقلن إنها ،، نزفت كثيرا ،، من الدم وأن أم خيرو النقاشة قد أخذتها لعند بدرية ) والصفحة 69 ( لم يطل الزمن ، فقد وجدت مريم نفسها تنساق وراء أم خيرو النقاشة إلى تكيّة الشيخ ليكتب لها حجابا بالمحبة تضعه لمحمد في ملابسه بعد أن طلّق عائشة لأسباب تضاربت على ألسنة النسوة منها أنها لا تنجب ، ومنها أنها ليست بكرا ومنها . . . ) وكذلك عندما مات الطفل جمال ابن الراوي رغم أنه على لسان رجل ولكن الوصف والمشاعر كانت أعمق وأحدّ من مشاعر رجل .
أما عن تنقل الرجل بمشاعره من أنثى إلى أنثى فكان يدهشني ويقنعني أن الراوي ذكر مشبع بالذكورة على مساحة كل الرواية حتى الناحية الحسية وغيرها كما في الصفحة 178 ( جلست حفيظة بقامتها الممتلئة على حافة الفراش وناولتني كأسا ، لم تفلح محاولاتي في التملّص فقد دفعته حفيظة في فمي كأنها تسقي طفلا صغيرا جرعة دواء . شعرت أن الغرفة تدور بي بعد وقت لم أعرفه ، وسمعت أصواتا غاضبة تصرخ بي أن أخرج ، ورجال القرية مجتمعون لقتلي ، وذئاب تعوي في الخارج اصطكت أسناني ، وارتجف جسدي ، ووجدت رأسي بين نهديها وهي تهزني متسائلة مابك ؟ كانت حفيظة تضحك ، جسدها يرتج ، عيناها تقطران شهوة ، فتحت لي حفيظة باب الجنة لأعبر إلى دنيا الرعشة بيدين دافئتين تغلان عميقا ، تفكان أسوارا وتعبران . . . )
ولم تترك الكاتبة حتى التلميح لما عرفت عنه ( في التعليقات الشعبية ) تلك المنطقة بالميل لحب الذكر ووصف ما يحلو للرجل في الغلام المحبوب من نعومة تميل للأنوثة وكبر المؤخرة وإن لم تذكر ذلك تصريحا فقد ذكرت الامتلاء في جسد ( الحبّوب ) . .
ومن أجمل ما هزني جملة في الصفحة 216 :
[ اشتعلت حرائق في داخلي حتى شممت رائحة جلدي ]
أكثر ما كان يجعلني أعود لقراءة الصفحات هي تذكّر حدث ( قصة ) وهي تروي قصة فتنبت كأنها تحدث الآن لا كذكرى ولكني كنت أفاجأ أحيانا بالمصادفات التي تخلقها الراوية فتجعل أسماء بعينها تعود وتتمركز في سياق حياة الراوي المتنقل من قرية إلى أخرى أو من مدينة إلى مدينة كـ اسم خرما مثلا وجملتها التي وضعتها الكاتبة دون أن توضح للقارئ هل هي نفس خرما أم هي خرما أخرى وفلتت منها جملة بالصدفة والذي وصلني أنها تريد أن تشي بأن خرما هي خرما فقط لا تريد أن تعيد قصتها أو أنها خشيت من هذه التدخيلة فكنت ألاحظ أن النساء في الرواية تشبه نساء ألف ليلة وليلة وكل واحدة منهن تدخل بشكل مفاجئ على الراوي ولكل منهن شبه مع من قبلها طبعا هذا ليس للكل ولكن أكثر من صار له ميل نحوهن ومثال على ذلك اخترته من الصفحة 214 ( أخذت فنجان الشاي من يدها وانا أحتفظ بذهولي . هي ، نعم ، تلك الغزالة الشاردة التي اقتحمت خلوتي في البرية وسرقت " علبة دخان الريم " وأضحكت الصبايا عليّ ، قلت : ‘‘ أنت . . . ‘‘ ردت وهي ترفع كتفيها بلا مبالاة " لا أظن . . لم أرك قبل الآن . . )
أما عن الحزب القومي السوري في الرواية فاختارت الكاتبة شخصية سطحية بطرحها للفكر القومي السوري وجعلته شخصا غير مخلص حتى لمبادئه القومية وما زال محتفظا بعصبيته ( القومية الكردية ) وهذا لعمري لا يستقيم مع مؤمن بفكر أنطون سعادة السورية القومية الاجتماعية .
وهنا أقول انساقت الكاتبة مع رأي الإعلام السطحي السائد في الشارع في الخمسينيات والستينيات عكس مثلا ما تعاملت به مع حزب البعث وتيار العروبة الناصرية فهي أدانت بمعرفة وتعاطفت بمعرفة بينما النموذج اليتيم الذي اختارته للقومية السورية لا يمثلها أبدا إلا من جهة ما كان يشاع عنهم أكثر مما هو حقيقة فكر أنطون سعادة . . فلا أدري من أين استقت فكرة سوريا الكبرى ومن أي رفيق قومي يطرح هذا . . وأذكر أن هذه الفكرة فكرة سوريا الكبرى هي فكرة بريطانية من الأسرة الهاشمية الأردنية وكذلك فكرة الهلال الخصيب هي فكرة بريطانية من الأسرة الهاشمية العراقية وإن كانت الفكرة الأولى تلتقي مع الفكر القومي السوري وليس كليا
وكذلك الثانية تلتقي مع فكر الحزب وأيضا ليس كليا ولكن الدعاية ضد الحزب أيامها ربطت الدعوتين بالحزب وبارتباطاته الغربية وما أكثر ما أشيع أيامها وأكثر من كان يطلق الإشاعات الإعلام الناصري وورثه بامتياز كبير إعلام البعثيين . .
وبما أن الرواية لا تكتب تاريخا موثقا بل تتبع حركة الشارع السوري فيمكن تقبل هذا وعلى نفس طريقة فيلم أحلام مدينة للمخرج السوري محمد ملص الذي ذكر الحزب السوري القومي الاجتماعي في فترة الخمسينيات فقط وكأنه يوحي بأنه من الأحزاب التي ظهرت وبادت في تلك الفترة كما باد حزب الشعب والاستقلال وغيره وهذا موقف لا يتسم بالعدل . . ولا المعرفة الحقيقية لطبيعة الحزب السوري القومي الاجتماعي
ويمكن أن أقبل كقارئ من الكاتبة أن الحزب لوحق وألغي وجوده من الحياة السياسية مع اتهامه بمقتل عدنان المالكي . . وما لحق بأسر أعضائه وأعضائه يساوي إن لم يكن يفوق ما لاقاه أعضاء الأحزاب الأخرى على يد السراج والحكم الناصري وبعده الحكم البعثي من تعذيب وسحل وقتل وغيره . .
وأعود من الاستطراد الضروري لأصل بالرواية إلى ملحمتها في فصلها ( الخروج إلى التيه ) وصولا إلـى ( ما بعد التيه ) والتي سطرت فيها الكاتبة ملحمة لا يمكن لروائية أن تكتب من الخيال أو من السماع أو من قراءة أوراق ومذكرات المعتقلين .
وللحق كنت أقول هذا الفصل بالذات لا يمكن إلا أن تكون ابتسام تريسي بنت معتقلات وبنت سجون وذاقت من أصناف التعذيب ما يعجز عن وصفه سوى من خاض تلك التجربة المرة وكانت له القدرة على الكتابة بهذه الذاكرة المبدعة وتمتلك تلك اللغة الفاجعية حد الإبداع والكفر بكل إنسانية الإنسان في هذا الوطن الخاسر بذاته وأهله . .
ولا أدري ما الذي اكتنف الكاتبة وهي تكتب الرواية وما تزال في بدايتها حين شعرت بالملل وكتبت
( هل أنهي الرواية عند هذا الحد ؟ ) في الصفحة 73
وكانت قبل ذلك بصفحات قليلة على لسان الراوي كانت قد داخلها شعور بالتميز
وبأنها ككاتبة تعيد تشكيل العالم وخلقه من جديد ففي الصفحة 68 جاء :
( كثيرا ما خطر لي أن صنعتي تلك تشبه صنعة الخالق في ترتيب الكون . لا أعرف كم مضى من الوقت وأنا على حال من الانكفاء على الورق . . . )
برعت الكاتبة في كل اتجاه خاضت فيه ( مناقشة القضايا الوطنية ) إلى مناقشة الفترة الزمنية دون أن تنسى التفاصيل للحياة اليومية للراوي كمعلم يتنقل من مدرسة إلى أخرى في القرى المنسية من الحكومة وحالة التخلف التي تعيشها تلك القرى واصفة كمشاهد حي لطبيعة الناس والبيئة الطبيعية والمساكن والطرقات وغيرها وكذلك مدينة درعا مثلا فلا يمكن أن تكون الكاتبة إلا وقد زارت تلك المدينة على أرض الواقع وتقصت عنها كيف كانت قبل أن تصير إلى حالها الآن عمرانيا ،
وتفوقت بإبداعها بوصف القرى الحدودية الشمالية ولا يمكن للوصف وحده أن يغني القارئ فقد أقنعتنا الكاتبة أنها جزء من تجربة حياة الراوي وربما ترك لها ما كتب عن تجربته إذا أسأنا الظن وإذا أحسناه فأقول ابتسام ابنة ابراهيم وابراهيم أبو ابتسام كلاهما في العمل الروائي ( جبل السماق ) في جزئيها كلاهما واحد فلقد خلق ابراهيم في ابتسام ابراهيم وكأنه سكن رحم روحها فولدته بكرا لروحها لا نعرف من يشبه الآخر أكثر ولا من أخذ من الآخر أكثر ما يهمني فقط أن ( جبل السماق ) تطمح إلى الخلود خلود ( ابتسام ابراهيم تريسي ) وكان لها ذلك على المستويين الروحي والجسدي .
ومن حيث اللغة الشعرية الباهرة التي تمتلكها الكاتبة ظلت تتألق على صفحات الرواية في جمل ومقاطع كما في الصفحة 77 والصفحة 144 والصفحة 185 و 216 كما أشرت من قبل . رغم أن الكاتبة كانت تجسد على مساحة الرواية حالة مواطن سوري يحلم بالوحدة العربية السياسية ويعمل على تحقيقها ومؤمن بها بوعي معجب بطروحات تلك الأيام وقد عالجت المشاكل وقدمت رؤيتها للحلول بنفس المفاهيم للتيار القومي العربي وإن أدانت الأسلوب الذي تبعه أهل العقد والحل أي لم تقدم لنا رؤية فلسفية أعمق للواقع والمستقبل . . وما مرت عليه من رؤية أرسوزية للبعث العربي لم تتبناه الكاتبة ولم تحلل الواقع من خلال هذه الرؤية الفلسفية .
هل مرد ذلك إلى طوباية الفكرة وخوف الكاتبة من إفشال الرواية كما فشلت الفكرة على الواقع العربي أم أن العمل الروائي لا يتورط في فلش الأفكار بهذه الطريقة للمحافظة على فنية الجنس الكتابي ؟
دمشق
10 _ 10 _ 2007
شاهر الخضرة
---------------
ابتسام ابراهيم تريسي كاتبة روائية سورية وتكتب القصة القصيرة والمقالة
صدر لها :
جذور ميتة مجموعة قصصية . دار سعاد الصباح الكويت 2001
ذاكرة الرماد رواية . دار الحوار اللاذقية سوريا 2006
جبل السماق 1 ( سوق الحدادين ) دار فصلت حلب سوريا 2004
جبل السماق 2 ( الخروج إلى التيه ) الرواية الفائزة بجائزة المزرعة
للإبداع الأدبي عام 2006 وهي جائزة أدبية أهلية سورية من مدينة
السويداء والتي يقدم نفقاتها المهندس يحي القضماني
ونشرت من قبل لجنة الإشراف على الجائزة في دمشق
عام 2007
أم ابراهيم ابتسام ابراهيم تريسي[/align]
في مجلس ضم أهل الأدب قديما قال ناقد :
_ الشعر للرجال ولا توجد امرأة شاعرة تضاهي الشعراء . .
قال ناقد آخر متسائلا :
_ وماذا تقول في تماضر ( الخنساء ) ؟
فرد عليه الأول :
_ هذه بأربع خصى ! .
أي أنها تفوقت حتى على الفحول بشعرها . .
هذا ما خطر ببالي طيلة قراءتي لرواية ( جبل السماق ) الجزء الثاني التي خصصت لها يوما كاملا مشدودا منذ بدايتها حتى نهايتها معيدا كثيرا من الأحيان الصفحات حين أضيع عن التسلسل لأبقى مع الخط الروائي والتداعيات . . ما أكثر شخصيات الرواية وما أكثر الأسماء حتى خيّل إلي أن ابتسام تطمح أن تذكر كل أسماء الشعب السوري من شماله إلى جنوبه ومنتقلة من قرية إلى ضاحية إلى مدينة خلف مدينة وكأنها تحمل كاميرا وتبدع تصوير الطبيعة بأجمل كلمات شاعرية كما في الصفحة 144 مثلا ( لنيسان في هذه الجبال المنعزلة نكهة مختلفة ، نسماته مخنوقة برائحة الزهر والشجر حتى أنها تكتم الأنفاس . مساء خطر لي التوغل قليلا نحو الغرب في طريق ضيق لا يتسع لخطواتي ، انفرجت الأشجار عن فسحة مزروعة بالدخان وبعض أشجار الليمون والزيتون تتربع على حوافها أشجار التوت البرّي ، وعنب الديب والحميصة الصفراء ، احتضنتني شجرة صفصاف كبيرة ، وأرخيت عنان الحلم ليقتنص الروائح والأصوات الجميلة لطيور لا توجد إلا في هذه المنطقة ، اصطادتني الرائحة ، ورمتني في شباك وهم جديد وأخذت بيدي برفق فتبدى الحلم يقينا ما دمت لا أشعر بالموجودات . ) فهي لا تصف بالكلمات بل تضع القارئ فيها ليكون جزءا من الصورة البصرية بإحساس حقيقي هذا والكاميرا تنتقل معك جملة جملة ولهذه الكاميرا صفات لا تستطيعها آلة تصوير إذ هي مجهزة بثقافة وتاريخ وذاكرة لا ذاكرة واحدة فحسب بل ذاكرات كثيرة أهمها ذاكرة احتوت كل تلك الذاكرات بل وهيمنت عليها ويمكن القول أيضا إنها تماهت مع كل الذاكرات وأهمها ذاكرة الراوي الرجل الذي سيطرت طبيعته حتى الجسدية على كل العمل الروائي وأذابت الكاتبة فيه ماهيتها الأنثوية إلى حد بذر الشكوك في نفسي كقارئ وللحقيقة لم ألحظ طبيعة الأنثى داخل الرواية إلا قليلا فقد كانت تفلت منها أزمـّـة الخطة وتنساح أنوثتها لا شعوريا كما في الصفحة 30 ( بعد زواجه من عائشة بأشهر قليلة فاحت رائحة القلق في الزقاق ، وتناقلت النسوة همسا أسرارا تقول إن خلافا بينهما تطور إلى ضرب محمد لعائشة ، ثم سمعهن يقلن إنها ،، نزفت كثيرا ،، من الدم وأن أم خيرو النقاشة قد أخذتها لعند بدرية ) والصفحة 69 ( لم يطل الزمن ، فقد وجدت مريم نفسها تنساق وراء أم خيرو النقاشة إلى تكيّة الشيخ ليكتب لها حجابا بالمحبة تضعه لمحمد في ملابسه بعد أن طلّق عائشة لأسباب تضاربت على ألسنة النسوة منها أنها لا تنجب ، ومنها أنها ليست بكرا ومنها . . . ) وكذلك عندما مات الطفل جمال ابن الراوي رغم أنه على لسان رجل ولكن الوصف والمشاعر كانت أعمق وأحدّ من مشاعر رجل .
أما عن تنقل الرجل بمشاعره من أنثى إلى أنثى فكان يدهشني ويقنعني أن الراوي ذكر مشبع بالذكورة على مساحة كل الرواية حتى الناحية الحسية وغيرها كما في الصفحة 178 ( جلست حفيظة بقامتها الممتلئة على حافة الفراش وناولتني كأسا ، لم تفلح محاولاتي في التملّص فقد دفعته حفيظة في فمي كأنها تسقي طفلا صغيرا جرعة دواء . شعرت أن الغرفة تدور بي بعد وقت لم أعرفه ، وسمعت أصواتا غاضبة تصرخ بي أن أخرج ، ورجال القرية مجتمعون لقتلي ، وذئاب تعوي في الخارج اصطكت أسناني ، وارتجف جسدي ، ووجدت رأسي بين نهديها وهي تهزني متسائلة مابك ؟ كانت حفيظة تضحك ، جسدها يرتج ، عيناها تقطران شهوة ، فتحت لي حفيظة باب الجنة لأعبر إلى دنيا الرعشة بيدين دافئتين تغلان عميقا ، تفكان أسوارا وتعبران . . . )
ولم تترك الكاتبة حتى التلميح لما عرفت عنه ( في التعليقات الشعبية ) تلك المنطقة بالميل لحب الذكر ووصف ما يحلو للرجل في الغلام المحبوب من نعومة تميل للأنوثة وكبر المؤخرة وإن لم تذكر ذلك تصريحا فقد ذكرت الامتلاء في جسد ( الحبّوب ) . .
ومن أجمل ما هزني جملة في الصفحة 216 :
[ اشتعلت حرائق في داخلي حتى شممت رائحة جلدي ]
أكثر ما كان يجعلني أعود لقراءة الصفحات هي تذكّر حدث ( قصة ) وهي تروي قصة فتنبت كأنها تحدث الآن لا كذكرى ولكني كنت أفاجأ أحيانا بالمصادفات التي تخلقها الراوية فتجعل أسماء بعينها تعود وتتمركز في سياق حياة الراوي المتنقل من قرية إلى أخرى أو من مدينة إلى مدينة كـ اسم خرما مثلا وجملتها التي وضعتها الكاتبة دون أن توضح للقارئ هل هي نفس خرما أم هي خرما أخرى وفلتت منها جملة بالصدفة والذي وصلني أنها تريد أن تشي بأن خرما هي خرما فقط لا تريد أن تعيد قصتها أو أنها خشيت من هذه التدخيلة فكنت ألاحظ أن النساء في الرواية تشبه نساء ألف ليلة وليلة وكل واحدة منهن تدخل بشكل مفاجئ على الراوي ولكل منهن شبه مع من قبلها طبعا هذا ليس للكل ولكن أكثر من صار له ميل نحوهن ومثال على ذلك اخترته من الصفحة 214 ( أخذت فنجان الشاي من يدها وانا أحتفظ بذهولي . هي ، نعم ، تلك الغزالة الشاردة التي اقتحمت خلوتي في البرية وسرقت " علبة دخان الريم " وأضحكت الصبايا عليّ ، قلت : ‘‘ أنت . . . ‘‘ ردت وهي ترفع كتفيها بلا مبالاة " لا أظن . . لم أرك قبل الآن . . )
أما عن الحزب القومي السوري في الرواية فاختارت الكاتبة شخصية سطحية بطرحها للفكر القومي السوري وجعلته شخصا غير مخلص حتى لمبادئه القومية وما زال محتفظا بعصبيته ( القومية الكردية ) وهذا لعمري لا يستقيم مع مؤمن بفكر أنطون سعادة السورية القومية الاجتماعية .
وهنا أقول انساقت الكاتبة مع رأي الإعلام السطحي السائد في الشارع في الخمسينيات والستينيات عكس مثلا ما تعاملت به مع حزب البعث وتيار العروبة الناصرية فهي أدانت بمعرفة وتعاطفت بمعرفة بينما النموذج اليتيم الذي اختارته للقومية السورية لا يمثلها أبدا إلا من جهة ما كان يشاع عنهم أكثر مما هو حقيقة فكر أنطون سعادة . . فلا أدري من أين استقت فكرة سوريا الكبرى ومن أي رفيق قومي يطرح هذا . . وأذكر أن هذه الفكرة فكرة سوريا الكبرى هي فكرة بريطانية من الأسرة الهاشمية الأردنية وكذلك فكرة الهلال الخصيب هي فكرة بريطانية من الأسرة الهاشمية العراقية وإن كانت الفكرة الأولى تلتقي مع الفكر القومي السوري وليس كليا
وكذلك الثانية تلتقي مع فكر الحزب وأيضا ليس كليا ولكن الدعاية ضد الحزب أيامها ربطت الدعوتين بالحزب وبارتباطاته الغربية وما أكثر ما أشيع أيامها وأكثر من كان يطلق الإشاعات الإعلام الناصري وورثه بامتياز كبير إعلام البعثيين . .
وبما أن الرواية لا تكتب تاريخا موثقا بل تتبع حركة الشارع السوري فيمكن تقبل هذا وعلى نفس طريقة فيلم أحلام مدينة للمخرج السوري محمد ملص الذي ذكر الحزب السوري القومي الاجتماعي في فترة الخمسينيات فقط وكأنه يوحي بأنه من الأحزاب التي ظهرت وبادت في تلك الفترة كما باد حزب الشعب والاستقلال وغيره وهذا موقف لا يتسم بالعدل . . ولا المعرفة الحقيقية لطبيعة الحزب السوري القومي الاجتماعي
ويمكن أن أقبل كقارئ من الكاتبة أن الحزب لوحق وألغي وجوده من الحياة السياسية مع اتهامه بمقتل عدنان المالكي . . وما لحق بأسر أعضائه وأعضائه يساوي إن لم يكن يفوق ما لاقاه أعضاء الأحزاب الأخرى على يد السراج والحكم الناصري وبعده الحكم البعثي من تعذيب وسحل وقتل وغيره . .
وأعود من الاستطراد الضروري لأصل بالرواية إلى ملحمتها في فصلها ( الخروج إلى التيه ) وصولا إلـى ( ما بعد التيه ) والتي سطرت فيها الكاتبة ملحمة لا يمكن لروائية أن تكتب من الخيال أو من السماع أو من قراءة أوراق ومذكرات المعتقلين .
وللحق كنت أقول هذا الفصل بالذات لا يمكن إلا أن تكون ابتسام تريسي بنت معتقلات وبنت سجون وذاقت من أصناف التعذيب ما يعجز عن وصفه سوى من خاض تلك التجربة المرة وكانت له القدرة على الكتابة بهذه الذاكرة المبدعة وتمتلك تلك اللغة الفاجعية حد الإبداع والكفر بكل إنسانية الإنسان في هذا الوطن الخاسر بذاته وأهله . .
ولا أدري ما الذي اكتنف الكاتبة وهي تكتب الرواية وما تزال في بدايتها حين شعرت بالملل وكتبت
( هل أنهي الرواية عند هذا الحد ؟ ) في الصفحة 73
وكانت قبل ذلك بصفحات قليلة على لسان الراوي كانت قد داخلها شعور بالتميز
وبأنها ككاتبة تعيد تشكيل العالم وخلقه من جديد ففي الصفحة 68 جاء :
( كثيرا ما خطر لي أن صنعتي تلك تشبه صنعة الخالق في ترتيب الكون . لا أعرف كم مضى من الوقت وأنا على حال من الانكفاء على الورق . . . )
برعت الكاتبة في كل اتجاه خاضت فيه ( مناقشة القضايا الوطنية ) إلى مناقشة الفترة الزمنية دون أن تنسى التفاصيل للحياة اليومية للراوي كمعلم يتنقل من مدرسة إلى أخرى في القرى المنسية من الحكومة وحالة التخلف التي تعيشها تلك القرى واصفة كمشاهد حي لطبيعة الناس والبيئة الطبيعية والمساكن والطرقات وغيرها وكذلك مدينة درعا مثلا فلا يمكن أن تكون الكاتبة إلا وقد زارت تلك المدينة على أرض الواقع وتقصت عنها كيف كانت قبل أن تصير إلى حالها الآن عمرانيا ،
وتفوقت بإبداعها بوصف القرى الحدودية الشمالية ولا يمكن للوصف وحده أن يغني القارئ فقد أقنعتنا الكاتبة أنها جزء من تجربة حياة الراوي وربما ترك لها ما كتب عن تجربته إذا أسأنا الظن وإذا أحسناه فأقول ابتسام ابنة ابراهيم وابراهيم أبو ابتسام كلاهما في العمل الروائي ( جبل السماق ) في جزئيها كلاهما واحد فلقد خلق ابراهيم في ابتسام ابراهيم وكأنه سكن رحم روحها فولدته بكرا لروحها لا نعرف من يشبه الآخر أكثر ولا من أخذ من الآخر أكثر ما يهمني فقط أن ( جبل السماق ) تطمح إلى الخلود خلود ( ابتسام ابراهيم تريسي ) وكان لها ذلك على المستويين الروحي والجسدي .
ومن حيث اللغة الشعرية الباهرة التي تمتلكها الكاتبة ظلت تتألق على صفحات الرواية في جمل ومقاطع كما في الصفحة 77 والصفحة 144 والصفحة 185 و 216 كما أشرت من قبل . رغم أن الكاتبة كانت تجسد على مساحة الرواية حالة مواطن سوري يحلم بالوحدة العربية السياسية ويعمل على تحقيقها ومؤمن بها بوعي معجب بطروحات تلك الأيام وقد عالجت المشاكل وقدمت رؤيتها للحلول بنفس المفاهيم للتيار القومي العربي وإن أدانت الأسلوب الذي تبعه أهل العقد والحل أي لم تقدم لنا رؤية فلسفية أعمق للواقع والمستقبل . . وما مرت عليه من رؤية أرسوزية للبعث العربي لم تتبناه الكاتبة ولم تحلل الواقع من خلال هذه الرؤية الفلسفية .
هل مرد ذلك إلى طوباية الفكرة وخوف الكاتبة من إفشال الرواية كما فشلت الفكرة على الواقع العربي أم أن العمل الروائي لا يتورط في فلش الأفكار بهذه الطريقة للمحافظة على فنية الجنس الكتابي ؟
دمشق
10 _ 10 _ 2007
شاهر الخضرة
---------------
ابتسام ابراهيم تريسي كاتبة روائية سورية وتكتب القصة القصيرة والمقالة
صدر لها :
جذور ميتة مجموعة قصصية . دار سعاد الصباح الكويت 2001
ذاكرة الرماد رواية . دار الحوار اللاذقية سوريا 2006
جبل السماق 1 ( سوق الحدادين ) دار فصلت حلب سوريا 2004
جبل السماق 2 ( الخروج إلى التيه ) الرواية الفائزة بجائزة المزرعة
للإبداع الأدبي عام 2006 وهي جائزة أدبية أهلية سورية من مدينة
السويداء والتي يقدم نفقاتها المهندس يحي القضماني
ونشرت من قبل لجنة الإشراف على الجائزة في دمشق
عام 2007
تعليق