شخصية الشهر الكاتب الفلسطينى " إميل حبيبى "

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    شخصية الشهر الكاتب الفلسطينى " إميل حبيبى "

    إميل حبيبي


    الميلاد
    29 اغسطس 1921
    حيفا، فلسطين
    الوفاة
    2 مايو1996
    حيفا،



    إميل حبيبي أديب وصحافي وسياسي فلسطيني من العرب في إسرائيل. ولد في حيفا في 29 آب (أغسطس) 1921 حيث ترعرع وعاش حتى عام 1956 حين انتقل للسكن في الناصرة حيث مكث حتى وفاته. في 1943 تفرغ للعمل السياسي في إطار الحزب الشيوعي الفلسطيني وكان من مؤسسي عصبة التحرر الوطني في فلسطين عام 1945. بعد قيام دولة إسرائيل نشط في إعادة الوحدة للشيوعيين في إطار الحزب الشيوعي الإسرائيلي الذي كان أحد ممثليه في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) بين 1952 و1972 عندما استقال من منصبه البرلماني للتفرغ للعمل الأدبي والصحافي.
    في حقل الصحافة عمل حبيبي مذيعا في إذاعة القدس (1942-1943)، محررًا في أسبوعية مهماز (1946) كما ترأس تحرير يومية الاتحاد، يومية الحزب الشيوعي الإسرائيلي باللغة العربية، بين 1972 - 1989. في حقل الأدب، نشر حبيبي عمله الأول "سداسية الأيام الستة" عام 1968 وبعده تتابعت الأعمال "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد ابي النحس المتشائل"(1974)، "لكع بن لكع" (1980)، "إخطيه" (1985) وأخيرًا، "خرافية سرايا بنت الغول" (1991). وقد جعلت تلك الاعمال القليلة صاحبها أحد أهم المبدعين العرب وذلك لأسلوبه الجديد والمتميز في الكتابة الأدبية. عام 1989، إثر انهيار المنظومة الاشتراكية، أعاد النظر في بعض المسلمات النظرية مما سبب له خلافات فكرية وتنظيمية مع الحزب الشيوعي، اضطر على ضوئها إلى الاستقالة من جميع مناصبه الحزبية بما فيها رئاسة تحرير "الاتحاد". لكنه بقي عضوا في الحزب (الذي كان عضوا فيه منذ جيل 14 عاما) حتى عام 1991 خين استقال من الحزب. في عام 1990 اهدته منظمة التحرير الفلسطينية "وسام القدس" وهو أرفع وسام فلسطيني. وفي عام 1992 منحته إسرائيل "جائزة إسرائيل في الأدب" وهي أرفع جائزة أدبية تمنحها الدولة. في العام الأخير من حياته انشغل بإصدار مجلة أدبية أسماها "مشارف". رحل اميل حبيبي في أيار (مايو) 1996 وأوصى ان تكتب على قبره هذه الكلمات: "باق في حيفا".
    أهم أعمال إميل حبيبي

    في حقل الصحافة عمل حبيبي مذيعا في إذاعة القدس التي كانت تابعة للسلطات الانتداب البريطاني (1942-1943)، محررًا في اسبوعية المهماز (1946) كما ترأس تحرير يومية " الاتحاد" بين 1972-1989 وكان يكتب افتتاحيتها تحت الاسم المستعار "جهينة".
    • بوابة مندلباوم: نشرت عام 1954
    • النورية - قدر الدنيا: وهي مسرحية نشرت عام 1962
    • مرثية السلطعون: وقد نشرت بعد عام 1967
    • سداسية الأيام الستة (1968): وهي مجموعة قصصية تتحدث عن الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وقطاغ غزة في 1967 وعن فلسطيني 1948 وتحتوي الكتاب على القصص التالية:
      • أم الروبابيكا: وهي مسرحية تتحدث عن فلسطينية باقية في وادي النسناس في حيفا تعيش وسط ركام بقايا جيرانها الذين هجروا عام 1948 وتنتظر عودة أهل مدينتها الفلسطينيين (التصوير مجازي).
      • حين سعد مسعود بابن عمه
      • وأخيراً نوّر اللوز-العودة
      • الخرزة الزرقاء
      • عودة جبينه
      • الحب في قلبي
    • الوقائع الغريبة في حياة سعيد أبي النحس المتشائل (1974): وهو رواية ساخرة أنجزها إميل حبيبي على ثلاثة مراحل, تتحدث عن حياة فلسطيني في إسرائيل, وامتلاكه لأدوات وعيه في ظل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ومعاملة السلطات الإسرائيلية مع فلسطينيي 1948. ذكرت ضمن أفضل مائة رواية عربية. ترجمت إلى العبرية وأصبحت من أشهر المؤلفات العربية لدى الجمهور اليهودي في إسرائيل. وتتضمن ثلالثة كتب:
      • الكتاب الأول: يعاد
      • الكتاب الثاني: باقية
      • الكتاب الثالث: يعاد الثانية
    • لكع بن لكع(1980): وهي مسرحية أيضا, تتحدث عن التقاء قتلى فلسطينيين في الحرب الإسرائيلية الفلسطينية بإسرائيليين الذين يقتلون في العمليات الفدائية صدرت بالتعاون مع دار الفارابي عن دائرة الاعلام والثقافة/منظمة التحرير الفلسطينية
    • إخطية(1985):
    • خرافية سرايا بنت الغول(1991): وهي سيرة ذاتية للكاتب, يتحدث بها عن ازدواجية عمله في السياة والادب
    • نحو عالم بلا أقفاص (1992): يتحدث فيها إميل حبيبي عن أسباب تركه للحزب الشيوعي
    وقد نشرت أغلب هذه الأعمال دائرة الاعلام والثقافة التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية/دار الجليل/ أنشأ إميل حبيبي مجلة مشارف التي تعتبر علامة فارقة في المجلات الثقافية العربية. توقّفت لفترة قصيرة بعد وفاة مؤسّسها ثمّ عادت للصّدور في حيفا.
    sigpic
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2

    إميل حبيبي... الجلوس على الخازوق
    ١٤ أيار (مايو) ٢٠٠٨بقلم عادل الأسطة

    يعتبر إميل حبيبي واحدا من ثلاثة أدباء فلسطينيين أقاموا الدنيا ولم يقعدوها، وهم غسان كنفاني ومحمود درويش وإميل حبيبي. ومن هنا يحق للقاريء أن يتساءل: هل يعقل الكتابة عن أدب مرحلة السلام دون الاتيان على ما كتبه.
    أشير، ابتداء، الى أن إميل لم يكتب بعد عام 1990 نصوصا قصصية أو روائية، وجل ما أنجزه في باب الأدب، عدا افتتاحيات "مشارف" الثمانية الأولى، نصان أحدهما مسرحي عنوانه "أم الروبابيكا". "هند الباقية في وادي النسناس" (مشارف، أيلول 1995، عدد2)، وثانيهما يدرج تحت باب السيرة الذاتية وهو "ذكريات: سراج الغولة أو لا تطفئوا هذه الشمعة" (مشارف، آيار 1997، عدد 16)، وليس هذان النصان بجديدين كليا. فالأول هو إعادة كتابة، بشكل جديد، لقصتين كتب إميل أولاهما، وهي "النورية"، قبل عام 1967، وكتب الثانية، وهي "أم الروبابيكا" بعد هزيمة حزيران، وأدرجها في مجموعة "سداسية الأيام الستة" القصصية. ويتشكل النص الثاني من مجموعة نصوص كتبها المؤلف في فترات مختلفة، ومن فقرات من أعماله الأدبية العديدة. لقد أنجز إميل عام 1988 نصا باللغة العبرية لينشر في مجلة اسرائيلية هي "بوليتكا"، وهو نص موجه للقاريء العبري أساسا، وعاد اليه في مرحلة السلام، ليوافق على نشره، بعد تعديل اجراه عليه، بالفرنسية، وذلك بناء على طلب دار النشر الفرنسية (آكت سود)، لتصدره مع نص آخر كتبه الكاتب الاسرائيلي (يورام كانيوك) في كتاب يري القاريء الفرنسي وجهتي النظر العربية واليهودية في عملية السلام الشرق أوسطي ومستقبلها. وقد عكف إميل، قبل وفاته، على نقله الى العربية. ويلاحظ أنه يضم اليه افتتاحية العدد السابع من "مشارف" (آذار 1996).
    وتبدو دراسة حبيبي، مثل دراسة معظم أدباء المقاومة، وبخاصة البارزون منهم مثل درويش والقاسم، تبدو دراسة مربكة توصل الى نتائج مختلفة. ولعل ذلك يعود الى المنهج الذي يوظفه الدارس في دراسته. فهم اذا ما درسوا اعتمادا على المنهج الماركسي الذي يربط ما بين الموقع والموقف، وهذا ما قام به الناقد الفلسطيني المعروف فيصل دراج في كتابه "بؤس الثقافة في المؤسسة الفلسطينية" (1996)، - وقد تناول فيه حبيبي ودرويش وآخرين، - بدا هؤلاء الأدباء مخيبين للآمال، وذلك لمغايرة نهاياتهم بداياتهم، ولعدم ثباتهم على موقف واحد. وهم - أي الثلاثة- اذا ما درسوا وفق المنهج الجمالي ثمن نتاجهم، وبخاصة نتاج درويش الذي أضافت كل مجموعة من مجموعاته اللاحقة قصائد تفوق سابقاتها. وسيبدو الأمر، هنا، مختلفا في حالة إميل حبيبي، فاذا ما درس ناقد نصوصه الروائية، بناء على مفاهيم فني الرواية الغربية، غبنه واعتبرها - أي رواياته - روايات مجهضة، وهذا ما رآه الناقد صبحي شحروري الذي درس "خرافية سرايا بنت الغول" (انظر مجلة شمس، باقة الغربية، آذار 1993. ع 3)، واذا ما درسه ناقد روائي يرى أن الرواية العربية لا ينبغي ان تكون صورة طبق الأصل عن الرواية الأوروبية، ومن هذا المنطلق كان حبيبي يكتب، - ثمن نصوص حبيبي تثمينا عاليا.
    وسوف يختلف عن الناقدين الماركسي والجمالي الناقد اللغوي الذي يرى في اللغة العربية الكلاسيكية مثاله الأعلى، خلافا للناقد الواقعي، اذ سيعتبر الناقد الكلاسيكي نصوص إميل نصوصا متينة معتبرة، وسوف يثمنها، بناء على ذلك، تثمينا عاليا. ويختلف عنه الناقد الواقعي الذي سينظر اليها، للغتها، على أنها نصوص تغترب عن الواقع وتنتمي الى زمن مضى وانقضى.
    وليس هناك من شك في أن نصوص إميل، وبخاصة "المتشائل" نصوص مربكة، وأن النتائج التي يخلص الدارس اليها ليست واحدة. إنها نصوص تصلح لأن تدرس وفق منهج الاثارة والاستجابة، النص والقاريء، أو نظرية الاستقبال، على الرغم من أن كاتبها في سنوات حياته الاخيرة أكثر من الحديث عنها، وأضاء ما خفي على النقاد من مقاصد ومرامي كان يهدف اليها في أثناء الكتابة. ومرامي إميل ومقاصده لم تكن دائما واحدة، وهذا ما يجعل من نظرية قراءة النص قراءة تعتمد على قصد المؤلف نظرية ليست دقيقة، وبخاصة حين يتحدث المؤلف عن نصوصه بعد سنوات طويلة من إصدارها. واذا كانت قراءة النص في زمنين مختلفين تؤدي الى نتيجتين ليستا متقاربتين بالضرورة، وذلك لاختلاف ثقافة الدارس وتطورها، فلماذا لا تختلف رؤية الكاتب لعمله حين ينظر اليه بعد عشرين عاما من كتابته.
    لقد سئل إميل أكثر من سؤال عن أعماله، وأشار في أثناء الاجابة الى ما نصحه به النقاد الذين طلبوا منه ألا يقوم بدورهم، لأن ما يكتبه الكاتب والمبدع يصبح واقعا خارجا عن ارادته، وملكا للقاريء. ومع ذلك نجده يفسر أعماله، ويوضح كيف أنه اكتشف، بعد كتابتها، أشياء لم تخطر له على بال:
    "ومع ذلك، وفي هذا الاطار، في هذه الحدود، سمحت لنفسي أن اكتشف هدفين من وراء شخصية سعيد أبي النحس المتشائل. (انظر: مشارف، حزيران 1996، عدد 9، ص 13) و "هنا ايضا" العديد من النقاد طلب مني ألا أجيب على هذا السؤال..لأن هذه مهمة الناقد كما يقولون، ومع ذلك مستفيدا من أجوبتي، فان لي مساهمة في هذا الجواب…" (نفسه، ص 18)
    وكما ذكرت ابتداء، فإن قراءة النص اعتمادا على أقوال مؤلفة- ويثمن اصحاب منهج تفسير النصوص تفسيرا علميا هذا لأنهم يرون أن المعنى في بطن الشاعر، كما قال النقاد العرب- لا توصل دائما الى نتائج دقيقة يطمئن المرء اليها. فقد يفسر الكاتب نصوصه في زمن ما تفسيرا آخر غير الذي رمى ابتداء اليه، وهناك عوامل عديدة تؤدي الى ذلك منها تغير مواقف الكاتب السياسية وثراء ثقافته واتساعها…الخ. وهذا ما حدث مع اميل نفسه الذي كثيرا ما عاد، بعد خروجه من الحزب، الى نصوصه ليدعم موقفه الجديد، وليشير الى أنه كان تنبه الى هذا من قبل، ولكنه لم يقو، في حينه، على التعبير عنه مباشرة، فآثر كتابته في نص ادبي. وهذا ما بدا واضحا في افتتاحية العدد السابع من "مشارف" (آذار 1996) التي كتبها تحت عنوان "نحن ناس، أيها الناس"، وقد ادرجها ضمن نصه الأخير "سراج الغولة".
    الواقع الأسود فوق الأمنيات:
    يذهب إميل في "سراج الغولة" الى الزعم أنه "واحد من أولئك الذين لا يستطيعون أن يروا من القمر الا وجهه المضيء" (مشارف، عدد 16، ص 22). ومن هنا أبرز صورة ايجابية للانسان اليهودي، وكتب عن صديقه القديم (أبراهام بن صور) الذي ساعده عام 1948، ودافع عنه وعن أمه يوم كان اليهود يطردون العرب الباقين من بيوتهم. وقد يكون (أبراهام) هذا هو المعلم يعقوب الذي ذكر في المتشائل، وقد برزت في هذه شخصيات يهودية عديدة (انظر مقالتي في مشارف، آذار 1996. عدد7).
    حقا ان المتشائل تحفل بنماذج يهودية عديدة، كما تحفل ايضا باضفاء صفات اجمالية على اليهود الغربيين، الا أن نص "سراج الغولة" يقدم انسانا يهوديا يساعد العرب ولا يلجأ الى اضطهادهم وطردهم، وهذا ما بدا في المتشائل. والسؤال الذي يثيره الدارس هو: هل أبرز إميل هذه الصورة لليهودي، لأنه كتب نصا موجها للقاريء العبري، وكأنه يرمي من وراء ذلك الى نيل رضاه ابتداء، لينال، من ثم، جائزة الدولة العبرية للآداب، أم لأنه، بسبب التجربة والشيخوخة معا، آخذ ينظر الى الانسان في العدو، وهذا ما دعا اليه، بوضوح، في افتتاحية العدد السابع:
    "وصرت أعتقد ان المهمة الأساس، أمام مبدعي الأدب والشعر وبقية الفنون هي البحث عن هذه اللؤلؤة- الضعف الانساني- في أعماق البحور الانسانية. وهذا ما نسميه باسم "أنسنة العدو"…(ص 9).
    وهنا يتذكر المرء دراسة فيصل دراج "إميل حبيبي: الوجه الضائع بين الاقنعة المتعددة" التي أوردها في كتابه "بؤس الثقافة" ليتساءل إن كان إميل يأخذ بمقولة "لكل مقام مقال" و "لكل قاريء خطاب". حقا إن اميل لا ينكر، في معظم ما كتبه أنه من دعاة التعايش، وأنه يطلب من الأدباء والمبدعين أن يكتبوا بما يعزز هذا الاتجاه، الا ان الواقع الاسود فوق الأمنيات، وهو بذلك يلقي بظلاله على الجميع، ومن ضمنهم إميل نفسه.
    كتب إميل افتتاحية العدد الثامن من "مشارف"، وهي آخر ما كتبه، ليعبر عن خيبته من الكاتب الاسرائيلي المعروف (يزهار سميلانسكي) صاحب روايتي "خربة خزعة" و "الأسير" اللتين نقلتا الى العربية، وقد ادان مؤلفهما فيهما المؤسسة العسكرية الاسرائيلية لما قامت هذه به في حروبها مع العرب، وبخاصة فيما يمس سلوكها مع القرويين العرب. وسبب خيبة إميل من (يزهار) أن الاخير كتب مقالين يناقضان تاريخه كله، فقد وصف العرب بأنهم "من آكلة لحوم البشر"، ودعا حكومته، بناء على ذلك، الى وقف التفاوض معهم. يكتب إميل:
    "لقد اصبت بخيبة أمل شديدة ذكرتني بخيبة الأمل التي أصابتني في ليلة التاسع والعشرين من تشرين الاول (اكتوبر) العام 1956 حين جاءني أحد معارفي اليهود من نشيطي حركة "مبام" وأبلغني بالفظائع التي ارتكبت في تلك الليلة نفسها أمام مداخل قرية كفر قاسم. حدثني عن الاطفال والنساء الحوامل الذين قتلوا بدم بارد. فلم اصدق ان يقوى آدميون على ارتكاب مذبحة بهذا المدى حتى ولو كانوا في ثياب الجندية وينفذون أوامر عسكرية. لم أكتف بعدم التصديق بل حسبت ان هذا التبليغ هو مجرد استفزاز مقصود به أن نضيع صوابنا.
    طردت زائري اليهودي من بيتي وأنا أصرخ: كذاب واستفزازي" (ص 8).
    ويبدو ان تجربة إميل مع (أبراهام بن صور) هي التي جعلته لا يصدق ما قاله له الصديق اليهودي، ولو كانت له تجربة اخرى، مثل تجربة اهل دير ياسين، لصدق هذا، وان كان الواقع يعزز ان ما قام به الجنود في كفر قاسم ليس استثناء، فدولة اسرائيل كلها اقيمت على طرد شعب كامل من أرضه، بوسائل عديدة من الارهاب.
    أم الروبابيكا: زاروني والا ما زاروني:
    وتبقى "أم الروبابيكا" التي نقحها اميل في 25/8/1995، النص الأدبي الوحيد الذي بين أيدينا للكاتب، ويمكن دراسته ضمن ادب مرحلة السلام. و "أم الروبابيكا" مسرحية لممثلة واحدة اقتبسها عن قصتين قصيرتين: كتب واحدة منهما قبل عام 1967، وهي قصة "النورية"، وكتب الثانية اثر هزيمة حزيران 1967، واسمها "أم الروبابيكا"، وقد صدر هذه باغنية فيروزية هي:
    "بالايمان.. راجعون
    للأوطان.. راجعون
    راجعون، راجعون
    راجعون".
    والنص، كما تغنيه فيروز، يعبر عن إصرار الفلسطينيين على العودة الى ديارهم، ولم يردده الناس تردادا يعبر عن سخرية ليعطي بذلك معنى مغايرا الا في لحظات الاقرار بالهزيمة والشعور بأن العودة غير واردة اطلاقا. واذا كان النص في قصة حبيبي قابل للتفسيرين-، اي الجاد والساخر- فان الكاتب في نصه المسرحي يأخذ بتأويل واحد له، هو السخرية لا أكثر ولا أقل، فبعد ان تغني أم الروبابيكا المقطع تعقب عليه:
    "بالايمان…راجعون
    عيش يا كديش، تيجيك الحشيش
    بكرة بالمشمش " (مشارف، 97)
    وهكذا يعبر مردد النص عن يأسه من امكانية الرجوع، وهذا ما يبدو واضحا في نهايته. فأم الروبابيكا التي يتركها زوجها واولادها، وتظل في حيفا وحيدة معزولة حتى من عرب حيفا، تيأس من امكانية زيارة اهلها لها، وتخاطب الجمهور:
    "يا حبايبي.. بس سلموا لي عليه سلموا لي عليه وقولوا له: هند الغالية ترعى عز وتقعد غز مثل جبالنا العالية زاروني والا ما زاروني انا قاعدة وهاي قاعدة " (مشارف، 122)
    وكان اميل قد أدرك منذ عام 1974، يوم انتهى من كتابة المتشائل ان الفلسطينيين جالسون، ارادوا ام لم يريدوا، على خازوق هو كل ما تبقى لهم، واذا ما قورن خازوق اهل الداخل بخازوق الغربة بدا اكثر احتمالا. يرد في المقطع العاشر من الجزء الثالث من المتشائل النص التالي:
    "وكانوا يأتونني وحدانا
    فأتاني صديقي القديم، يعقوب. وكان حزينا. فصحت به: الخازوق يا صديق العمر! قال: كلنا نقعد عليه! قلت: ولكنني لا أراكم ! قال: ولا نحن نرى أحدا. كل وخازوقه وحيد. وهذا هو خازوقنا المشترك. ومضى"
    ويأتيه الرجل الكبير، ويطلب منه أن يرضى بما هو عليه، ويأتيه الشاب الذي يبيع الجرائد ويطلب منه ان ينزل معه الى الشارع، وتأتيه يعاد وتشده الىالغربة والرحيل، فيرفض…الخ، ولما يأتي الشيوعي بائع الجرائد بفأس ليهوى على قاعدة الخازوق حتى ينقذ المتشائل يصيح هذا به حتى يكف "وتشبثت بخازوقي" (انظر: السداسية والمتشائل، 1985، حيفا، ط7 ص 194 و 195).
    ويكرر اميل في نصه الاخير "سراج الغولة" هذا. يقول: "لعلكم تذكرون أنني لم اجد من موئل لسعيد أبي النحس المتشائل، في وطنه، سوى رأس خازوق. ولم يدر في خلدي، في ذلك الزمن السحيق، ان الخازوق هو مكان عال يصلح منه الاشراف على آفاق قرن جديد وألف جديدة من السنين، بل لم يدر في خلدي ان لا يجد شعبي مكانا في وطنه، بعد هذا العمر الطويل، سوى رأس خازوق".
    "ولكن حتى ولو كانت هذه هي صورة الواقع الحقيقية، فاننا نفضل رأس خازوق فوق تراب الوطن على رحاب الغربة كلها، فقد وجدناها، كلها، حرابا وفراشها أشبه بفراش فقير هندي: رؤوس مسامير أو خوازيق صغيرة وكبيرة علىقدر المقام". (مشارف، ص 12)
    وكان إميل قد أورد هذا الكلام في افتتاحية العدد الاول من مجلة مشارف (1995)، ليعزز نهجه في دعمه لمسيرة السلام.

    منقول عن منتدى ديوان العرب
    sigpic

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      إميل حبيبي واحد من هؤلاء
      د. نـبـيـه القــاسم
      تذكر الشعوب أبناءها، ولكنها تحتفظ بمكانة خاصة لهؤلاء الذين عرفوا كيف يعملون لخير هذه الشعوب ورفاهيتها ورفع شأن مكانتها وتطوّر حضارتها وبلورة ثقافتها ودفعها للمُشاركة مع الشعوب الأخرى في دفع عجلة مستقبل العالم والبشرية إلى الامام.
      وشعبنا العربي الفلسطيني، وخاصة مواطني دولة إسرائيل منذ عام النكبة 1948، يذكرون هؤلاء الرجال الذين عرفوا، في أحلك الأوقات، كيف يحمون أبناءَ شعبهم من الضياع القومي والمَعرفي والإجتماعي، وصانوا هويّته وحافظوا على لغته وقادوه في مسيرة نضال طويلة وشرسة حتى تمَكن أن يُعلنها قويّة هادرة في يوم الأرض الثلاثين من آذار عام 1976.
      وكان إميل حبيبي أبرز هؤلاء الرجال وأكثرهم حيويّة وعملا ورأيا ثاقبا وجرأة وذكاء وتأثيرا. ويكاد يكون الوحيد الذي ترك أثره في مختلف مناحي الحياة العربية الخاصة والعامة للجماهير العربية في إسرائيل منذ عام النكبة حتى سنوات التسعين الأولى من القرن العشرين.
      لقد التزم إميل حبيبي نهج حزبه الشيوعي وآمن بمبادئه، وطرحها بكل الجرأة في كل مَحضر ومناسبة، وأعلنها صريحة: أنّ الحلّ السياسي الوحيد لقضية الصراع العربي الإسرائيلي هو قيام دولتين مستقلتين واحدة لليهود وأخرى للعرب الفلسطينيين. يومها، وعلى مَدار سنوات، اعتُبر هذا الكلام خيانة بالنسبة لليهود وللعرب. ونشهد اليوم أن هذا هو المَطلب العربي والفلسطيني والإسرائيلي والعالمي. صحيح أنّ الرّياح جرَت بما لا تشتهي السفن، ولكنّ قراءة الواقع واستقراء المستقبل هي من خاصيّة البعض.
      وكان إميل حبيبي ورفاقه مَن عملوا على حفظ الثقافة العربية في البلاد ومَن صانوا اللغة العربية السليمة أمام الخطة السلطوية التي هدفت إلى جعل اللغة العبرية السائدة والوحيدة التي يُعمَل بها ويُدَرّس بها في المدارس. وكانت صحف الحزب الشيوعي هي الأمل وهي النافذة ومن ثمّ البوابة التي على صفحاتها تبلورت الحركة الثقافية العربية في البلاد وتطوّرت الحركة الأدبية وترسّخ الفكر السياسي والإجتماعي والإقتصادي.
      كان إميل حبيبي في ذلك الإجتماع الذي ضمّ النخبة من مثقفي الحزب في سنوات الخمسين الأولى الذي أعلن عن الحاجة لإصدار مجلة ثقافية تقود الحركة الثقافية والأدبية لعرب هذه البلاد وتُعرّفهم على ما يجري في العالم من تطوّر في الفكر الإنساني والثقافي والأدبي. وصدرت مجلة الجديد، بداية كملحق شهري ثقافي لجريدة الإتحاد ثم مجلّة شهرية مستقلة استمرت بالصدور حتى عام 1991، وكانت مُبلورَة ومُرسخة ومُوجهة الحركة الثقافية والأدبية في البلاد، ومع جريدة الاتحاد ومجلة الغد، استطاعت أن ترفد الحركة الأدبية العربية بأنقى ما عرَف الشعرُ العربي على مدى تاريخه، وهو شعر المقاومة الفلسطيني الذي بهر كبار مثقفي العالم العربي، وأن تُنَصّبَ في مقدمة شعراء وكتّاب العالم العربي رموزَ حركتنا الأدبية المحلية إميل حبيبي ومحمود درويش وسميح القاسم.
      وكان إميل حبيبي من الأوائل الذين دعوا بعد يوم الأرض عام 1976 إلى إقامة الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة ونجحت في شدّ الجماهير العربية وإسماع صوتهم في مختلف القضايا. وكان إميل حبيبي هو الذي عمل ونفّذ مشروع حياته الذي طالما حلم به وهو إصدار جريدة الإتحاد جريدة يوميّة، وكان له ما أراد.
      نحن الذين كبُرنا على كلمات إميل حبيبي وأفكاره ومواقفه لا نستطيع أن نتجاهل هذا التاريخ العظيم لهذا الرجل. حتى ولو كانت لنا معه بعض الخلافات في المواقف والآراء، فيظل إميل حبيبي هو إميل حبيبي الذي احترمناه وأحببناه وآمنا بما دعانا إليه على مَدار عشرات السنين. وكانت كلماته في كل يوم جمعة في جريدة الأتحاد الموقعة بجهينة زادَنا الفكري والتنويري ونبراسنا لمتابعة درب المستقبل.
      وكان لإميل حبيبي فتحُه الكبير في عالم القصة القصيرة بقصصه التي بدأها بقصة "بوابة مندلباوم" ثم قصص "سُداسيّة الايام الستة" التي اعتبرها الكثيرون مشاهد متكاملة لرواية طويلة. وثم كانت : رواية "المتشائل" التي فَضّلتُ اعتبارها لوحات مَشهدية، هذا الإبداع الذي أدّى إلى هزّة في عالم الإبداع العربي وتناولته الأقلام النقدية في الداخل والخارج، وحتى الآن يُعتَبَر أهم عمل إبداعي نثري عربي صدر في السبعينات، وقد كان سببا لظهور تيّار أدبي جديد اتخذ اسلوب إميل حبيبي هاديا له. ثم كانت مسرحية "لكع بن لكع" التي لم تلق الإهتمام الكافي من قبل النقاد كما المتشائل ثمّ رواية "اخطيّة" وأخيرا رواية "سرايا بنت الغول" التي حاول فيها تلخيص تجربته الحياتية والسياسية والنضالية والفكرية، واختلفت الآراء والمواقف منها.
      لقد تناولتُ في دراساتي كلّ إبداعات إميل حبيبي، كما وناقشتُ في بعض ما كتبتُ مواقفَ وأفكارا تبنّاها إميل حبيبي في سنواته الأخيرة، ولهذا أكتفي بكلمتي هذه في ذكراه، ذكرى الرجل الذي عرفتُ وأكبَرْتُ وأحببتُ وخالفتُ، ولكنّه ظلّ الأثير، وظلّ الكبير: إميل حبيبي.
      منقول
      sigpic

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        إميل حبيبي.. الوهم والحقيقة
        عرض/زياد منى

        من الأمور المهمة التي يلاحظها المرء، بالعلاقة مع موقف المثقف الفلسطيني ودوره في العملية السياسية الجارية منذ تبني المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 ما سمي "برنامج النقاط العشر" أو "البرنامج المرحلي" الذي فتح المجال أمام الحركة الوطنية الفلسطينية للقبول بسياسة دولتين لـ "شعبين" هو عدم توفر أي تقويم مسهب لذلك الدور.
        فقد تجنب المفكرون العرب، بأغلبيتهم، الدخول في معترك الصراع السياسي والفكري الفلسطيني الفلسطيني الذي نشأ بعد تبني ذلك البرنامج السياسي الذي أوصل القضية الفلسطينية بالضرورة إلى اتفاقية أوسلو وما تلاها، وصولا إلى الوضع الكارثي للشعب الفلسطيني وحركاته السياسية.
        لكن الساحة الثقافية الفلسطينية كانت دوما حبلى بالصراع، الديمقراطي في أغلب الأحيان، بين تيارين متناقضين أحدهما وقف إلى جانب القيادة الفلسطينية وبرنامجها السياسي، والآخر رفض أي حلول تنال من حق العرب التاريخي في فلسطين، أو حتى المساس به.
        - الكتاب: إميل حبيبي.. الوهم والحقيقة
        - المؤلف: خضر محجز
        - عدد الصفحات: 442
        - الناشر: قدمس للنشر والتوزيع، دمشق
        - الطبعة: الأولى/2006
        كاتب وكتاب
        الكتاب الذي بين أيدينا هو أنموذج جديد للصراع، أو لنقل: الحوار، الداخلي الفلسطيني، حول قضايا تاريخية أساسا، حيث يتناول بالبحث السياسي والثقافي، شخص الأديب الفلسطيني إميل حبيبي ومواقفه من القضية الفلسطينية، على خلفية قبوله "جائزة إسحق شامير الإبداعية" عام 1992.
        قبل التعامل مع محطات الكتاب من الضروري لفت انتباه القارئ إلى أن المؤلف، د خضر محجز، ليس كاتبا مغمورا يبحث عن شهرة وإنما باحثا ومناضلا قضى سنين عديدة في السجون الإسرائيلية، وكان من ضمن مجموعة المناضلين الذين أبعدتهم إسرائيل إلى مرج الزهور في لبنان، حيث اشتهر وقتها بصفة (شاعر المبعدين).
        المؤلف، الذي يعمل إلى الآن في وزارة الثقافة الفلسطينية في مدينة غزة، كتب المؤلف كرسالة دكتوراه قدمها لمعهد البحوث والدراسات العربية، المنبثق من جامعة الدول العربية، بعنوان: "البنية الثقافية في كتابات إميل حبيبي"؛ بإشراف الدكتور صلاح فضل، وتمت مناقشتها في جلسة علنية، بمقر المعهد بالقاهرة، في السادس من يونيو/حزيران عام 2006، بمشاركة هيئة المناقشة، التي أوصت بدورها بطباعة الرسالة، التي نالت درجة الامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وتعميمها للتداول في الجامعات العربية كافة.
        أما المؤلف فإنه يتحدث عن نفسه بالقول "نشيط سياسي سابق، وغير مؤمن بالعولمة، ولا بالحداثة، ولا بالماركسية، ولا بالليبرالية الجديدة ولا القديمة، ولا بالإسلام السياسي، ولا بالديمقراطية، ولا بالدكتاتورية، ولا بالشورى على طريقة حماس، رغم انتمائي السابق لحماس، وكفاحي ضد العدو الصهيوني في صفوفها، طوال عقد ونصف من الزمان".
        متطرف قومي وأخلاقي -والكلام مازال لخضر- لا يعجبني العجب ولا الصيام في رجب.. موظف بقرار فوقي.. وغير قابل للترقي مهما حدث، وذلك لأن الوزير الفتحاوي يعتبرني حمساويا متخفيا في فناء بيته، والوزير الأمريكي يعتبرني مجنونا يستحق أن يحجر عليه في مصح عقلي، لأنني مصر على أن فلسطين لا تتسع لشعبين، في حين أن الوزير الحمساوي يعتبرني منشقا عن "طائفة أهل الحق" ومنافقا يتوظف بقرار عرفاتي.
        ويقول أيضا: أنا مرابط في الوزارة على درجتي، لا أغادرها، ليصبح من كان مرؤوسا لدي، رئيسا علي، حتى وأنا دكتور!!.
        النقد الثقافي
        قسم الكاتب مؤلفه الموسع إلى سبعة أقسام من بينها مقدمة وملحق.
        وبدأ بحثه بخطة البحث حيث ناقش مجموعة من القضايا النظرية الصرف ذات العلاقة بالموضوع، ومنها ما هو "في البنية الثقافية" و "علاقة البنية التاريخية بالتاريخ" إضافة إلى عرض منهجية بحثه وآليته.
        وهنا يقول الباحث إنه سيدرس كتابات إميل حبيبي "باعتبارها ظاهرة ثقافية، تشير إلى ما تحقق في لاشعور النص، ثم ما يتوخى هذا النص إشاعته في الحياة العامة لمجتمعه، من قيم وأيديولوجيا وسلوك وأخلاق وطرائق تحليل.. فالنقد هو: فن الحياة؛ كما تقول الدكتورة هدى وصفي".
        أما مشروع النقد الثقافي، بحسب الكاتب، فإنه يسعى للتعامل مع النصوص الأدبية، من خلال إعادة وضعها داخل سياقها السياسي والاجتماعي الذي أنتجها، لأن النص علامة ثقافية، بالدرجة الأولى، قبل أن يكون قيمة جمالية.
        وهذه العلامة الثقافية لا تتحقق دلالتها، إلا من خلال سياقي الإنتاج والتلقي: سياق المؤلف؛ ثم سياق القارئ، أو الناقد الذي تلقاها بعد ذلك في سعيه نحو التفسير.
        وهو لا ينفي سمة سياسية للبحث، ضمن إطار النقد الثقافي، لأن مصطلح النقد الثقافي، حسب الكتاب، يوحي بموقف أيديولوجي إذ يفترض أن تحليل النصوص، كان يمر بمرحلة لا تلتفت إلى محتواها الثقافي. وهذه وضعية إشكالية، يسعى النقد الثقافي إلى تحليلها، وصولا إلى اقتراح الحل.
        "
        من غير الممكن البحث في الجمالية الأدبية بمعزل عن الفكر، أو الأيدولوجيا، لذلك رأى الكاتب أن المرجعية الأفضل لتقصي انتماء إميل حبيبي الفكري هو البحث عن دوره في الحركة الوطنية الفلسطينية قبيل النكبة
        "إميل السياسي
        بعدها ينتقل الكتاب في المدخل المطول إلى شرح تقسيم الفصول، إذ الفصل الثاني مخصص للبحث في فكر إميل حبيبي.
        وقد رأى المؤلف أن المرجعية الأفضل لتقصي انتماء إميل حبيبي الفكري هو البحث عن دوره في الحركة الوطنية الفلسطينية قبيل النكبة، مما قاده إلى بحث تاريخي قيم في تاريخ الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان إميل حبيبي عضوا فيه، حيث مثله في الكنيست الإسرائيلي، إلى ثمانينيات القرن الماضي عندما استقال منه، بعدما أجبر على إخلاء موقعه البرلماني لصالح "رفيق يهودي"!.
        وقد يبدو، للوهلة الأولى، أن هذا القسم، السياسي بامتياز، يتعارض مع وصف الكاتب عمله بأنه "مشروع نقد ثقافي" إلا أن قراءته، كجزء لا يتجزأ من المؤلف، تتجلى أهميته في موقف إميل حبيبي، الأديب، مع القوى السياسية الفلسطينية في إسرائيل وخارجها.
        فبرأي الكاتب، من غير الممكن البحث في الجمالية الأدبية بمعزل عن الفكر، أو الأيديولوجيا. وقد اختار تقسيم إنتاج إميل حبيبي إلى إبداعي وفكري، حيث عد الأول: مجموع ما كتبه، في مجال القصة القصيرة، والرواية، والنصوص المسرحية. أما الإنتاج الفكري فهو: مجموع كتابات إميل حبيبي السياسية وتصريحاته، وحواراته الصحفية.
        القسم الثالث من البحث خصصه د محجز لعرض نماذج من الكتابات السياسية والفكرية لإميل حبيبي، الرجل الذي أتى الساحة الفلسطينية بما لم يأتها به أحد قبله، وتغيرت مواقفه، أو بدا للمراقب أنها تغيرت، من النقيض إلى النقيض، وذهب فيه الناس مذاهب شتى، كانت هي الأخرى عرضة للتغير، تبعا لمواقفهم ومواقفه، بهدف استكشاف أهم معالم فكره.
        وهذا القسم تمهيد للجزء الذي يليه حيث يطرح السؤال الأهم: لماذا انبهرنا بإبداعات إميل حبيبي الجمالية، وغضضنا الطرف عما تحتويه من مواقف ثقافية، قد لا نوافق على أكثرها؟
        وهنا يتناول الكاتب مواقف حبيبي، السياسي، بدءا من مطلع أربعينيات القرن الماضي عندما انضم إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، وتصدى لمحاولة إعادة بناء حزب أممي، هدمته الفرقة والخلافات القومية، واختار الوقوف إلى جانب القيادة الشرعية، التي صادف أنها عروبية النزعة.
        ويمر الكاتب على المحطات الأخرى في حياة الأديب الفلسطيني، مرورا بالانكسار والعدمية القومية في مرحلة النكبة، ومن ثم تحوله إلى مناضل مدني، ومن ثمة هزيمة يونيو/حزيران وحرب أكتوبر/تشرين إلى مرحلة أوسلو وتأسيس مجلة مشارف، الأوسلوية النزعة.
        إميل المبدع

        القسم الرابع خصصه الكاتب للبحث في الإنتاج الإبداعي من منظور ثقافي، فتعامل بإسهاب مع مجموعة من أكثر نصوص إميل حبيبي شهرة، وعلى وجه التحديد "المتشائل" مرورا بـ "اخطية"؟ وأخيرا "خرافية سرايا بنت الغول".
        وهنا يقوم الباحث، إضافة إلى مناقشته نصوص حبيبي، يناقش التعامل المسهب لبعض المثقفين الفلسطينيين والعرب، المتناقض أحيانا، مع كتابات إميل.
        وقد خص بالذكر الكاتب اللبناني التبعية الفلسطيني الهوى، إلياس خوري، وصلاح فضل، وكلا من أحمد دحبور وفاروق وادي وفيصل حوراني الذي كتب عن حبيبي أن "تاريخ الأدب العربي لم يعرف قبله كاتبا مثله، استحوذ على عصارة التراث، وعصارة الحداثة وعصارة خبرة متفهمة لأحوال الناس".
        "
        هذا الكتاب سيثير إشكالية في الساحة الثقافية الفلسطينية، لكنها مهمة وضرورية كمدخل لمراجعة النفس ومحاسبة الذات على ليونة كثير من المثقفين الفلسطينيين تجاه مسائل وطنية وقومية مصيرية لا اجتهاد فيها
        "ويتساءل، مستغربا أين ذهبت "لامية العرب" والمتنبي وأبو العلاء ومحمود درويش وغسان كنفاني وإدوارد سعيد وتوفيق الحكيم ويوسف القعيد والطيب صالح والزيني بركات وثلاثية خيري شلبي وخالتي صفية والدير وليون الإفريقي ومدن الملح وألف ليلة وليلة وكليلة ودمنة وشكاوى المصري الفصيح وجلجامش.

        هذا يقنع بأن موقف بعض الكتاب من إميل حبيبي الأديب ذو خلفية سياسية لا أكثر.
        في القسم الأخير من العمل يخلص المؤلف إلى أن حبيبي اتبع في كتاباته أنساقا هي: نسق الحكمة الكلية، ونسق التأثير لا نسق الإقناع، ونسق استخدام التراث كخيار أسلوبي فحسب، والنسق الشرقي في تناول قضايا المرأة، ونسق التهوين المستمر من أمر العمالة للعدو.
        لكنه عندما يطرح السؤال: لماذا أحببنا "المتشائل" بعد كل ما علمناه عن إميل حبيبي؟، يجيب بالقول: إننا أحببنا الصنعة، ولكننا لم نحب المصنوع، وعندما التبس الأمر على الصانع، وتماهي في المصنوع كرهناه.
        لقد أحببنا الجمال في لوحة ترسم كيف يسيطر القبح على أرواح بعض الناس، ويحولهم إلى أعداء لأنفسهم؛ ولم نحب أبدا هؤلاء البعض، ولم نتمن أن نكون مثلهم، مهما تقلبت بنا الأيام.
        وقد أرجع الباحث هذا التناقض إلى فعل النسق المتجذر في تاريخ التلقي العربي للأدب، الذي ظل محكوما بالنزعة الجمالية، التي صرفته عن قراءة الأدب، باعتباره درسا إنسانيا عظيما.
        وألهته -يقول د خضر- من ثم عن فضح تأثيراته السلبية، في مجمل الوعي العربي، حيث تكرس الفصل المبكر، بين المحتوى الفلسفي الأخلاقي للشعر والأدب، والبلاغة اللغوية، التي سُمح لها بأن تقول ما تشاء، ما دام قولها محروسا بالجمال التصويري، حتى ولو خالف كل قواعد المنطق والأخلاق!.
        والمؤلف يقول هذا في ضوء الاتهامات الكثيرة التي وجهت إلى إميل حبيبي بأنه شارك في جلب السلاح من تشيكوسلوفاكيا للحركة الصهيونية قبيل النكبة، واعترافه العلني بأنه هو "المتشائل".
        رأي في إميل

        أما الملحق فيحوي مجموعة من الوثائق الخاصة بتطور الحزب الشيوعي الفلسطيني، ومن ثم الإسرائيلي، ومواقفه من القضية الفلسطينية، كما يضم مجموعة من المقالات التي تعكس مواقف إميل حبيبي السياسية، أخص منها بالذكر مقالة الشاعر الفلسطيني راشد حسين "حين يجوع التاريخ" التي نشرها في مجلة الفجر التي كانت تصدر في تل أبيب، بتاريخ 12/10/1959، حيث اتهمه ومعه الحزب الشيوعي الإسرائيلي، ضمنا، بالقول: نحن القوميين العرب لن ننسى الذين طعنوا قوميتنا أمس، ويطعنونها اليوم.
        لا شك في أن هذا الكتاب سيثير إشكالية في الساحة الثقافية الفلسطينية، لكنها مهمة وضرورية كمدخل لمراجعة النفس ومحاسبة الذات على ليونة كثير من المثقفين الفلسطينيين تجاه مسائل وطنية وقومية مصيرية لا اجتهاد فيها.
        sigpic

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5
          اللقاء الأخير مع إميل حبيبي
          عشر سنوات انقضت على غياب «المتشائل»
          محمد علي طه

          منذ منتصف الخمسينات من القرن الماضي، اعتدت ان أقرأ في صحيفة «الاتحاد» الحيفاوية «أسبوعيات جهينة». الاسم الذي يوقع به إميل حبيبي مقاله الاسبوعي السياسي الساحر الجارح الساخر. واستمرت قراءتي له حتى انقطع إميل عن كتابته بعد خلاف عاصف مع الحزب الشيوعي عام 1989، فخسرت وخسر القراء، خفة دمه، وسلاطة لسانه وقلمه، وبعد نظره، ورؤياه ورؤيته التي ورثها عن زرقاء اليمامة.
          وقبل أشهر من ذلك الصباح النيساني، عاد إميل حبيبي للكتابة، في ملحق «الاتحاد». وهذه العودة القصيرة أفرحت البعض، وأغاظت البعض الآخر.
          وفيما أنا أبحث عن المقال لفت نظري اعتذار من المحرر نظير مجلي يبلغ القراء، ان إميل لم يتمكن من كتابة مقاله، بسبب المرض.
          كنت اعرف ان مرض إميل حبيبي خطير. واذكر انه قبل أشهر، عندما دعيت الى لقاء في فندق فلسطين في مدينة غزة للتشاور حول اقامة متحف فلسطيني ومكتبة وطنية، التقيت به عند مدخل الفندق. كان يسير مع صديقته سهام داود بوهن. وكان يحمل بيده كيسا من النايلون، وحينما رآني أشار الى الكيس قائلا: أحمل دوائي في هذا الكيس واتناول يوميا عددا كبيرا من الأقراص.. وذكر عدد الاقراص الذي يتناوله.
          ارتبكت ثم قلت: سلامتك..
          لم يكن إميل الذي اعرفه وزاملته عدة سنوات. كان جسده هزيلا، عنفوانه غائبا.
          وإميل العاصفة التي تسير على قدمين صار هادئا ناعما واهنا مثل النسيم.
          هل اراد إميل ان يعاتبني؟ أم اراد أن يلومني؟ أم اراد أن يصالحني؟
          كانت بيني وبينه قطيعة طويلة.
          تراشقنا بالكلمات أمام الناس في ندوة في مدينة القدس الغربية في العام 1991 وبلغ خلافنا ذروته، حينما نشرت في جريدة «كل العرب» في 13 مارس (آذار) 1992 مقالي الساخر الجارح «وراح طيّر حمام بعيدك يا حبيبي»، متناولا ترشيحه لنيل جائزة اسرائيل للأدب.
          كان الحب والتقدير لإميل حبيبي يتضوع من مقالي. وفي الوقت نفسه سخرت بشدة من موافقته على قبول الجائزة. لم اتصور يومئذ ان يوافق إميل على قبول جائزة اسرائيل في يوم استقلال اسرائيل، في حين يعيش شعبنا الفلسطيني الانتفاضة الأولى بشهدائها وجرحاها وأسراها. ولم اتصور ان يوافق على مصافحة اسحاق شامير، رئيس الحكومة اليميني المتطرف، الذي لا يعترف بوجود شعبنا، والذي وصفه إميل باقذع الاوصاف في مقالاته. اعتقدت ـ بسذاجة ـ أن مقالي سيؤثر على إميل حبيبي ويقول له: اصح يا رجل. وعندئذ يفعل ما فعله جان بول سارتر، حينما رفض نوبل. لم افكر للحظة بأن الجائزة ليست نوبل وان إميل حبيبي ليس جان بول سارتر. ولكن مقالي أغضبه وأحزنه كثيرا كما علمت.. وبدأ يتعرض لي بمقالاته... وكانت قطيعة طويلة بيننا.
          في ذلك الصباح النيساني، قرأت اعتذار محرر الاتحاد عدة مرات. قلقت على إميل، وهاتفت سهام داود وسألتها عن صحته. أجابتني ان وضعه صعب. أخبرتها بأنني ارغب بزيارته.
          قالت لي: ابو سلام لا يرغب برؤية أحد. وضعه لا يسمح بزيارات.
          ومضت ساعة.. ساعتان.. وزاد قلقي على الرجل. ورن هاتف بيتي.
          رفعت السماعة واذا سهام داود تقول: ابو سلام يقول لك: تستطيع ان تزوره انه في المستشفى النمساوي في مدينة الناصرة.
          في عصر ذلك اليوم سافرت وزوجتي لنعود ابا سلام في المستشفى. وحينما ترجلنا من السيارة التقينا بالشاعر العبري نتان زاخ، صديق إميل فبادرني بالتحية.
          سرنا معا، وحينما دخلنا غرفة إميل كان شبه نائم.. ربما كان في غيبوبة.. ولما افاق صافحناه بحرارة.. رحب بنا.
          كانت البلاد تمر بأيام صعبة جدا. شاب يميني متطرف اغتال رئيس الحكومة، اسحاق رابين، قبل ستة اشهر. وعمليات فدائية في المدن الاسرائيلية. واسرائيل تغتال يحيى عياش، وتتورط في حرب في جنوب لبنان، والجيش الاسرائيلي يرتكب مجزرة قانا. وانتخابات الكنيست قريبة جدا. وشيمعون بيريز، زعيم حزب العمل يتنافس مع بنيامين نتنياهو، زعيم حزب الليكود على رئاسة الحكومة. وكانت الانتخابات يومئذ لرئاسة الحكومة مباشرة. كان الاختيار بالنسبة للمواطنين العرب صعبا. انتخاب بيريز مر جدا بعد مجزرة قانا، وعدم الانتخاب معناه فوز نتنياهو، وهو امر مر جدا ايضا.
          بيريز يعلن انه يرغب بمواصلة مسيرة السلام مع عرفات، ونتنياهو يعارض ذلك ويتحدث عن اطماعه في الضفة الشرقية والاردن. وكانت قد ارتفعت أصوات عربية تدعو لمقاطعة انتخابات الرئاسة، ومن الواضح ان هذا الامر يصب في مصلحة الليكود واليمين، ويهمش الجماهير العربية ويبعدها عن اتخاذ القرار.
          نظر الي إميل وسألني: ما موقفك من الانتخابات؟
          سألته وانا أدري ما يعنيه: للكنيست أم لرئاسة الحكومة؟
          قال: ما يهمني هو رئاسة الحكومة... أي مواصلة المسيرة السلمية.
          قلت: أمس كتبت مقالا وأرسلته لـ«الاتحاد» أعارض فيه المقاطعة وادعو للتصويت لشيمعون بيريز للأسباب التالية...
          قال: كفى. الاسباب نعرفها جميعا.
          وحدق بي طويلا ثم قال: هذا ما توقعته منك. انت شجاع... وتجيد السباحة ضد التيار. وانا الان مرتاح.. مرتاح..
          في هذه الأثناء دخل الغرفة المناضل الكبير توفيق طوبي يصحبه اخوه جورج. شعرت بأن مسيرة خمسين عاما قد ملأت غرفة ابي سلام.
          خمسون عاما من النضال.. في عصبة التحرر الوطني وفي البرلمان والمظاهرات ضد الحكم العسكري والاحتلال. خمسون عاما من النقاش الفكري بين الرجلين. نقاش استمر طويلا حتى استقال إميل من الحزب عام 1991. وكانت القطيعة بين القائدين... شعرت بأن زيارتي لإميل انتهت.. ومن المناسب أن اخلي فضاء الغرفة لإميل وتوفيق.
          وبعد يومين، في الاول من أيار 1996 غادر ابو سلام الحياة الدنيا لينام في حيفا الى الأبد. غادر الدنيا الكاتب الكبير صاحب «السداسية» و«المتشائل» و«اخطية» و«سرايا بنت الغول».
          غادرنا الخطيب الكبير الذي كان صوته الجهوري يلعلع في ساحة الاول من أيار، وفي ساحة بيت الصداقة في الناصرة.. وفي الاجتماعات الشعبية والمظاهرات.. والذي كان يأسر الالاف بكلماته وسخريته. غادر دنيانا رفيق عزيز وصديق غال.
          وتذكرت سنوات القطيعة.. وتذكرت اللقاء الأخير... وبكيت.
          * أديب فلسطيني يعيش في اراضي 1948
          sigpic

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            اخطية
            اميل حبيبي



            "تمثل أعمال إميل حبيبي تيارا أساسيا في الرواية العربية المعاصرة يتخذ من تهجين الشكل الروائي الأوروبي بعناصر سردية وغير سردية، مجتلبة من التراث العربي والحكايات الشعبية وأشكال السرد الشفوي، وسيلته للخروج من قبضة الشكل السردي الخطي الذي استطاع نجيب محفوظ في ثلاثيته، وعدد آخر من رواياته التي تنتمي إلى الخمسينيات، أن يعتصره ويقيم منه عمارته الروائية. لكن إميل حبيبي، على قلة ما أنتج من أعمال روائية، استطاع منذ كتب عمله شبه الروائي الأول «سداسية الأيام الستة»، أن يقيم بناءه الروائي من مواد متنوعة متغايرة وأن يشكل مادته السردية في دوائر متقاطعة: حكاية تجر إلى حكاية بحيث ينسى القارئ الحكاية الأولى وينجرف مع سيل الحكايات التي تذكر بأسلوب ألف ليلة وليلة في الإفضاء بقارئها إلى سلسلة الحكايات التي تؤدي الواحدة منها إلىالأخرى. وقد تمثل هذا الأسلوب أيضا في إدخال مواد غريبة على السرد الروائي التقليدي وجعلها عناصر أساسية في تشكيل نصه الروائي، إضافة إلى تخليه، بصورة نهائية، عن عنصر الحكاية التي تتنامى عبر السرد لتبلغ نهاية مرسومة محددة.


            و "اخطيّة " هي نموذج الرواية التي تبدأ من حدث صغير ثم تتشعب في جميع الاتجاهات. إنها رواية داخل رواية داخل رواية. وإذا كنا نصادف الكثير من الروايات، حتى تلك التي تعتمد السرد الخطي وتشتمل على العناصر السردية التقليدية، تتشعب فيها الحكايات في اتجاهات عديدة فإن «اخطية»، وروايات إميل حبيبي جميعها، تتميز بتوليدها سلسلة من الحكايات الصغيرة التي يصعب علينا السيطرة على تشعبها الدلالي وانفتاحها على بعضها بعضا وتراكبها طبقات فوق طبقات. وكما رأينا في «المتشائل» فإن الراوي يسلمنا من حكاية إلى حكاية في نوع من توسيع الشبكة السردية وتوضيح قسمات الشخصيات، أو المعاني، بتكثير الحكايات وتوليد الكلام وتشقيقه بعضه من بعض."


            فخري صالح الحياة

            الرابط
            4shared is a perfect place to store your pictures, documents, videos and files, so you can share them with friends, family, and the world. Claim your free 15GB now!
            sigpic

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              إميل حبيبي
              المتشائل
              الكتاب الأول يعاد
              مِسْك الختام

              أنتُم، أيها الرجال!
              وأنتنّ، أيتها النساء!
              أنتم، أيها الشيوخ والحاخاميون والكرادلة!
              وأنتنّ، أيتها الممرضات وعاملات النسيج!
              لقد انتظرتُم طويلاً
              ولم يقرع سعاة البريد أبوابكم
              حاملين إلىكم الرسائل التي تشتهون
              عبر الأسيجة اليابسة..
              أنتُم، أيها الرجال!
              وأنتنّ، أيتها النساء!
              لا تنتظروا، بعدُ، لا تنتظروا!
              اخلعوا ثياب نومكم
              واكتبوا إلى أنفسكم
              رسائلكم التي تشتهون..
              سميح القاسم
              [قرآن الموت والياسمين]


              سعيد يدّعي التقاء مخلوقات من الفضاء السحيق

              كتب إلىّ سعيد أبو النحس المتشائل، قال: أبلغ عني أعجب ما وقع لإنسان منذ عصا موسى، وقيامة عيسى، وانتخاب زوج الليدي بيرد رئيسًا على الولايات المتحدة الأميركية.
              أما بعد، فقد اختفيت. ولكنني لم أمت. ما قتلت على حدود كما توهم ناس منكم، وما انضممت إلى فدائيين كما توجس عارفو فضلي، ولا أنا أتعفن منسيّا في زنزانة كما تقوّل أصحابك.
              صبرا، صبرا، ولا تتساءل: من سعيد أبو النحس المتشائل هذا? لم ينبه في حياته، فكيف ننبه له?
              إنني أدرك حطتي، وإنني لست زعيمًا فيحس بي الزعماء، ولكن، يا محترم، أنا هو الندل
              ألم تضحك من الأضحوكة الإسرائيلية عن السبع الذي تسرب إلى مكاتب اللجنة التنفيذية? ففي اليوم الأول افترس مدير التنظيم النقابي، فلم ينتبه زملاؤه.. وفي اليوم الثاني افترس مدير الدائرة العربية، فلم يفتقده الباقون. فظل السبع يمرح مطمئنّا ويفترس مريئًا حتى أتى على ندل السُفرة، فأمسكوه.
              أنا الندل، يا محترم، فكيف لم تنتبهوا على اختفائي?
              لا هم. فالأهم أن اختفائي جاء في أمر عجب ترقبت وقوعه طول العمر. وقعت العجيبة يا معلم، والتقيت مخلوقات هبطت علينا من الفضاء السحيق. وأنا ذا موجود الآن في المعية. وأنا ذا أكتب إلىك بسري العجيب هذا، وأنا محلق فوق رؤوسكم.
              إياك والريبة، وقولك إن عصر العجائب قد ولّى. فما دهاك، يا معلمي، حتى صرت تعكس الأمور?
              أما والذين أنا في كنفهم، فإن عصرنا هذا لهو من أعجب العصور، منذ عاد وثمود، إلاّ أننا ألفنا هذه العجائب. فلو قام أسلافنا واستمعوا إلى الراديو، وشاهدوا التلفزيون، ورأوا طائرة الجامبو وهي تهبط في ليل المطار الدامس، تنش وتقصف، لأشركونا.

              ولكننا تعودنا. فلم نعد نجد في خلع الملوك خارقًا ولا في بقائهم. فبروتس لم يعد أمرًا فذا تكتب الروايات عنه: حتى أنت يا بروتس! ولا تقول العرب: حتى أنت يا بيبرس! وذلك أن السلطان قطز لم يخرج من فيه سوى حشرجة تركية. وما زال أبو زيد الهلالي يكب على الأيدي تقبيلاً، فلا يتطير السلطان.
              لست قطز - يقول الملك. ولا زماني زمان الببرسة يقول: عبده.
              والقمر أصبح أقرب علينا من تينتنا القمراء في قريتنا الثكلى. وسلمتم بكل هذه العجائب، فكيف تنكرون عليّ عجيبتي?
              مهلاً، مهلاً ولا تتعجل الشرح، يا معلم. كل شيء في وقته يعسل. فاذهب بسلامتك ولا تماحكني في شكلهم، وفي لباسهم، وفي نظامهم، وفي علومهم. إني أقهقه في وجوهكم: لقد أصبحت أعلم ما لا تعلمون، فكيف لا أتبغدد?
              أما كيف اختاروني من دون خلق الله أجمعين، فلست متىقنًا أنني الوحيد الذي التقاهم. وحين استنصحتهم في إطلاعك على ما وقع لي، كي يعلم العالم، تبسموا وقالوا: لا بأس. ولكن العالم لن يعلم. وصاحبك لن يصدقك، فليس كل ما يهبط من السماء وحيا. وهذه من عجائبكم!
              قد لا أكون الوحيد الذي اختاروه. ولكنني، وحقك، مختار من المخاتير. وأنت أيضًا، يا معلم أصبحت مختارًا. فأنا اخترتك لتروي عني أعجب عجيبة، فتميط عجبًا!
              كيف اختاروني? لأنني اخترتهم. ظللت طول العمر أبحث عنهم، وأنتظرهم، وأعوذ بهم، حتى لا مندوحة.
              عجيبة? لا بأس. كان أسلافنا في الجاهلية يصنعون آلهتهم من التمر، حتى إذا جاعوا أكلوها. فمن الجاهلي يا معلم، أنا أم أكلة آلهتهم?
              ستقول: لأن يأكل الناس آلهتهم خير من أن تأكلهم الآلهة. فأرد عليك: إن آلهتهم كانت من التمر!




              سعيد يعلن أن حياته في
              إسرائيل كانت فضلة حمار!

              لنبدأ من البداية. كانت حياتي كلها عجيبة. والحياة العجيبة لا تنتهي إلاّ بهذه النهاية العجيبة. حين سألت صاحبي الفضائي: كيف آويتموني? قال: هل لديك من بديل?
              فمتى كانت البداية?
              كانت البداية حين ولدت مرة أخرى بفضل حمار.
              ففي الحوادث كمنوا لنا وأطلقوا الرصاص علينا. فصرعوا والدي، رحمة الله عليه. أما أنا فوقع بيني وبينهم حمار سائب، فجندلوه. فنفق عوضًا عني. إن حياتي، التي عشتها في إسرائيل بعد، هي فضلة هذه الدابة المسكينة. فكيف علينا أن نقوم حياتي يا أستاذ?
              غير أنني أراني إنسانًا فذًا. ألم تقرأ عن كلاب لعقت الماء المشبع بالسم، فماتت، لتنبه أسيادها ولتنقذ حياتهم? وعن الخيول التي فرت بفرسانها الجرحى، تعدو سوابق ريح، فأنفقها الإجهاد بعد أن بلغت بهم مضارب الأمان? أمَّا أنا فأول إنسان، على ما أعهد، أنقذه حمار محرن لا يسابق ريحًا ولا يبغم. فأنا إنسان فذ. وقد يكون الفضائيون اختاروني على ذلك.
              علمني، بحياتك، الإنسان الفذ من يكون? أهو الذي يختلف عن الآخرين، أم هو الواحد من هؤلاء الآخرين?
              قلت إنك لم تحس بي أبدًا، ذلك أنك بليد الحس يا محترم. فكم من مرة التقيت اسمي في أمهات الصحف? ألم تقرأ عن المئات الذين حبستهم شرطة حيفا في ساحة الحناطير (باريس حاليًا) يوم انفجار البطيخة? كل عربي ساب في حيفا السفلى على الأثر حبسوه، من راجل ومن راكب. وذكرت الصحف أسماء الوجهاء الذي حبسوا سهوًا، وآخرين.
              آخرون - هؤلاء أنا. الصحف لا تسهو عني. فكيف تزعم أنك لم تسمع بي? إني إنسان فذ. فلا تستطيع صحيفة ذات اطلاع، وذات مصادر، وذات إعلانات، وذات ذوات، وذات قرون، أن تهملني. إن معشري يملأون البيدر والدسكرة والمخمرة. أنا الآخرون. أنا فذ!

              سعيد ينتسب

              إن اسمي، وهو سعيد أبو النحس المتشائل، يطابق رسمي مخلقًا منطقًا. وعائلة المتشائل عائلة عريقة نجيبة في بلادنا. يرجع نسبها إلى جارية قبرصية من حلب لم يجد تيمورلنك لرأسها مكانًا في هرم الجماجم المحزوزة، مع أن قاعدته كانت عشرين ألف ذراع وعلوه كان عشر أذرع، فأرسلها مع أحد قواده إلى بغداد لتغتسل فتنتظر عودته. فاستغفلته. (ويقال - وهذا سر عائلي - إن ذلك كان السبب في المذبحة المشهورة). وفرت مع أعرابي من عرب التويسات، اسمه أبجر، الذي قال فيه الشاعر:
              يا أبجر بن أبجر يا أنتَ
              أنت الذي طلقت عام جُعْتَ

              فطلقها حين وجدها تخونه مع الرغيف بن أبي عمرة ، من غور الجفتلك، الذي طلقها في بير السبع. وظل جدودنا يطلقون جداتنا حتى حطت بنا الرحال في بسيط من الأرض أفيح متصل بسيف البحر، قيل إنه عكاء، فإلى حيفاء على الشاطئ المقابل من البسيط. وبقينا مطلاقين حتى قامت الدولة.
              وبعد النحس الأول، في سنة 1948، تبعثر أولاد عائلتنا أيدي عرب، واستوطنوا جميع بلاد العرب التي لما يجر احتلالها. فلي ذوو قربى يعملون في بلاط آل رابع في ديوان الترجمة من الفارسية وإلىها. وواحد تخصص بإشعال السجائر لعاهل آخر، وكان منا نقيب في سوريا، ومهيب في العراق، وعماد في لبنان. إلاّ أنه مات بالسكتة يوم إفلاس بنك أنترا. وأول عربي عينته حكومة إسرائيل رئيسًا على لجنة تسويق العلت والخبيزة في الجليل الأعلى هو من أبناء عائلتنا، على أن والدته، كما يقال، هي شركسية مطلقة. وما زال، عبثًا، يطالب بالجليل الأدنى. ووالدي، رحمه الله، كانت له أياد على الدولة قبل قيامها. وخدماته هذه يعرفها تفصيلاً صديقه الصدوق ضابط البوليس المتقاعد، الأدون سفسارشك.
              ولما استشهد والدي، على قارعة الطريق، وأنقذني الحمار، ركبنا البحر إلى عكا. فلما وجدنا أن لا خطر علينا، وأن الناس لاهون بجلودهم، نجونا بجلودنا إلى لبنان حيث بعناها واسترزقنا.
              فلما لم يعد لدينا ما نبيعه، تذكرت ما أوصاني به والدي وهو يلفظ أنفاسه على قارعة الطريق. قال: رح إلى الخواجة سفسارشك، وقل له: والدي، قبل استشهاده، سلم عليك، وقال: دبرني!
              فدبرني.






              سعيد يدخل إسرائيل لأول مرة

              قطعت الحدود في سيارة دكتور من جيش الإنقاذ كان يغازل أختي في عيادته في وادي الصليب في حيفا. فلما رحلنا إلى صور وجدناه في استقبالنا. فلما بدأت أرتاب في الأمر تحول إلى أعز أصحابي. فاستذوقتني زوجه. فسألني: هل تحفظ السر? قلت: مثل نجم فوق عاشقين. قال: فأمسك لسانك إنها فروط. فأمسكت.
              فلما كشفت له عن رغبتي في التسلل إلى إسرائيل، تبرع بحملي في سيارته. وقال: أفضل لك. قلت: ولك. فقال: على بركة الله. وباركتنا الوالدة.
              بلغنا ترشيحا حين كانت الشمس والأهالي تهجرها. فاستوقفنا الحرس. فأظهر الدكتور بطاقته فحيونا، وكنت مذعورًا. فضحك الدكتور وشتمهم فشتموه وضحكوا.
              وبتنا في معليا حتى استيقظت قبل الفجر على همس صادر عن سرير الدكتور إلى جانبي. فحبست أنفاسي. فتبينت صوتًا يهمس أن زوجها لا يستيقظ الساعة. فقلت: لا يمكن أن تكون هذه أختي، فأختي لا زوج لها حتى الآن. فنمت مطمئنًا.
              وتغدينا في بيت والدها في أبو سنان، وكانت في ذلك الوقت أرضًا حرامًا، أي لا يطرقها سوى الجواسيس وتجار الغنم والحمير السائبة.
              واكتروا لي دابة هبطت على ظهرها إلى كفرياسيف.. وكان ذلك في صيف عام .1948 وعلى ظهر الجحش من أبو سنان إلى كفرياسيف احتفلت بصيفي الرابع والعشرين.
              وأرشدوني إلى مقر الحاكم العسكري. فدخلته راكبًا على جحش بن أتان. وكانت على عتبته ثلاث درجات صعدتها الدابة في خيلاء.
              فتدافع العسكر نحوي، مذهولين. فصحت: سفسارشك، سفسارشك! فانطلق نحوي عسكري سمين. وصرخ: أنا الحاكم العسكري، وانزل عن الحمار. قلت: أنا فلان بن فلان، ولا أنزل إلاّ على عتبة الخواجا سفسارشك. فشتمني، فصحت: أنا طنيب على الخواجا سفسارشك. فشتم الخواجا سفسارشك. فنزلت عن الحمار.


              بحْث في أصْل المتشائل

              لما نزلت عن الحمار رأيتني أطول قامة من الحاكم العسكري. فاطمأنت نفسي حين وجدتني أطول قامة منه بدون قوائم الحمار. فارتحت على مقعد من مقاعد المدرسة التي حولوها إلى مقر الحاكم وحولوا ألواحها إلى طاولة بنغ بونغ.
              شعرت بالاطمئنان وحمدته على أنني أطول قامة من الحاكم العسكري بدون قوائم الحمار.
              هذه هي شيمة عائلتنا. ولذلك سميت بعائلة المتشائل. فالمتشائل هي نحت كلمتىن اختلطتا على جميع أفراد عائلتنا منذ مطلقتنا القبرصية الأولي. وهاتان الكلمتان هما المتشائم والمتفائل. فدعينا بعائلة المتشائل. ويقال إن أول من أطلقها علينا هو تيمورلنك نفسه بعد مذبحة بغداد الثانية. وذلك لما وشوا بجدي الأكبر، أبجر بن أبجر، وأنه، وهو على متن فرسه خارج أسوار المدينة، التفت فشاهد ألسنة اللهب، فهتف: بعدي خراب بصرى!
              خذني أنا مثلاً، فإنني لا أميز التشاؤم عن التفاؤل. فأسأل نفسي: من أنا? أمتشائم أنا أم متفائل?
              أقوم في الصباح من نومي فأحمده على أنه لم يقبضني في المنام. فإذا أصابني مكروه في يومي أحمده على أن الأكره منه لم يقع، فأيهما أنا: المتشائم أم المتفائل?
              ووالدتي من عائلة المتشائل أيضًا. وكان أخي البكر يعمل في ميناء حيفا. فهبت عاصفة اقتلعت الونش الذي كان يقوده وألقته معه في البحر فوق الصخور، فلموه وأعادوه إلىنا إربًا إربًا، لا رأس ولا أحشاء. وكان عروسًا ابن شهره. فقعدت عروسه تولول وتندب حظها. وقعدت والدتي تبكي معها صمتًا. ثم إذا بوالدتي تستشيط وتضرب كفا بكف وتبح قائلة: (مليح أن صار هكذا وما صار غير شكل)! فما ذهل أحد سوى العروس، التي لم تكن من العائلة فلا تعي الحكم. ففقدت رشدها، وأخذت تعول في وجه والدتي: أي غير شكل يا عجوز النحس (هذا اسم والدي، رحمه الله): أي شكل بعد هذا الشكل يمكن أن يكون أسوأ منه?
              ولم يرق والدتي نزق الشباب. فأجابتها بهدوء، وكأنها تقرأ في المندل: أن (تخطفي) في حياته يا بنية - أي أن تهربي مع رجل آخر. علمًا بأن والدتي تحفظ شجرة العائلة عن ظهر قلب.
              والحقيقة أنها هربت، بعد سنتين، مع رجل آخر. فكان عاقرًا. فلما سمعت الوالدة أنه عاقر، رددت لازمتها: فلماذا لا نحمده?
              فأيهم نحن: المتشائمون أم المتفائلون?



              كيف شارك سعيد في حرب الاستقلال لأول مرة

              ولنعد، يا محترم، إلى مقر الحاكم العسكري الذي، ما أن شتم الأدون سفسارشك حتى نزلت عن الحمار. فسرعان ما تبين لي أن الشتم لا يدل على استهانة الشاتم بالمشتوم، بل يدل، أحيانًا، على الغيرة.
              فما أن قعدت على المقعد راضيًا عن أن قامتى أطول من قامة الحاكم العسكري، حتى بدون قوائم الدابة، حتى هرع هذا الأخير، أي الحاكم العسكري، إلى التلفون ورطن فيه ببعض كلام لم أفهم منه سوى اسمين ارتبطا بي فيما بعد زمنًا طويلاً: أبي النحس وسفسارشك. ثم ألقاه، وصاح في وجهي أن قم. فقمت.
              قال: أنا أبو إسحق، فاتبعني. فتبعته إلى سيارة جيب أوقفوها بقرب العتبة وحماري يتمخط إلى جانبها. قال: لنركب. فاعتلى سيارته واعتليت جحشي. فزعق، فانتفضنا، فوقعت عن ظهر الحمار، فوجدتني بقربه، أي بقرب الحاكم العسكري في السيارة التي توجهت بنا غربًا في طريق ترابي بين أعواد السمسم. قلت: إلى أين? قال: عكا، وانكتم. فانكتمت.
              وما أن مرت بضع دقائق حتى أوقف الجيب فجأة، وانطلق منه كالسهم، وقد أشرع مسدسه. ثم اخترق أعواد السمسم وكشفها ببطنه، فإذا بامرأة قروية مقرفصة ووليدها في حجرها وقد رأرأت عيناه.
              فصاح: من أية قرية?
              فظلت الأم مقرفصة تطل عليه بنظرات شاخصة مع أنه كان واقفًا فوقها كالطود.
              فصاح: من البروة?
              فلم تجبه بعينيها الشاخصتين.
              فصوب مسدسه نحو صدغ الولد، وصاح: أجيبي أو أفرغه فيه.
              فانكمشت تأهبًا للانقضاض عليه، وليكن ما يكون. ففي عروقي تجري دماء الشباب الحارة، أنا ابن الرابعة والعشرين، وحتى الصخر لا يطيق هذا المنظر. غير أني تذكرت وصية أبي وبركة والدتي. فقلت في نفسي: سأثور عليه إذا ما أطلق الرصاص. ولكنه يهددها فحسب. فبقيت منكمشًا.
              وأما المرأة، فقد أجابته هذه المرة: نعم من البروة.
              فصرخ: أعائدة أنت إليها?
              فأجابته: نعم عائدة.
              فصرخ: ألم أنذركم أن من يعود إلىها يقتل? ألا تفهمون النظام? أتحسبونها فوضى? قومي اجري أمامي عائدة إلى أي مكان شرقًا. وإذا رأيتك مرة ثانية على هذا الدرب، فلن أوفرك.
              فقامت المرأة، وقبضت على يد ولدها وتوجهت شرقًا دون أن تلتفت وراءها. وسار ولدها معها دون أن يلتفت وراءه.
              وهنا لاحظت أولى الظواهر الخارقة التي توالت علي فيما بعد حتى التقيت، أخيرًا، صحبي الفضائيين. فكلما ابتعدت المرأة وولدها عن مكاننا، الحاكم على الأرض وأنا في الجيب، ازدادا طولاً حتى اختلطا بظليهما في الشمس الغاربة، فصارا أطول من سهل عكا. فظل الحاكم واقفًا ينتظر اختفاءهما، وظللت أنا قاعدًا أنكمش، حتى تساءل مذهولاً: متى يغيبان?
              إلا أن هذا السؤال لم يكن موجهًا إلىّ.


              والبروة هذه هي قرية الشاع الذي قال، بعد 15 سنة:
              (أهنئ الجلاد منتصرًا على عينكحيلة
              مرحى لفاتح قرية، مرحى لسفاحالطفولة)

              فهل كان هو الولد? وهل ظل يمشي شرقًا بعد أن فك يده من قبضة أمه وتركها في الظل?
              لماذا أروي لك، يا معلم، هذه الحادثة التافهة?
              لعدة أسباب منها: ظاهرة نمو الأجسام كلما ابتعدت عن أنظارنا.
              ومنها أنها برهان آخر على أن اسم عائلتنا العريقة هو اسم له هيبته في قلوب رجالات الدولة. فلولا هذه الهيبة لأفرغ الحاكم مسدسه في رأسي، وقد شاهدني منكمشًا تأهبًا.
              ومنها: أني شعرت، لأول مرة، أنني أكمل رسالة والدي، رحمه الله، وأخدم الدولة، بعد قيامها على الأقل. فلماذا لا أتبحبح مع الحاكم العسكري?
              وتبحبحت، فسألته: سيارتك هذه، من أي موديل?
              فقال: انكتم.
              فانكتمت.
              فشاعر البروة، السالف الذكر، قال:
              (نحن أدرى بالشياطين التي
              تجعل من طفل نبيا)

              ولم يدر، إلاّ أخيرًا، بأن هذه الشياطين نفسها تجعل من طفل آخر نسيًا منسيًّا.

              ورود ذِكْر (يُعاد) لأول مرة

              استقبلتنا عكا، حين دخلناها، وقد التفت بعباءة الليل العباسية. فتذكرت صاحبتي (يُعاد)، التي لم تبتسم في القطار لسواي، فتسارع وجيب الفؤاد.
              فعكا، التي صمدت للصليبيين أطول مما صمد غيرها من الحواضر، وردت نابليون، ولم يدخلها التتار. حافظت على هيبتها بعد أن هرمت وشاخت وأصبح سورها محششة، ومنارها مثل قنديل جحا.. فظلت القصبة حتى بعد أن تصنعت حيفا واستشببت. وظلت مدرستها الثانوية، في الغرف الكلينية على كتف السور الشرقي، أعلى صفوفًا من مدرسة حيفا الثانوية. فانتقلنا إلى (مدرسة الفرقة) في عكا، ذهابًا وإيابًا يوميًا في القطار. وفي القطار التقينا صاحبتي (يعاد) الحيفاوية التي كانت مثلنا تتأبط مزودتها، وتتعلم في مدرسة البنات العكية، وتعود معنا. إلاّ أنها كانت تنزوي في المقصورة الوحيدة في القطار، تدخلها وقد أسدلت إيهابها، وتخرج منها على هذه الحال. فسارقتني النظر بعينيها الخضراوين من باب المقصورة المشقوق، فعلقتها. فنادتني ذات صباح أن أفسر لها كلمة بالإنجليزية. فلما عجزت عنها فسرتها لي، وقالت: اقعد. فصرت أقعد معها في الذهاب وفي العودة. فأحببتها حبًا جمًا. فقالت إنها أحبتني لأنني خفيف الظل وضحكتي عالية.
              ولكن غيرة زميل من زملائي جعلتني أبكي بدون صوت.
              فقد وشى بي إلى مدير مدرستها، الذي أحال كتابه إلى مدير مدرستنا، فاستدعى جميع طلاب حيفا القطاريين. وهاج وماج، ثم قال: حيفا عكا بحر، بينهما بحر. ما يجوز في حيفا لا يجوز في عكا. هذه مدينة محافظة منذ أيام صلاح الدين.
              فتذكرت المغفور له الرحالة أبا الحسن محمد بن أحمد بن جبير الكناني، الأندلسي، الشاطبي، البلنسي، الذي بات ليلتين في خان عكاوي، في زمن صلاح الدين، فكتب عنها أنها (تستعر كفرًا وطغيانًا)، وأنها (مملوءة كلها رجسًا وعذرة). وكان جدي لأبي، رحمهما الله، الذي (خطفت) امرأته الأولى، يعلمنا منذ الصغر قائلاً: فعلت ذلك لأنها من عكاء. وكان يمطها توكيدًا.


              فتنطحت للمدير وصحت في وجهه همسًا: ولكنها ليست من عكاء!
              فطردنا من مكتبه، وكتب إلى أهلها. فأرسلوا من ضربني في المحطة. فازددت هيامًا بها. فضربت زميلي الذي وشى بنا. فوقعنا من القطار على رمل الشاطئ فلم نتأذ. وعدنا إلى حيفا مشيًا على الأقدام بعد أن اغتسلنا في البحر. وأطعمنا الغوارنة خبز صاج بالزيت وبالملح وسرقوا المزودتين.. فرجعنا أعز الصحاب حتى يومنا هذا.
              وأما (يعاد)، التي لم تعد إلى القطار منذ كتاب المدير إلى أهلها، فلم أعثر لها على أثر. ولكن قلبي ظل مجروحًا بحبها.
              فلما دخلنا عمارة الشرطة، على الشاطئ الغربي، وسلمني الحاكم إلى أحد ضباطها، أمرني: عد في الصباح لأنقلك إلى حيفا. ثم استدرك: فأين ستقضي ليلتك هنا? قلت: (يعاد)! فصاح الضابط: هل أنت أطرش? وأعاد على مسامعي تعليماته. قلت: لا أعرف أحدًا هنا سوى مدير المدرسة، فلان الفلاني.
              فتشاورا، ثم قال الحاكم للضابط: احمله إلى جامع الجزار. فحملني بجيبه. حتى إذا وصلنا إلى سبيل الطاسات أوقف سيارته فترجلنا وقرع باب المسجد بمطرقة الباب التاريخية. فسمعنا لغطا ثم انحبس.. ثم سمعنا بكاء طفل ثم انكتم، فوقع أقدام تتجرجر. ثم انفتح الباب عن شيخ هرم، نحيل، في ثوب هدم، وهو يؤهل. فأمر الضابط: هذا واحد آخر عليه أن يثبت وجوده في المركز صباحًا. فقال الشيخ: ادخل يا ابني. فدخلت. فلما أمعنت النظر في وجهه عرفت فيه مدير المدرسة. فهتفت: آه يا معلمي، إن والدي رحمه الله، قد أوصاك بي خيرًا. فقال: إن خيري كثير يا ولدي، ادخل فَتَره!!
              جلسة ليلية عجيبة في فناء جامع الجزار

              صفق معلمي براحتيه ثلاثًا، ثم قال مخاطبًا الظلام في فناء المسجد: عودوا إلى شؤونكم يا قوم، فهذا واحد منا.
              فإذا باللغط المحبوس ينفلت. وتنشال الأكف عن أفواه الأطفال المنكتمة. وأرى أشباحًا تتقدم نحونا من غرف المدرسة الأحمدية التي تحيط بالفناء الرحب من أطرافه الثلاثة، الشرقي والشمالي والغربي، فتتحلقنا، وتقرفص بعد أن تطرح السلام، فعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فتستفهم عني.
              قلت: إني عائد من لبنان.
              فإذا بهرج وبمرج.
              فصاح معلمي: هذا ولدنا يا جماعة. فإذا عاد، عاد الآخرون.
              فسأل سائل: هل عدت متسللاً?
              فلم أشأ أن أحدثهم عن الدكتور عشيق أختي، ولا عن الدابة، ولا عن الأدون سفسارشك، فقلت: نعم.
              - فسيطردونك الليلة.
              قلت: إن لوالدي، الذي أعطاكم عمره، صديقًا من كبارهم، اسمه الأدون سفسارشك.
              فعاد الصخب. وعاد معلمي يطمئنهم: إن هو إلاّ صبي لم يبلغ الحلم. مع أن الليلة هي ليلة ميلادي الرابع والعشرين. وكنت في حلم حقًا.


              وشكرت معلمي على أنه لم يدَّع أنني صبيه كي ينقذني من غضبهم، الذي لم أدرك له سببًا.
              حتى أنسوا بي، فأمطروني بالأسئلة عن شظايا أهلهم الذين التجأوا إلى لبنان.
              - نحن من الكويكات، التي هدموها وشردوا أهلها، فهل التقيت أحدًا من الكويكات?
              فأعجبني ترديد الكاف في الكويكات. فعاجلت ضحكتي قبل أن تنطلق، لولا صوت امرأة جاء من وراء المزولة غربًا:
              - البنت ليست نائمة يا شكرية، البنت ميتة يا شكرية.
              ثم تناهت إلىنا صرخة مخنوقة، فاختنقت أنفاس الجمع حتى انحبست الصرخة. فعادوا إلى استجوابي. فقلت: لا.
              - أنا من المنشية. لم يبق فيها حجر على حجر، سوى القبور. فهل تعرف أحدًا من المنشية?
              - لا.
              - نحن هنا من عمقا، ولقد حرثوها، ودلقوا زيتها. فهل تعرف أحدًا من عمقا?
              - لا.
              - نحن هنا من البروة. لقد طردونا وهدموها، هل تعرف أحدًا من البروة?
              - أعرف امرأة كانت مختبئة مع طفلها بين أعواد السمسم.
              فسمعت أصواتًا كثيرة تحدس أيهن تكون هذه المرأة، فعدوا أكثر من عشرين أم فلان حتى صاح كهل من بينهم: كفوا! إنها أم البروة، فحسبها وحسبنا. فكفوا.
              ثم عادت الأصوات تنتسب في عناد، مع أن قراها، كما فهمت، قد درستها العسكر:
              - نحن من الرويس.
              - نحن من الحدثة.
              - نحن من الدامون.
              - نحن من المزرعة.
              - نحن من شعب.
              - نحن من ميعار.
              - نحن من وعرة السريس.
              - نحن من الزيب.
              - نحن من البصة.
              - نحن من الكابري.
              - نحن من أقرت.
              ولا تنتظر مني يا محترم، بعد هذا الوقت الطويل أن أتذكر جميع القرى الدارسة، التي انتسبت إلىها الأشباح في باحة جامع الجزار. هذا مع العلم بأننا نحن، أولاد حيفا، كنا نعرف عن قرى سكوتلندة أكثر مما كنا نعرف عن قرى الجليل. فأكثر هذه القرى لم أسمع به إلاّ تلك الليلة.



              لا تلمني، يا محترم، بل لم أصحابك. ألم يكتب شاعركم الجليلي:
              (سأحفر رقم كل قسيمة

              من أرضنا سلبت

              وموقع قريتي، وحدودها

              وبيوت أهليها التي نسفت

              وأشجاري التي اقتلعت

              وكل زهيرة برية سحقت

              لكي أذكر

              سأبقى دائمًا أحفر

              جميع فصول مأساتي

              وكل مراحل النكبة

              من الحبة

              إلى القبة

              على زيتونة

              في ساحة الدار)?
              فإلى متى يظل يحفر وتظل سنُو النسيان تعبر وتمحو? ومتى سيقرأ لنا المكتوب على الزيتونة? وهل بقيت زيتونة في ساحة الدار?
              فلما لم يتلقوا مني أجوبة شافية، وأدركوا أنني لا أعرف من عباد الله سوى أهلي والأدون سفسارشك، انفضوا من حولي وعادوا إلى زواياهم. فبقيت مع معلمي.

              يتبع
              sigpic

              تعليق

              • ربيع عقب الباب
                مستشار أدبي
                طائر النورس
                • 29-07-2008
                • 25792

                #8
                الإشارة الأولي من الفضاء السحيق

                فلما انفض السامر، وبقيت وحدي مع معلمي، الذي أنقذني من غضب الأشباح، شعرت بالامتنان، وبرغبتي في التعبير عنه. كان معلمي هذا، كما تذكر يا محترم، هو السبب في انقطاع صلتي بـ (يعاد)، ذات العينين الخضراوين. ولكن قلبي كبير. فقلت له: إنني مسرور بأن أبيت في كنفه ليلتي الأولي في هذه الدولة الجديدة. فهو، بعد الأدون سفسارشك، وصية أبي. فماذا تفعل هنا يا معلمي?
                قال: أجمع الشمل.
                ثم قال: والحقيقة، يا ولدي أنهم ليسوا أسوأ من غيرهم في التاريخ.
                فهززت رأسي استحسانًا.
                فقال: حقًا إنهم هدموا القرى التي ذكرها القوم، وشردوا أهلها. ولكن، يا ولدي، إن في قلوبهم لرأفة لم يحظ بها أجدادنا من الغزاة الذين سبقوهم.
                خذ لك عكا هذه مثلاً. فحين افتتحها الصليبيون في سنة 1104، بعد حصار دام ثلاثة أسابيع، ذبحوا أهلها ونهبوا أموالهم.
                وبقيت في أيديهم 83 عامًا حتى حررها صلاح الدين بعد وقعة حطين التي علمتكم عنها في المدرسة.
                ثم عاد الصليبيون فحاصروا عكا مدة سنتين كاملتين، من آب 1189 حتى تموز 1191، فأكره الجوع أهلها على الاستسلام بشروط قاسية. فلما لم يستطيعوا إيفاءها أمر ملكهم ريتشارد ليون هارت (يعني قلب الأسد) بذبح 2600 رأس من رؤوس الرهائن الآدمية. وظلت عكا في أيديهم قرنًا كاملاً، مئة عام من الزمن يا بني، حتى حررها القائد المملوكي قلاوون، سنة .1291 وكان لقبه العسكري هو (الألفي)، تقديرًا للثمن الباهظ الذي دفع فيه، وهو ألف دينار.
                فأردت أن أثبت له أنني لا أزال من طلابه النجباء، فسألته:
                - فهل رتبة (الألوف) من جنرالاتهم الآن، يا معلمي، منحوتة من هذا المعني?
                - حاش وكلا يا بني. بل تعود إلى قائد الألف في التوراة. هؤلاء ليسوا مماليك، وليسوا صليبيين، بل عائدون إلى وطنهم بعد غيبة ألفي سنة.
                - ما أقوى ذاكرتهم!
                - على كل حال، يا بني، ظل الحديث يجري، منذ ألفي سنة، على الألوف، قادة ألفيون، أو ألوفيون، وقتلى بالألوف. ليس هناك على الأرض أقدس من دم الإنسان، يا بني، ولذلك سميت بلادنا بالمقدسة.
                - ومدينتي حيفا، أيضًا، مقدسة?
                - كل مكان في بلادنا قد تقدس بدماء المذبوحين، ويظل يتقدس يا بني. ومدينتك حيفا لا تختلف عن بقية مدننا المقدسة. فبعد أن اكتسح الصليبيون مدينة القدس المقدسة، عليها السلام، في سنة 1099، وكتب ملكهم جوتفريد في رسالته إلى البابا متباهيًا بأن (أكوام الرؤوس والأيدي والأرجل كانت ترى في ساحات المدينة وطرقاتها)، وبأنه في مسجد عمر، رضي الله عنه، حيث التجأ المسلمون (وصلت الدماء إلى ركب الخيل)، ذهبوا وافتتحوا حيفا بعد أن حاصرها أسطول البندقية شهرًا. فذبحوا أهليها عن بكرة أبيهم، رجالاً ونساء وأولادًا.
                فحيفا ليست مدينة جديدة يا بني، إلاّ أنه بعد كل مذبحة، لم يبق فيها من يخبر الذرية بأصلها.
                - فلماذا لم تعلمونا عن هذه القدسية يا معلمي?
                - من حق الإنجليز أن يتباهوا بتاريخهم، يا ولدي. وخصوصًا بملكهم العظيم ليون هارت. وبدون أن نعلمكم هذه الأمور شاركوا هم أيضًا، بدمائنا، في عملية تقديس بلادنا. والتاريخ يا بني، لا يصح في عيون الغزاة إلا بتزوير التاريخ.
                - فهل سيسمحون لنا، يا معلمي، بدراسة هذا التاريخ بعد أن جلا الغزاة ونالت البلاد استقلالها?
                - انتظر فتر.
                - وهل يدخلون جامع الجزار كما دخل الصليبيون مسجد عمر?
                - حاش وكلا يا بني، بل يقرعون الباب فنخرج نحن إلىهم. إنهم لا يدنسون حرمة دور العبادة، بل إن لهم في خارجها، متسعًا لهذا الأمر.
                وما أن أكمل معلمي كلامه المطمئن هذا، حتى سمعنا قرعًا شديدًا على الباب. فقال معلمي: لقد جاءوا.
                فقلت: ربما جاء الأدون سفسارشك من حيفا ليستفسر عن حالي.
                ولكن معلمي كان قد بلغ الباب. وكانت الأشباح قد استيقظت، وأخذت تحوم في فناء الجامع على غير هدى.
                وحبسنا أنفاسنا ونحن نستمع إلى الأمر بأن الجيش قرر أن يعيد اللاجئين، الملتجئين في كنف المسجد، إلى قراهم الأصلية حالاً.
                فهمس شبح إلى جانبي: فلماذا لا ينتظرون حتى الصباح?
                فأدهشني هذا السؤال، وقلت: خير البر عاجله.
                فصاح الآمر: سعيد أبو النحس يبقى وحده مع المعلم، وجميع الآخرين ليخرجوا!
                فتحققت كلام معلمي أنهم ليسوا أسوأ من الملك ليون هارت.
                وانسلت شكرية، التي ماتت ابنتها، من الباب الشرقي وهي تحمل طفلتها على يديها. وقبل أن تغيب في السوق العتم سألتها: إلى أين? قالت: في الصباح ادفنها في عكا وأتوكل.
                وانسل آخرون من الباب الجنوبي ليضيعوا في أزقة عكا القديمة. فسألت: لماذا? فقالوا: ما عندنا أدون سفسارشك، والذي هدم قرانا لا يعيدنا إلىها.
                وأما الباقون فحملوا خرقهم، وأولادهم، وخرجوا من الباب الشمالي الكبير حيث حملوا في سيارات ضخمة حملتهم، كما أخبرني معلمي فيما بعد، إلى الحدود، حيث ألقتهم شمالاً، وتوكلت.
                فعاد معلمي واتكأ حيث كنت متكئًا على المزولة وقد زاولني القلق. وقال: قم الآن ونم، لقد فرغت الليلة جعبتي.
                ولكنني لم أنم.
                ففي تلك الليلة، في ساعة الفجر الكاذب، شاهدت الإشارة الأولي من الفضاء السحيق.
                سعيد يفشي بسرّ عجيب من أسرار العائلة

                أرقت، لا لأنني كنت مضطربًا، بل لأنني كنت مبهورًا بطالعي الحسن. فها أنا ذا أعود إلى أرض الوطن متسللاً، فلا ينالني سوء، مع أن شعبي كله يهيم على وجهه مشردًا، فإذا لم يهم، هيموه.
                إلاّ أنا. أتسلل في سيارة الدكتور عشيق أختي، فيبقى عفاف أختي مصونًا بفضل زوجة مضيفنا في معليا، فأنتقل من السيارة إلى الدابة، ومن الدابة إلى الجيب. وفي الطريق إلى عكا أنجو من الموت الأكيد بفضل انكماشي الذي جاء في وقته. فألتجئ إلى جامع الجزار في كنف معلمي الذي عفوت عنه، فيأتي العسكر ويقذفون بالأشباح، وبأطفال الأشباح، إلى ما وراء الخطوط، سوى سعيد أبي النحس المتشائل، فكيف لا أشعر بأن هذه الليلة هي ليلة سعدي?
                لا يمكن أن يكون الأدون سفسارشك هو سبب كل هذا السعد. هل هو خاتم شبيك لبيك? أو هو قنديل علاء الدين? إن في الأمر لسرًا خارجًا عن قدرة البشر.
                فقررت أن أخرج لأكشفه. وقبل أن أخرج. عفوًا يا أستاذ. بل قبل أن أروي لك ما جرى لي بعد خروجي، من الضروري أن أعرفك بخصلة أصيلة أخرى من خصال عائلتنا العريقة، بالإضافة إلى التشاؤل، وإلى أننا مطلاقون.
                كان والدي، حين استشهد، يستشف الأرض تحته. فلم يكشف الكمين الذي كمن له وأودي بحياته. ووالده، من قبله، شج رأسه بحجر الطاحون لأنه كان ينظر في الأرض بين قدميه، فلم يقم بعدها.
                فهذه هي شيمة عائلتنا النجيبة، أن نظل نبحث تحت أقدامنا عن مال سقط سهوًا من صرة عابر سبيل لعلنا نهتدي إلى كنز يبدل حالنا الرتيبة تبديلاً.
                وثق، يا محترم، بأنه ما من عجوز، في طول بلاد العرب وعرضها، يسبق رأسها بقية جسمها إلى القبر، وتدب مقوسة مثل رقم 8 ، إلاّ ولها صلة قربى بنا. وما من شاب ينصب الفخاخ لالتقاط نشرات الأخبار الإذاعية، لا يبقي محطة ولا يذر، مثل صياد السمك الذي يلقي بصنانيره لعل السمكة الذهبية تعلق بإحداها، إلاّ ويكون ابن عم أو ابن خال.
                ولكن، يجب ألاّ تفهم من هذا الكلام أن جدودنا لم ينتهوا إلاّ برؤوس مهشمة. بل لقينا أموالاً ضائعة كثيرة، جيلاً بعد جيل، فلم تبدل شيئًا من حياتنا الرتيبة.
                ومن أسرار العائلة أنه في زمن خروج الأتراك ودخول الإنجليز، خرج عمي لجدي من بيته في القرية الفلانية - نحن، مثل الماسون، لا يمكن أن نفشي أسرارنا العائلية - وكان ينظر إلى أسفل كعادتنا. فاصطدم رأسه بحجر في بيت خراب. وكانت جمجمته صلبة. فتدحرج الحجر من مكانه. فانكشفت أمامه هوة تغضنت في سفحها درجات هبط عليها، فإذا بظلام خفاش. فقدح زناد فكره، فقدح زناده، فاستضاء. فرأى لحودًا رخامية أخذ يفتحها فإذا فيها جماجم وبقية عظام، وغاليات ذهبية دسها في دكة سرواله، حتى فتح لحدًا أكبر من الآخرين، فإذا فيه، مع الجمجمة التي كانت، كما قيل، أصغر حجمًا من بقية الجماجم، تمثال من الذهب الخالص للخان مانجو، أكبر إخوة هولاكو، الذي صرعته الدوزنطاريا وهو يغزو الصين. فنقل جثمانه الضخم إلى عاصمة ملكه على حمارين. ولم يكونوا قد بلغوا في ذلك الوقت ما بلغناه من علم، فلم يهتدوا إلى فرق الكشافة. ولم تكن لديهم مدارس يصفون أولادها على الجانبين، كما فعلوا بنا في حيفا في الثلاثينيات، حين صفونا على جانبي شارع الناصرة أمام عامود فيصل حاليًا ، لنشيع جثمان الملك فيصل الأول، الذي مات في سويسرة بغير الدوزنطاريا.
                ولذلك قرروا أن يقتلوا كل من تلقاه الجنازة في طريقها، احترامًا لذكرى خان الأول، كما قتلنا في الثلاثينيات ثلاثة أيام دراسة احترامًا للملك الأول. فأزهقوا في طريق هذه الجنازة، بحسب ما سجله المؤرخون، عشرين ألف روح وروحًا واحدة، هي روح عمي لجدي الذي لفظ أنفاسه الأخيرة وهو متشبث بصنم الخان مانجو بعد سبعة قرون.
                تبين عمي لجدي، وهو في القاع، أنه أخيرًا لقي الكنز الذي ظلت العائلة تبحث عنه عبر الأجيال، فدهمته الفرحة، فأضاع فتيله، فلم يجد الباب. فأخذ ينادي على زوجه مقدرًا أن بيته، الذي بجوار الخربة، هو الآن فوقه. وروى لها كل ما أسلفت ذكره. فسمعت صوته قادمًا من الأعماق. إلاّ أنه استحلفها بقبر والديها ألاّ تخبر أحدًا، حتى أخاه. بل أن تنزل إلىه من فتحة الهوة في حائط الخربة المهجورة. فخرجت. فلم تجد أي بيت مهجور في القرية. فعادت إلى البيت وألصقت جبينها بالأرض ونادت عليه. فشتمها على نزقها، وأمرها بالتزام الصمت حتى الصباح. فالصباح رباح. وسيجد طريقه لوحده.
                فلما لم يعد، أخبرت أهله بالأمر. فقاموا يفتشون، فلم يجدوا أية خربة.
                ولم يشاؤوا أن يبلغوا الحكومة حتى لا تضع يدها على الكنز فيضيع الكنز عليهم. وظلوا يبحثون عنه وعن صنم مانجو حتى قامت الدولة. أما زوجه، فلم تمت إلاّ بعد أن وجدت غيره، ولم يكن عاقرًا.
                وأما أنا، فقررت ألاّ أموت مقوس الظهر كأسلافي. ومنذ نعومة أظفاري أقلعت عن البحث بين قدمي عن كنز للخلاص. بل رحت أبحث عنه فيما فوق، في هذا الفضاء الذي لا نهاية له، في هذا (البحر بلا ساحل) كما وصفه محيي الدين بن عربي.
                فقد قيض لنا، ونحن في المدرسة الابتدائية، أستاذ مغضوب عليه مولع بعلم الفلك، حكى لنا حكايات العباس بن فرناس وجول فيرن، وتعصب للفلكيين العرب القدماء، من ابن رشد، الذي كان أول من درس بقع الشمس حتى البتاني الحراني الذي كان أول من استنتج أن معادلة الزمن تتغير تغيرًا بطيئًا مع مر الأجيال، وأول من توصل بكثير من الدقة إلى تصحيح طول السنة الشمسية. فإذا كانت مدتها الحقيقية، أعلن المغضوب عليه، هي 365 يومًا و5 ساعات و48 دقيقة و46 ثانية، فإن البتاني حددها بـ 365 يومًا و5 ساعات و46 دقيقة و32 ثانية، أي بفارق دقيقتين وأربع ثوان. فقد كان العرب، حين يفكرون - قال المغضوب عليه - أسرع حركة حتى من دوران الأرض حول شمسها، فأصبحوا الآن يتخلون عن ملكة التفكير لغيرهم.
                وكان المغضوب عليه يبقينا في الصف بعد الدوام، ويغلق النوافذ، ثم يحكي لنا متباهيًا عن أبي الريحان محمد بن أحمد البيروني، الذي استنبط كروية الأرض وأن جميع الأجسام تنجذب نحوها قبل نيوتن بثمانمئة عام، وخصوصًا عن الحسن بن الحسن بن الهيثم الذي كان، وهنا يخفت صوت المغضوب عليه فيصبح همسًا ثوريًا، أول عالم انتهج الأسلوب العلمي المادي الحديث بضرورة الاعتماد على الواقع الموجود والأخذ بالاستقراء والمقارنة. فقد كان العرب حين يفكرون - قال الأستاذ المغضوب عليه - يعملون ثم يحلمون، لا كما يفعلون الآن، يحلمون ثم يظلون يحلمون.
                ومنذ ذلك الحين وأنا أحلم بأن يذكرني التاريخ حين يذكر فلكيينا الأقدمين. وبقيت أحلم على هذا المنوال حتى جندلوا والدي، رحمه الله، وقامت دولة إسرائيل.
                وكان أستاذنا المغضوب عليه يؤكد لنا أن العرب هم أول من استعمل الصفر للغاية نفسها التي نستعمله لها الآن، ثم قسم الواحد على صفر فأثبت لنا أن هذا الفضاء لا نهاية له، والكون فيه:
                يسبح في بحر بلا ساحل
                في حندس الغيب وظلمائه



                فلا بد أن تكون فيه عوالم مثل عالمنا، وأرقى منا، فلا بد أن يأتوا إلىنا قبل أن نذهب إلىهم.
                لقد خرج الأتراك وأتى إلىنا الإنجليز، فلم يتزحزح أستاذنا المغضوب عليه عن نظريته هذه. فكيف أتزحزح عنها، أنا الشاب وعمري كله أمامي، بعد أن خرج الإنجليز وأتتنا إسرائيل?
                منذ ذلك الوقت وأنا أنظر إلى أعلى وأنتظر مجيئهم، فإما أن يبدلوا حياتي الرتيبة المملة تبديلاً، أو أن يأخذوني معهم.
                وهل هناك من بديل?
                لذلك خرجت من فناء جامع الجزار، في ساعة الفجر الكاذب، ورحت أجوب طرقات عكا المظلمة وأنا أتطلع إلى فوق.
                كيف لم يمُتْ سعيد شهيدًا في وادٍ على الحدود اللبنانية

                فلما كنت مطمئنًا على قدري، ومتحققًا أن الأسوأ لن يصيبني، هبطت الهوينا درجات الباب الشمالي، فملأت طاسة ماء من سبيل الطاسات، فارتويت وترحمت على أحمد الجزار. ثم سرت في سبيلي.
                فإذا أمامي الطريق العريض حيث المسار شمالاً، إلى رأس الناقورة، فلبنان. فخفضت رأسي خجلاً من غزالة. وتحولت عنه.
                كنا ثلاثة شبان زملاء صف واحد. فقررنا في نهاية الإضراب الكبير (1939) أن نعبر الحدود إلى لبنان فنزور دار القيادة في بيروت نطلب سلاحًا.
                فركبنا سيارة الأجرة حتى قبيل رأس الناقورة. ثم انحرفنا يمينًا سيرًا على الأقدام بين كروم العنب. فهبطنا واديًا عميقًا، فأظلمت السماء. فلما أخذنا نصعد على كتفه المقابل، أنهكنا التعب وألهبنا العطش. فاستحثني الآخران، فبكيت. فخلفاني وراءهما بعدما خيراني بين الاستمرار في الصعود أو أن أموت شهيدًا. فاخترت الأمر الأول. ولم ألحق بهما إلاّ بعد أن كانا قد ارتويا من قطوف الدوالي الدانية. فرحت أروي غليلي، فلم ينتظراني.
                وإذا بفتاة في مثل عمري، تنادي والدها: هذا شاب مجاهد من فلسطين. فيجيبها الفلاح من بعيد: اسقيه وأطعميه. فنتجاذب أطراف الحديث. فأقع في حبها. فتقول إن اسمها غزالة، وإنني غزالها. فقد كنت خلب بنات.
                فأعدها بأن أعود إلىها بعد أسبوع، ومعي السلاح والذخيرة، فألتقيها تحت هذه الدالية.
                فقالت إنها ستخبر والدها بالأمر، فلن يمانع بأن يخطبها شاب حلو من فلسطين.
                فأنحني عليها كي أقبلها. فتنفر غزالة ضاحكة وهي تقول: عد أولاً من بيروت. فلا أتبين سبب صدها. ولكنني أسرع كي ألحق برفيقي.
                فأراهما أمامي على طريق الأسفلت تحيط بهما جماعة من شرطة الحدود اللبنانية. فقلت في نفسي: مليح أنني تأخرت عنهما، وأنني علقت غزالة.
                فرأيت رجال الشرطة وهم ينحرفون بهما عن طريق الأسفلت، يسارًا، وينزلون بهما إلى معسكر على الشاطئ، فيغيبون فيه.
                فسرت في الطريق نفسها مبتعدًا عنهم. فلم يلحظوني. قلت: نجوت. ولكن، أين أسير? لا مال عندي ولا عنوان. فكيف أتدبر أمري في بيروت?
                قلت في نفسي: هذا أسوأ من الحبس. فعلي أن أعود إلىهما، فالحبس أقل سوءًا.
                فعدت إلىهم. فسألني ضابطهم: ومن أنت? قلت: ثالثهم. قال: فلماذا سلمتنا نفسك? قلت: لا مال ولا عنوان.
                - فأين مالكم?
                قلنا: لدى كبيرنا.
                وكنا جمعنا لديه عشرين جنيهًا، مالاً صامتًا، أخذ العسكر نصفه وشتمونا. وأما النصف الآخر فأبقوه مع كبيرنا، فأنفقناه فيما وراء البنك في بيروت. وعدنا على الطريق نفسها. ولكننا لم نحد عنها نحو كروم الدوالي، فقد كان الضابط اكتفى بالجنيهات العشرة ذهابًا وإيابًا. فلما التقانا عائدين حيانا وسأل: أين السلاح أيها المجاهدون? أجاب كبيرنا: سلاحنا العلم، وما معنا شروى نقير. فلم يشأ الضابط أن يقتسمها. بل صفع كبيرنا على قفاه وصاح: اعبروا! فطرنا هاربين نحو حدودنا، وكبيرنا يقول: العلم بالشيء ولا الجهل به.
                فقلت: مليح أن صار هكذا، ولم يصر غير شكل. فصفعاني. فبكيت.
                ولكنني كنت أبكي على غزالة التي ضاع غزالها في بيروت. وتبينت سبب صدها.
                وبقيت، وأنا في صور فيما بعد لاجئًا، أتوق إلى زيارة الدالية على الحدود، حتى سمعت الدكتور عشيق أختي، يومًا يقول: أصبح الفلسطينيون لاجئين تنفر البنات منهم. فتحولت نحو اللاجئات. فاللاجئات للاجئين. فوجدتهن، على غير حالتنا، مشتهيات. فانشغلن عنا. فعدت إلى دولة إسرائيل وأنا عطشان.
                يتبع
                sigpic

                تعليق

                • ربيع عقب الباب
                  مستشار أدبي
                  طائر النورس
                  • 29-07-2008
                  • 25792

                  #9
                  كيف أنقذ الفجر الصادق سعيدًا من الضياع في دياميس عكا

                  وهكذا، يا محترم، تحولت عن طريق بيروت يسارًا، فدخلت في أزقة عكا، ودرت حول المسجد حتى حارة الخرابة. فانقضى الفجر الكاذب واشتد سواد الليل. فأخذت أتلمس طريقي وأتعثر، حتى رأيت ضوءًا في جهة البحر غربًا يغاضن بعينه مغاضنة متناسقة كأنما يستحثني إليه ويدعوني، مثل عين أستاذ العربية اليسرى، المصابة بداء الغضن العصبي. فلما لحظتها أول مرة حسبته يدعوني إلى اللوح. فقمت إلى اللوح. فصاح: عد إلى مكانك يا لوح! فعدت. فظلت عينه اليسرى تغضن. فحسبت أنني فهمت مأربه. فلما تلا علينا النشيد: (فلسطين بلادي، هيا يا أولادي)، وغضن بعينه اليسرى، ضحكت قبل أن يتم البيت. فتوقف مذهولاً.. فسمعت لهاث الطلبة المذعورين. فنزل علي ضربًا بالمؤشر حتى تحطم. ثم حكم عليّ بأن أقعد بعد الدوام أنسخ قصيدة امرئ القيس:
                  سما لك شوق بعدما كان أقصرا
                  وحلت سليمى بطن ظبي فعرعرا

                  حتى البيتين:
                  بكي صاحبي لما رأى الدربدونه
                  وأيقن أنّا لاحقان بقيصرا
                  فقلت له لا تبك عينك إنما
                  نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا

                  عشرين مرة!
                  ومنذ ذلك الحين تحققت عاقبة الاستهزاء، فحمدت معلمي على ما أصاب عينه اليسرى من غضن عصبي. وقلت في نفسي: مليح أن تحطم مؤشره على بدني.
                  ولكنني أيقنت، وأنا أرقب الضوء المغضن، المنبعث من ناحية الغرب، أنه ليس عين معلمي اليسرى. ذلك لأن أشباح المسجد كانت أخبرتني بأن معلمي هذا استشهد وهو ينقل متفجرات من حيفا إلى عكا في الأسبوع نفسه الذي قضى فيه الجيش البريطاني على الثوار في موقع المصرارة في القدس، وفي القسطل على طلعة القدس، قبل زحف الجيش العربي، بقيادة أبو حنيك، جلوب باشا، على تلك المناطق من فلسطين التي تقرر إخلاؤها من العرب، رحمه الله.
                  لذلك توجهت نحو الضوء المغضن وأنا متحقق أنها دعوة سماوية، حتى أشرفت على البحر، فرأيت أن منارة عكا إلى يساري، هي التي كانت عينها تغضن، وتدعوني.
                  فاستهواني هذا الضوء الذي لم ينطفئ، بعد أن انطفأت بقية الأضواء في عكا المحتشمة صبرًا.
                  ورحت أتقدم في اتجاه المنارة على درب خاو، وقد هدأ البحر، وانكفأ الموج، سوى مداعبة هينة مع سيقان الصخر الرابض أمام سور أحمد متأهبًا لالتقاط قبعة نابليونية أخرى.
                  نعم، يا محترم. فإذا ما انفك الآدميون يربضون هذه الربضة، فكيف لا يفعلها صخر عكاء? ولقد ظل العكيون يرددون، استخفافًا: يا خوف عكا من هدير البحر! حتى أثبت جيرانهم الحيافنة، وهم يهرعون إليهم، عبر البحر المائج، أنهم أشد استخفافًا بالبحر منهم.
                  حتى تناهى إليّ صوت فجائي دون ما مفاجأة، ينادي:
                  يا سعيد، يا سعيد! فاستحوذني شعور الذي يسترق النظر من ثقب المفتاح على عذراء في خدرها. فأردت أن أعود القهقرى استحياء لولا أنه عاد ونادي: هلم!
                  قلت: ها أنا ذا
                  قال: اقترب!
                  فإذا بهيئة رجل طويل القامة، ينبثق مع الضوء من صخر المنارة، فينتشر مع ضوئها ويختفي باختفائه، كأنما هو مغاضنة عين المنارة. وقد التف بعباءة زرقاء ذات زبد أبيض، مثل قنديل البحر. وهو يتقدم نحوي وأنا أتقدم نحوه حتى التقينا في منتصف الفسحة بين بقية السور يمينًا وبقية السور يسارًا على أرض حارة الفاخورة.
                  فلم أر من وجهه سوى تجاعيد أشبه بصفحة البحر حين تلفحه نسمة شرقية.
                  فألقى في روعي أن في التجاعيد جمالاً مثلما يكون الجمال في نضارة الصبا. ولولا رهبة الحلكة لأكببت عليه ألثم خده.
                  وسوى عينين واسعتين، غؤورين، على حور أنيس، يعمق غورهما كلما اكتنفهما الظلام، ثم تطفوان كلما انعكس الضوء عليهما، كأنما الحدثان، الليل والنهار، يتعاقبان فيهما في لحظة متكررة.
                  وسوى جبين عريض سرعان ما تحققت أن ما يختفي عني منه أعرض مما طاق بصري أن يلحظه لأول وهلة. وفيما بعد، حين وقفت أول مرة في حياتي أمام ناطحة سحاب، وأنا لاه، فانتبهت على أنني أصعد البصر في بناء شامخ فلا أرى، للوهلة الأولى، جميع علوه الشامخ، تذكرت جبين شيخ المنارة.
                  فمد يده إليّ. فصافحتها. فشعرت بالراحة. فلم أسحب راحتي. وقلت في نفسي: إن في راحته لأسرارًا.
                  قال: ألم تكن تبحث عني?
                  قلت: طول العمر يا ذا المهابة. فهل جئتم?
                  قال: نحن هنا، نحن هنا، حتى تجيئوا إلينا.
                  قلت، وما زالت راحتي في راحته: كنت حسبت أن المصافحة شيمة همجية.
                  فتبسم حتى صفت صفحة خده من تجاعيد البحر، ثم قال: ونحن حسبنا أنكم، لما أخذتم هذه الخصلة، عبرتم على نصف الطريق إلينا. إن أول إنسان صفق كفا بكف استحسانًا نقشنا اسمه على لوحة الخالدين من قبل سلامة وبتهوفن وسيد درويش. ونراه نبيكم الأول. ويخجلنا أن أكثركم ما زال يبخل على فنان، أو على حادي ركب، بهذا الثمن. اثنان من أهل الأرض صدرنا بهما لوحتنا: أول من أشعل نارًا، وأول من صافح أخاه. وكانا أول من تصافح. أبق راحتك في راحتي واسترح!
                  ففعلت.
                  قال: فماذا تريد يا سعيد?
                  فهتفت: أن تخلصني.
                  قال: ممن?



                  فسحبت كفي من كفه فزعا. وحبست لساني قبل أن يزل فيما لا تحمد عقباه. كان أبي رحمه الله، قد علمنا أن الناس يأكلون الناس، فحاش أن نثق بمن حولنا من الناس. إنما علينا أن نسيء الظن بكل الناس، حتى ولو كانوا إخوتك من بطن أمك ومن ظهر أبيك. فإذا لم يأكلوك، فقد كانوا يستطيعون أن يأكلوك. ووالدي، رحمه الله، ظل يأكل الناس حتى أكلوه.
                  فأمسكت لساني، حرصًا، وقلت في نفسي: يكون الحاكم العسكري أرسله ليختبرني? وقلت: شكرًا يا ذا المهابة، فأنا أكاد ألاّ أعرفك. وهنأت نفسي على هذه اليقظة.
                  قال: اتبعني!
                  فقلت في نفسي: يكون لا يزال يختبرني? فتبعته.
                  فدخل بي تحت قنطرة إلى يمين السجن. فساحة مسجد الرمل. ثم دار بي حول جامع الجزار.. فإذا بقبو غصنا فيه، فإذا نحن في دياميس عكا، وقد جعل نور عينيه كشافًا أمامنا.
                  حتى دخلنا في بهو رحب، رطب، قد انكفأت أجنابه عن مصاطب افترشنا إحداها.
                  فقال: كان من سبقكم يبني فوق من سبقهم، حتى جاء جيل الأثريين، يحفرون من تحت ويهدمون من فوق. فإذا سرتم على هذا المنوال ستبلغون الدناصير
                  قلت: فما هذا المكان يا ذا المهابة?
                  قال: هذا بهو التجار من جنوا. وفيه كانوا يبيتون، ويتقايضون، ويتقمرون، ويتقامرون، ويلدون، ويولدون، ويُدْفنون ويَدْفِنون.
                  قلت: فلماذا أثخنوا الأرض بهذه الدياميس، يا ذا المهابة?
                  قال: ليستشروا وليكفوا شر الأهالي، فوق، عنهم.
                  قلت: ولكن الدياميس لم تنقذهم.
                  قال: ولكنهم لم يحسبوا ذلك.
                  قلت: ما اسمك يا ذا المهابة?
                  فرمقني بعينين رأيت في سوادهما الواسع سعيدين ينظران إلىّ في تعجب: سعيدًا ملحاحًا، وسعيدًا خائفًا.
                  ثم قال وهو يبتسم: عندكم يخرج الإنسان على الناس باسمه. أما نحن، عندكم، فأنتم الذين تطلقون علينا الأسماء التي تستريحون عليها. سمّني المهدي، الذي استراح أجدادك عليه، أو الإمام، أو المنقذ.
                  فقال أحد السعيدين، وكان السعيد الآخر ينكمش ويتضاءل: فأنقذنا، يا ذا المهابة!
                  فحدجني بنظره حتى تكسرت أمواج الغضب على السعيدين في عينيه فتلاشيا، ثم قال: هذا شأنكم، هذا شأنكم! حين لا تطيقون احتمال واقعكم التعس ولا تطيقون دفع الثمن اللازم لتغييره، لأنكم تعلمون أنه باهظ، تلتجئون إليّ. إنني أنظر إلى ما يفعله الناس الآخرون، وما يبذلونه، ولا يسمحون لأحد بأن يحشرهم في ديماس من هذه الدياميس، فأغضب عليكم. ماذا ينقصكم? هل بينكم من تنقصه حياة حتى لا يقدمها، أو ينقصه موت حتى يخاف على حياته?
                  وكنت أستمع إليه وأنا مبهور النفس. واحْلَوْلَك الديماس في عيني. وتذكرت فجري الموعود في مدينتي حيفا الحبيبة. فاشتدت عليّ الهواجس.
                  فقلت: غدًا أعود إلى مدينتي حيفا، يا ذا المهابة.. وأحيا فيها، فانصحني.
                  فهدأ اضطرابه. وقال: لن تجديك نصيحتي. إلاّ أنني سمعت في بلاد فارس حكاية عن فأس ليس فيها عود ألقيت بين الشجر. فقال الشجر لبعض: ما ألقيت هذه ها هنا لخير! فقالت شجرة عادية: إن لم يدخل في إست هذه عود منكن فلا تخفنها.
                  اذهب، فهذه الحكاية لا تصلح للعود.
                  - فهل أستطيع، يا ذا المهابة أن ألقاك مرة ثانية?
                  - متى شئت، تعال إلى هذه الدياميس.
                  - في أية ساعة، يا ذا المهابة?
                  - حين تخور.
                  - متى?
                  ولكنه كان قد اختفى. فبقيت وحدي أتخلل في الدياميس، وأهيم في ديماس حتى أتعثر بآخر، إلى أن شق الفجر الصادق بطن الأرض فألفيتني في باحة المسجد أتمطى وأتثاءب.


                  كيف أصبح سعيد زعيم عمال في اتحاد عمال فلسطين

                  الآن، وأنا في بحبوحة من الوقت، أستعيد لقائي الأول برجل الفضاء العجيب، فأعجب من نفسي كيف تركته يمضي دون أن أتعلق بأهدابه وألح عليه أن ينقذني من هذه الحياة المهولة.
                  أما في حينه، فكنت مشغولاً بإعداد نفسي لملاقاة الأدون سفسارشك، فكنت أحطه فوق القلب مع رقية جدتي.
                  ولكنني لن أطيل عليك السرد، يا محترم. فقد دخلت مركز البوليس في عكا في الساعة السابعة صباحًا بالضبط، كما أمروني. فسألت عن سيدي الحاكم العسكري الذي سيحملني إلى حيفا. فجعلوني أنتظر حتى الرابعة مساء دونما طعام أو شراب سوى قدح من الشاي قدمه لي جندي شاب حدثني باللغة الإنجليزية، فرددت عليه بأحسن منها.
                  قال إنه متطوع جاء ليحارب الإقطاع، وإنه يحب العرب. وقبل أن يترك المركز عاد وصافحني بحرارة ووعدني بأنه، حين تنتهي الحرب، سيقيمون لنا كيبوتسات يعتمدون فيها على أمثالي من الشبان المتحررين الذين يتقنون لغة إنسانية. وقال: شالوم! فأجبت بـ (بيس) مؤكدًا إنسانيتي. فضحك وقال: سلام، سلام، بالعربية. فانفرجت غمتي.
                  ثم أركبني أحدهم إلى قرب السائق في سيارة جيش مغبرة وموحلة. وركب إلى جانبي، صامتًا، حتى أشرفنا على مدينتي حيفا عند السعادة. فلم أبحث عن شقائق النعمان، لأنني تيقنت من عدم وجود مكان لذكريات الطفولة على هذا المقعد الذي لا يتسع لثلاثتنا.
                  فقال: أهلاً وسهلاً في مدينة إسرائيل!
                  فحسبت أنهم غيروا اسم مدينتي الحبيبة، حيفا، فأصبح (مدينة إسرائيل). فانقبض صدري مثلما انقبض، فيما بعد، حين مررنا بوادي الصليب، فإذا بالدرب خال من الناس ومن لعلعة الرصاص، التي تعودنا عليها في الأشهر الأخيرة قبل أن يسقطا - والدي وحيفا. فقلت في نفسي: ها قد حل السلام الذي تمنيناه، فلماذا شعوري بالانقباض?
                  فأجاب حارسي، وكأنما كان يحرس أفكاري أيضًا: السلام، ما أوسع السلام!
                  فتحركت وأنا أحاول أن أتوسع في مقعدي. فزجرني فانزجرت. فأوقف السيارة وطلب مني الانتقال إلى ظهرها المفتوح، قائلاً: كل واحد يقعد في مكانه.
                  ولكنني لم أجد على ظهرها مقعدًا، فوقفت في مكاني.
                  حتى دخلنا في وادي النسناس، من شارع الجبل ففرن الأرمني. فلم أنتظر أن ألقى طفله الذي علمته القراءة العربية، ذلك لأن باب الفرن كان مسدودًا.
                  فقال: انزل.
                  فنزلت.
                  فسلمني إلى اللجنة العربية المؤقتة.
                  فتسلموني شاكرين. فلما أقفى شتموه.
                  وصاح أحدهم: هل يحسبون مقر اللجنة أوتيلا? لا بد أن نحتج على ذلك في مكتب وزير الأقليات.
                  فأردت توكيد عروبيتي كي أستميلهم نحوي، فتحسرت أمامهم على اسم مدينة حيفا الذي أصبح مدينة إسرائيل. فحملق أحدهم بالآخرين، وقال: وأهبل أيضًا?
                  فلم أفهم كيف اعتبروني أهبل حتى معركة الانتخابات الأولى حين فهمت أن كلمة (مديناه) بالعبرية تعني (دولة) بالعربية. فحيفا أبقوا على اسمها لأنه توراتي.
                  فاقتنعت، بيني وبين نفسي، بأنني حقًا أهبل. وأكبر دليل على ذلك أنني كنت آخر من تحقق من أعضاء اللجنة أن المرحوم كيوورك كان يقدم لنا، في مطعمه، لحم الحمير. فنطعم ونشكره.
                  وفي صباح اليوم التالي، نزلت إلى شارع الملوك حيث استقبلني الأدون سفسارشك على عتبة مكتبه، وهو في ثياب الجندية. فنقدني عشر ليرات صحاح وقال: أبوك خدمنا، خذ هذه وكل! فصرت آكل في مطعم كيوورك حتى وجد لي أحد أعضاء اللجنة بيتًا مهجورًا من بيوت عرب حيفا. فجاء الجنود المسرحون وطردوني من هذا البيت. فاشتغلت زعيم عمال في اتحاد عمال فلسطين.
                  سعيد يلتجئ لأول مرة إلى الحواشي

                  حاشية: بعد أن دارت الأرض دورة كاملة أي في هذه الأيام، قرأت في صحفكم عن المذكرة التي قدمها وجهاء الخليل إلى الحاكم العسكري أن يبيح لهم استيراد الحمير من الضفة الشرقية، فقد ندرت. فسأل الصحفي: أين ذهبت حميركم? فضحكوا وأخبروه بأن جزاري تل أبيب أنفقوها في صنع النقانق. وحيث إنكم كنتم تؤكدون لنا، يا محترم، أن التاريخ حين يكرر واقعة، لا يعود على نفسه، بل تكون الواقعة الأولي مأساة حتى إذا تكررت كانت مهزلة، فإني أسألكم: أيهما المأساة? وأيهما المهزلة?
                  هل هي مأساة الحمير في وادي النسناس، التي ظلت أكثر من سنة سائبة: حمير من الطيرة، وحمير من الطنطورة، وحمير من عين غزال، وحمير من أجزم، وحمير من عين حوض وحمير من أم الزينات صينت من العقل، ومن لغط الإناث، فلم تهاجر، فنفقت دون أن يتحقق من لحمها الدسم غير المرحوم كيوورك، أم هي مهزلة النقانق الشهية، صنعة تل أبيب? أعلم، يا محترم، أنكم عنيدون فيما تستنبطونه من نتائج. ولكن، أليس صحيحًا أنه حيث يهاجر القوم، تبقي الحمير، وحيث يبقى القوم لا يجد الجزار ما ينقنقه سوى لحم الحمير? خذوا عني هذه الحكمة: كم من شعب أنقذته بهيمة من سكين جزار!
                  وفي أيامي الأولى، زعيم عمال في اتحاد عمال فلسطين، ولجت بيوتًا عربية مهجورة كثيرة في حيفا، من أبوابها المكسورة. فوجدت أقداح القهوة مصبوبة لم يجد أهل البيت وقتًا حتى يشربوها. وجمعت أثاث بيتي بعضه من هذا البيت، وبعضه من ذاك البيت، مما بقي من متاع لم تمتد إليه أيدي الذين سبقوني في الزعامة، الذين سبقتهم يد الحارس على الأملاك المتروكة، الذي سبقته أيدي وجهاء حيفا من زملاء وجهاء حيفا العرب، الذين لم يتركوا فيلاتهم إلاّ بعد أن أوصوهم بها خيرًا حتى يعودوا (بعد شهر على الأكثر)، فحفظوها في القاعات الشرقية التي أفردوها في فيلاتهم لتوكيد صداقة قديمة لا تفنى ولا تزول مثل خشب السنديان. فأصبحوا يتباهون بالسجاد العباسي (نسبة إلى شارع عباس في حيفا) كما تباهى أمثالهم في القدس بالسجاد القطموني (نسبة إلى حي القطمون في القدس). وصار الشيوعيون يسمون الحارس على الأملاك المتروكة بالحارس على الأملاك المنهوبة، فأخذنا نلعنهم علانية ونردد أقوالهم في سرائرنا.
                  فلما وقعت حرب الأيام الستة، التي جاءت بعد عملية قادش (المقدسة) مثلثة الرحمات ، التي جاءت بعد حرب الاستقلال، ورأيت أولاد القدس والخليل ورام الله ونابلس يبيعون صحون الزفاف بليرة، قلت: بليرة ولا بلاش! وأيقنت صحة استنباطكم، يا محترم، بأن التاريخ، حين يعيد نفسه، يعيدها متقدمًا أمامًا، من بلاشي إلى ليرة. إن الأمور، حقًا تتقدم. وانتهت الحاشية.
                  كيف لم يعُدْ سعيد أبو النحس تيْسًا

                  ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد. فقد رحت أتعجب من جهل العامل اليهودي باللغة العبرية حتى أقنعت نفسي بأن هذه الدولة ليست بنت معيشة. فلماذا لا أحفظ خط الرجعة?
                  فقلت: ما لي غير المحامي عصام الباذنجاني، صديق ابن العم الوزير الأردني، وأخيه الروح بالروح. وكان قد حول بيته الكبير في شارع عباس إلى صومعة ينفث منها اللهب على دولة الأدون سفسارشك كلما زاره صحفي أجنبي. حتى الشيوعيين، الذين اعتبرهم وزير الأقليات أخطر طابور خامس في عقر الدولة، اعتبرهم صديق ابن العم الوزير الأردني مارقين على العروبة وعلى دينها.
                  وكان لا يعترف بهما - بالدولة وبصحفها - فيرفض أن يقابل من رجال الصحافة سوى الأجانب. فلا تظهر تصريحاته إلاّ في التايمزين - تايمز لندن، وتايمز نيويورك، وفي أمهات الصحف في بلاد العرب، من النيل إلى بردي. ونحن، زعماء العمال في اتحاد عمال فلسطين، أخرجنا صفير التعجب، من شفاهنا المزمومة، على وقاحته القومية حين سمعنا أنه رفض تعليم ابنه في الجامعة العبرية في القدس، بل بعثه إلى كمبردج - إلى كمبردج! وعدنا نزم شفاهنا في صفير الدهشة.
                  فلما أرخي الليل سدوله، تسترت بها وطرقت بابه. فتوقفت قرقعة أحجار النرد. وفتح لي وهو يخشخش بالزهر. فمسيت عليه، فأدهشته الزيارة. فلما رأيت أحد زملائي، من زعماء اتحاد عمال فلسطين، عنده، وكان يلاعبه، وقد هم بالخروج حين دخلت، لم أخف دهشتي. فحياني وقال: جاري! فتنحنحت على سبيل الموافقة. وبقيت أتنحنح حتى خرج.
                  ولما انتهيت من تعداد ما لابن العم الوزير الأردني من مناقب، ولما انتهى الباذنجاني من التحسر على مصيري الأسود، ومن الوعد بالعفو عند المقدرة، سردت على مسامعه ما وقع في مغامرتي، وما وقع في رأسي من نتائج. فباركني، وقال: يفرجها!
                  ولكنه لم يفرجها.
                  فما أن وطئت قدماي عتبة النادي، في صباح اليوم التالي، حتى استدعاني يعقوب إلى غرفته. فإذا وراء مكتبه رجل ربعة، وضع فوق عينيه نظارة سوداء وأسدل الستائر. فقلت: هذا ضرير.
                  وأقبلت عليه، وأخذت يده في يدي مسلمًا قبل أن يمدها إليّ حتى لا أحرجه في عماه. فزجرني يعقوب، وصاح: تأدب! فوقفت متأدبًا.
                  فقال يعقوب: هذا رجل كبير، وجاء ليحادثك على انفراد، فلا تخف عنه شيئًا.
                  وتركنا لوحدنا.
                  فما أن أطبق علينا الباب حتى انتفض الرجل الكبير واقفًا، فلم يزدد طوله سوى شبر.
                  وصاح: إننا نعرف أين كنت أول أمس!
                  فقلت في نفسي: إذا لم يكن هذا ضريرًا فإنه أطرش. فاقتربت من أذنه وصحت: أردت أن أستنشق هواء البحر، ممنوع?
                  فلطمني، فلم يخطئ الهدف.
                  فقلت في نفسي: لا أطرش، ولا ضرير، بل هو رجل كبير حقًا. فتصاغرت له، وقلت: اسأل عني الأدون سفسارشك.
                  فصاح: أم أسعد!
                  فقلت في نفسي: حتى أنت، يا أم أسعد?
                  فصاح: (أخت). ولفظها ألمانية فصحى.
                  فقلت في نفسي: ما بقي إلاّ أن يسألني عن ليلتي السوداء في بيت الباذنجاني.
                  فصاح: النرد!
                  فارتميت على الكرسي، ووضعت رأسي بين راحتي وأنا أهتز يمينًا وشمالاً مثلما عودتنا الوالدة.
                  ثم وجدتني أقول فيما يشبه العويل: والله العظيم لا أعرف عن ابن عمي الوزير الأردني غير اسمه.
                  - هل هو ابن عمك لزما?
                  - والله العظيم لا.
                  - لماذا?
                  فتحيرت كيف أرد على سؤاله هذا. ولكنه كان قد هدأ، وقام إليّ، وربت على كتفي أبويًا. وقال: ليكن هذا درسًا لك. ولتعلم أنه لدينا وسائل حديثة نضبط بها حركاتك وسكناتك حتى ما تهمس به في أضغاث أحلامك. وبأجهزتنا الحديثة نعرف كل ما يدور في هذه الدولة وخارجها. فلا تعد إليها مرة ثانية.
                  ولكنني ظللت أهتز يمينًا وشمالاً لا يخرج من فمي غير: أنا تيس، أنا تيس!
                  حتى خرج بعد أن أنزل نظارته السوداء عن عينيه. فرحت أترحم بصوت عال على والدي، الذي كان أول من أدرك هذه الحقيقة عني.
                  فالله يستر عرضك يا أم أسعد، ويستر عرضك يا (أخت). ووالله العظيم أستطيع أن أذهب أنى شئت، وأستطيع أن أفكر بما شئت. ولكنني كنت تيسًا حين طرقت باب الباذنجاني. وكان والدي، رحمهُ الله، محقًا. كان دائمًا يغلبني في وقعة النرد، حتى إذا قلت له: أنت غلاب بها يا أبي، قال: لا يا بني، بل إن كل أصحابي يغلبونني. ولكنك تيس!
                  ولما قررت أن لا أبقى تيسًا، لم أخبر الرجل الكبير برأيي في جهازه الحديث.
                  هل كان سعيد هو رأس الخيش?

                  أصبح رأيي في جهازه مقررًا. فلو كان يستطيع، حقًا، أن يحصي عليَّ حركاتي وسكناتي لكان سجل على لقائي الغريب برجل الفضاء. ولكنه لم يفعل.
                  فقررت أن أطمئن إلى هذا الأمر، فأزور صاحبي الفضائي في دياميس عكا، فقد يحتاج إلى الحذر. وإني لمحتاج إليه.
                  فبالغت في الخضوع لرؤسائي طول الأسبوع وقد قر قراري أن أفعلها وأن أتسلل إلى عكا يوم السبت.. وهو يوم عطلتنا.
                  وكان السبت، الذي وقع عليه الاختيار، هو اليوم الحادي عشر من آخر شهر في سنة 1948 ذات الكف العفريتية. فأنا لا أنسى هذا التاريخ الذي أصبحت، فيما بعد، أؤرخ به حياتي - ما قبل وما بعد.
                  في مساء الجمعة، عشية السبت، كنت منزويًا في داري، أجمع شتات أفكاري على أسلم طريق أختاره في تسللي إلى عكا صبيحة الغد.
                  وكنت أطفأت النور وآويت إلى الفراش مبكرا حتى لا تزورني جارتنا الأرمنية العانس التي ما كانت تطيب لي إلا حين نشرب حتى نثمل - أنا حتى أحسبها صغيرتي ( يعاد)، وهي حتى تحسبني كبيرها سركيس (الذي ذهب مع العرب).
                  وكان من عادتها أن تنشط نشوتها بالتمتمة باللغة الإنجليزية عن كلارك جيبل وشارل بواييه وأشباههما.. فلبستني آفتها. فصرت أتمتم، مثلها، بما يقال وبما لا يقال، حتى إني لعنت، في اليوم السابق، الباذنجان وكل من يستطيبه. فقامت غاضبة دفاعًا عن الباذنجان المحشو بالبرغل وباللحم. فاحتبست. لذلك قررت، من باب اليقظة، ألاّ أفتح لها الليلة الباب.
                  وأنا في هذه الهواجس ومثلها، إذا بطرق على الباب. قلت: جاءت، ولكنني لن أفتح لها، ولن أعتذر عما بدر مني في حق الباذنجان. فعاد الطارق يطرق. فراودتني النفس الأمارة. فقلت: هل أفتح لها ولا أتمتم? فعاد الطرق على الباب. فقمت وأنا أقول: لن يكون الجهاز يحكي بالأرمنية. وهذه مسكينة وأنا مسكين. وفتحت الباب.
                  فإذا أمامي امرأة وسط، ذابلة السحنة وخضراء العينين، تسألني في استحياء ورجفة: سعيد?
                  فأخذتني المفاجأة، فانعقد لساني، وأنا أنظر في عينيها الخضراوين وأطلب من نفسي ملحًا أن أتذكر هذا الوجه الذابل. لا بد أنها من قريباتي في القرية، أو جاءت من وراء الخطوط. فما جاء بها في هذه الليلة الليلاء?
                  قلت همسًا: تفضلي. وانتابتني المخاوف.
                  قالت: أختي (يعاد) تحت. فهل تصعد?
                  فبدأت أشك فيما أرى وفيما أسمع. لقد كنت، حين تلح الحاجة عليّ ويستفرغني الفراغ، أقعد مفتوح العينين، أو أمشي مفتوح العينين، فلا أرى سوى (يعاد)، فأقبض بيدي على يدها، ثم أضمها إلى صدري، فنروح في غيبوبة لم أقم منها مرة، وأنا في مكتبي في اتحاد عمال فلسطين، إلاّ على أبي مصطفي الأعرج وهو ينقض علىّ بعصاه لأنني تركته ينتظر خارج المكتب نصف نهار، بعد أن قلت له أن ينتظرني ربع ساعة، فألقاني في غيبوبة أخرى.
                  - هل حقًا أنت أخت (يعاد)?
                  - فهل تصعد?
                  - (يعاد)، (يعاد).
                  - عد! لا يصح أن تنزل إليها بثيابك الداخلية. عد والبس ثيابك، فأنا أناديها.
                  ففعلت ما نصحتني أخت (يعاد) بأن أفعله. ورحت أتراكض بين الغرف وأنا ألبس ثيابي، تارة، وألقي في المرحاض بما احتوته منافض السجائر من بقايا أعقابها الملوثة بأحمر شفاهٍ، أخرى. فلما سحبت حبل ماء الشطف فلم ينهمر، ملأت دلوا وألقيته فيه، فانسكب الماء على الأرض، فانسحبت عليه، فوقعت على يدي وركبتي أمام الباب المفتوح، فإذا أنا، على هذه الحال، أمام قدمي (يعاد) بعد طول الغيبة.
                  فقالت: جازاك!
                  فانتصبت واقفا والماءان يتصببان من وجهي، ماء الوجه وماء المرحاض. فتهالكت على أقرب مقعد ورحت أبكي. فتراكضت (يعاد) وأختها نحوي، وجففتا الماء ودموعي، وطمأنتاني على أن كل شيء يصلح.
                  فأي شيء هذا الذي يجب أن أصلحه?
                  فقالت (يعاد) معاتبة: أنت تعرف يا سعيد، سامحك الله، ما فعلت بأبي وبالآخرين.
                  ولكنني، سامحني الله، لم أفهم شيئا.
                  فقالت أخت (يعاد) إن (يعاد) جاءت اليوم من الناصرة، مشيًا على الأقدام، عبر شفا عمرو، فأبطن، فوق الجبال وحيدة، لتخبر أختها في حيفا بأن والدهما قد ألقوا القبض عليه في الناصرة، وبأنني أنا، سعيدًا، السبب في القبض عليه، وبأنني أرشدتهم إليه.
                  - أنا?
                  فقالت (يعاد): كلهم يقول أنت. أنت رأس الخيش?
                  - أنا?
                  - وأبوك من قبلك?
                  ومن خلال العتاب، المشبع بالنحيب وبأيماني المغلظة أنني لا يمكن أن أخرب بيت أحد من الناس، فكيف ببيت (يعاد)، فهمت أن أبا (يعاد) كان قد هاجر مع عائلته من حيفا. إلى الناصرة، وذلك بعد لغم الرفينري الأول. فلما سقطت عاصمة الجليل دعا الجيش الأهالي إلى تسليم أسلحتهم. فلما أبلغهم رئيس البلدية أن لا سلاح في الناصرة سوى طاولات شيش البيش التي انكبوا عليها في الساعات التي رفع فيها منع التجول، بدأت عمليات التطويق.

                  فطوقوا الحارة الشرقية، التي التجأت إليها العائلة. وحشروا الرجال في الأرض الخلاء عند الجابية، وراء كنيسة الأقباط، طول النهار في الحر الأوار وبدون ماء، مع أن الجابية كانت تفيض تحت أقدامهم ماء مقدسة من عين العذراء المقدسة.
                  وقالت (يعاد) متباهية إنها هي التي ذكرت الشيوعيين ببيت الشعر الذي جعلوه عنوان نشرتهم والتي وزعوها في أثناء التطويق:
                  كالعيس في البيداء يقتلهاالظمأ
                  والماء فوق ظهورها محمول

                  فاستدعاهم الحاكم العسكري. فلما أنكر أن يكون الجيش قد منع جمال الحارة ودوابها عن ماء الجابية يوم التطويق، حاولوا أن يفهموه أن الأمر تورية. فثارت ثائرته دفاعًا عن كرامة بني الإنسان الذين لا يصح تشبيههم بالدواب، حتى ولو كانوا أعداءنا العرب. (لقد أصبحتم مواطنين، مثلكم مثلنا). وطردهم من حضرته.
                  وكان الجيش، أثناء التطويق، قد نحَّى جانبًا كل من أرشد إليه رأس الخيش، ثم نقلهم إلى سجن الجملة، على اعتبار أنهم أسري حرب. وكان من بينهم والد (يعاد).
                  - فما رأس الخيش هذا?
                  قالت (يعاد): رجل أخفوا رأسه بعديلة خيش، ثقبوا فيها ثلاثة ثقوب، لعينيه ولفمه. وأقعدوه وراء طاولة تحوطها عسكر. وكان رجالنا يمرون أمامها فيتحققونهم. فإذا اهتز رأس الخيش إلى أمام مرتين، نحوا الرجل عن بقية الرجال. فأخذوا، في التطويق الواحد، ما لا يقل عن خمسمائة رجل وولد، أسرى حرب.
                  فلماذا فعلتها يا سعيد?
                  الليلة الأولي، وحيدًا، مع (يعاد)

                  لقد أقنعت (يعاد) وأختها بأنني لم أكن رأس الخيش. ولكني أصبحت، منذ تلك الليلة خرقة الخيش!
                  كانت (يعاد) جاءت من الناصرة إلى حيفا دون إذن من السلطة. فهي متسللة. وكانوا يدخلون البيوت، من أبوابها في كل لحظة، بحثًا عن هؤلاء المتسللين. فإذا وجدوهم نقلوهم في ظلام الليل إلى مشارف جنين، في السهل الواقع بينها وبين قرية المقيبلة الذي كان الجيش البريطاني معسكرًا فيه. فلما انجلى عنه خلف لنا فيه ألغامًا كثيرة أضاف إليها عساكر العرب وعساكر اليهود ألغامًا أخرى، وذلك لأن خط المواجهة الأول كان يقوم هناك. فلما وضعت الحرب أوزارها على صدورنا، انفجر أحدها تحت أقدام أولاد صندلة وهم عائدون إلى أمهاتهم من المدرسة. فقتل على الطريق 17 منهم كما جاء في البيان الرسمي، غير الجرحى الذين ماتوا فيما بعد. وفي حينه جمعنا يعقوب وألقى على مسامعنا محاضرة عن الشيوعيين أعداء السامية، الذين يحرضون الناس على الإضراب والتظاهر مدعين أن اللغم هو لغم إسرائيلي.
                  وقال: بما أن جمعيتنا، اتحاد عمال فلسطين، هي منظمة دمقراطية، في دولة ديمقراطية، فأنتم أحرار في أن تعلنوا أن اللغم هو من بقايا الإنجليز، أو أن اللغم هو من بقايا العرب.
                  فلما تنطح له زميلنا الشلفاوي (كان مشلول اليد اليمني) وقال إنه قرأ في بيان الشيوعيين أنهم يتهمون الحكومة بالإهمال في تنظيف الطريق من ألغام الحرب، أجابه يعقوب: نعلم أن زوج أختك هو واحد منهم!
                  فانشل لسان الشلفاوي.
                  ولذلك اتفقنا على أن بيت أخت (يعاد)، التي لم تترك بيتها وأولادها في الحليصة منتظرة عودة زوجها الذي خرج ذات صباح وهو يقول لها: انتظريني فإنني عائد، ولكنه لم يعد، هو بيت لا مأمن فيه على أختها المتسللة.
                  واتفقنا، وأنا خافض البصر، أن تبيت (يعاد)، الليلة، في بيتي حيث أفردت لها غرفة خاصة وأنا خائف أن تسمعا خفقان قلبي.
                  وحلفتني أخت (يعاد) بعرض أختي أن أصون عرضها.
                  - وهي لك، إذا شئت، فيما بعد، شرعا.
                  وودعتنا وانصرفت وأنا مبهور الأنفاس وقد تشابك في ذهني عرض أختي الضائع و(يعاد) التي لقيتها فجأة، والتي دخلت إلى غرفتها وأقفلت عليها الباب وأخذت تبكي وتنشج بصوت مسموع، وأنا مستلق على فراشي أمام بابها لا أنام ولا أقوم. لا هي تكف عن البكاء، ولا أنا أكف عن الاستلقاء، حتى سمعتها تنادي:
                  - سعيد!
                  فتظاهرت بأنني نائم.
                  - سعيد!
                  فحبست نفسي.
                  فإذا هي تفتح الباب بيننا. فأغمضت عيني. فشعرت بأنها تسوي اللحاف فوقي. ثم سمعت وقع خطواتها وهي تسير الهوينا نحو دورة المياه، ثم تغتسل، ثم تعود من حيث جاءت. وتترك الباب بيننا مفتوحًا فتحًا خفيفًا.
                  فكيف أقوم الآن?!
                  ستعلم، حينئذ، أنني مستيقظ. فكيف لم أرد على ندائها? إنها حبي الأول. وبعد هذه الليلة أصبحت حبي الأبدي. (فكيف تركتها تبيت في بيتي، وحيدين، ولم أقل لها كلمة واحدة? قبلة واحدة? هل أنا جبان? فكيف لم أجبن أمام صاحبة سركيس?
                  فماذا أفعل الآن? وإلى متى أظل مستلقيًا? ولكنني لم أستلق طويلاً.
                  يا سعيد، لا يهمّك، فإنّني عائدة!

                  كان المتسلل الأبدي، الفجر، يدهمني من النافذة الشرقية، وكنت راقدًا أحبس أنفاسي، مثلما يحبسها ولد طلع الفجر عليه وقد بلل فراشه فينتظر عجيبة تنقذه من مصيبة، فإذا طرق شديد على الباب نفضني فألقاني في غرفة (يعاد) التي كانت واقفة وقد ارتدت جميع ثيابها، وهي ترتجف جزعًا.
                  قالت: هل جاؤوا?
                  قلت: لست أدري.
                  - فمن الطارق?
                  - لست أدري.
                  - أغلق الباب علي، ولا تخبرهم بوجودي هنا، بعرضك!
                  واشتد طرق الطارق. وسمعنا لغطًا.
                  فهمست: يا حياتي.

                  فهمست: ليس الآن، ليس الآن.
                  - أنت لي.
                  - فيما بعد، فيما بعد.
                  - بل الآن، الآن.
                  فابتعدت عني، فتشبثت بها، ففرت إلى غرفتي، فوقعنا على السرير، فسمعنا الباب الخارجي ينخلع. فانخلع ضلعي الشمال. فأغلقت الباب عليها، ووقفت أمامهم في ثياب النوم.
                  لقد كانوا عساكر.
                  - تفتيش!
                  - لماذا خلعتم الباب?
                  فأزاحني أحدهم من أمامه. فانتشروا في البيت ينبشون الدواليب ويقلبون الأدراج.
                  - هل أنت وحدك هنا?
                  - وحدي.
                  وكنت، في هذه الأثناء، قد لبست بنطلوني وقميصي ووقفت مستحكمًا أمام باب الغرفة التي اختبأت فيها (يعاد). واستللت بطاقة تدل على نسبي إلى اتحاد عمال فلسطين، واستعذت بالأدون سفسارشك، فكفوا عن النبش والكش.
                  إلاّ أن الذي بدا رئيسًا عليهم شك في أمر الغرفة التي وقفت أمام بابها المغلق. فأزاحني عنه ليفتحه.. فتسمرت في مكاني. فصاح: افتح! فقلت: لا شيء هناك. فثار غضبه وتقدم نحو الباب. فمددت ذراعي على طولها وقد قررت أن أستشهد. فنظر وراءه إلى جماعته وضحك. فلم يضحكوا. فأمرهم أن ينقضوا عليّ. فترددوا. فزعق. فانقضوا دفعة واحدة. وجرجروني حتى أخرجوني خارجًا. ثم دحلوني على الدرجات من الطابق الثالث. فظلت الأيدي تتقاذفني وأنا مدحول حتى وجدتني في فناء الدرج تحت أقدام يعقوب ويدي متشبثة ببطاقة اتحاد عمال فلسطين، وأنا أمدها، متمددًا، نحو عينيه، فلا تبلغهما.
                  فصاح: إنني أعرف من أنت، يا حمار. قم وأخبرني بما حدث!
                  ولكنني لم أفعل.
                  فقد سمعنا، من فوق، صراخًا أنثويًا، وصوت لطمات، وركل، وجلبة. وتطلعنا إلى فوق فإذا بمعركة حامية تدور بين (يعاد) وبضعة عساكر، كانوا يقذفون بها على الدرج إلى أسفل. ووقف عساكر آخرون وهم يحاولون ألاّ يروا ما يحدث. وهي تقاوم وتصرخ وتركل بقدميها. وعضت كتف أحدهم فصاح من الألم وولى بعيدًا. وظلوا يدفعونها وهي تقاومهم وتركلهم حتى ألقوا بها في فناء الدرج، فهبطت على قدميها منتصبة القامة ورأسها في السماء.
                  وقال أحدهم وهو يلهث: متسللة. فصرخت: هذه بلدي، داري، وهذا زوجي.
                  فلفظ يعقوب شتيمة ذات خمسة أحرف.
                  فنسبتها إلى أمه.
                  فتكاثروا عليها. ودفعوها أمامهم إلى سيارة كانت امتلأت بالخلق من أمثالها، وذهبوا.
                  وسمعتها، والسيارة تتحرك، تنادي بأعلى صوتها: سعيد،
                  يا سعيد، لا يهمك، فإنني عائدة!
                  وكنت، بعد، متمددًا.
                  الجرح المفتوح

                  وبقيت عشرين عامًا أنتظر عودتها. فقد أخذوها مع غيرها من المتسللين إلى حيفا، من الناصرة ومن المجيدل ومن يافة ومن معلول ومن شفا عمرو ومن عبلين ومن طمرة، وكل عامل تسلل إلى حيفا ليطعم عياله، وألقوا بها في سهل جنين بين ألغام الإنجليز والعرب واليهود.
                  وبعضهم اختبأ بين الخرائب، وبين الأعواد، ولم يصل إلى الخطوط الأردنية. بل انتظر حتى أعتمت ونام النهار، فعاد أدراجه. فعادوا وطردوه. فعاد. فعادوا وطردوه. فعاد، حتى يومنا هذا.
                  وبعضهم ظل يمشي حتى تلقاه العسكر الأردني بالشتائم. فظل يُشتم حتى يومنا هذا.
                  وكانت (يعاد) بين الذين لم يعودوا. وواحد من المتسللين العائدين وضع في يدي، خلسة، ورقة. فإذا هي رسالة منها لم أقرأها إلا بعد أن وثقت من خلو المكان من الجهاز. وهي الورقة السرية الوحيدة التي احتفظت بها طول هذه الأعوام العشرين لكي أقنع نفسي بأنني قادر على تحدي الجهاز، ولأنني اعتبرتها عقد زواج.
                  كتبت (يعاد):
                  أرجو ممن يجد هذه الرسالة أن يوصلها إلى زوجي سعيد أبي النحس المتشائل، وادي النسناس - حيفا.

                  سعيد، يا زوجي!
                  الوداع يا حبيبي. إنني أنتظر الموت عبر الحدود. ولكنني أموت وأنا مطمئنة على أنك ستنقذ والدي من السجن. سلم على أختي، واعتن بأولادها. الوداع، الوداع يا حبيبي.
                  زوجتك (يعاد)

                  وعلمت أنها لم تمت. فقررت أن لي زوجة في جنين، أو في مخيم لاجئين. فأخذت أهتم بجمع الشمل.
                  وكنت حريصًا على الاستماع إلى رسائل المغتربين إلى ذويهم من إذاعة عمان. ولكنني لم أقو، أبدًا، على توجيه تحية إليها في برنامج (سلام وتحية) الإسرائيلي وكان يستهل بأغنية فريد الأطرش: (أحبابنا يا عين، ما هم معانا. رحنا وراحوا عنا، ما حدش منا استنى. عيني يا عيني). فأمسح الدموع عن عيني في غفلة الجهاز، حتى لم تبق إذاعة عربية إلاّ أذاعت مثل هذا البرنامج. هذه تبدؤه (راجعون، راجعون)، وتلك: (وسلامي لكم، يا أهل الأرض المحتلة، يا منزرعين بمنازلكم، قلبي معكم وسلامي لكم) وأخرى: (يا مرسال المراسيل عالدرب القريبة. خذ لي بدربك هالمنديل واعطيه لحبيبي)، حتى اختلط الحابل بالنابل، فضاعت (يعاد) كليًا.
                  فلما وقعت حرب الأيام الستة، وصار مرسال المراسيل يهتف: (نصر من الله وفتح قريب)، لم أعد أبكي على (يعاد) بل على حالي، وبدون أي خوف من الجهاز لأن الجميع تجهز.
                  ذلك أن يعقوب رثي لحالي. فلحقني إلى الساحة التي حشرونا فيها، في الزاوية بين شارع الجبل وشارع العباس، فأخرجني قبل أن يبدأ الفرز، وقبل أن ألتقي رأس الخيش. ولما حكيت له ما جرى لي مع (يعاد)، لامني على أنني لم أخبر العسكر بالحقيقة من اللحظة الأولي. ووعدني أن يتدبر الأمر مع أولي الأمر وأن يجدوا (يعاد) (حتى ولو كانت في قطر)، وأن يعيدوها إلىّ.
                  - بشرط واحد يا سعيد. وهو أن تكون ولدًا طيبًا.
                  - حاضر.
                  - وأن تخدمنا بأمانة.
                  - حاضر.
                  وكل ذلك حرصًا على مستقبل (يعاد) المسكينة، التي وعد أن يعيدها إليّ.
                  وقال: بالطبع، سيطول الأمر بعض الوقت.
                  ولكنه طال طول الوقت.
                  وفي كل انتخابات جرت في هذه البلاد كان يقنعني بأنه، حال الانتهاء من فرز الأصوات، سيأخذني إلى بوابة مندلباوم لاستقبال (يعاد).
                  - فهات همتك!
                  فكنت لا أنام ولا أهدأ وأنا ألاحق الشيوعيين، وأحرض عليهم، وأنظم الاعتداء علىهم، وأشهد ضدهم، وأندس في صفوف تظاهراتهم، فأقلب صناديق القمامة في طريق التظاهرة، وأهتف بسقوط الدولة، لتبرير اعتداء الشرطة عليهم، وأوسوس في آذان الشيوخ أنهم مزقوا القرآن الكريم في الأعظمية، وأجلس على صندوق الاقتراع من السادسة صباحًا حتى منتصف الليل، ولا أنال أجرًا على هذه المهمة سوى إحياء الوعد بعودة (يعاد).
                  أما بقية زملائي، في المهمة، فكانوا يترقون في المناصب المخصصة لنا. فالشلفاوي صار عضو كنيست. ونظمي الشاويش أصبح شاويشًا. وعبد الفتاح داهن زقمه صار مدير مدرسة، وزوجه مديرة مدرسة، وابنته معلمة، مع أن ابنه وقع في أيدي الشيوعيين فبعثوه يتعلم الطب في موسكو.
                  ما بقي بدون أجر غيري وغير يعقوب، الذي أصبحت أنا أجره. فلما دمجوا اتحاد عمال فلسطين في الهستدروت عينوه موظفًا في الدائرة العربية، وأنا تحت يده.
                  ولم تنقذني الهمة التي أبديتها في الخدمة من غضب يعقوب، الذي لم تنقذه من غضب الرجل الكبير، ذي القامة القصيرة، وهو الذي يضع على عينيه نظارة سوداء في الغرفة المعتمة المسدلة الستائر. فما أن تظهر نتيجة انتخابات حتى يستصحبني هائجًا مائجًا.
                  - راحت (يعاد) عليك. كيف سمحت للشيوعيين بأن ينالوا كل هذه الأصوات?
                  - أنا?
                  - يا ألله! خيرها بغيرها.
                  وعلى الرغم من كل أفعالي ظللت أشعر براحة الضمير، أنني أنشد التقاء (يعاد)، حتى تزوجت فصار السر الذي بيني وبين يعقوب، أن نعيد (يعاد)، يؤرقني كما لو أنه الخيانة الزوجية.
                  فأخذ يعقوب يضغط بكل ثقله على هذا الجرح..



                  الكتاب الثاني باقية
                  صدرت في أواخر 1972
                  كيف اضطر سعيد إلى الإمساك عن الكتابة لأسباب أمنية

                  كتب إليّ سعيد أبو النحس المتشائل، قال: سلام عليك ورحمة الله وبركاته.
                  أما بعد، فأمسكت عن الكتابة إليك زمنًا شحيحًا لأسباب أمنية، أمني، هذه المرة. لا أمن الدولة، وأمن إخوتي الفضائيين الذين أقيم في كنفهم، في دياميس عكا، آمنًا غير مطمئن.
                  فلما جعلت حكومتكم ترمم الدياميس وتقيم جدرانها، وتضيئها بالكهرباء، وتكشف عن باحاتها، وعن زخارفها، وتزخرفها، جعلنا ننسحب إلى الدياميس غير المنظورة. لا نتوقف في مكان واحد، ولا نخلو إلى أنفسنا لحظة واحدة، كقولك: اضرب واهرب، كل واهرب، اكتب واهرب، وهذا غير متيسر.
                  حتى أدبر الصيف، وخفت الرجل، وانقطع اللغط سوى من دعاء ضفدع ومن نجوى صرصار.
                  فدعاني أخي الفضائي فقال: هلم نخرج إلى البحر.
                  فخرجنا. فاقتعدنا صخرة بعلبكية ملساء، على هودج في السور إلى يسار المنارة. وأرسلنا خيوطنا نصطاد سمكًا.
                  وكنا في شهر أكتوبر. والنسمة شرقية دافئة. والبحر رائق المزاج تتناثر أضواء النجوم على صفحته الهادئة. ونظرنا أمامنا فإذا حيفا المتوهجة أصبحت حيفاءين: حيفا المتكئة على مسند الكرمل، وحيفا المستحمة في البحر، متجردة من أقراطها وعقودها وخواتمها.
                  فأرى إلى البحر الجبار، وقد هدأ، كيف يبدو أشد جبروتًا. فالجبار المطمئن أشد جبروتًا. والبحر الهادئ هو الجبار المطمئن.
                  وكم من روح مضطربة، مثل روحي، التجأت إلى البحر تستمد منه هذا الاطمئنان.
                  فلما تكاثرت ليالي حزيران على العرب، تكاثر صيادو السمك الهواة منهم. فقيل: يهربون من هموم أزواجهم.
                  وكانوا، بالحق، يبحثون في البحر عما يقنعهم بأن ثمة ما هو أقوى من دولتنا.
                  ورب ليلة دهمتهم الشرطة فيها، وهم قيام على صخور الشاطئ في نهاريا، حيث يبلغ البحر بالوعاتها، فيخصب بأشتات السمك، وقد استخفهم اطمئنان البحر، فاستخفوا بأسئلة العسس، فباتوا بقية ليلتهم في سجن.
                  أما أنا فحملتني هذه الهواية سرًا عجيبًا أصبح هويتي. ولولا لجوئي إلى إخوتي الفضائيين، في دياميس عكا، حيث لا ينالني شركم، لحملته معي إلى القبر.
                  فأتذكر سري، وأقول: إن في هذه الجهات لسرًا عجيبًا! فيجيبني صاحبي الفضائي: سبقك إلى هذا القول ابن جبير الرحالة. وكان قعد على هذا الشاطئ مترقبًا هدوء البحر ليفر من عكا، التي مومسها الروم. فكتب يقول:
                  (وفي مهب الريح، بهذه الجهات، سر عجيب. وذلك أن الريح الشرقية لا تهب فيها إلاّ في فصلي الربيع والخريف. والسفر لا يكون إلاّ فيهما. والتجار لا ينزلون إلى عكّا بالبضائع إلاّ في هذين الفصلين.. والسفر في الفصل الربيعي من نصف أبريل. وفيه تتحرك الريح الشرقية وتطول مدتها إلى آخر شهر مايه، وأكثر وأقل بحسب ما يقضي الله تعالي به. والسفر في الفصل الخريفي من نصف أكتوبر. وفيه تتحرك الريح الشرقية. ومدتها أقصر من المدة الربيعية. وإنما هي عندهم خلسة من الزمان قد تكون خمسة عشر يومًا وأكثر وأقل. وما سوى ذلك من الزمان فالرياح فيه تختلف. والريح الغربية أكثرها دوامًا. فالمسافرون إلى المغرب وإلى صقيلية وإلى بلاد الروم ينتظرون هذه الريح الشرقية في هذين الفصلين انتظار وعد صادق. فسبحان المبدع في حكمته، المعجز في قدرته، لا إله سواه).
                  فأسبح بحمده. وأذكر أنه في هذه الخلسة من الزمان، من كل عام، يخرج صيادو عكا العرب إلى عرض البحر بمراكبهم الصغيرة ليصطادوا سمك البلاميدا الكبير، جرا. وهو سمكُ أجنبي لا تحسن العربيات طهوه.
                  فيقول صاحبي: هذا البحر يهدأ في الربيع وفي الخريف. وهما أحسن الفصول في بلادكم الحسناء حتى تكاثر العشاق عليها، طبقات طبقات، فلم يبق من العلوم ما يصلح لدراسة تاريخها سوى الأرخيولوجيا في استقراء آثارها الدارسة.
                  فأقول: في الربيع التقيت الطنطورية. وفي الخريف ضيعت ابنها. وحياتي بينهما خلسة من الزمان.

                  يتبع
                  sigpic

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    #10
                    الشَّبه الفريد بين كنديد وسعيد

                    فينتبه صاحبي الفضائي على أزيز طائرات نفاثة تروح وتغدو فوق البحر، شمالاً إلى رأس الناقورة ثم تغدو فتختفي وراء الجبل فأحسب أن سمكة مذعورة شدت في خيطه. فأشد في خيطي شدًا خفيفًا. فيهدئ من روعي، ويقول: تذكرت ما أتاني من تقول أصحاب صاحبك على ما نشره من رسالتك الأولي إلىه وقولهم: احتفز الأستاذ ليشب فوقع دون كنديد إلى الوراء مئتي عام! فأقول:
                    ما شأنه وهو رسول? فما على الرسول إلاّ البلاغ!
                    فيقول:
                    كنديد متفائل، أما أنت فمتشائل.
                    فأقول:
                    هذه نعمة خص بها قومي من دون بقية الأقوام.
                    فيقول:
                    إن في الأمر لمحاكاة.
                    فأقول:
                    لا تلمني، بل لُم هذه الحياة التي لم تتبدل، منذ ذلك الحين، سوى أن (الدورادو) قد ظهرت فعلاً على هذا الكوكب.
                    فيقول:
                    أفصح.
                    فأفصح بالمقارنة بيننا وبين كنديد كما يلي بالتمام وبالكمال، لا أسقط سوى ما تكرر، عامًا عامًا، على مدى ربع القرن، وأقول:
                    ألم يعز بنغلوس نساء (الآبار) على ما فعله بهن عسكر (البلغار)، من اغتصاب ومن بقر بطون ومن قطع رؤوس ومن هدم قصور، بقوله:
                    (غير أنه انتقم لنا. فقد أصاب الآبار بمثل ذلك السوء بارونية مجاورة يملكها سنيور بلغاري)?
                    فبمثل هذه التعزية تعزينا نحن، بعد مئتي عام. وذلك في أيلول من عام 1972 يوم أن قتل رياضيونا في ميونيخ. ألم ينتقم لنا طيراننا الحربي بقتل النساء والأطفال، المبتدئين في رياضة الحياة في مخيمات اللاجئين في سوريا ولبنان، فتعزينا?
                    وفي اليوم التاسع والعشرين من الشهر الذي جاء بعد أيلول، في أكتوبر الخلسة، ولما عادت طائراتنا من ضرب مخيمات اللاجئين في سوريا ضربًا موفقًا، ألم يجتمع الوزير بنغلوس بأرامل رياضيينا المغدورين ويعزيهم بأن طائراتنا أصابت الهدف إصابات محكمة وفعلت فعلاً عظيمًا?
                    وحتى لما كانت هذه الدولة لا تزال تحبو، وتطلع على العالم بريئة براءة الأطفال، في أوائل تموز من عام 1950 ألم يردد كاتبنا المشهور جون كمحي، في (جروسليم بوست)، حكمة بنغلوس هذا فكتب:
                    (لقد شن العرب حربًا دامية على اليهود. فهزموا في هذه الحرب. فلا يحق لهم، إذن، أن يتذمروا حين يطلب منهم دفع ثمن الهزيمة التي نزلت بهم)?
                    وكنديد، (يعن له، في يوم من أيام الربيع، أن يتنزه وأن يمضي قدمًا معتقدًا أن استخدام الإنسان لساقيه، كما يروقه، هو امتياز للنوع البشري، كما هو امتياز للنوع الحيواني. ولم يكد يسير فرسخين حتى أدركه أربعة أبطال طول الواحد منهم ست أقدام. فأوثقوه. وأتوا به إلى سجن مظلم).
                    فلما استخدم هذا الامتياز البشري، والحيواني، بضعة أولاد من قرية الطيبة، يتراوحون في العمر بين تسع سنين واثنتي عشرة سنة، فمضوا قدمًا إلى مدينة نتانيا ليروا البحر بالعيون بعد أن سمعوا هدير موجه بالآذان. ألقي القبض عليهم. فاقتيدوا إلى محكمة عسكرية. فأوقع حاكم المحكمة العسكرية على هؤلاء الأولاد عقوبة الغرامة. فمن عجز عنها فبما يملكه حتى الطفل، وهو الحياة، شهرًا في السجن. ولما عجز أحد الأولاد عن دفع الغرامة، فافتداه والده بحياته شهرًا في السجن، أبى الحاكم إلاّ أن يزيد على سنن الطبيعة شهرًا واحدًا، فأمر أن تفتديه والدة الولد بشهر عاشر من حياتها بعد شهور الحمل التسعة
                    وما زال هذا الامتياز البشري مرهونًا بإذن الحاكم حتى يومنا هذا.
                    وفي قصة كنديد، لما استولى القرصان على سفينتهم في عرض البحر، فأخذوا يفتشون الرجال والنساء، روت امرأة عجوز ما نزل بها من تفتيش، فقالت: (ويعرون من فورهم كالقرود.. ومن الأمور التي تثير العجب سرعة تعرية هؤلاء السادة للناس. ولكن أكثر ما أدهشني هو إدخالهم إصبعا إلى مكان فينا جميعًا لم نكن، نحن النساء، لندع شيئًا يدس فيه غير أنابيب المحقنة.. وهذه عادة استقرت، منذ زمن لا يعرف أوله، بين الأمم المتمدنة التي تجول على البحر. وقد علمت أن هذا لا يفوت فرسان مالطا المتدينين مطلقًا، حين يأسرون تركا وتركيات. فهذا قانون دولي لم تخالف أحكامه قط)
                    فحتى يومنا هذا تطبق حكومتنا هذا القانون الدولي على الترك والتركيات من العرب، جوًا وبحرًا وبرًا - في مطار اللد، وفي ميناء حيفا، وفوق الجسور المفتوحة. فصار الترك والتركيات، حين يزمعون أمرهم على السفر، يتناظفون جيوبًا وحقائب وثيابًا، ظاهرة وباطنة. والتركية، حين ترغب في أن تضبع الشرطية، ترتدي أفخر الباطنيات النايلونية حتى تتأدب الشرطية حسدًا.
                    فيضحك صاحبي الفضائي ثم يقول مستريحًا: فهل تقوّل أصحاب صاحبك عليه، بأنه قلد كنديد، يعود إلى أنهم، حين كانوا يعرونهم، كانوا يدخلون أصابعهم هناك?
                    - هات مثلاً..
                    - قرية برطعة، في المثلث، المقطعة، مثل الطفل في محكمة سيدنا سليمان عليه السلام، إلى نصفين، نصف أردني ونصف إسرائيلي.
                    - الطفل في محكمة سيدنا سليمان، عليه السلام، ظل سليمًا ورفضت والدته الحقيقية اقتسامه.
                    - أما برطعة فاقتسموها وظلت سليمة. فلما سطا لصوص على قطيع بقر أردني، تعداده عشرة رؤوس، فمر الأثر بقرية برطعة، حملت الحكومة الأردنية على القرية حملة محمولة على ظهور الخيل. فجمع الفرسان الأهالي. وطرحوهم أرضًا. وأشبعوهم ضربًا ورفسًا حتى قام الأهالي وأشبعوا الفرسان، كل فارس دجاجتين، والخيل، كل فرس علفها. وبرطعوا في برطعة. فسميت برطعة. فلما عادوا أدراجهم، حمل جند بنغلوس على القرية وانتشروا يبحثون عن المتعاونين مع الغزاة الأردنيين.
                    فإذا وجدوا قرويًا لم يطرحه الفرسان الأردنيون أرضًا واكتفوا بلكمه، ثبتت تهمة التعاون مع العدو عليه. فإذا كانوا طرحوه أرضًا واكتفوا برفسه، فهو متعاون. فإذا ضربوه ولكموه ورفسوه ولم يطرحوه أرضا فهو متعاون، إلخ
                    كنديد، يا سيدي، كان يقول: (كل شيء في هذا العالم حسن لا ريب فيه. وذلك مع الاعتراف بإمكان الأنين قليلاً مما يحدث في عالمنا روحا وبدنا). أما أنا فحتى الأنين لم يكن متيسرًا لي.
                    فيقول صاحبي الفضائي: أفصح!
                    فأفصح وأقول:
                    كيف تحول سعيد إلى هرة تموء

                    عشت في الدار الخارجة، خارج الدياميس، عشرين عامًا وأنا أريد أن أتنفس فأعجز، كالغريق، عن التنفس. ولكنني لا أموت. وأريد أن أنطلق فأعجز، كالسجين، عن الانطلاق. ولكنني أبقى حرًا.
                    وكم من مرة هتفت بمن حولي: يا قوم، إن فوق كتفي لسرًا خطيرًا أنوء بحمله، فأعينوني! فما خرج من تحت شاربي سوى مواء الهرة.
                    حتى آمنت بحلول الأرواح.
                    تصور روحك، بعد موتك، حلت في هرة. فبعثت هذه الهرة لتسيب في فناء بيتك. فخرج ابنك، حبيبك، يتلهى بما يتلهى به الصبيان من اللعب. فناديته، فمؤت. فزجرك. فناديته طويلاً، فمؤت طويلاً. فرماك بحجر. فذهبت في حال سبيلك وحالك كحال الفتى العربي في شعب بوان.
                    (غريب الوجه واليد واللسان)
                    هكذا حالي: عشرين عامًا أهر وأموء حتى أصبح هذا الحلول يقينًا في خاطري. فإذا رأيت هرة توسوست: لعلها والدتي، رحمها الله! فأهش لها وأبش. وكنا نتماوأ أحيانًا.
                    فهتف صاحبي الفضائي وقد انبسط صدره: على رسلك يا ابن النحس! أراك تأهلت للانتقال إلى المرتبة التاسعة من الدعوة
                    قال: كان أسلافنا، من إخوان الصفاء وخلان الوفاء، شبهوا الخلق من أمثالك بالبهائم العجمية. فلجموا كما تلجم البهائم بلجم الحديد الثقال، والأرسان لتقاد حيثما قيدت، وتمتنع عن الكلام بما أرادت. حتى بإذن ربها بانتباه نائمها، وبقيام قائمها، وبظهور الناطق. فيفك البهائم الأسيرة، والأشخاص الذليلة، من أسر العبودية وقيد المملكة ورق الذل، ويجعل الذين أهانوهم في مثل ما كانوا فيه، جزاء ما كانوا يعملون.
                    فهتفت به: فأنطقني!
                    قال: عد إلى الكتابة إلى صاحبك.
                    قلت: أخرجني إلى الناس وكأنني خارج عن الناس. قال: وهل الذي استشعر منهم بمختلف كثيرًا عنك، أما أنت فتقمصت هرة. وأما هو فتقمص شاعرًا. وكلاكما يهرب حتى يتنفس، ويختنق حتى لا يموت. ومنهم من احترف الأدب عجزًا. ومنهم من هرب من موقفه بتغيير موقعه.
                    وآخرون أخفوا عورة العجز بورقة الحكمة. وآخرون بالفلسفة، وبأن الزمان حاملهم لا محالة على العقرب القصير، إن لم يكن حاملهم على العقرب الطويل، إلى قيام الساعة، وبأن الشعب غير مؤهل لغير ذلك، وبما إلى ذلك من علل العليل.
                    ما هكذا فعل قائدنا، أبو ركوة ، قبل ألف عام. فلما رأى الناس يؤمنون بأن الحاكم بأمر الله يحكم بأمر الله، لم يسقط في يده، ولم ينتظر أن يصبح الشعب مؤهلاً، بل أقنعهم بأنه ثائر عليه، هو أيضًا، بأمر الله. فتلقب بالثائر بأمر الله على الحاكم بأمر الله. فحيد العزة بالعزة. والحاكم أظلم. فتبعه خلق كثير. وكنا بينهم.
                    قلت: وسري الدفين?
                    قال: فجد به.
                    وها أنا فاعل.
                    كيف سبَقَت العروبة الأصيلة، بالتشمير، عصر التشمير
                    في الربيع التقيت الطنطورية. وما هذا هو اسمها، بل نسبة إلى قرية الطنطورة، على شاطئ البحر، حيث سقط رأسها قبل أن يسقط مسقطه بثلاثة عشر عامًا.
                    وكان الرحيل دهمها وهي في زيارة أخوالها، في قرية اسمها جسر الزرقاء، على شاطئ البحر أيضًا. فبقيت فيها حتى تشاطرني الهموم وأشاطرها ردحًا من الزمن.
                    وأمر هذه القرية، جسر الزرقاء، أمر عجيب. فكيف صمدت هذه القرية لدواهي الحرب والترحيل، مع أختها فريديس - الفردوس - المجاورة، لما قبض الريح بقية القرى العربية على الساحل، ما بين حيفا وتل أبيب - الطيرة وأجزم وعين غزال والطنطورة وعين حوض وأم الزينات، وهي أعمق منها جذرًا، وأصلب عودًا?
                    أما فريديس - الفردوس - فبقيت لحاجة في نفس يعقوب. وهو غير معلمي يعقوب من اتحاد عمال فلسطين. بل جيمس (يعقوب) دي روتشلد، الذي أقام بحلالة مستوطنة (زخرون يعقوب) - لذكرى يعقوب - في أواخر القرن التاسع عشر. فانصرف أهلوها القادمون من أوروبا، إلى صناعة النبيذ الجيد، فتضعه مصايف العروبة، وقد تعددت أسماؤه، على موائد أمراء الجزيرة، من الربع الخالي، عبر الجسور المفتوحة، فيستذوقونه، فينشد منشدهم:
                    يا بشر ما لي للسيف والحرب
                    وإن نجمي للهو والطرب
                    لو كان قصف وشرب صافية
                    مع كل خود تختال في السلب
                    والنوم عند الفتاة أرشفها
                    وجدتني ثم فارس العرب)



                    ثم ينتشي منتشيهم صائحًا يتهم كل مطالب بتنفيذ قرارات مجلس الأمن بأنه خائن العروبة!
                    أما الفرادسة فقد أنقذهم عصر الكرمة، في دنان يعقوب، من أعاصير الحروب. والحق يقال عن أهالي زخرون يعقوب أن الربح الوفير، الذي جنوه من سواعد الفرادسة وسيقانهم، شد من سواعدهم حين حمل عليهم إخوانهم الصهيونيون، من ذوي العمل العبري النقي، التقي، الصافي صفاء خمرة تلك الدنان، حتى ضحكوا، بصفاء نية، من الحكاية التالية التي انتشرت عنهم وحدثني بها معلمي يعقوب، بصفاء نية:
                    إن آباء زخرون يعقوب اختلفوا يومًا:
                    هل من الحق، شرعًا، أن يعاشر الرجل زوجه في السبت، أم أن الأمر عمل، مثله مثل بقية الأعمال التي لا تجوز في السبت، شرعًا. فذهبوا إلى الحاخام ليقضي بينهم، هل الأمر عمل أم لذة. ففكر الحكم طويلاً، ثم حكم إنه لذة. فهات برهانك? قال: لو حكمت بأنه عمل لأعطيتموه العرب - الفرادسة!
                    فضحكنا، يعقوب لأنه يكره الأشكناز، وأنا لأنه ضحك.
                    ومن التجني أن تلوموا أبناء الفردوس - فريديس - على أنهم حافظوا عليه فضلة دنان.
                    فمن شيد المباني الشاهقة في هذه البلاد، وشق طرقها العريضة، وزفتها، وأحكم الاستحكامات، وحفر الملاجئ?
                    ومن زرع القطن، ثم جناه، ثم حلجه، ثم نسجه أثوابًا يتيه فيها سادة رغدان وبسمان، فقيل إن الاتحاد الوطني سيخيط منها لباسه الموحد، فيتساوى أعضاؤه، كأسنان المشط، لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بملوكهم وبتقبع الكوفية، رمز العروبية، حتى إذا فارت دماؤها في عروقهم، تلثموا بها غب الشهادة، فإذا انفجرت دماؤها في عروقهم أقعوا يرغون ويزبدون بالحياة الأفضل، حتى إذا تأججت دماؤها في عروقهم لعنوا المستوردات الأجنبية سوى الملكية والكوفية والطيارة والخمارة والصورة والوقوف للصورة ولثم اليد وولي العهد و(تمتع الغني بما جاع به فقير) ، في الأسرة الواحدة الأسير، وقهر العمال والاستغلال، وقطع الرزق، والفسق، في عصر التشمير، وكان العرب سبقوا إليه حين قالوا: شمر للحرب وشمر للسلم وشمر للعمل وشمر للصلاة، ولم يقولوا: تقبع أو تسربل أو تكوكف أو تلثم أو ولول: عاش الملك!
                    من شيد المباني وشق الطرق وحرث الأرض وزرعها، في إسرائيل، غير العرب الباقية في إسرائيل، فالعرب الباقية، صبرًا، فيما احتلته دولتنا من أرض لم يجد لها أحمد الشقيري متسعًا في ملفات خطبه الرنانة?
                    ولقد رأيتهم، في ساحة العجمي بيافا، شبابًا في عمر التمر، من غزة وجباليا وبيت لاهية وبيت حنون ودير البلح وخان يونس ورفح، يتمايلون على سيارة المقاول كتمايل شواهد القبور فوق إخوتهم الشهداء في مقابر غزة ، فآمنت بأن الأحياء يستطيعون هم أيضًا، أن يبقوا في وطنهم!
                    ورأيتهم في ساحة باريس (ساحة الحناطير، فالخمرة في الزمان الأول)، في حيفا التحتا، شبانًا في عمر نوارة اللوز والمشمش اللوزي والتفاح أبي الخد الأحمر، من قلقيلية وطولكرم وجنين وطوباس والسيلة واللبن، ينتظرون سيارة المقاول، فيتحسس سواعدهم ويروح النظر في قاماتهم الممشوقة، فيمتطي منهم من اشتد ساعده وقست ساقه. فاستعدت حالنا قبل عشرين عامًا. فآمنت بأن هذا الشعب لا يفنى!
                    ورأيتهم، في المغيب، يحشرون في سيارات النقل العتيقة، كما حشروا، في يومهم، صناديق البطاطا، وكوموا الشمندر في سيارات أحدث من السيارات التي ينقلون فيها، عائدين إلى مدنهم وقراهم، إلاّ الذين غض السيد المقاول الطرف عنهم ليبيتوا ليلتهم في بناء لم يتموا بناءه، يتسترون بالطوب من الطارقين: برد ما قبل الفجر، ودهمة الشرطة ما قبل الفجر.
                    حتى إذا تفتحت أكمام الفجر شمروا عن أكمامهم وتفتحوا على الحياة تفتح الياسمين. فتذكرت حالنا قبل عشرين عامًا، وكيف كان معلمي يعقوب يخيرني أن تضيع الطنطورية عليّ، كما ضاعت من قبل (يعاد)، أو أن أهب مع الفجر، فأنطلق إلى هؤلاء، الواقعين في براثن المقاول، فأنقذهم من براثن الشيوعيين (كما أنقذت عجائز النصارى لحية الخوري من المعط وهو قائم فوق المحراب يصلّي
                    فآمنت، يا محترم، بأن الأمر مكتوب علينا، فلا بد مما ليس منه بد. أو كما جاء في الأغنية الإيطالية التي ترجمتها شعرًا:
                    مشيناها خُطًي كتبت علينا
                    ومن كتبت عليه خُطًي مشاها!

                    أما أهل القرية، جسر الزرقاء، وهم أخوال صاحبتي الطنطورية، فلم يمشوا أية خطوة، ولم يخرجوا أبدًا من قريتهم المنسية. وهذا سر بقائهم فيها. فلم تدر مذراة الرحيل الأول بوجودهم. فظلوا يصطادون صغار السمك في مصب النهر، آمنين، سوى الطنطورية.
                    كيف كانت التماسيح تعيش في نهر الزرقاء

                    ففي أوائل الخمسينيات، لما أتيتهم أصطاد السمك بين الصخور المشرئبة بعيدًا في عرض البحر على مصب نهر الزرقاء، الذي كانت تعيش التماسيح فيه فسماه إخواننا اليهود باسمها، نهر التنين، وهي التماسيح، مع أن شيئًا لا يعيش فيه الآن غير البوري الصغير وأفاعي النهر.
                    رأيتهم ينزلون عراة إلى مصب النهر قبل أن تنزل الشمس في مغرب البحر، فتية وفتيات سمرًا، أجسامهم برونزية وأبنوسية، ضامرة من غير صناعة، فينتظمون صفوفًا متوازية على عرض المصب. فيتقدمون صوب البحر وأيديهم في الماء يخرجونها، بين الحين والحين، تمسك بأسماك تتلوي. فيقذفونها نحو الشاطئ. فيتناولها نسوة يأسرنها في أكياس أعدت لهذا الغرض.
                    سوى صاحبتي الطنطورية، شقراء مثل روميات بيزنطية، فكانت تنتحي مكانًا قصيًا.
                    فتقف لوحدها تراقب هذا الصيد العجيب ولا تشترك فيه إلاّ بنظرات رانية تفيض بالحياة، وبشفتين تسجلان، برعشات الابتسامات الحيية، رعشات السمك وهو يقذف نحو الشاطئ.
                    وكانت في عمر الفتيان والفتيات، أربعة عشر عامًا أو خمسة عشر عامًا، جديدة جدة الفجر في هذه النواحي، إلاّ أنها اختلفت عنهم في عزلتها، وفي لون بشرتها الأبيض المشوب بالصفرة.
                    ولما كنت أعلم أن الأولاد الآخرين هم ذرية المصريين من الوجه القبلي، الذين حملهم إبراهيم باشا معه إلى فلسطين، فأقاموا في جسر الزرقاء وفي غيرها من قرى هذا الساحل، قلت في نفسي: لعل هذه الصبية الشقراء المنفردة، هي من أصل جارية رومية، فتربطنا صلة القربى في أصل شجرة واحدة? فأخذت أراقبها لمآرب تاريخية ولمآرب أخرى.
                    فلما نبهها وجودي، فغضت الطرف، فانعكست حمرة الشفق على صفحة وجهها الطبيعي، فكشفت عن عينيها أجفان الخجل، فرأيت الحيرة والدهشة وقبلة الحياة ترقص فيهما دبكة شمالية، أيقنت أنني هالك الساعة!
                    أستعيد هذه الذكريات، الآن يا محترم، وقد أقفر قلبي من هذا العرس. لم تبق الطنطورة، ولم تبق الطنطورية. أما قوم جسر الزرقاء فقد ارتدوا ثيابهم ولحقوا، في العمل البري، جيرانهم الفرادسة. ولم يعد ينزل منهم إلى النهر أو يقف على لسان البحر، سوى فتيان هاربين من مدرسة أو شيوخ هاربين من بقية حياة. ولولا الحركة المباركة، التي قامت بها جمعية الرفق بالطبيعة، فحالت دون السلطة وإقامة المحطة الكهربائية، التي أزمعوا إقامتها على مصب النهر، لما بقي اسمي - سعيد - محفورًا على كتف الصخرة الجيرية التي كانت الطنطورية تتكئ عليها ونحن نخيط، بالعيون، وشائج المستقبل.
                    باقية - التي أشركته في سرّها قبل أن تصبح شريكة حياته

                    ففيما أنا عائد، في إحدى الأماسي، وقد أقفر المكان. اتكأت على هذه الصخرة، فرأيت اسمي محفورًا على كتفها. فأدركت أن هذه الصبية أشجع من هذا الصبي، وأنها استدرجت أقرانها، الذين كنت أوزع صنارات الصيد عليهم درءًا لشرهم، حتى أخبروها باسمي.
                    فعلمت أنها تحبني. فأحببتها. وقديمًا علمت بأنني واقع لا محالة، في حب التي تحبني. وليتني أدركت منذ تلك اللحظة، أن شجاعتها غير مألوفة. ولكنني كنت غريقًا على كتف الصخرة الجيرية.
                    فأغدقت الصنارات وخيوط النايلون على صبي كان يلبي طلبي فينزل إلى البحر يفك صنارتي من صخرة علقت بها. فسألته:
                    ما أمر هذه الصبية فلا تشارككم صيدكم ولهوكم?
                    قال: (الطنطورية)?
                    ثم حدثني بما يعرفه عنها. فإذا هم لا يعرفون لها اسمًا سوى الطنطورية، لأنها من الطنطورة. وقال: إنها كانت في زيارة أخوالها في جسر الزرقاء حين سقطت الطنطورة ورحل أهلها. فبقيت في جسر الزرقاء.
                    وقال: هي مدنية، وتتكبر علينا.
                    وقال: أمرها عجيب. فهي إما أنها تبتسم وإما أنها تبكي. فأصبحنا نخافها، ونتحاشاها. غريبة وتقرأ كتبًا وتبتسم لوحدها وتبكي لوحدها.
                    فلما طلبت منه أن يسأل عن اسمها وعن أخوالها وأن يعود، في الأسبوع القادم، فيخبرني، عاد مع أقرانه وأخذوا يرجمونني بالحجارة. ولم تعد الطنطورية تتكئ على صخرتها. ولم أعد أجرؤ على زيارة ذلك الشاطئ.
                    فاحتبست في غرفتي، في اتحاد عمال فلسطين، مهمومًا: هل ستضيع الطنطورية عليّ كما ضاعت (يعاد)?..
                    فإذا بمعلمي يعقوب يهرول ويصرخ: ما كنت تفعل في جسر الزرقاء?
                    قلت: أتبع هوايتي بصيد السمك.
                    قال: فما يعنيك من بنات البلد?
                    قلت: لم أكن أعرف أنها شيوعية!
                    فانفجر يعقوب بالضحك، فانفجرت معه بالضحك.
                    وقال إنه يضحك من سذاجتي. فلا خطر من ظهور أي شيوعي في هذه القرية ما دام أهلها معزولين بالرمل وبعتمة الليل وبخيوط العنكبوت.
                    - خيوط العنكبوت?
                    - إنهم حمولة واحدة، تنتشر فيهم أواصر القربى انتشار خيوط العنكبوت.
                    - والطنطورية?
                    فأخبرني بما كنت أعرفه عن أصلها. وأضاف إلى ذلك أن أخوالها (من جماعتنا) مع أن اسمها الحقيقي هو (باقية). وقال: هذا هو الضد وضده.. ولكنها طفلة.
                    ووعدني بأن يدبر لي أمرها إذا استيقظت قبل الفجر وقمت إلى عمال القرى، الذين يبيتون في خرائب حيفا، فأيقظتهم، قبل الفجر، على خطر الشيوعيين. فوعدته خيرًا. وأخذت أبيت معهم، فيتركونني أغط بالنوم ويسعون في طلب الرزق.
                    حتى وقعت انتخابات الكنيست الثانية، في تموز عام 1951، فإذا بالشيوعيين ينالون ستة عشر صوتًا في جسر الزرقاء. فأقبل علي يعقوب، هاشا باشا، وهو يهتف: البشارة، البشارة. لقد قرر الرجل الكبير (ذو القامة القصيرة) أن يصوبك نحو جسر الزرقاء، فتستأصل شأفة هذه الأصوات النشاز.
                    كيف?
                    - بأن نزف إليك (باقية).
                    وما انقضى شهر تموز حتى زفت إليّ (باقية). فلما خلونا إلى بعضنا، وهمست في أذنها: يا شريكة حياتي.
                    قالت: أشركك، أولاً، بسري الدفين.
                    كيف أصبح سعيد (ذا السرّين)

                    في تلك الليلة سمعت من (باقية) ما لم يسمعه عريس ليلة الدخلة، وما لم يسمع عن صبية في عمرها.
                    قالت (باقية): اسمع، يا ابن عمي! أحببتك! فبرأس أمي وبرأس أبي أحببتك. وإني أحبك يا ابن عمي. ولكنني ما أحببتك تبعث بهؤلاء الناس يطلبون يدي من خالي.
                    واسمع، يا ابن عمي! صغيرة أنا. أصغر من السن القانونية للزواج. ولكنني أعرف أن واضعي القانون يتجاوزونه حين تكون لهم من وراء ذلك مآرب أخرى. فما هي مآربهم?
                    دعني أتكلم، يا ابن عمي، ولا تقاطعني.
                    ظللت أحبك حتى أحببتني. وها أنا أصبحت عروسك، شريكة حياتك. ها نحن نعمر بيتًا واحدًا.
                    أصبحت أملي، يا ابن عمي. وأنا أريد العودة إلى خرائب قريتي الطنطورة، إلى شاطئ بحرها الساكن. ففي كهف في صخرة تحت سطحه يسكن صندوق حديدي، مليء بذهب كثير، مصوغات جدتي ووالدتي وأخواتي ومصوغاتي، وضعه والدنا هناك، وأخفاه، وأعلمنا بأمره حتى يلتجئ إليه كل محتاج منا إليه.

                    أريدك، يا ابن عمي، أن تتدبر أمرنا حتى نعود إلى شاطئ الطنطورة، خلسة، أو أن تعود وحدك، فتنتشل الصندوق من مخبئه، فيغنينا ما فيه عما أنت فيه. وأنا لا أريد لأولادي أن يولدوا محدودبين. لقد تعودت ألاّ أتنفس إلاّ بحرية يا ابن عمي!
                    وكنت لا أكاد أتنفس وأنا أستمع إليها، إلى هذه الصبية تتكلم بجرأة جعلتني أطبق فمي حتى أحفظ قلبي في مكانه.
                    فلما بلغت هذا المبلغ من حديثها ظهرت لي الحقيقة التي كان جهلي بها يثير عجبي من أصحابك، يا محترم، كيف يستأسدون على السلطة الجبارة، ولا يهولهم رجل كبير حتى ولو لم يكن قصير قامة، مع أنهم لا يملكون شروى نقير.
                    أدركت سركم، يا أستاذ! فكل واحد منكم، إذن، لديه صندوق حديدي، في طنطورته، حيث أخفى والده كنزه الذهبي.
                    فلما أدركت أنني، بهذا الكنز، أصبحت واحدًا منكم دون أن تعلموا من أمري شيئًا، انشال هم عن صدري.
                    وأعجب ما أعجبني منكم أنكم قدرتم على إخفاء هذا السر، على الرغم من أنه سر شائع بين الألوف، بل عشرات الألوف منكم. فقلت في نفسي: إذا استطاعوا ذلك فكيف لا أستطيعه وسري لم يجاوز الاثنين، (باقية) وأنا?
                    فقمت إلى (باقية) أطمئنها على أمانتي، وعلى رجوليتي، وأخذت أمزج دموعها بدموعي، وهو أضمن للزواج حتى من امتزاج الدم في عروق البنين، حتى هدأت واطمأنت وأصبحت شريكة حياتي.
                    ومنذ تلك الليلة رحت ألقب نفسي بذي السرين: سري وسركم. أما معرفتي بسركم فقد خففتني. وأما معرفتي بسر (باقية) فقد أخافتني.
                    كيف أصبح سعيد صاحب دعوة

                    قلت لها: نامي، الصباح رباح. ولكنني لم أنم. فقد أدركت أن طريقنا إلى الكنز محفوف بالمخاطر. فإذا لم أتدبره مليًا وقعنا. فلا كنزًا انتشلنا ولا سرًا حفظنا.
                    فإذا كان البيت الذي شيده أخي، على شاطئ تل السمك، أصبح ملك حكومة الرجل الكبير، ذي القامة القصيرة، فكيف بصندوق في البحر، على أمتار من الشاطئ، أي في مياه إسرائيل الإقليمية قطعًا?
                    وكانت (باقية)، مثلي، تدرك أن الأمر محفوف بالمخاطر. بل إنه محفوف بأشد المخاطر. بل حسبت أن العرب الذين بقوا في إسرائيل هم، أيضًا، ملك الدولة. قالت إن المختار أخبرهم بهذا الأمر، إنهم أخبروه به.
                    وكنت، في إحدى الليالي، سألتها: ألم يكن لأخوالك أرض في جسر الزرقاء? فأجابت: بلى. ولكن الحكومة استولت عليها كما استولت على بقية الأراضي في جسر الزرقاء.
                    فسألتها: ألم يرفع أخوالك أمرهم إلى القضاء?
                    فأبدت دهشتها. وقالت: قال لنا المختار أنهم قالوا له: حاربتم فانهزمتم، فأصبحتم، وأموالكم، حلالاً لنا. فبأي قانون يطالب المغلوب بحقه?
                    فما انتبهت إلاّ وأنا أهتف: ها، ها! الآن فهمت حرص الرجل الكبير على منع الشيوعيين عن دخول قريتكم أو عن دخول أمثالها من القرى التي عزلتها الطبيعة. فإذا لم تعزلها، سيجوها بالأسلاك!
                    ولات ساعة مندم. فقد فتحت باقية عينيها الواسعتين وأمطرتني بالأسئلة:
                    - من هم الشيوعيون?
                    - ناس يكفرون بالنعمة.
                    - أية نعمة?
                    - نعمة الغالب على المغلوب بالحياة.
                    - هذه نعمة ربنا.
                    - فيكفرون بربنا. إنهم ملاحدة.
                    - كيف يكفرون?
                    - يدعون القدرة على تغيير المكتوب.
                    واستعذت بالله. ولكنها ازدادت تلهفًا وإلحاحًا:
                    - كيف يقدرون على ذلك?
                    - لعلهم وجدوا، مثلما وجدنا، صناديق تركها لهم آباؤهم مخبوءة على شطئان طنطورتهم.
                    فهيج هذا الجواب خاطرها، فأبرقت عيناها، وحزمت ما بين حاجبيها فحزمت أمرها، وهي تقول: نستعين بالشيوعيين!
                    الإشارة إلى الحرمان الذي فرضه الفاتيكان، في أوائل الخمسينيات، على الشيوعيين، فانتشرت شائعة في حيفا أن الشيوعيين قرروا معط لحية الخوري ولذلك حرمتهم الكنيسة.
                    ولما لم يبق لي والدي، رحمه الله، من متاع الدنيا غير الحذر، فقد جعلت أحمل إليها هذا الميراث صبحة وعشية. فقلت لها: قال والدي، رحمه الله، أن الناس يأكلون الناس، فحاش أن تثق بمن حولك من الناس، إنما عليك أن تسيء الظن بكل الناس، حتى ولو كانوا إخوتك من بطن أمك ومن ظهر أبيك. فإذا لم يأكلوك فقد كانوا يستطيعون أن يأكلوك.
                    وغير ذلك من كلام الحيطة واليقظة حتى أغفت على ساعدي. فقعدت متيقظًا طول الليل وأنا أفكر في أمر الصندوق وانتشاله.
                    حكاية الثريّا التي رجعت تسفّ الثري

                    وبعد عشرين عامًا، لما قرأت عن كنز العجوز اللداوية ثريا عبد القادر مقبول، كيف أضاعته لسلامة طويتها، أي لسذاجتها، أيقنت أنني أحسنت صنعًا لما لم أبق عنصرًا من عناصر الخطر والفجاءة إلاّ حسبت حسابه، واحتطت له حيطة شديدة، حتى بقي سري دفينًا ما كشفت عنه إلاّ الآن، ولك يا محترم.
                    ففي العاشر من أيلول، من العام الخامس ب. ح ، الموافق عام 1971م روت صحيفتكم الاتحاد، عن معاريب، عن هآرتس، عن الشرطة الإسرائيلية العامة، عن شرطة اللد الإسرائيلية، أن السيدة العجوز ثريا عبد القادر مقبول، السن خمسة وسبعون عامًا، عادت من الأردن إلى بلدها ومسقط رأسها، مدينة اللد، بموجب نظام العطلة الصيفية عبر الجسور المفتوحة. وذلك بعد أن ظلت بعيدة عن بلدها ثلاثة وعشرين عامًا لاجئة في عمان مع زوجها وأولادها.
                    عاشت في عمان مع زوجها وطفلها وأبي عمرة الذي رحمها فلم تنجب منه أطفالاً. حتى شب ولداها، فسعيا إلى الكويت في طلب الرزق. فعادا بحفنة نفط أحمر، شيدا بها بيتًا في عمان، شيعا منه والدهما إلى مقره الأخير. ثم أقبل أيلول الأسود، عام 1970، على صورة دبابة هاشمية نقية تقية من طراز شيرمان، هدمته فلم يخرج من تحت الأنقاض سالمًا سوى الثريا وطويتها السليمة.
                    فلما وقفت ثريا عبد القادر مقبول بين الأنقاض في صحراء الغربة القاحلة، تذكرت عزها الدارس في فردوسها المفقود، في بيتها العامر في اللد. وكانت خبأت مفتاحه في نقره في الجدار. وكانت جمعت مصوغاتها في صفائح دفنتها في ذلك الجدار. وكانت توكلت ونزحت مع النازحين عام 1948، وهي تؤكد لنفسها: غدًا أعود.
                    فلما أقبل هذا الغد، بعد ثلاثة وعشرين عامًا، أزمعت أمرها. وفي الصيف عبرت الجسر المفتوح. فضيعت اللبن.
                    ولما أرادت أن تدخل بيتها القديم في اللد لتنتشل كنزها، أغلقت وريثتها الشرعية، من عهد نوح، الباب في وجهها. فلم تفاجأ حيث إن ظلم ذوي القربى أشد مضاضة.
                    فنصحها ذوو القربى، المقيمون في إسرائيل، أن تلتجئ إلى قبضة الأمن وعسس النظام، أي إلى الشرطة الإسرائيلية. فعملت بالنصيحة. فأرسلوا معها رجل شرطة ورجلاً قيمًا على أراضي إسرائيل. فلم يشاؤوا أن يقلقوا راحة الوريثة الشرعية، فأتوا منزل العجوز من خلف جداره، في منزل يقيم فيه ذوو قربى. فأحسنوا وفادتها. فأشارت إلى مكان في الجدار، فحفروا عميقًا. فوجدوا صفائح المصوغات. ثم أشارت إلى مكان آخر. فحفروا. فوجدوا المفتاح. فهللوا وكبروا واغرورقت عيون الجمع. ومسح الشرطي دموع رجل القيم بمنديله. فقوم القيم إنسانية رجل الشرطة تقويمًا عاليًا، فمسح دموعه بمنديله. وتعانق العرب واليهود. وتعايشا بدموع الفرحة والامتنان والإنسانية. فأبلغوا رجال الصحف. فنشروا الخبر. وأذاعته الإذاعة. وكم من معلمة في روضة أطفال، في تلك الأيام المشهودة، روت هذه الحكاية على أطفال الروضة، عن شرطة إسرائيل التي تبحث عن كنوز الأمهات الثكالى العربيات وتبحث عن الأطفال اليهود الضائعين، ولا يغمض لها جفن.
                    ولكن، حين مدت الأم الثكلى (الثريا)، يدها لتطول مصوغات عرسها، ناولها رجل القيم على أراضي إسرائيل (شهادة بالذهب، وأخذ الذهب وذهب. وأما الثريا فأخذت (شهادة الذهب) وذهبت، عبر الجسور المفتوحة، راجعة لتسف الثرى في مخيم الوحدات ولتدعو بطول البقاء لذوي القربى ولأولاد عمهم.
                    أما أنا فقد علمتني التجارب ألاّ أحسن النية، وأن أبقي الطوية مطوية، علمًا بأن بطاقة اتحاد عمال فلسطين لا تنفعني إلاّ حين لا أنفع غيري، أو أن يعود النفع على الرجل الكبير، ذي القامة القصيرة، الذي لا ينفع أحدًا.
                    فلما نقلت متاعي من بيت إلى بيت أصلح للزوجية، من وادي النسناس في حيفا الذي لا يصلح لعشار البهائم، إلى شارع الجبل، ودفعت ثمن المفتاحية، أو خلو الرجل، حتى لم يبق معي ما أستأجر به دابة لنقل متاعي، فنقلتها راجلاً، إذا بسيارة تقف فجأة أمامي. فينزل منها تأبط شرًا. فيستل من تحت إبطه قلما وورقة ويقول:
                    - نحن (وهو وحده!) من الحارس على أملاك العدو.
                    فاستللت بطاقة اتحاد عمال فلسطين من جيب المؤخرة، وهتفت: نحن معكم!
                    قال: لا، لا. أريد شهادة تثبت أن هذا المتاع هو متاعك، ولم تسرقه.
                    فأسقط في يدي. فأعدت البطاقة إلى جيب المؤخرة. فأسقط في المؤخرة: متى حفظ الناس شهادات تثبت أن متاع بيتهم هو متاع بيتهم ولم يسرقوه? فخفت على بنطلوني.
                    قال: لا، لا. هذا متاع بيت عربي.
                    وكان هذا القول قولاً صحيحًا.
                    فقال: فقد أصبح ملك الدولة.
                    قلت: كلنا ملكها.
                    فلم ينج متاعي من ملك الدولة حتى استدعينا يعقوبا فأقنعه بأنني، أنا أيضًا، ملك الدولة. فحملت المتاع إلى بيتي الجديد وأنا غير مقتنع بأن الحارس كف شره عني. فكنت، كلما عسكر ليل، فطرق طارق بابي، أقوم مذعورًا وأنا أهجس بجاء الحارس ليضع اليد على متاعي.
                    فلما أشركتني شريكة حياتي، باقية الطنطورية، بسر كنزها، فأصبح سري الدفين، صار طرق ابن الجيران على الباب، ليدعونا إلى زفاف أخته، يلقينا من الفراش على أقدامنا مذعورين ونحن نتهامس: لقد علموا!
                    ولكنهم لم يعلموا.
                    حكاية السمكة الذهبية

                    فمنذ أن أصبح سر باقية سري، أصبحت الحذر مجسمًا يمشي على اثنتين. فلما أدركت أن الحذر هو من ذوات الأربع، رحت أمشي على أربع.
                    فلما أنجبت باقية طفلنا البكر، فأرادت أن تسميه باسم والدها النازح (فتحي)، فرفع الرجل الكبير، ذو القامة القصيرة، حاجبيه فوق المكتب تساؤلاً، سميناه (ولاء). ولما أدركت أن تحديد النسل هو من مقومات الولاء لم ننجب غيره. وكنت، كلما أثقل السر عليّ، أطلق لساني بإعلان الولاء في محله أو في غير محله. وكنت أعتبر نفسي باطنيًا حتى أرسلونا في وفد إلى أوروبا وحملونا قبعات (تمبل) لنهديها إلى إخواننا اليهود هناك، مع أحاديث اللبن والعسل وتزويج العوانس وإشفاء السرطان، فأهديتهم قميصي وبنطلوني وثيابي الباطنية. ولم أحتفظ إلاّ بسري الدفين.
                    وطول هذا الوقت كنت أختلي بباقية تغمغم همسًا بأحسن الطرق إلى انتشال الصندوق. حتى تواضعنا على كلام غريب لا يفهمه سوانا.
                    وكنت كلما وقفت أمام زملائي في الصنعة، فدهمني التفكير بالسر وشعرت به يحاول أن يقفز من عيني، أغمضهما حتى لا يقفز. حتى لبستني هذه الآفة، فصارت جفوني ترفّ، أغمضهما وأفتحهما. فقالوا: بالوراثة. فقلت: هذا جناه عليّ جدي لأبي. رحمهما الله. وما كنت كاذبًا.
                    ولما كان أكثر كلامنا أن في العجلة الندامة وفي التأني السلامة، فقد ظل (ولاء) يحبو متأنيًا حتى بلغ الرابعة من عمره. فاصطحبته إلى شاطئ الطنطورة إمعانًا في التعمية. وشجعته على صيد السمك.
                    وكنت، أجلسه على صخرة في لسان البحر. فيرسل خيطه. فأخلع ثيابي وأنزل البحر طالبًا منه أن يناديني إذا أقبل مقبل. ثم أسبح بعيدًا نحو الجزيرة القفراء الصغيرة، في عرض البحر أمام خرائب الطنطورة. فأغوص ما وسعني الغوص في كهف معتم تحت الصخر، في المكان الذي أرشدتني إليه باقية، فلا أجد سوى سمك يفر أو طحالب لاصقة. ولم أجرؤ على المضي بعيدًا في الكهف.
                    حتى أسمع بكاء ولدي ولاء، وقد استوحش. أو أسمع نداءه. فأخرج إلى السطح فأرى عاشقين يتعانقان على الشاطئ. فأعود أدراجي، ويمضيان في ذلك.
                    وكان ولاء يلح عليّ سائلاً: عمَّ تبحث يا أبي?
                    فأجيبه: عن السمكة الذهبية.
                    وأحكي له ما علق في ذهني من حكايات ألف ليلة وليلة. وأسرح به مع خيالي الباحث عن الكنز الذهبي منذ جدنا الأكبر، أبجر بن أبجر.
                    - فهل ستجدها يا أبي?
                    - إذا ثابرت على الغوص، ولم تفش السر، فسوف نجدها.
                    - فهل وجدها آخرون، يا أبي?
                    - لا بد أن يكون آخرون وجدوا سمكاتهم الذهبية.
                    - فإذا وجدناها، ماذا سنفعل بها، يا أبي?
                    - مثلما فعل بها الآخرون.
                    - فماذا فعل بها الآخرون، يا أبي?
                    - لم يطلعوني على سرهم.
                    فكان ينصرف إلى ما هو فيه من لهو أو من صيد. أو كان يعلن أنه يرغب في العودة إلى البيت. فنعود.
                    وما كنت أعلم أنه يعود لكي يختلي بوالدته. حتى أقبل يوم اقتعدنا فيه هذه القعدة على شاطئ الطنطورة فإذا به يفاجئني بالسؤال:
                    - لماذا، يا أبي، تخاف من أن يراك الناس وأنت تبحث عن السمكة الذهبية?
                    - حتى لا يسبقوني إليها.
                    - فإذا وجدتها، يا أبي، وعلمت الحكومة بالأمر، هل ستأخذها منا كما أخذت الطنطورة من جدتي ومن جدي?
                    - من أدخل هذه الأفكار إلى رأسك، يا ولد?
                    - ماما?
                    وفي تلك الليلة بقينا نتشاجر همسًا، باقية وأنا، كي أقنعها بأن تبقي الكنز سرًا عن ثالثنا، وأن نعلمه أن لا يفرط في كلامه، وأن يحبس لسانه، وأن يحذر الحذر كله، وألا يتكلم في هذه الأمور إلاّ همسًا، حتى طلع الفجر.
                    فما انتبهنا إلاّ وهو يدخل علينا، يمشي على رؤوس أصابعه، ويضع سبابته النحيلة على شفتيه المزمومتين، وهو يهمس:
                    - جاءت اللبانة!


                    يتبع
                    sigpic

                    تعليق

                    • ربيع عقب الباب
                      مستشار أدبي
                      طائر النورس
                      • 29-07-2008
                      • 25792

                      #11
                      بحث عجيب في الخيال الشرقي وفوائده الجمّة

                      لا لا، يا معلم. ليست حكاية السمكة الذهبية. وليست غيرها من حكايات ألف ليلة وليلة، هي السبب في ضياع ولدي، وحيدي، ولاء. فلو انطلق هذا الخيال الشرقي المكبوت، الذي تنفس بألف ليلة وليلة، لعانق النيرين.
                      ما قولك بالفلاح المسكين، الذي خاف على عروسه من كلام الناس، فوضعها في صندوق حمله فوق ظهره وقام يحرث أرضه وهي فوق ظهره يومًا يومًا.
                      فلما التقاه الأمير بدر الزمان، فسأله عن سبب هذا الصندوق محمولاً فوق ظهره، فأخبره، فأراد الأمير أن يرى بعينيه، فأنزله وفتحه، فإذا بعروسه مضطجعة، في الصندوق فوق ظهر زوجها، مع الشاب علاء الدين، أليس في الأمر عبرة يعتبرها مصدقو النهاشات في الأعراض، المحمولات، صونًا، على ظهور رجالهن في صناديق?
                      ولولا هذا الخيال الشرقي هل استطاع عربك، يا معلم، أن يعيشوا في هذه البلاد يومًا واحدًا? فأنت، في كل سنة في عيد الاستقلال، ترى العرب يرفعون أعلام الدولة ابتهاجًا، أسبوعًا قبل العيد وأسبوعًا بعد العيد. وتتزين الناصرة بأكثر مما تتزين تل أبيب من أعلام خافقات. وفي وادي النسناس، بحيفا، حيث تآخي العرب واليهود الفقراء، يعرف بيت العربي من بيت جاره اليهودي بأعلام الدولة الخفاقة فوق بيت العربي فحسب. أما بيت اليهودي فحسبه أنه يهودي. وكذلك السيارات في عيد الاستقلال، تعرف قومية صاحبها بأعلامها الخفاقة. فلما سألت أحد أبناء قومي عن السر في هذا الأمر، أجاب: خيال يا أخ! هؤلاء أوروبيون خيالهم باهت، فنرفع الأعلام حتى يروا بعيونهم.
                      قلت: فلماذا لا يرفعون الأعلام هم أيضًا?
                      قال: خيال، أيضًا، يا أخ! هم يعرفون أن خيالنا شرقي، نفاذ، نرى به ما لا يرى. فنرى الأعلام وهي مطوية في الصدور. ألم يحاول المرحوم أشكول أن يحول الحكم العسكري إلى شيء يرى ولا يرى، فرأيناه، على الرغم من ذلك، في أوامر الإقامة الجبرية وفي أخاديد الجروح في خدودنا? خيال، يا محترم.
                      والشاب العربي، الذي صدم بسيارته سيارة أخرى في شارع ليلينبلوم في تل أبيب، ما كان ينقذه سوى خياله الشرقي? نزل من سيارته وهو يصرخ: عربي، عربي! فتلهى الناس بضرب الضحية حتى ولّى أخونا الأدبار.
                      والندل شلومو، في أفخم فنادق تل أبيب، أليس هو سليمان ابن منيرة، ابن حارتنا? ودودي، أليس هو محمود? وموشى، أليس هو موسى بن عبد المسيح? فكيف لا يرتزق هؤلاء، في فندقِ أو في مطعم أو في محطة بنزين، لولا الخيال الشرقي وحكاية السمكة الذهبية، وجبل المغناطيس، في وسط البحر الهائج، فلا تستطيع أن تشق عبابه بقاربك إلاّ إذا امتنعت عن ذكر الله، سبحانه وتعالي، على لسانك مهما يمج الموج وتعصف العاصفة?
                      وهل غير ألف ليلة وليلة نفع تلك القرية الصغيرة الخربة الوادعة، بالقرب من باقة الغربية في المثلث الصغير، حين جاءوا إليها في الانتخابات الثالثة وأمروها أن تمنع الشيوعيين، بالقوة، من عقد اجتماعاتهم في القرية وإلا فسوف يشردونهم، بالقوة، عبر الحدود?
                      فلما أرسلني يعقوب إلى القرية، قبيل موعد الاجتماع بساعة، لأستطلع الأمر ولأضمن تنفيذ الضرب، دخلت القرية فما التقيت إنسانًا. فتنقلت بين بيوتها. فإذا أبوابها مفتوحة. فدخلت البيوت من أبوابها المفتوحة. فما وجدت حيًا سوى دجاجات سائبة. وأما الكلاب فأقعت في القيلولة.
                      فرحت أمشي مذهولاً، أتصورني الأمير موسى وقد دخل مدينة النحاس المسحورة، فإذا (لا حس فيها ولا أنيس. يصفر البوم في جهاتها. ويحوم الطير في عرصاتها. وينعق الغراب في نواحيها وشوارعها ويبكي على من كان فيها)
                      حتى سمعت سعالاً في بيت من الطين. فولجته فإذا شيخ ضرير مقعد. فلما سمع وقع أقدامي قال: هل جئتم، يا شوعة?
                      قلت كاذبًا: جئنا. فأين أهل البلد?
                      قال: خرجوا جميعًا إلى تلة قريبة ليكفوا شر الحاكم وشركم عن هذه القرية. فاخرجوا، يا بني، فيعود أهلها إليها.
                      ولما استوضحته الأمر أبلغني أنهم اجتمعوا شورى بينهم فقالوا: لا نعرف هؤلاء الشوعة ولا يعرفوننا.. وليس بيننا وبينهم دم ولا ثأر. فإذا أراد الحاكم قتلهم فهو أولى بذلك منا وأقدر عليه. وإذا لم نقتلهم قتلنا الحاكم. فقرروا أن يهجروا القرية حتى ينقضي النهار.
                      قال: أما أنا فبقيت لأن العمى قتلني. فلا أَقتُل ولا أُقْتَل. فاذهب، يا بني، حتى ينقضي اليوم على خير.
                      فمضيت إلى يعقوب بهذه البشارة. فصاح في وجهي: يا حمار. لقد فعلوها وأنت تحسبها بشارة? كل ما أردناه أن يفصل الدم بينهم، لا التلة!!
                      ولم أكن أحسبها بشارة بل أردت له أن يتوهم أنني أحسبها بشارة. أما ما كنت أفكر به فهو ما كان الأمير موسى يفكر به وهو يقرأ ما كان منقوشًا على لوح الرخام الأبيض الأول في مدينة النحاس الميتة:
                      (أين ملك البلاد، وأذل العباد، وقاد الجيوش?.. نزل بهم، والله، هازم اللذات ومفرق الجماعات ومخرب المنازل العامرات. فنقلهم من سعة القصور إلى ضيق القبور)، ثم وهو يقرأ ما كان منقوشًا على اللوح الثاني:
                      (أين الملوك الذين عمروا العراق، وملكوا الآفاق. أين من عمروا أصفهان وبلاد خراسان? دعاهم داعي المنايا، فأجابوه. وناداهم منادي الفناء، فلبوه. وما نفعهم ما بنوا وشيدوا. ولا رد عنهم ما جمعوا وعددوا)
                      ولكنني لم أكن أبكي كما بكى الأمير موسى.
                      وهذا كان حالي حين كنت أقضي حاجة في المحكمة العسكرية بالناصرة. فإذا بطفل في العاشرة من عمره يخرج إلى الباحة مذعورًا يسأل الرجال عن أمر. فأشاروا صوبي. وكانوا يعرفون صنعتي وبطاقتي. فأقبل عليّ الولد وهو يقول: الحاكم يطلبك. فهرولت إلى القاعة مرفوع الرأس أن الحاكم يطلبني، فإذا المحكمة معقودة. وإذا الطفل يقول: هذا، يا سيدي، من أقربائي. فبهت، فنطق بالحكم عليّ بالسجن ثلاثة أشهر أو بفدية خمسين ليرة. كيف? قيل: لأن الطفل، الذي ادّعى قرابتي، سافر إلى حيفا بدون إذن عسكري بالسفر إلى حيفا. وحيث إن أصول الديمقراطية تحول دون حبس الطفل فقد قرروا حبسي
                      فلما صحت أنكر قرابته ألقى الحاكم على الحضور محاضرة في رغبة الدولة في أن يتحلى رعاياها العرب، هم أيضًا، بالشجاعة الأدبية، وفي الدولة تحترم الذين لا يتنكرون لذوي القربى.
                      فلما أشهرت بطاقة اتحاد عمال فلسطين زجرني وقال: سأحيل أمرك على رؤسائك كي يعلموك الشجاعة.
                      فنقدتهم خمسين ليرة وخرجت شجاعًا.
                      فبحثت عن الولد، قريبي، فإذا هو بين الرجال واحدًا منهم وقد ضحك ضاحكهم وقال: خيال، يا محترم، خيال!
                      أما خيال ولاء، ابني ووحيدي، فقد وجد متنفسًا آخر.
                      حادث أصعب على التصديق من الموت على الأحياء

                      ذلك أننا انشغلنا عن وحيدنا ولاء بصون السر وبالبحث عن الكنز في أعماق البحر، في خفاء أعمق منه غورًا.
                      حتى أصبح شابًا يافعًا غريب الأطوار. لا يتكلم إلاّ مضطرًا. فإذا تكلم انتشر كلامه انتشار غيوم الصيف التي تتخيلها كما يعن على بالك: رؤوس حيوانات، أو فوارس على أفراس وهي تشن الغارة، أو ملاك مسجى تحت قدمين.
                      فأقبل ذلك اليوم المشؤوم، من الخريف الأخير قبل الخريف الحزيراني المقيم. فإذا بضوضاء وجلبة تدهمني من كل جانب. وإذا بعسكر كثير يدخلون علىّ في مكتبي. وقد أشرعوا سلاحهم الناري. وعلى رأسهم الرجل الكبير وقد خلع نظارتيه السوداوين ولبس وجهًا أشد سوادا من القطران. وهو ينفض أطرافه وجوانحه. ووقف وراءه معلمي يعقوب، وقد طأطأ رأسه. ووراءهما وحواليهما العسكر. فأقعدتني المفاجأة عن القيام وأنا أحسب أن القيامة قامت.
                      وزاغت أبصاري، فرأيت صفوفًا متراصة من الرؤوس تتراقص في جدران الغرفة وعلى أرضها. وكنت أرى هذه الرؤوس تتسرب من بين أصابع يدي، المشلولتين فوق المكتب. وكانت هذه الرؤوس تفغر أفواهها وتصرخ في وقت واحد بكلام لم ألتقط منه سوى شتائم عربية، أضحكتني صياغتها غير المألوفة، فضحكت، فأضحكني ضحكي، فأغربت بالضحك حتى تقطعت خواصري. ولم أثب إلى رشدي إلاّ بعد أن وثبوا عليّ فطرحوني أرضًا فاقد الرشد.
                      وظللت فيما يشبه الغيبوبة وهم يحاولون أن يهزوا دماغي المهزوز برواية أصعب على التصديق من الموت على الأحياء:
                      ولاء، ابني وحيدي، هذا الشاب الحيي الضئيل، الذي يأكل القط عشاءه، أصبح فدائيًا وأعلن العصيان المسلح على الدولة!
                      وأنا المسؤول. وتلك الحية الرقطاء، الطنطورية، التي كان يجب أن ترحل مع أهلها، مسؤولة. ومعلمي يعقوب مسؤول. هذا الحمار الذي أعماه شرهه الشرقي، إلى طعامي الشرقي، عن واجب اليقظة. ولا ريب أننا تآمرنا، (كلكم، كلكم)، على الرجل الكبير، ذي القامة القصيرة، حتى نخرب بيته. (ولكنني سأخرب بيتكم)!
                      أما الدولة فتعرف كيف تحفظ أمنها، وتضرب حتى لات ساعة مندم.
                      فقد استطعت أن أجمع، بين الشتيمة والشتيمة والغيبوبة والغيبوبة، شتات رواية أشبه بحكايات المردة والجن والعفاريت، عن حياة أخرى من حيوات وحيدي ولاء.
                      أنه أنشأ، مع اثنين من زملاء الدراسة، خلية سرية. فانتشلوا من كهف، في غور صخري في بحر الطنطورة المهجور، صندوقًا محكم الصناعة والإقفال، لا يدخله ماء ولا تناله رطوبة، فيه سلاح وفيه ذهب كثير.
                      - باقية، يا باقية، أهذا ما اتفقنا عليه?
                      - سعيد، يا سعيد، أولادنا آمالنا!
                      فاشتروا سلاحًا وذخيرة ومتفجرات. وأقاموا مخزنًا وموئلاً سريًا في قبو مهدوم ومهجور في خرائب الطنطورة. فأرسلوا أحدهم إلى لبنان حتى يقيم الصلة بالفدائيين.
                      قال الرجل الكبير: فوصلناه بأيدينا. أمسكنا به وبالآخر.
                      أما ولاء فالتجأ إلى الموئل في القبو، وقد أجمع أمره على أن يموت شهيدًا.
                      - فجئناك يا سعيد، يا ابن النحس، يا ابن المتشائل، كي تقوم وتمضي إليه فتقنعه بأن يرجع عما هو مقدم عليه من انتحار صبياني، شفقة بك وبأمه. ولم نأتك إلاّ لأنك رجلنا. فنريد أن نخدمك كما خدمتنا.
                      قم إلى بيتك فاصحب أمه، الطنطورية، وامضيا إلى خرائب الطنطورة قبل أن تصبح حياتكم كلها خربة واحدة. فإذا سلم منحناه الحياة، من أجل خاطرك. فإذا أبى إلاّ أن يفضحنا متم.
                      فلما لم أستطع القيام على رجلي، حملوني حملاً، فتحاملت باقية على نفسها وعلى دموعها. ولم أشأ أن أعاتبها صونًا للسر، حتى ألقوا بنا على شاطئ الطنطورة. ووقف العسكر بعيدًا. وكانت الشمس ترنو إلى المغيب في أمسية جف ريقها وحنا شفقها علينا شفقة.
                      آخر الحكايات حكاية السمك الذي يفهم كل اللغات

                      ظل ما حدث في تلك الأمسية الخريفية، على شاطئ الطنطورة المهجور، سرًا مصونًا من أسرار الدولة حتى يومنا هذا. ولكنني لا أعتقد أنهم سيحولون بينك وبين إذاعته بعدما جري منذ حزيران.
                      ولا أعلم ما دونوه في دفاترهم المحفوظة عما جرى في تلك الأمسية: أما ما حفظته في صدري ولا أنساه جملة وتفصيلاً، فهو ما يلي:
                      وقفنا أمام القبو الخرب، الذي قالوا أن (ولاءً ) مختبئ فيه بأسلحته ومتفجراته، فتكلمت (باقية):
                      - دعني له، فأنا أمه. ولم أحمله جنينًا فقط بل حملته سري، وحملته أملي.
                      فانتحيت جانبًا وجلست على سور متداعٍ أنظر إلى البحر الساكن فلا أرى، وأنظر إلى الشمس الغاربة فأشعر بالغربة.
                      واقتربت أمه من القبو المهجور، خطوة، ثم اقتربت منه خطوة أخرى، ثم نادت عليه:
                      - ولاء، يا ولاء. بني لا تطلق الرصاص فأنا أمك! فأطبق صمت.
                      - لا جدوى من المقاومة، فقد كشفوا أمرك.
                      فأتانا صوته، وقد جعله العمق أجش، وهو يتكلم، كعادته، مضطرًا:
                      - كيف?
                      - هم أرشدوني إلى مخبئك.

                      - لست بمختبئ، يا أماه. إنما حملت السلاح لأنني مللت اختباءكم. فأطبق صمت.
                      حتى عاد صوته يأتينا من الأعماق. فعجبت لهذا الصوت العميق كيف يحتويه صدره الضامر:
                      - يا امرأة، يا التي هناك، من أنت?
                      - أمك أنا يا ولاء، فهل ينكر الولد أمه?
                      - أمي، وتجيء معهم!
                      - بل أرسلوني، مع والدك، وحدنا يا ولاء... ها هو جالس على بقية سور ينتظر إنقاذ بقيته.
                      - فلم لا يتكلم?
                      - إنه لا يحسن الكلام.
                      فتنحنحت.
                      - ما الذي جاء بك، يا أماه?
                      - أرسلوني كي أقنعك بأن تلقي سلاحك، فتخرج إلينا، فتسلم.
                      - لماذا?
                      - قالوا: رحمة بي وبأبيك.
                      - قه، قه، قه..
                      - أتطلق الرصاص على البطن الذي حملك?
                      - بل أقهقه، يا أماه. أرأيت كيف أصبحوا يتحدثون عن الرحمة. فكيف بهم إذا لعلعت?
                      فتنحنح العسكر.
                      - ولكنهم لا يرحمون أحدًا يا ولدي.
                      - فخفتهم?
                      - خوفي عليك يا ولاء.
                      فأطبق صمت، حتى عادت تناديه:
                      - ولاء يا ولدي، ألق سلاحك واخرج!
                      - يا امرأة، يا التي جئت معهم، إلى أين أخرج??
                      - إلى الفضاء الرحب يا بني. كهفك ضيق، مسدود كهفك. وسوف تختنق فيه.
                      - أختنق?.. أتيت إلى هذا الكهف كي أتنفس بحرية. مرة واحدة أن أتنفس بحرية!
                      في المهد حبستم عويلي. فلما درجت أبحث عن النطق في كلامكم، لم أسمع سوى الهمس.
                      في المدرسة حذرتموني: احترس بكلامك! فلما أخبرتكم بأن معلمي صديقي، همستم: لعله عين عليك! ولما سمعت حكاية الطنطورة، فلعنتهم، همستم في أذني: احترس بكلامك!
                      فلما لعنوني:
                      احترس بكلامك!
                      وحين اجتمعت بأقراني، لنعلن إضرابًا، قالوا لي، هم أيضًا: احترس بكلامك!
                      وفي الصباح، قلت لي، يا أماه: إنك تتكلم في منامك، فاحترس بكلامك في منامك!.. وكنت أدندن في الحمام، فصاح بي أبي: غيِّر هذا اللحن. إن للجدران آذانًا، فاحترس بكلامك!
                      احترس بكلامك! احترس بكلامك!
                      أريد ألاّ أحترس بكلامي، مرة واحدة!
                      كنت أختنق!
                      ضيق هذا الكهف يا أماه، لكنه أرحب من حياتكم!
                      مسدود هذا الكهف يا أماه، ولكنه منفذ!
                      فأطبق صمت حتى سمعنا صليل أسلحة من بعيد، فهتفت به أمه:
                      - منفذ?
                      الموت ليس منفذًا بل نهاية.
                      ليس في حياتنا ما يعيب حياتنا. فإذا استترنا فعلى أمل الخلاص استترنا. وإذا احترسنا فحرصًا عليكم.
                      أي عيب في الخروج إلينا، إلينا نحن يا ولاء، أبيك وأمك. وحيدًا لا تقدر على شيء.
                      - أقدر عليكم.
                      - لسنا أعداءك.
                      - لستم معي.
                      - بني، احترس..
                      - قه، قه، قه.. قوليها، يا أماه: احترس بكلامك! لقد أصبحت حرًا!
                      - حرًا..
                      كنت أعتقد أنك حملت السلاح لتنتزع حريتك!..
                      فأطبق صمت حتى سمعتها تقهقه:
                      - لو كنا أحرارًا، يا ولدي، ما اختلفنا. لا أنت تحمل سلاحًا ولا أنا أدعوك إلى احتراس. إنما نحن نسعى في سبيل هذه الحرية.
                      - كيف?
                      - مثلما تسعى الطبيعة في سبيل حريتها. فالفجر لا يطلع من ليله إلاّ بعد أن يكتمل ليله. والزنبقة لا تبرعم إلاّ بعد أن تنضج بصلتها. الطبيعة تكره الإجهاض يا ولدي.
                      والناس لا يتحملون ما أنت مقدم عليه.
                      - سأتحمل عنهم حتى يتحملوا عن أنفسهم.
                      - ولدي، ولدي،
                      هل هناك أجمل من وردة في عروة شاب? ولكن أمها لا تستطيع أن تمدها بالغذاء. دعني أضمك إلى صدري.
                      فأطبق صمت، حتى سمعته يتأوه:
                      - أماه، أماه، حتى متى ننتظر برعمة الزنابق?
                      - لا تنتظر يا بني. إنما نحن نحرث ونزرع ونتحمل حتى يحين الحصاد.
                      - متى يحين الحصاد?
                      - تحمل!
                      - تحملت عمري.
                      - فتحمل!..
                      - سئمت خنوعكم.
                      - لدينا فتية وفتيات لم يخنعوا. فاحذُ حذوهم! تحملوا أطول ليل، فحملوا الشمس فوق جباههم. ما استطاعوا إخراجهم من أرض إلاّ إلى زنزانة. وما هدموا عليهم بيتًا إلاّ بعد أن هدموا عليهم أسطورة..إنك يائس، يا ولدي.
                      - لا أرى حولي سوى الظلام.
                      - في الكهف.
                      - حياتي كلها كهف.
                      - فأنت لا تزال في البصلة تتبرعم. اخرج إلى نور الشمس!
                      - أين مكاني تحت الشمس?
                      - تحت الشمس.
                      - الدنيا بخير، يا ولدي. فكم من شعب انتزع حريته. وسيأتي موسمنا.
                      - أتظلين تحلمين بالجزر السبع وراء البحيرات السبع?
                      - إنها جزرنا وبحارنا.
                      والسندباد، يا ولاء، كف عن رحلاته، وصار يبحث عن الكنوز في تراب أرضه.
                      - حياته على أرضه لا تطاق.
                      - حين تصبح الحياة أرخص من الموت يصبح ما أصعب من بذلها أن نعض عليها بالنواجذ.
                      - ستموتين يا أماه، دون أن يعود أهلك.
                      - قبل أن يعود أهلي!
                      - كيف?
                      - الزمن. دع الزمن يزمن.
                      - قه، قه، قه.
                      - أترميني بالرصاص? أتقتل التي خلفتك?
                      - بل الزمن يقتل التي خلفتني ويقتلني.
                      - لا تستخف بالزمن، يا ولاء. فبدونه لا ينبت زرع فنأكل.
                      ولا تطلع شمس بعد مغيب..
                      فهل جاء?
                      - سيجيء.
                      ولا يخرج سجين من سجنه.
                      - فهل خرج?
                      - سيخرج.
                      ولا تعبر تجربة حتى يتعظ الناس.
                      - فهل اتعظوا?
                      - هل تريد لجيل واحد أن يحسم في الأمر?
                      - جيلي
                      - لماذا?
                      - لأنه جيلي.
                      - بأي سلاح يحارب جيلك?
                      فأطبق صمت.
                      حتى سمعتها تسأله، مثلما كانت تسأله، وهو طفل، أن يقبلها:
                      - أي سلاح في يدك الآن يا ولاء?
                      - رشاش قديم من الصندوق.
                      فرأيتها تندفع راكضة نحو القبو المهجور، ويداها ممدودتان على جانبيها، كجناحي طير يسرع إلى عشه ليحمي جوازله، حتى كادت تغيب في فتحته المعتمة. وإذا به يصيح فيجمدها في مكانها:
                      - إنهم قادمون وراءك، يا أماه. فهل تحمينهم بحبي?
                      - لا يا ولاء، يا ولدي، بل آتية أنا إليك. ففي الصندوق رشاش آخر. وسأحميك بحبي.
                      وما أن غابت عن ناظري حتى اختلط الحابل بالنابل. ولم أعد أميّز الأشباح المندفعة من هنا ومن هناك. وقد تركوني لحالي. فما كنت أسمع سوى صراخ مكبوت وأوامر مبحوحة. وكنت أتقدم، ثم كنت أتأخر. وكنت أدور على نفسي. وأسمع شتائم ولكنها لم تكن موجهة إلى شخصي.
                      وفيما يشبه الحلم، وقد غابت النجوم وكلح وجه القمر، رأيتهم يندفعون نحو البحر، فأسمع طشًا وأحس برش، وقائلاً يقول: غطسا هنا. وآخر يقول: من هنا. ولا أرى الرجل الكبير بل أسمع صوته يمنعهم عن إطلاق أية رصاصة، ويحثهم على الغوص.
                      ولم أكن موجودًا حين أحضروا الكشافات والضفادع البشرية. فقد تأبطني معلمي يعقوب، الذي وقف إلى جانبي، وأعادني في سيارته إلى بيتي المقفر.
                      وعادني، في اليوم التالي، وأمرني أن أبقي ما حدث سرًا مكتومًا فيعفي عني وأعود إلى عملي.
                      - بعد أن قتلتموهما?
                      فأخبرني، وأنا مذهول بين مصدق ومكذب، إنهما استطاعا الفرار ولم يعثر لهما على أثر.
                      وقال إنهما شوهدا يتجهان نحو البحر، الأم وولدها، هذه تحتضنه وهو يدعمها، حتى غاصا في البحر. ففوجئ العسكر بالأمر. ولكن الرجل الكبير منعهم عن إطلاق الرصاص حتى لا ينتشر الخبر. وهو موقن أنه سيلقي عليهما القبض، أو أن يموتا غرقًا. إلاّ أن البحث عنهما، في الليل ثم في النهار، لم يكشف عنهما حيين، ولم يكشف عن جثتيهما. فبقي مصيرهما سرًا غامضًا. ثم قال: ويجب أن يظل سرًا مصونًا من أسرار الدولة.
                      وكان يعقوب، في الأيام الأخيرة، شفوقًا بي. ولكنني لم أشأ أن أطلعه على ما أعلمه عن الكهف في جوف الصخر في قاع البحر. وكنت أعتقد أنهما قررا الموت فيه.
                      وكم من مرة حاولت أن أستجلي الأمر، فلا تطاوعني نفسي. فإن بارقة أمل، بأنهما على قيد الحياة، خير من أن أغرق هذه البارقة.
                      وكنت أذهب إلى شاطئ الطنطورة، وقد أصبح عامرًا بالمستحمين، فأقعد قعدة ولاء على صخرته في لسان البحر، وأرسل خيطي، وأناديه بقلبي أن يرد عليّ.
                      فإذا بطفل يهودي وقد قعد إلى جانبي دون أن ألحظه يفاجئني بالسؤال: بأية لغة تتكلم يا عماه?
                      - بالعربية.
                      - مع من?
                      - مع السمك.
                      - والسمك، هل يفهم اللغة العربية فقط?
                      - السمك الكبير، العجوز، الذي كان هنا حين كان هنا العرب.
                      - والسمك الصغير، هل يفهم العبرية?
                      - يفهم العبرية والعربية وكل اللغات. إن البحار واسعة ومتصلة. ليس عليها حدود وتتسع لكل السمك.
                      - أوي فافوي
                      فيناديه والده فيخف إليه. فأسمعهما يتحدثان، فأهش فيهما وأبش. فيحسبني الطفل سيدنا سليمان ويشيران نحوي. فيبتسم والده. فيمران قريبًا. فأكبر في عينيه حتى يصر على البقاء معي، فأعطيه من صيدي سمكة صغيرة. فيحدثها ولا تتكلم. فأقول له: إنها لا تزال صغيرة. فيرمي بها إلى البحر كي تكبر وتتعلم النطق. فأقول في نفسي: لو بقي الناس أطفالاً لما كبر ولاء ولما ضاع. ألم يكن الرجل الكبير في يوم من الأيام، طفلاً صغيرًا?
                      ولقد عشت فيما بعد شهورًا وأنا موقن بأن إشارة ستأتيني منهما. فلا يطرق طارق بابي حتى أقوم ملهوفًا: لعله منهما.
                      ولما سمعت أن من بين كتائب الفدائيين كتيبة باسم الطنطورة، أخذت أقفل النوافذ وأستلقي على فراشي وأنا أحتضن الترانزستور. حتى أقبل اليوم الخامس من حزيران فسمعت في ليلته الطويلة صوتًا جهوريًا يصرخ من تحت:
                      - أطفئ الضوء، أطفئ الضوء! فأطفأته ولم أنم .
                      الكتاب الثالث يعاد الثانية
                      صدرت في أواسط 1974
                      سعيد يجد نفسه فوق خازوق بلا رأس

                      كتب إليّ سعيد أبو النحس المتشائل، قال: جاءت النهاية حين استيقظت في ليلة بلا نهاية. فلم أجدني في فراشي. فزارتني البردية. فمددت لها يدي أبحث عن سترة فإذا بها تقبض ريح.
                      رأيتني جالسًا على أرض صفاح. باردة مستديرة. لا يزيد قطرها على ذراع. وكانت الريح صرصرًا والأرض قرقرًا. وقد تدلت ساقاي فوق هوة بلا قرار كما تدلّى الليف في الخريف. فرغبت في أن أريح ظهري. فإذا بالهوة من ورائي كما هي الهوة من أمامي وتحيط بي الهوة من كل جانب. فإذا تحركت هويت. فأيقنت أني جالس على رأس خازوق بلا رأس.
                      فصرخت: النجدة! فجاءني بها رجع الصدى واضحة حرفًا حرفًا، فعلمت أنني جالس على علو شاهق. فرحت أسلي وحشتي بمجاذبة الصدى أطراف الحديث. فكان الحديث طريفًا حتى افترت الهوة عن ابتسامة فجر أغبر كأنها العبوس.
                      فماذا أنا فاعل?
                      فناديت عليّ قائلاً: هدئ من روعك، يا ابن النحس، واجعل أمرك شورى مع عقلك. فما الذي وضعك هذا الموضع، وهل من المعقول أن تنام في فراشك مساء فتستيقظ فإذا أنت على خازوق? تأبى هذا الأمر نواميس الطبيعة وأحكام المنطق. فأنا، إذن، في حلم لا غير على الرغم من أنه حلم طويل.
                      فما بالي أظل قاعدًا على هذا الخازوق، تحزمني البردية ثم تنشرني لا ستر ولا ظهر ولا أنيس، ولا أنزل?
                      هذا خازوق في كابوس لا محالة. كابوس عن خازوق. فإذا نزلت عن الأخير نفضت الآخر عن صدري فأعود إلى فراشي وأتغطى وأتدفأ. فكيف أتردد? أخوفًا من أن أهوي من هذا العلو الشاهق إلى قاع الهوة، كبطة أردتها رصاصة صياد بط، فأتوجع فأموت?
                      ولكن موضعي هذا هو موضع الوهم على خازوق الوهم. فهو فيما يراه النائم من أحلام تخالف نواميس الطبيعة وأحكام المنطق. فهيا، هيا احتضن هذا الخازوق بساعديك وبساقيك وبكل ما فيك من عزم وحزم وإرادة شديدة عند الشدة، ثم اهبط عليه وئيدًا كالسنجاب.
                      فأزمعت أمري. فحركت ليفتيّ المتدليتين أتحسس صفحته فإذا بها ملساء كجلد الثعبان باردة مثل بروده. فأيقنت أنني لن أقوى على التشبث بهذا الثعبان. وإذا نزلت عليه فأنا واقع لا محالة في القاع، فأدق عنقي فأتوجع فأموت. فأمسكت.
                      واتتني حكاية الساحر الهندي الذي ينصب الحبل فيظل يرتفع في السماء حتى يغيب رأسه في الغيم فيصعد عليه حتى يغيب ثم يعود ويهبط عليه فلا يتأذي بل يسترزق. ولكنني قلت: ما أنا بساحر هندي بل مجرد عربي بقي، سحرًا، في إسرائيل.
                      فأردت أن أصرخ: أنا في كابوس! ثم أن أقفز، فلا يمكن أن أموت!
                      ولقد صرخت. إلا أنني لم أقفز. فإذا كان موضعي هذا هو موضع الوهم فوق خازوق الوهم، وفيما يراه النائم في منامه من حلم أو من كابوس، فلن يدوم الأمر طويلاً قفزت أم قعدت. وسوف أستيقظ، لا محالة، فأجدني في فراشي متغطيًا متدفئًا. فما حاجتي، إذن، إلى مسابقة الساعات، وربما الدقائق والثواني، حتى لحظة اليقظة الآتية لا محالة?
                      ما حاجتي إلى القفز إذا كان القعود سيقودني إلى النتيجة نفسها?
                      وهزتني قشعريرة من البردية كادت أن تلقيني من فوق الخازوق لولا قشعريرة خاطر لم أستطع أن أكفه عني:
                      فكيف إذا كان هذا هو حقيقة وليس فيما يراه النائم من حلم أو من كابوس? أما القول بأنه مخالف نواميس الطبيعة وأحكام المنطق فلا يكفيني برهانًا على أنه غير حقيقي. ألم تبحث عائلتي، عائلة المتشائل عن السعادة طي القرون في عجائب خارجة عن نواميس الطبيعة وعن أحكام المنطق? وإذا ظل أجدادي يدكون أعناقهم وهم يبحثون تحت أرجلهم عن الكنوز المطمورة، فها أنا قد وجدت ضالتي، وأنا أنظر فوق رأسي، في إخوتي الفضائيين الذين أعادوا إلى نفسي الطمأنينة فكيف ينتظر مني، من دون آبائي وأجدادي، وأنا فوق هذا الخازوق بالضبط، أن أسلم أمري إلى نواميس الطبيعة وأحكام المنطق?
                      ولقد بقيت على هذه الحال أترنح بين قشعريرة وقشعريرة، بردية تقيمني ومحتد عريق يقعدني، حتى التقيت (يعاد) مرة ثانية فشعرت بالدفء لأول مرة منذ ألف عام!
                      كيف أصبح علم الاستسلام، فوق عصا مكنسة،
                      علم الثورة على الدولة?

                      التقيت (يعاد) فيما يكون فيه اللقاء في إسرائيل - في السجن. والأصح أنني كنت خارجًا منه. أما كيف دخلت السجن فذلك حين أفرطت في الولاء حتى أصبح، في عرفهم، تفريطًا.
                      وذلك حين كنت أستمع، في ليلة من الليالي الست العفريتية، إلى الإذاعة العربية من محطة إسرائيل احتراسًا، فأتاني صوت المذيع وهو يدعو العرب المهزومين إلى رفع أعلام بيضاء فوق أسطحة منازلهم فيوفرها العسكر المارقون مروق السهام. فينامون في بيوتهم آمنين. فاختلط عليّ أمر هذا الأمر: أيهم يأمره المذيع - مهزوم هذه الحرب أم مهزوم رودس? قلت: انهزم أسلم عاقبة! وأقنعت نفسي بأنه إذا ظهر خطئي حملوه على حسن نيتي وبياض طويتي. فصنعت من بياض فراشي علمًا أبيض علقته على عصا المكنسة ونصبتهما على سطح بيتي، في شارع الجبل في حيفا، ولاء الإفراط في الولاء للدولة.
                      ويا دلالة على من تدلين! فما أن أشرف على الناس هذا الشرشف حتى شرفني معلمي يعقوب بزيارة عاطل، أي خلوًا من السلام عليكم. فلم أرد التحية. وكان يصرخ: أنزله يا بغل!
                      فأنزلت رأسي حتى لامست قدميه وأنا أقول: هل عينوك ملكًا على الضفة يا صاحب الجلالة?
                      فأخذ يعقوب بتلابيبي - أي ببجامتى - وراح يدفعني على الدرج نحو السطح وهو يشنشن: الشرشف، الشرشف! حتى بلغنا موضع المكنسة، فانتزعها، فحسبت أنه يريد أن يضربني بها، فتعاركنا راقصين رقصة العصا حتى تهاوى على حافة السطح وهو يبكي ويقول: رحت يا صديق العمر ورحت معك!
                      فقلت إنني رفعت الشرشف على عصا المكنسة ملبيًا أمر المذيع من محطة الإذاعة الإسرائيلية. قال: حمار، حمار!
                      قلت: ما شأني إذا كان حمارًا? ولماذا لا تستخدمون مذيعين سوى الحمير?
                      فأفهمني أن المعني بالحمار هو أنا. أما مذيعو القسم العربي في محطة الإذاعة الإسرائيلية فكلهم عرب. ولذلك أساؤوا صياغة النداء فالتبس الأمر عليك، يا أحمق!
                      فدافعت عن بني قومي، الذين يعملون في محطة الإذاعة، قائلاً: ما على الرسول إلاّ البلاغ. يهتفون بما يلقنون. وإذا كان رفع العلم الأبيض على عصا مكنسة يسيء إلى جلال الاستسلام فإنكم لا تجيزون لنا حمل أي سلاح سوى المكانس.
                      وأما إذا كانت المكانس قد أصبحت، منذ اندلاع نيران هذه الحرب، سلاحًا أبيض فتاكًا لا يجوز لنا حمله إلاّ بإذن، كبارودة الصيد التي لا يؤذن بحملها إلاّ للمخاتير وللمدمنين على الخدمة منذ الصغر، فإنني معكم أبًا عن جد. وأنت تعلم، يا صديق العمر، بإخلاصي المفرط للدولة ولأمنها ولقوانينها، ما هو معلن منها وما سوف يعلن!
                      وكان صديقي يعقوب يستمع إلى هذياني وهو مشدوه الفم لا يقوى على كفكفة الدمع المنسكب على وجنتيه فلا يقوى على كفي عن الهذيان.
                      حتى تمالك جأشه فأوضح لي ما وقعت فيه من التباس قرر رئيسنا الرجل الكبير، ذو القامة القصيرة، أنه ليس التباسًا بل نفير بشق عصا الطاعة على الدولة.
                      قلت: كلها عصا مكنسة!

                      قال: نداء المذيع. موجه نحو عرب الضفة، أن يرفعوا الأعلام البيضاء استسلامًا أمام الاحتلال الإسرائيلي. فما شأنك أنت في ذلك في حيفا، التي هي في قلب الدولة ولا أحد يعتبرها مدينة محتلة?
                      قلت: زيادة الخير خير!
                      قال: بل إشارة إلى أنك تعتبرها مدينة محتلة، فتدعو إلى فصلها عن الدولة.
                      قلت: إن هذا التأويل لم يدر في خاطري أبدًا.
                      قال: إننا لا نأخذكم على ما يدور في خواطركم بل على ما يدور في خاطر الرجل الكبير. وهو يرى أن العلم الأبيض، الذي رفعته على سطح بيتك في حيفا، هو دليل على أنك تقوم بحركة انفصالية عن الدولة ولا تعترف بها.
                      قلت: أنك تعلم علم اليقين أنني مفرط في خدمة الأمن ولا أفرط به.
                      قال: أصبح الرجل الكبير يعتقد بأن إفراطك هو تمويه على تفريطك. ويستعيد الرجل الكبير أصلك وفصلك أدلة على أنك تتغابى ولكنك لست بغبي. فلماذا لم تعشق سوى (يعاد )ولم تتزوج سوى (باقية) ولم تنجب سوى (ولاء)!
                      قلت: ألم يسأل الرجل الكبير لماذا لم أولد سوى عربي ولماذا لم أجد وطنًا سوى هذه البلاد?
                      قال: قم معي واسأله.
                      ولكنهم أخذوني إلى غور بيسان وزجوا بي في سجن شطة الرهيب.
                      حديث شطط في الطريق إلى سجن شطة

                      لم يشأ الرجل الكبير إلاّ أن يصحبني إلى بيت خالتي فيسلمني إلى مدير السجن تسليم اليد باليد. فنحن، الذين ورثتنا الدولة عن آبائنا، تظل مراتبنا عالية ولو في قاووش السجن. كقولك نبيل فقد الحظوة في البلاط فأبعد إلى جزيرة سيشل.
                      أو هكذا أوهمت نفسي حتى أركبوني في سيارة البوليس المقفلة، الرجل الكبير مع السائق الكبير، وأنا محشور مع ستة من رجال الشرطة فيما يشبه عربة الكلاب. فلما أقفلوا الباب قلت: صونا لسمعتي. فلما تأففوا من شدة الحر، وكنا في آب الهباب، تأففت معهم. فانهالوا عليّ لكمًا ورفسًا وأنا أصيح: النجدة النجدة أيها الرجل الكبير. ولفظتها بلغة عبرية فصحى لأقنعهم بعلو كعبي وحتى أقوم من تحت أكعابهم. فتوقفت السيارة.
                      فإذا نحن على مفترق الطرق بين الناصرة ونهلال. وقد عرجنا على طريق المرج، مرج ابن عامر. وكان الرجل الكبير يؤشر لهم، من وراء الزجاج الفاصل ما بينه وبين عربة الكلاب، فأنزلوني وحشروني إلى جانبه، بينه وبين السائق. فاسترحت وتنهدت، استنشقت الهواء النقي وقلت: مرج ابن عامر.
                      فزجرني وقال: بل سهل يزراعيل.
                      قلت مراضيًا: (وما يهم الاسم) كما قال شكسبير? وقلتها بالإنجليزية.
                      فقال مهمهمًا: وتروي عن شكسبير أيضًا?
                      فاسترخيت مبتسمًا.
                      فزجرني وهمهم بصوت مسموع أن هِم: هِم. ولو كنت أعلم بما وراء هذه الهمهمة لحفظت شكسبير في قلبي لا عن ظهر قلب.
                      وفيما نحن نوغل في طريق المرج متوجهين نحو مدينة العفولة المرجية، وأكتاف تلال الناصرة إلى يسارنا، أخذ الرجل الكبير يلقنني مبادئ حياتي الجديدة في السجن، وأصول التأدب مع السجانين من فوقي ومع السجناء من تحتى. وذلك بعد أن وعدني بترقيتي همزة وصل.
                      وكنت، كلما أمعن في هذا التلقين، أزداد يقينا أنه لا فرق بين ما هو مطلوب منا في السجن وما هو مطلوب منا خارجه حتى صحت من شدة الاستحسان: ما شاء الله!
                      وكان يقول: إذا ناداك السجان فليكن أول جوابك - نعم يا سيدي! فإذا انتهرك السجان فعليك الاكتفاء بأمرك يا سيدي! وإذا سمعت من زملائك المسجونين كلامًا فيه أي مساس بأمن السجن، ولو تأويلاً، فعليك أن تشي بهم إلى المدير. فإذا ضربك مدير السجن فقل له..
                      فقاطعته هاتفًا: حقك يا سيدي!
                      قال: كيف علمت? وهل كنت مسجونًا قبل أن نسجنك?
                      قلت: حاش، يا سيدي، أن يسبقكم أحد إلى هذا الفضل. إنما وجدت أن سجونكم، عطفًا على ما شرحته من أصول التأدب في سجونكم، هي من الإنسانية والرحمة في معاملة المسجونين بحيث لا تختلفون فيها عنكم خارجها في معاملتنا، ولا نختلف. فبأي شيء تعاقبون العرب المذنبين يا سيدي?
                      قال: هذا هو ما يحيرنا. ولذلك قال الوفنا الوزير أن احتلالنا هو أرحم احتلال ظهر على وجه الأرض منذ تحررت الجنة من احتلال آدم وحواء.
                      بل إن هناك من كبارنا كبارًا يعتقدون بأننا نعامل العرب داخل السجون معاملة أفضل منها خارج السجون، والأخيرة ممتازة كما تعلم. وهؤلاء الكبار موقنون أننا بذلك نشجعهم على الاستمرار في مقاومة رسالتنا الحضارية في المناطق الجديدة، مثلهم مثل الأفريقيين آكلة لحوم البشر الذين كفروا بالنعمة.
                      قلت: كيف، يا معلمي الكبير?
                      قال: خذ لك مثلاً عقاب الإبعاد إلى ما وراء النهر. فنحن ننزله بهم وهم خارج السجن. فإذا دخلوا السجن ثبتوا فيه ثبوت الاحتلال الإنجليزي.
                      قلت: ما شاء الله!
                      قال: ونهدم بيوتهم خارج السجن. أما في داخلها فيعمرون وينشئون.
                      قلت: ما شاء الله! ولكن، ماذا يعمرون?
                      قال: سجونًا جديدة وزنازين جديدة في السجون القديمة ويزرعون من حولها الأشجار الظليلة.
                      قلت: ما شاء الله! ولكن، لماذا تهدمون بيوتهم خارج السجون?
                      قال: لنقطع دابر الجرذان التي عششت فيها فننقذهم من الطاعون.
                      قلت: ما شاء الله! وكيف كان ذلك?
                      قال: هذا هو التبرير الإنساني الخالص لوجه وزارة الصحة، الذي أورده وزير الدفاع عما اضطررنا إليه من هدم بيوت قري الجفتلك، في الغور، وردًا على الاتهامات التي قذفها في وجوهنا، في الكنيست، النائب الشيوعي اليهودي أجير ناصر والملك حسين وأمير الكويت والشيخ قابوس.
                      - أفحمه?
                      - بل وفحّمَه.
                      - كيف، ما شاء الله?
                      قال: منعه رئيس الجلسة عن الاستمرار في الكلام، فأفحمه. إن الدمقراطية، يا ولد، ليست فوضى. والشيوعيون، كما تري، فوضويون. فرفض نائبهم الانصياع لأحكام الدمقراطية فطرده الرئيس من الجلسة طردًا، ففحمه.
                      قلت: ما شاء الله!
                      وذلك حين كانت سيارة البوليس تخرج بنا من مدينة العفولة المرجية على طريق بيسان متجهة نحو مقامي الجديد. وكانت نوافير الماء على الجانبين تنشر رذاذها المنعش على خضرة يانعة ونحن في أوج الصيف. فإذا بالرجل الكبير، وهو محشور معي إلى جنب السائق في عربة الكلاب، يصبح شاعرًا.
                      وكان يقول، وأنا أمشئل: الخضرة، على يمينك وعلى يسارك وفي كل مكان. أحيينا الموات وأمتنا الحّيات (وكان يعني الأفاعي). ولذلك أطلقنا على حدود إسرائيل القديمة اسم (الخط الأخضر). فما بعدها جبال جرداء وسهول صحراء وأرض قفراء تنادينا أن أقبلي يا جرارات المدنية!
                      ولو كنت معي، يا ولد، حين عبرنا طريق اللطرون نحو أورشليم، لرأيت أمامك الخط الأخضر مرسومًا بالفعل على الطبيعة نفسها بخضرة جبالنا المكسوة بأشجار الصنوبر، الشجرة تخاصر الشجرة والغصن يصافح الغصن وفي ظلها يتعانق المحبون. ثم كنت سترى، قبالة جبالنا المكسوة، جبالكم العارية حتى بلا أسمال تخفي عوراتها المكشوفة صخورًا ظلت تبكي ربع قرن حتى سحّت عنها كل التربة. دعونا نكفكف دموع الصخر وأما أنتم فلا تكفوا عن الانشغال بدموعكم وأنتم تبنون القصور في أعالي الصخور.
                      - ألهذا هدمتم قرى اللطرون، عمواس ويالو وبيت نوبا، وشردتم أهاليها، يا معلمي الكبير?
                      قال: لقد أبقينا على الدير لرهبانه، مجلبة للسائحين، وعلى المقابر لذويها، إيمانًا برب العالمين. وورثنا هذا الرحب بهذه الحرب. والذي فات مات. وهو مثل أمريكي من أصل ألماني.
                      وما بلغ هذا البيت من شعره حتى كانت السيارة تبلغ بنا بيوت عين جالوت التاريخية، التي أعيدت إلى أصلها التوراتي - عين حارود. وفيها عين ماء تصب في بركة أنشأها أهل الكيبوتس ويؤمها أهالي الناصرة ليبتردوا وليشتموا المغول.
                      فأردت أن أجاريه في شعره فشدني من شعري قائلاً: لا يكن لك فكر. لقد انتصرتم على المغول في وقعة عين جالوت لأنهم جاؤوا لينهبوا وليذهبوا. أما نحن فإذا نهبنا فننهب لنبقى. وأما أنتم فالذين يذهبون. اصرف عنك هذه الوساوس التاريخية واستعد لدخول سجن شطة.
                      وما أن قال هذا الكلام حتى وقع تغير فجائي في وجه الطبيعة من حوالينا. زالت الخضرة في طرفة عين فلم تعد العين ترى سوى أرض جرداء وصخور قمراء، على اليمين وعلى اليسار وعلى امتداد البصر، كأنما كنا نشاهد مسرحًا هبط في خلفه منظر وارتفع في مكانه منظر.
                      فقلت متهكمًا وأنا أتظاهر بالجهل بالجيوبوليتيكا: ها نحن خرجنا عن الخط الأخضر ودخلنا في خط العرب الأغبر، الذين تركوا أراضيهم أنتيكا.
                      فزجرني وصاح: كنت أحسبك حمارًا فإذا أنت أحمر. انظر أمامك فترى إلام ستدخل.
                      فنظرت أمامي فإذا ببناء ضخم ينتصب أمامي، كالغول في الصحراء. جدرانه الداخلية مطلية بالكلس الأبيض. وحوله سور عال مطلي بالدهان الأصفر، لأمر ما. وفوق سطوحه انتصبت كمائن الحرس، المشرعي السلاح، على أربعة أطرافه. فهالنا مشهد هذه القلعة الصفراء، لا خضرة ولا كسوة. وهي ناتئة، كالدمل السرطاني، على صدر أرض مريضة بالسرطان. حتى أنه لم يتمالك نفسه عن القول: سجن شطة الرهيب، ما أروعه!
                      فوجدتني أهمس وأنا مشرئب العنق هلعًا: ما شاء الله!
                      قال: مدير السجن هو الذي يشاء فانزل أوصيه بك.
                      كيف وجد سعيد نفْسه وسط حلقة عكاظية-شكسبيرية

                      نزلنا أمام باب السجن الحديدي فهبط العسكر من عربة الكلاب وهرع ثلاثة منهم نحوي فأحاطوا بي كالأثافي الثلاث. وأما الرجل الكبير فتصدر الموكب أمام الباب. فما أن طرقه طرقة واحدة حتى نبح كلب من الداخل فانفتح.
                      فإذا بمدير السجن، بلحمه وبشحمه، وهو ذو لحم وشحم كثير، يهرع لاستقبالنا وأمامه كلبه البولدوغ المدلل. هذا يهش وذاك يكش. فلاعبا الكلب تارة وتطبطبا على الظهر أخرى حتى صعدا على درج وأنا واقف في الساحة الداخلية تحيط بي الأثافي.
                      ثم استدعاني أحدهم فصعد بي على الدرج إلى دهليز، فدهليز آخر، فآخر، حتى أدخلني مكتب المدير فإذا بهما يرتشفان القهوة بسرور مسموع.
                      فهش المدير في وجهي وقال: بوصاية صديقي العزيز، الرجل الكبير، سأعاملك معاملة خاصة. ولقد علمت منه أن ماضيك أبيض ناصع البياض لا تشوبه سوى شائبة سوداء واحدة هي ذلك العلم الأبيض الناصع البياض، وأنك ولد مثقف وتروي عن شكسبير.
                      فانبسطت أساريري وانبسطت على مقعد.
                      فعاجلني بالقهوة وبالحديث عن شكسبير. فصار يتلو من خطبة أنطونيوس أمام جثمان قيصر فأتلو عليه ما غاب عن ذاكرته منها وهو يصيح: برافو، برافو! ثم قام عن مقعده وأخذ يتصنع دور عطيل وهو يقبل ديدمونة القبلة القاتلة. فاستلقيت على الأرض ديدمونة. فقال: قم، لم يحن أوان ذلك بعد! فقمت وقامت معي الهواجس.
                      قال: ولكننا أمام السجناء سنعاملك مثلما نعاملهم، وأنت فاهم.
                      قلت: فاهم يا سيدي! ونظرت إلى الرجل الكبير مطمئنًا فرد عليّ بأحسن منها.
                      فضغط المدير على زر فأقبل أحد الحراس. فصافحت المدير ثم صافحت الرجل الكبير الذي أوصيته بزميلي يعقوب خيرًا. وظللت أشكر هذا وألهج بحمد ذاك حتى دفعني الحارس خارج المكتب. فلما أوغلنا في الدهليز الثاني قلت في نفسي: أصبح هذا الحارس صديقي وأخي فقد عبرنا سوية في دهليزين في سجن واحد، كالمشاركة في العيش والملح. فقلت له: مدير عالي الثقافة!
                      قال: فعم كنتما تتحدثان?
                      قلت: عن شكسبير وعطيل وديدمونة.
                      قال: وتعرفهم?
                      قلت: أروي عن الأول وأستلقي كالثالثة.
                      قال: يا حبذا..
                      حتى أدخلني في غرفة معتمة خلو من النوافذ وجرداء من أي أثاث. فلما أضاء قنديل كهرباء في وسط السقف، أوهي من نار جحا، رأيتني واقفًا في وسط حلقة من السجانين العراض الطوال، كل سجان بعينين ناعستين اثنتين وبساعدين مشمرتين اثنتين وبفخذين غليظتين اثنتين وبفم واحد مفتر عن ابتسامة كشراء كأنما طبعت جميعها في قالب واحد.
                      فظللت أحاول أن أطبع على فمي الابتسامة نفسها فينهار الجانب اليساري من فمي، فأقومه، فينهار الجانب اليميني، فأقومه، فأحس بشفتي السفلي كلها تنهار، فأقومها، فتصطك أسناني.
                      وفيما أنا في هذه الرياضة الشفهية سمعت الحارس الذي اقتادني إلى هذه الغرفة العبقرية يقول لعسكر الأفخاذ: ويروي عن شكسبير أيضًا!
                      فكانت إشارة البدء بسوق عكاظية لم يشهد تاريخ العرب مثيلاً لها منذ أيام داحس والغبراء.
                      بدأها أحدهم قائلاً: شكسبرنا يا ابن الكلب! ثم لكمني لكمة مهولة. فتلقاني آخر قائلاً: خذ يا قيصر! فأخذت أتمايل نحوهم حتى ملوا اللكم فأعملوا الرفس فصرت أتدحرج تحت أقدامهم فيتداولونني فيما بين أقدامهم فأكون تارة أسرع منهم حركة فأشعر بعدة أفخاذ تنيخ على صدري دفعة واحدة. فأصرخ فلا أسمع سوى أصوات مكتومة صادرة عن ضرب ولكم ورفس لم أعد أشعر بأنها تصيبني بل أسمعها قادمة من مكان بعيد. وكانوا قد توقفوا عن إنشاد الأشعار الشكسبيرية وانصبوا على شعر الآهات: يتأوهون عزمًا فأتوه خورًا. يلهثون وألهث حتى شعرت بأحذية تقطع أنفاسي فغبت عن الوعي من شدة القهر.
                      وآخر ما سمعته منهم أن أهلاً وسهلاً بشكسبير. فعلق بي هذا اللقب بين زبائن السجن وفي أوساط الخريجين.
                      يتبع
                      sigpic

                      تعليق

                      • ربيع عقب الباب
                        مستشار أدبي
                        طائر النورس
                        • 29-07-2008
                        • 25792

                        #12
                        سعيد في بلاط مَلِك

                        كان النهار يولي الأدبار، أو هذا هو كل ما رأيته منه، حين أيقظتني يد تصافح يدي. فإذا أنا ممدد على فراش من القش في غرفة معتمة منخفضة السقف لا ينيرها سوى نور من النهار يتيم يحاشر قضبانًا حديدية متشابكة على كوة وحيدة في أعلى الحائط فلا يدخلها إلاّ جريحٌ.
                        وكانت اليد إلى يساري تصافح يدي وتشد عليها صبرًا.
                        فوجدت أنني عاجز عن تحريك أصابعي فحركت رأسي أنظر إلى يساري فغام بصري على جسم فارع الطول ممدد إلى يساري على فراش مماثل من القش، عار إلاّ من زي ربه وقد طلي بما حسبته، لأول وهلة، الدهان الأحمر القاني.
                        ولولا عينان اثنتان صوبتا نحوي بلا حراك ابتسامة تشجيع سرية، ولولا يد تشد على يدي أن اشتد، لحسبت أن الجسم الممدد إلى يساري جثة بلا حياة.
                        قلت: أهلاً! فخرجت: آها!
                        فسمعت صاحب الجسم الملتف بعباءة الملوك الأرجوانية يهمس: ما شأنك يا أخي?
                        قلت: هل هذه هي الزنزانة?
                        فسأل: أول مرة?
                        قلت: هناك غرفة بلا نوافذ..
                        قال: وهناك أمل بلا جدران.
                        قلت: وأنت?
                        قال: فدائي ولاجئ. وأنت?
                        فتحيرت في هويتي كيف أنتسب أمام هذا الجلال المسجى الذي حين يتكلم لا يئن ويتكلم حتى لا يئن. هل أقول له أنني كبش ومقيم? أم أقول له: دخلت إلى بلاطكم زحفًا?

                        فسترت عورتي بأنين طويل.
                        فتحامل على نفسه فإذا هو منتصب أمامي بقامته الفارعة حتى رأيته يحني رأسه كي لا تصطدم بالسقف أو كي ينظر إليّ.
                        وصاح: كف يا رجل!
                        قلت في نفسي: ها قد أصبحت رجلاً بعد أن ركلتني أرجل الحراس.
                        وكان ظاهر الشباب لم تزده عباءته الأرجوانية إلاّ شبابًا.
                        مالك يا أخي? لو كنا التقينا في الخارج هل كان يناديني بيا أخي? وشيء في عينيه أعادني عشرين عامًا إلى وراء، إلى ملاعب الصبا ومدارج شارع الجبل. وفي ندائه، ما لك يا أخي، سمعت صراخ (يعاد) القديمة، والعسكر يلقونها في سيارة الترحيل: هذه بلدي، داري، وهذا زوجي!
                        فأعولت كالأطفال.
                        - اصبر يا والدي..
                        فلم أتوقف عن البكاء. إلاّ أنه كان اعتزازًا وامتنانًا، بكاء الجندي يمنحه قائده وسام الشجاعة.
                        - تشجع يا والدي..
                        دوسي، أيتها الأحذية الضخمة على صدري! اخنقي أنفاسي! أيتها الغرفة السوداء أطبقي على جسدي العاجز! فلولاكم لما اجتمعنا من جديد. الحرس الغلاظ، لو كانوا يعلمون، هم حرس الشرف في بلاط هذا الملك. والغرفة السوداء الضيقة هي البهو المفضي إلى قاعة العرش!
                        أصبحت أخاه. أصبحت والده. فأعيدوا ابتساماتكم إلى قوالبها أيها العسكر!
                        وهزني اعتزاز لم يهزني منذ هتاف: هذا زوجي!
                        أنا والدك أيها الملك. فلي ولد، مثلك، إلاّ أن عباءته من مرجان البحر.
                        ولم أشأ أن أخبره بأنني من حيفا فيطول الشرح. فقلت: من الناصرة.
                        قال: أهلنا الشجعان.
                        ثم سأل: شيوعي، بالطبع?
                        قلت: بل صديق.
                        قال: أنعم وأكرم.
                        وضمد جراحي بالحديث عن جراحه. وظل يوسع في الكوة الضيقة الوحيدة حتى رأيتها في عرض الأفق الذي لم أره من قبل. وأصبحت قضبانها المتشابكة جسورًا نحو القمر، وما بين فراشي وفراشه حدائق معلقة.
                        وكنت أحدثه عن نفسي بما كنت أحلم به عن نفسي. وما كنت كاذبًا. إنما تحاشيت أن أدنس جلال هذا المقام بخصوصيات جردني منها السجانون حين جردوني من ملابسي الخصوصية. ها أنذا متجرد أمام متجرد. فكيف تخرج يا آدم من الجنة بمحض إرادتك?
                        إلاّ أن الحراس لم يمهلوني. فقد جاؤوا وأخرجوني من الجنة ونقلوني إلى القاووش.. وهو قاعة طويلة في السجن يرقد فيها السجناء متراصين كل على برشه. وهو سرير حديدي فوق فراش من القش. فبقيت عدة أيام أرتكب المخالفات لعلهم ينقلوني إلى الزنزانة فألتقي ذلك الشاب الذي ناداني بـ (يا والدي). ولكنهم لم يفعلوا.
                        وعلمت من السجناء أنه فدائي فلسطيني قادم من لبنان أسره العسكر جريحًا.
                        وقالوا أن اسمه سعيد، فقلت: عاشت الأسامي. فقالوا: ولكنه لم يتسم بشكسبير. وابتسموا مواسين. فانشغلت بتضميد جراحي وبالبحث عن سعيد الأول حتى التقيت أخته، (يعاد) الثانية، وأنا خارج من السجن مطلق السراح للمرة الثالثة.
                        سعيد يُنشِد أنشودة السعادة

                        فالذي يدخل إلى السجن، في بلادنا، يصبح حاله كحال المكوك في يد الحائك: داخل خارج. وأما حائكي فهو الرجل الكبير. لم يشفع بي ماضيّ الأبيض بل زاد سوادًا حاضري سوادًا. حتى رأيت باب السجن الحديدي بابًا بين ساحتين في سجن واحد، ساحة داخلية أتمشى فيها ساعة، فأستريح، وساحة خارجية أتمشى فيها ساعة، ثم أروح.
                        وفيما أنا في مدار هذا الصاروخ المكوكي جاءني الرجل الكبير مهددًا بأنهم سيظلون ورائي من سجن إلى سجن حتى أهلك حبيسًا أو طليقًا أو أن أعود إلى خدمتهم.
                        - حلوا عني واركبوا غيري!
                        - هل تتوهم أننا نجد أمثالك ملقين على قارعة الطريق?
                        - قضيت نصف عمري في خدمتكم. فدعوا البقية أعيشها كبقية خلق الله، لا أهش ولا أنش.
                        ولكنه أفهمني أن هذه الخدمة لا فكاك منها حتى بالموت.
                        وقال: أبوك أورثها لك وستورثها لأولادك من بعدك. وسوف يلعنونك إلاّ أن ذراعنا الطويلة ستنالهم، جيلاً بعد جيل.
                        وهددني بأن الناس لن يؤمنوا بتوبتي بل سيقولون أن العرق دساس وأن من شب على شيء شاب عليه، وبأنني لن أجد ملاذًا غيره. وهددني بالسجن. وهددني بالتعذيب. وهددني بالموت جوعًا.
                        ولكنني لم أجع. فقد بسطت، في زاوية في وادي النسناس، بسطة كنت أبيع فيها الخضار.. فإذا جاء موسم البطيخ بعته أحمر حلو المذاق على السكين.
                        فلما سلطوا عليّ عساكر البلدية حليت أفواههم. فلما رجمني أولاد الحارة، على اعتبار شهرتي الشهيرة، استحليتها منهم فتركوني أحل في الحارة مطمئنًا.
                        غير أن الرجل الكبير لم يحل عني. فاستكتب ورقة يأمرونني فيها بالإقامة الجبرية. فأخفيتها حتى يظل عساكر البلدية يجبرون بخاطري. فإذا بالرجل الكبير يرسل عساكره فيداهمونني على بسطتي، في عز الظهر، فيقتادونني إلى السجن متهمينني على رؤوس الأشهاد بأنني خالفت أمر الإقامة الجبرية وسافرت إلى شفا عمرو أتسوق بطيخًا وأن هذا الفعل يطيح بكيان الدولة. فالذي ينقل البطيخ سرًا ينقل الفجل سرًا، وبين الفجل والقنابل اليدوية مجرد لونه الأحمر. والأحمر، على كل حال، ليس الأزرق والأبيض. وبالبطيخ تستطيع أن تنسف كتيبة كاملة، إذا أخفيت فيه قنابل نعل، يا بغل!
                        فأجابهم البغل: ولكنني أفتحها على السكين!
                        قالوا: والسكين أيضًا... فلما انتشر الخبر بأن ورقة الإقامة الجبرية قد جاءتني ازداد الإقبال على بسطتي حتى جاءني شاب وقد تأبط صحفًا. حيي وقال:

                        - جاءتك?
                        قلت: جاءتني منذ زمن طويل.
                        - فلماذا لا تقرأ الجريدة?
                        قلت: لأنكم لم تجيئوا.
                        فقمت وعلقت ورقة الإقامة الجبرية على جدار البسطة. فلم يمض يومان حتى جاءت الشرطة، وأبلغتني بأن الحاكم تلطف وألغى أمر الإقامة الجبرية. وأن دولتنا دمقراطية. ثم انتزعوا الأمر من على الجدار وأعادوني إلى السجن قائلين أنني حقرت أوراق الدولة الرسمية.
                        وقال كبيرهم: لو كنت في بلد عربي هل كنت تجرؤ على التباهي بورقة الإقامة الجبرية? إن دمقراطيتنا لا تصلح لكم.
                        وذلك وأنا في طريقي إلى السجن.
                        وفيما أنا خارج من الساحة الداخلية إلى الساحة الخارجية مطلق السراح، وقفت على طرف الطريق من بيسان إلى العفولة أستوقف سيارة تحملني. فإذا بسيارة خصوصية على رقمها حرف (ش) بالعبرية إشارة إلى أنها من مواليد (شخيم)، وهي نابلس لا غير، تتوقف فجأة أمامي.
                        ويدعوني سائقها إلى الصعود فأصعد شاكرًا.
                        وكان أن جلست في المقعد الخلفي وحيدًا وأنا مستوحد. وكانت فتاة جالسة إلى جانبه ولم أر منها سوى شعر فاحم السواد كشعري بلا شيب. فقلت في نفسي: أنا في ايش وفكري في ايش.
                        وما اجتزنا طرفًا من الطريق حتى دهمني السائق بالسؤال: كنا نعود قريبًا في سجن شطة فأخبرنا الزملاء بأنك التقيت سعيدًا. ولكن المدير أنكر وجوده. فهل تعرف له من مكان?
                        فانقبضت نفسي من هذا السؤال. فتحسست مقبض الباب كي أنزل من هذه السيارة الملغومة، إلاّ أنها كانت مسرعة. فأسرعت أجيب، وأنا مذهول:
                        - أنا سعيد!
                        فالتفتت الفتاة ذات الشعر الفاحم السواد نحوي لفتة زوبعية وهي تصيح:
                        - بل أخي سعيد.
                        - يعاد!
                        - حبيبي.
                        - يعاد!
                        أو هذا ما أحسب الآن أنه قد جرى بيننا. أما في تلك اللحظة التي كانت أقصر من اللحظة، فإنني لم أكن أسمع شيئًا، ولم أكن أري شيئًا سوى عينين خضراوين يتألق بؤبؤاهما بنور سماوي افتقدته عشرين عامًا.
                        لقد رأيت (يعاد)، عشرين عامًا من (يعاد) دفعة واحدة، في عينيها وفي صوتها وفي شعرها وفي قامتها. فكيف تشعر سمكة أطاحت زوبعة، دفعة واحدة، بثلج تراكم على سطح نهرها عشرين عامًا? يا تراب القطب الجنوبي قل لهم كيف يكون شعورك لو انحسرت من فوقك ثلوج الدهر دفعة واحدة! يا لظى البراكين ارو لهم حكايتي! ويا صخر بلادي انفجر ينبوعًا!
                        أما أنا فانفجرت بكاء.
                        فأوقفا السيارة. فنزلت (يعاد) وانتقلت إلى المقعد الخلفي بالقرب مني. فأخذت يدي بين يديها فوسدتهما صدرها ثم وسدت رأسها كتفي فامتزجت دموعنا. وكان السائق يزغرد ببوق سيارته ويسير بها بطيئًا كأننا في موكب عرس.
                        - سعيد، سعيد.
                        - يعاد، يعاد.
                        - أخيرًا وجدته.
                        - ولن تفقديه أبدًا.
                        - كيف حاله?
                        - على ما ترين، يا يعاد!
                        واستحوذتني رغبة جامحة في أن أصفق، في أن أغني، في أن أزغرد، في أن أصرخ حتى تنهار من على صدري طبقات الخنوع والمذلة والحاجة، والصمت، نعم يا سيدي، عظيم يا سيدي، أمرك يا سيدي! فينطلق قلبي من صدري، حرًا، يطير، يحلق في أجواز النسور، ينادي على الناس: مثلكم أنا يا ناس، شجاع مثلكم، ومثلكم لي قدمان ثابتتان على الأرض وظهر مستقيم وقامة طويلة ورأس في السماء. سعيد بشجاعتي مثلكم يا ناس. (يعاد) إلى جانبي يا عالم! صغيرة كعصا الراعي، جديدة كالحلم القديم!
                        عشت الأعوام العشرين لوحدي. عشتها بعيدًا عن (يعاد). عشتها حتى الثمالة، حتى القعر. شربت كأسها المر كله وحدي. فلم يبق لها منه أية قطرة. أنقذتها من هذه السنوات العشرين المريرة، فبقيت (يعاد) صبية في العشرين وبدون عشريني. عادت إليّ كما كانت، هي هي، تضحك وتبكي، تتحدى وتحب، وتناديني: سعيد!
                        سعيد أنا يا عالم! اسمعي يا دنيا، من الخط الأخضر حتى الأفق الأزرق، القفار والحقول، القبور والسماء: لقد انطلقت خارج الساحتين حرًا، الداخلية والخارجية. أصبحت حرًا.
                        سعيد، أنا سعيد!
                        ولكنني فعلت أمرًا آخر بالمرة. فبدون أن أدري بما دفعني اندفعت ففتحت باب السيارة وألقيت بنفسي منها، ويدي بيد يعاد لا أتركها. فوقعنا على التراب الجاف وأنا غائب عن الوعي.
                        وجهتا نظر في مصيبة اسمها الطوق!

                        أيقظني عطر القرية، الذي عبق به ليلها الأنيس. فوجدتني مستلقيًا على فراش من الصوف نظيف. فتخيلت أنني نائم على صدر أمي، في بيتنا العتيق. وكانت تأتيني رائحة المونة وخابية الزيت وطين الطابون، وأصوات همس مكبوت، وأنفاس أطفال نائمين بلا كبت، وخيالات نساء قرويات، وهن رائحات غاديات يحملن أطباق الأرز المعصفر وفوقه لحم الدجاج، ومائدة خشبية منخفضة في وسط البيت العتيق.
                        فناديت: أماه!
                        فسمعت النسوة ينادين على (يعاد) أن والدها قد استيقظ. فأخذت أتلفت حولي بحثًا عن والدها فلم أعثر له على أثر.
                        - أين أنا?
                        فأخذن يحمدن الله على نجاتي وهن منسحبات خارج الغرفة بإشارة من (يعاد). وسمعتهن يرجونها أن تسرع قبل أن يبرد الطعام.
                        وجثت (يعاد) على الحصير إلى جانبي وقالت: صن سري بكرامة أخي سعيد.
                        فقلت: بل أصونك حتى من الموت!
                        فأخبرتني بأننا في قرية (السلكة) المرجية. وهذا الاسم غير ظاهر على الخارطة، لا لأنه زال من الوجود، ومثل هذا الأمر موجود، بل لأنه غير موجود. فقد استعرت لهذه القرية، التي آوتنا، اسم السلكة، أم سليك بن السلكة، الذي
                        طاف يبغي نجوة
                        من هلاك فهلك
                        فالمنايـا رصد
                        للفتى حيث سلك

                        وذلك حفاظًا على سر هذه القرية المرجية العجيب الذي، على الرغم من أنه جاوز الاثنين، لم يجاوز حدود القرية عشرين عامًا، عن فتى لم يطف كالسليك بن السلكة في الأرض نجوة، فهلك، بل أقام حتى شاخ، فهلك. ولكنني أفردت لهذا السر فصلاً خاصًا سأرويه عليك حين يجيء.
                        وأما سر (يعاد)، الذي ناشدتني أن أصونه، فهو ادعاؤها أمام مضيفنا أنني والدها.
                        قلت - قيل: رب أخ لك لم تلده أمك. وأنا أقول: رب والد لك لم تتزوجه أمك.
                        قالت: رحمها الله، أنت في ايش ونحن في ايش.
                        فقلت: فما أبقاك معي، إذن، وأين السائق?
                        فأخبرتني بأننا حين وقعنا من السيارة وكانت، سلم الله، تسير بطيئًا، غبت عن الوعي دون أذى. وأما (يعاد)، (شكرًا لك يا والدي)، فقد كنت أحوطها بذراعي فوقعت على صدري فلم تتأذ. فهرع نحونا رجال ونساء من قرية السلكة، كانوا يعملون في أراضي الكيبوتس القريبة من موقع وقعتنا، وكان على رأسهم مضيفنا أبو محمود الذي أكرم وفادتنا وسافر معنا إلى قريته، فبيته، حيث وجدوا أنني غائب عن الوعي إعياء فحسب. فتركوني أستريح حتى أتماثل.
                        وأما سائق السيارة، وهو صاحبها، فهو صديق كريم إلاّ أنه اضطر للعودة إلى نابلس، فإنه محظور عليه المبيت في إسرائيل وسيارته معه. وقد تركنا وهو شديد التأثر مما بدا منه من إهمال. فقد توهم أنه هو المسؤول عن سقوطنا حين لم يحكم باب السيارة إغلاقًا. فأحكمت إغلاق فمي عن هذا الوهم خوفًا من وقعة أخرى.
                        أما (يعاد) فآثرت البقاء معي حتى يعود إليّ رشدي، فأعيد إليها أخاها سعيدًا الذي جاءت إلى شطة من بيروت تبحث عنه.
                        - وسجين زندة المقيم (الذي هو أنا)، يا (يعاد)، ألا تعودين إليه?
                        - الآن، يا والدي، وقت العشاء. قم وأكرم الناس الكرام الذين أكرمونا.
                        وأقبل أهل الدار يسلمون على القادمين (من عند العرب). وكانوا يؤهلون بنا تأهيلاً عظيمًا، ويتلقفون كل كلمة نقولها بحرص شديد كما لو أنها بضاعة نادرة مهربة. وتولت يعاد الرد على أسئلتهم. وأما أنا فاكتفيت بالقيام والقعود وبيا حي الله وبالسلام عليكم، خوفًا من أن يتعثر لساني بكلمة في غير موقعها فأقع.
                        وكانت (يعاد) بين الرجال رجلاً. حسنها شباب، وشبابها حسن وأحسنهما إلمامها الحسن بحديث الرجال. وكنت أنظر نحوها مأخوذًا بها، فأسمع الرجال يدعون الله أن يبقيها لي فأحمده وأدعو له وأغض الطرف عن سري.
                        وقالوا إنهم كتموا أمرنا، ما وسعهم الكتمان، عن بقية أهل القرية حذر الوشاة وأن يكون قدومنا غير قانوني.
                        وأخبرنا أبو محمود، وهو رب البيت، بأن القرية وقعت، قبل عام، في الطوق سبعة أيام بحثًا عن متسللين. فلما لم يجدوهم اقتادوا أربعة عشر رجلاً إلى السجن وفكّوا الطوق عن القرية.
                        فما هو الطوق?
                        قال: يقوم البوليس بتطويق القرية ويسد منافذها ويفرض منع التجول فيها. ثم تهدر سياراته المصفحة في أزقة القرية. وينتشرون، وفي أثرهم كلاب الأثر، يدخلون البيوت ويروعون الأطفال ويدلقون خوابي الزيت على عدل الطحين خوفًا من أن يكون المتسللون قد تسللوا إلى الخوابي والعدل. فإذا سمعنا صراخًا في بيت تسللنا إليه في حلكة الليل، فليل القرية حالك، وهذا حاله عشرين عامًا، يسدلونه سترًا لهم فنتستر به عنهم، فإذا قال أهل البيت المنكوب: أخذوا سعدا! قلنا: انج سعيد! فيخترق الطوق برعاية ليلنا الساتر إما منجاة أو في طلب الرزق.
                        قالت: أفلا من مجير?
                        قال: ما من مجير سوى الشيوعيين وأهل الكيبوتس! وكنت لاحظت أن هؤلاء القرويين، ما أن يلتقوا قادمًا من (عند العرب)، حتى يحسبوه شيوعيًا أو من الحمولة. فتراهم يوسعون له من صدورهم الواسعة. فضحكت في سري ثم قلت: يا حي الله!
                        وأبو محمود قال: أما الشيوعيون فيجرؤ نوابهم على اختراق الطوق. فيدخلون معنا فيه مؤاسين ومشجعين أن اصمدوا. ويجمعون الحقائق. ويصيحون في الكنيست. وهو مثل البرلمان عندكم (فضحكت في سري ثم قلت: يا حي الله!) ويضطرون الوزير إلى الرد. فتخترق مصيبتنا جدار الصمت الرسمي. ويسيرون على رأس مسيرات في الناصرة وتل أبيب يهتفون في أثنائها: فكوا الطوق، فكوا الطوق، اليوم تحت وبكره فوق! وينشرون عن طوقنا في صحفهم. ويقولون لنا أن صحف الأحرار، في أنحاء العالم، تنقل عنهم فيطلق طوقنا الضمير العالمي الذي تحاول الصهيونية أن تطوقه، لولا الشيوعيون. فهل قرأتم عن طوقنا في صحف الأقطار العربية التي لم تطوقها الصهيونية?
                        قالت دعد، وعيناها تبرقان إيذانًا برعد: أن صحف الأقطار العربية تطوقنا بالانتصارات، كالأطواق فوق رؤوس قديسيها، فلا يبقى مكان فيها لطوقكم. وما انفكوا يطوقوننا بأطواق الانتصارات حتى اختلط الحابل بالنابل فلم تعد تفرق بينها وبين أطواق الزهور على القبور.
                        قال: ولكن الصهيونية تقيم الدنيا وتقعدها على خدش أصبع? فقصف الرعد. فقالت: القضية، يا سادة، هي وجهة نظر. فأنتم ترون في ما أصابكم مصيبة. أما نحن فإن الطوق هو حياتنا. تقولون: من المهد إلى اللحد. أما نحن فنقول: من الطوق إلى الطوق! فلا تنتظروا من الذين يعيشون حياتهم كلها في التطويق والتفتيش، نهب كلاب الأثر حتى ضياع الأثر، أن يشعروا بمصيبتكم التي أصبحت حياة أمة بأسرها، من الخليج حتى المحيط!
                        فلم أتمالك لساني إلاّ بعد أن قلت: من سواك بأخيك ما ظلم! فاشرأبت الأعناق نحوي منزعجة. فشعرت بأنني وقعت. فرحت أحيي السامر على اليمين وعلى اليسار وأنا أقول:
                        يا حي الله! يا حي الله!
                        فهمهموا بما يشبه التحية.
                        قالت: وأهل الكيبوتس?
                        قال: لا يمضي أسبوع على التطويق حتى تتوق أراضيهم إلى أيدينا الماهرة. فيتوسطون لفك الطوق فنعود إلى العمل في حقولهم.
                        قالت: لماذا أنتم?
                        قال: لأنها كانت حقولنا. أنبتناها وسوف ننبتها. تحنو علينا كما نحنو عليها. وأما هذا الحنو فقد عجزوا عن مصادرته.
                        فانفلت لساني من عقاله مرة أخرى. ووجدتني أصيح مندهشًا: فالخضرة نبت سواعدكم، إذن، لا كما ادّعى الرجل الكبير!
                        فاشرأبت الأعناق نحوي، مرة أخرى. وتهامس السامر بالسؤال: من هو الرجل الكبير?
                        إلاّ أن (يعاد) عاجلتهم بابتسامتها الساحرة وبأن والدها يتحدث عن ذلك الجندي، الضخم، ولذلك فهو رجل كبير، الذي دخل معه في موضوع السياسة ونحن ندخل في الضفة الغربية عبر الجسر.
                        وطمأنتهم (يعاد) على أننا قادمان عبر الجسر بإذن إسرائيلي رسمي. وسوف نبقى في البلاد شهرًا نقضيه بحثًا عن أخيها سعيد الذي جاءنا أنه رهين في سجن شطة.
                        قالوا: الرهيب..
                        قلت: اسألوني.. إلاّ أن هرجًا ومرجًا في الخارج أنقذاني من هذه الوقعة الأخيرة..
                        السرّ الذي لم يُمت بموت السرّ

                        رأينا مضيفينا يغدون ويعودون وقد اشتد عليهم التأهيل بنا كما لو أننا حللنا منزلهم توًا حتى ضاع، في ذلك، صوت الضوضاء في الخارج. فحاولوا أن يضيئوا وجوههم المنطبقة على أمر خطير بابتسامات ذكرتني بأغصان الشجر فوق خوذة جندي أو فوق دبابته.
                        وأردت أن أسأل: ما الخبر! لولا قدم (يعاد)، التي داست على رجلي، فكتمت أنفاسي.
                        واختفت النساء عن أعيننا. وأطفال كانوا نائمين في زاوية استيقظوا فحملوا أغطيتهم على ظهورهم وغابوا عن أنظارنا مطأطئي الرؤوس دون أن ينظروا في وجوه آبائهم.
                        وكان رجال، لم نرهم من قبل، يدخلون المضافة فيجلسون بعد أن يرحبوا بنا. وأما رجال الدار فكانوا يخرجون واحدًا واحدًا فلا يعودون.
                        سوى أبي محمود الذي تسمر في مكانه وقد أقام ظهره فلا تعرفه جالسًا أم قائمًا.
                        وجثا فوق صدورنا صمت ثقيل كالذي يؤذن، كما قيل، بالعاصفة. فأردت أن أقول: (هذه هي الشجرة التي تصمد لها!) لولا قدم يعاد الضاغطة بعناد على أسناني.
                        وأتانا من بعيد نحيب امرأة مخنوق الصدى. فاشتد ترحيب الغرباء بنا واحداً بعد واحد، في حلقة لا فكاك منها، يقومون ويقعدون فأقوم وأقعد دون أن أنجح في فك قدمي من تحت قدم (يعاد)، أو لساني المتململ من عقاله.
                        حتى رأيت مضيفنا يخرج، في مشية أرادها عادية فجاءت عسكرية، ثم يعود وهو يقول: لا حول ولا!
                        فأطلقتها: خير إن شاء الله?
                        قال: شيخ جليل من أهلنا وافته المنية الليلة. فتبكيه النسوة.
                        فلما وجدت أن كلامي محمود، سألت:
                        - المختار?
                        فأجاب شيخ من الغرباء: اختاره ربه إلى جواره وهو أرحم الراحمين.
                        فأوغلت في جرأتي فقلت: لو أخذهم جميعًا!
                        قال: كلنا إليها.
                        فقلت: رحمه الله. ومن خلف ما مات. وكان هاجس قد انتابني أن ما بدا على القوم من اضطراب، على أثر الهرج والمرج في الخارج، راجع إلى أن طارشا في الخارج جاء يبلغهم بحقيقة أمري. فلما استوعبت ما جاء به مضيفنا عن وفاة شيخهم تنهدت مستريحًا ووجدتني أفلت: الله سلم!
                        فلم تلحقني يعاد بقدمها، هذه المرة، إلاّ بعد أن قضي الأمر. والغريب في هذا الأمر أن القوم الغرباء همهموا مستحسنين دعائي وراضين عنه.
                        فانطلقت من تحت قدم يعاد أفسر لهم فلسفة عائلتنا، المتشائل، وأن هناك موتًا أسلم من موت، وموتًا أسلم من حياة، وأن أخي البكر، حين قطعه الونش في (بور) حيفا إربا، دفناه جثة بلا رأس.
                        ومرة أخرى بدرت من القوم الغرباء همهمات الاستحسان والرضى عن فلسفتي العائلية العريقة حتى انهمكت في ترتيب كلام في رأسي يليق بسؤالهم عن أصول أشجارهم العائلية لعلنا أن نلتقي في أصل أو في فرع. فكلنا من آدم.
                        غير أن (يعاد) أوقفتني عن هذه الرياضة الذهنية - التاريخية وهي تحوطني بذراعها وتشدني إليها شدًا خفيفًا وتهمس في أذني: عمي سعيد، عمي سعيد، جئت كي أزورك!
                        فصرخت: تزورين فحسب?
                        فأجاب مضيفنا أبو محمود: لا حاجة إلى ذلك. لقد دفناه وانقضى الأمر.
                        فقد ظن بأننا نتحدث عن شيخه الميت لا عن شيخنا الحي.
                        فسألت: الليلة?
                        قال: الليلة.
                        - ولماذا لم تنتظروا طلوع الفجر?
                        قال: إن فجره لا يطلع غدًا.
                        فعن أي فجر يتحدث، إذن? قلت، وأنا محتار: إنني لا أفهم من كلامك شيئًا.
                        قال: ولا هم يفهمون!
                        فصرخت يعاد: نحن أصدقاؤكم، فأفصح. إن الصمت يخنقكم.
                        قال: كل ما حوالينا، نحن أهل القرى، صامت: الأرض والدواب والمحراث. إن لغتنا هي الصمت. فنتوارثها جيلاً جيلاً. فإذا كنتم تتحدثون بهذه اللغة تفهموننا ونفهمكم.
                        قالت: ألا تزغردون?
                        قال: الأمر أعقد مما تتصورين، يا أختنا القادمة من بيروت. لقد زغردنا وزغردنا وزغردنا، مثلما لم يزغرد أحد. ولكن أعراسنا كانت تتحول، في كل مرة إلى مآتم. والذي كنا نحسبه صديقنا كان يخطف العروس ويهرب إلى بيروت!
                        قالت: إن أصدقاءكم. اليوم، مختلفون. فهم أصدقاء مخلصون. ألم تذكر الشيوعيين، مثلاً، بالخير?
                        قال: على الرأس وفوق الحاجب إلاّ أن غذاءنا الأساسي هو زيت الزيتون. نستحلي أعواد الخرفيش إلاّ أنها تنقصف. لا بأس بالبرق ولكنه لا يزيل ليلنا الصامت. سنظل نجربهم ونجربهم ونجربهم، في صمت، حتى يطعمونا من زيتونهم. صياح الديك لا يطلع الصباح. ولكن ديوكنا ستصيح حين يطلعونه. فعلى أصدقائنا أن يتعلموا النطق بلغتنا، لغة الأرض والدواب والمحراث - الصمت الدؤوب!
                        وكان القوم الغرباء يهزون رؤوسهم، بصمت، استحسانًا. وأحببت أن أقاطعه قائلاً: لو كان كلامك صحيحًا لكنت أنا، سعيدًا أبا النحس المتشائل، الصامت ذلا، صديق الفلاحين الأول!
                        لولا أنني تذكرت ماضي النابح وأنني كنت أتكلم بالوشاية ولا أصمت!
                        ثم أتتني خاطرة عجيبة حقًا وهي أنني، على طول باعي بالوشاية، لم أستطع أن أشي بصمت رجل صامت. فصمت!
                        وفيما أنا في هذه المناجاة الصامتة، بيني وبين نفسي، إذا بامرأة عجوز، هزيلة كعود ذرة جاف، تدخل علينا دامعة العينين وهي تصيح: السر مات، يا أبا محمود، فعلام تتستر!
                        فهرع أبو محمود نحوها وأخذها بذراعيه ودفعها محاولاً أن يخرجها إلى الخارج. فأبت. فظل يحوطها بذراعيه وقد أسند رأسه إلى صدرها وأجهش بالبكاء كالأطفال وهي تخفف عنه وتشاطره البكاء، ونحن مذهولون والقوم الغرباء ينسحبون من المضافة واحدًا واحدًا فيبتلعهم الليل البهيم وقائلهم يقول: السر مات. ولكن علينا، غدًا، أن نعيش!
                        قضينا تلك الليلة مستيقظين وأبو محمود يروي لنا أعجب قصة سمعناها عن شاب ضرير من أهل القرية ترك قريته، في عام 1948، مع قوافل النازحين، بلا قوافل، إلى بلاد العرب الواسعة. ثم تسلل عائدًا إلى قريته بعد قيام الدولة. فظل أهل القرية يحفظون فيما بينهم أمر عودته. فآووه وأطعموه. واحترف صناعة الحصير والمكانس. فزوجوه. وادعوا أن زوجه هي امرأة أخيه الثانية، وأن أولاده هم أولاد أخيه منها. وحفظوا السر هم وأولادهم من بعدهم فتكاثر أولاده وتكاثر حفظه السر فلم يبلغ آذان السلطة على الرغم من تكرار التطويق طول الأعوام العشرين الماضية. وكان يموت مختار ويولون مكانه مختارًا، فيختار لهم ما شاؤوا من الوشاية إلاّ هذا السر الذي أصبح كالعرق الدساس لا يدسون على بعضهم البعض به، أو كيقظة الضمير الذي يجب ألاّ يوقظ.
                        حتى شاخ السر فوافاه الأجل الليلة فدفنوه صمتًا وبكوا عليه صبرًا.
                        - ومن تكون تلك المرأة التي اقتحمت علينا المضافة?
                        - أم أولاده.
                        - ومن تكون لك?
                        - والدتي!
                        - خفف عنك. لقد عاش عمره، رحمه الله!
                        - ولكنني لم أعشه. كل يقول هذا والدي. أما أنا فأنكرته حتى أعيش.
                        - حتى يعيش.
                        - هذا هو سري الذي لم يمت بموته. وكان الفجر قد طلع.
                        عودة يُعاد إلى البيت القديم

                        بدأت الأمور تختلط في عقلي عن يعاد حين بدأنا بتناول طعام الإفطار، فولا مخلوطًا بالحمص، في مطعم في العفولة. فاستغربت يعاد أن يتقن اليهود، القادمون من أوروبا، هذا الفولكلور العربي. فقلت لها: بل هم قادمون من بلاد العرب ولم يتغير عليهم شيء حتى ولا الشتيمة - يَشتمون ويُشتمون بلغة الضاد.
                        ضحكت يعاد وشتمتني تحببًا. قلت: هل تشتم البنت والدها? قالت: بل أنت عمي وفارس أحلامي منذ الصغر.
                        قلت: والذي حولني، بين ليلة وضحاها، من أبيك إلى عمك، سيعيد إليك ذاكرتك الليلة. فهيا إلى حيفا نوصل ما انقطع.
                        وفي السيارة، التي حملتنا إلى حيفا، أخذت يعاد تلاطفني وتقول: سأفاجئك يا عمي مفاجأة. إما أن تكون سارة أو أن تكون سيئة، فأنت تحكم.
                        وأخذتني كما يأخذ المعلم تلميذه وأسمعتني حكاية لم أستطع تصديقها. ولكنها ظلت تحكي، وتحكي فلا أجد لحكايتها من جواب سوى: مستحيل!
                        قال إن أمرها اختلط عليّ. فيعاد، التي انتظرتها، هي والدتها. وقد ماتت.
                        - وأما أنا، يا عمي، فابنة يعاد التي انتظرتها.
                        - مستحيل، مستحيل!
                        - هل أشبهها كل هذا الشبه يا عماه?
                        - مستحيل، مستحيل!
                        وقالت إن والدتها كانت تذكرني دائمًا بالخير ولذلك سمت ابنها سعيدًا باسمي، وابنتها يعاد باسمها، (حتى إذا عدت،
                        يا يعاد، ستقولين له: (لم تغيرنا الغربة).
                        - ها نحن التقينا، يا عماه. فهل تغيرنا?
                        - الصبا هو الصبا ولم يتغير. لكنني أرى، ويا لمصيبتي أن الزمن الذي انتصر شبابك عليه قد انتقم من ذاكرتك. فكيف ينسى الحبيب حبه الأول، والزهرة الفجر الذي برعمها?
                        - هل كنت تحبها هذا الحب كله يا عماه?
                        - أحبك كما أحب الشيخ أن يكون ماضيه حلمًا فيستيقظ. لقد استيقظت. فكيف أجدك تهذين في المنام?
                        وأوغلت في أوهامي كغريق يوغل في مغارة تحت الماء يلوح له، في طرفها البعيد، سراب نور.
                        قلت: حين تدخل بيتي العتيق في شارع الجبل ستستيقظ.
                        فلما وصلنا إليه، تأبطت ذراعها وأخذت أصعد بها الدرجات، التي دحرجوها عليها من قبل عشرين عامًا، وأنا أحسب نفسي عريسًا في ساعة الدخلة.
                        ألقيت الأعوام العشرين الماضية في صندوق القمامة في ساحة الدرج وصعدت إلى المنزل وأنا أطير بجناحين من يعاد.
                        وكنت أهتف: ها نحن نعود عودة المنتصرين!
                        وكان الجيران يفتحون أبواب بيوتهم محيين ومستفهمين. فكانت تركض إلى جانبي وهي ترد التحية وتقول متباهية: عمي بعد غياب العمر!
                        فأطلقت جارة زغرودة ألحقتها الجارات الأخريات بزغاريد متلاحقة كتلاحق صفارات السفن في ميناء حيفا ليلة رأس السنة.
                        فلما دخلنا المنزل قالت يعاد وهي مبهورة النفس: استرح، أيها المنتصر. أما أنا فأعود أسيرة!
                        وسألت: لأي شيء زغردت النساء?
                        قلت: لعودتك.
                        - أسيرة?
                        زائرة.
                        - فما يفرحهم?
                        - السجناء يحلقون ذقونهم ويتزينون ويفرحون في يوم الزيارة.
                        قالت: ما هذا وقت الفرح.
                        - حتى فرحة الزيارة تبخلين بها على هؤلاء السجناء?
                        قالت: كيف تأتي الفرحة بنعمة الغازي?
                        فأجبت: كما ينضج الطعام بنعمة النار.
                        فلما سألتني: من أين أتتك هذه الحكمة?
                        أجبتها: من يوم ما شكسبرني حراس السجن.
                        وحكيت لها حكايتي معهم وكيف التقيت أخاها في الزنزانة فسمعت منه كلامًا جعلني أرى الزنزانة جنة وقضبان الكوة جسرًا نحو القمر.
                        فكانت تضحك تارة وتبكي تارة. وتقول: أخبرني عن يعادك? فأروي لها حكايتنا القديمة. وأقول: هنا جلسنا. وهنا، في هذه الغرفة، ظللت يا شيطانة مستيقظة تنتظرينني وأنا منكتم الأنفاس في الغرفة المجاورة، لأنني أهبل، حتى جاء العسكر.
                        - العسكر يطوقون الدار!
                        هذا ما سمعته من الجارة، التي اقتحمت علينا الباب دون استئذان فوجدتني جاثيًا على أربع تحت قدمي يعاد أمثل وقعتي الأولى عن الدرج، قبل عشرين عامًا، ويعاد تضحك.
                        فلم أقم من جثوتي.
                        في انتظار يُعاد الثالثة

                        وأما يعاد فجلست على مقعد ووضعت رجلاً على رجل، جلسة الرجل، وقالت: قم وناولني سيجارة ولا ترع!
                        - فيأخذونك كما أخذوك في تلك المرة.
                        - أخذوا والدتي في تلك المرة.
                        - فيأخذونك هذه المرة.
                        - الأمر هذه المرة غيره في تلك المرة.
                        - ولكنهم لم يتغيروا.
                        - إذا لم يتغيروا فهي مأساتهم. أما نحن فتغيرنا.
                        - لن تستطيعي أن ترديهم. وسوف يأخذونك مني.
                        - إلى أين?
                        - إلى ديار الغربة?
                        - بل أنا راجعة إليها، أخذوني أم تركوني. فهل لديك من حل?
                        - أن نختبئ لدي الجارة.
                        - إلى متى?
                        - نفعل ما فعله الشيخ الضرير في قرية السلكة.
                        - عشرين عامًا أخرى?
                        - حتى تتغير الأمور.
                        - فمن يغيرها?
                        - أخوك سعيد قال: الشعب.
                        - الشعب وهو مختبئ?
                        - أنا وأنت نختبئ. أما أخوك سعيد فيكافح.
                        - فيهدي الحرية إلى المختبئين?
                        وضحكت متهكمة ثم قالت: إذا عشت يا عمي سعيد فستكون ابن سبعين عامًا حين تلتقي يعاد الثالثة. ولن تعرفها ولن تعرفك.
                        وأجلستني إلى جانبها:
                        - هل تحبني يا عماه?
                        - بحنين عمري.
                        - وهل تحب أن تتزوجني?
                        - حتى لا يفرقنا الموت.
                        - أتزوج شيخًا في آخر عمره?
                        - سأعود إلى البداية.
                        - مستحيل!
                        - فكيف يؤمن أخوك بأنهم سيعودون منذ البداية?
                        - سمعوا ذلك من شيوخهم. والشيوخ لا تذكر من البداية سوى عنفوان الشباب، فتستحلي البداية. هل تعرف البداية، حقًا، يا عمي? ليست البداية ذكريات عذبة، فحسب، عن صنوبر فوق الكرمل أو عن بيارات فوق ظهوركم، أو عن أغاني بحارة يافا. هل كانوا حقًا يغنون?
                        هل تريد العودة إلى البداية حتى تبكي على أخيك، الذي قطعه الونش إربًا إربًا وهو يقطع اللقمة من الصخر، مرة ثانية ومنذ البداية?
                        - أخوك سعيد قال إنهم تعلموا من أخطاء من سبقهم فلن يرتكبوها.
                        - لو كانوا تعلموا لما تحدثوا عن العودة إلى البداية.
                        - من أين لك هذا الكلام الكبير يا يعاد الصغيرة?
                        - من عمري الكبير الذي ينتظرني.
                        - فهل تتركينني?
                        - الماء لا يترك البحر يا عماه. يتبخر ثم يعود في الشتاء. ويعود أنهارًا وجداول. ولكنه يعود.
                        - فهل أبقى وحيدًا?
                        - حتى ضرير السلكة لم يعش وحيدًا. اذهب واصنع الحصر في قرية السلكة.
                        ولكنني لم أذهب إلى قرية السلكة، ولم أصنع الحصر لا في السلكة ولا في غيرها.
                        فقد أقبل العسكر. فبقيت في موضعي بلا حراك سوى أني وضعت يدي فوق عيني فأغمضتهما حتى لا أرى النهاية كما رأيت البداية.
                        فشعرت وكأن أيدي العسكر تدفعني إلى الخارج وتقذفني على الدرجات. فأجدني مرتميًا في فناء الدرج. فلا أستنجد بصاحبي يعقوب هذه المرة الذي أصبح يحتاج إلى من ينجده.
                        وأسمع من فوق، في منزلي، صراخًا أنثويًا، وصوت لطمات وركل وجلبة. وأرى معركة حامية تدور بين يعاد والعساكر. وأراها تقاوم وتصرخ وتركل بقدمها. وأراهم يتكاثرون عليها ويدفعونها أمامهم إلى سيارة الترحيل وأسمعها، والسيارة تتحرك، تنادي: سعيد، لا يهمك فإنني عائدة!
                        وفتحت عيني وشهقت قائلاً: ها قد عدنا منذ البداية!
                        لكنني رأيت عجبًا. رأيت ضابط الشرطة يقرأ في أوراق يعاد بكل احترام. وسمعته يعتذر لها عن الأمر الجديد الصادر بإلغاء الإذن بدخولها إلى إسرائيل، وعن إلزامها بالعودة - معهم - إلى نابلس حالاً. وقال أنه عليها أن تعود، غدًا من حيث أتت، أي عبر الجسر.
                        وسمعتها تقول: لم أنتظر منكم غير ذلك.
                        فأجابها: لم ننتظر منك الإقامة في بيت سعيد.
                        فصاحت: هذا بلدي، داري، وهذا عمي!
                        قلت في نفسي: سأحفظها مؤونة للعشرين القادمة.
                        قال: ممنوع.
                        فقالت أنها لم تنتظر منهم سوى ما هم يفعلون. فكيف تنتظرون منا سوى ما نفعل?
                        فانحنى الضابط أمامها باحترام عسكري وهو يقول:
                        يا صغيرتي الحسناء لقد انتظرنا منكم أكثر مما تفعلون.
                        وودعتني يعاد مصافحة. ثم اقتربت بوجهها من وجهي وقالت: هل قبلت والدتي قبل رحيلها، يا عماه?
                        قلت: حالوا ما بيني وبينها.
                        قالت: إذن ضاعت عليك القبلة الثانية. ومضت.
                        مسك الختام، الإمساك بالخازوق

                        قلت لك، يا محترم، إنني لم أذهب إلى قرية السلكة ولم أصنع الحُصُر لا فيها ولا في غيرها. فالذي جرى هو أنني ذهبت وقعدت على ذلك الخازوق.
                        وجدتني، مرة أخرى، متربعًا وحيدًا على رأس ذلك الخازوق الذي بلا رأس. كابوس يحط على صدري ليلة ليلة، بلا انقطاع، فلا أقوى على إزاحته عن صدري أو على أن أستيقظ. خازوق في كابوس. والخازوق الحقيقي هو ذلك الوسواس، الذي لم أستطع أن أفكه عني، أن ماذا سيحل بك، يا ابن النحس، لو ظهر أنه ليس بكابوس بل خازوق واقع?
                        أضفت غطاء ثقيلاً إلى غطائي فاخترقته البردية. فأضفت آخر حتى السابع فاخترقتهم جميعًا. فصرخت: من لي بذات الحسن ترفع عني هذه الأغطية?
                        ولكن العسكر أخذوها مرة أخرى. وكنت أتمتم باسمها وألومها على مصيري لومًا شديدًا. فهي التي أقنعتني بأن خازوقي الماضي ليس بكابوس، فكيف أومن بأن خازوقي الحالي هو كابوس?
                        عادت (يعاد) فإذا بها ليست (يعاد). باقة ورد في عرس المستقبل وإكليل زهور ناضرة على قبر الماضي في وقت معًا. انتظرت عودتها عشرين عامًا فلما عادت قالت: لست يعادك. تركتني وحيدًا وقالت: لست وحيدًا. فلما سألتها: أتعودين? أجابت: كما يعود ماء البحر إلى البحر، في الشتاء! لقد أقبل الشتاء يا يعاد، فعودي! قالت: هذا شتاؤك وحدك.
                        وحدي، مرة أخرى، وفوق هذا الخازوق أنظر إلى خلق الله من فوق علوه الشاهق.
                        وكانوا يأتونني وحدانا.
                        فأتاني صديقي القديم، يعقوب. وكان حزينًا. فصحت به: الخازوق، يا صديق العمر! قال: كلنا نقعد عليه! قلت ولكنني لا أراكم! قال: ولا نحن نرى أحدًا. كلٌّ وخازوقه وحيد. وهذا هو خازوقنا المشترك. ومضى.
                        وأتاني الرجل الكبير. وكان مذهولاً. فصحت به: الخازوق يا عم! قال: ما هو بخازوق بل هوائي تلفزيون. صار الواحد منكم مثل الراكب في غواصة، كلما أوغلتم في العمق زدتم الهوائي ارتفاعًا. اقعد على هوائيك واسترح.
                        ومضى.
                        وأتاني الشاب الذي يتأبط الجريدة. وكان شابًا. فصحت به: الخازوق، يا ولداه! قال: الذي لا يريد أن يقعد عليه ينزل إلى الشارع معنا. لا بديل ثالث، فاختر. ومضى في الشارع.
                        ألا يوجد لي مكان تحت الشمس إلاّ فوق هذا الخازوق? ألاّ يوجد لديكم خازوق أقصر ارتفاعًا أقعد عليه? ربع خازوق، نصف خازوق، ثلاثة أرباع خازوق?
                        وأتتني يعاد الأولي فمددت لها يدي حتى أرفعها إلى فوق. فأمسكت بيدي وأخذت تشدني إلى قبر الغربة. فتشبثت بخازوقي.
                        وأتتني (باقية) منادية أن انزل فقد بنى لك (ولاء) إلى جانبه قصرًا من صدف البحر. فتشبثت بخازوقي. وأتاني سعيد، ابن يعاد وأخو يعاد، وهو يلوح بعباءته الأرجوانية ويناديني: تعال يا والدي أدفئك بعباءتي! فتشبثت بخازوقي.

                        ورأيت الشاب، الذي يتأبط الجريدة، وقد تأبط فأسًا. ثم رأيته يهوي بفأسه على قاعدة الخازوق وهو يقول: أريد أن أنقذك! فصحت به أن كف لئلا أقع. وتشبثت بخازوقي.
                        وفيما أنا في هذه الحيرة من أمري، وقد تقوس ظهري، إذا بهيئة رجل طويل القامة، حتى ليبلغني وأنا في موضعي العالي، يقترب مني بطيئًا كغيمة سارحة. فلم أر في وجهه سوى تجاعيد أشبه بصفحة البحر حين تلفحه نسمة شرقية. فعرفته من أول وهلة. فخفق له قلبي شوقًا. ولولا خوفي من الوقوع لأكببت عليه ألثم خده.
                        صحت: سيدي شيخ الفضائيين ليس لي غيرك!
                        قال: أعرف ذلك.
                        قلت: جئت في وقتك!
                        قال: لا أجيئكم إلاّ في وقتي.
                        قلت: أنقذني يا ذا المهابة.
                        قال: أردت أن أقول: هذا شأنكم. حين لا تطيقون احتمال واقعكم التعس ولا تطيقون دفع الثمن اللازم لتغييره تلتجئون إليّ.
                        إلاّ أنني أرى أن هذا الأمر أصبح شأنك وحدك. قل: إن شاء الله، واركب على ظهري ولنمض.
                        وفيما نحن طائران في الفضاء، وأنا محمول على ظهره أناجي أرواح أجدادي، منذ جدي الأكبر، أبجر بن أبجر حتى عمي الذي لقي كنز العائلة، وأدعوها أن تحضر، فترى، فتتباهى بابنها الفالح.
                        إذا بي أسمع، على الأرض من تحتي، زغاريد.
                        فنظرت إلى تحت. فرأيت الشاب المتأبط الجريدة، وما زال يحمل فأسه. ورأيت يعاد ورأيت أخاها سعيدًا. وأبا محمود. وأطفاله يحملون أغطيتهم على ظهورهم ويقومون. والجارات، وكنّ يزغردن. والعامل (أخت) من وادي الجمال يحمل مزودته ويذهب إلى عمله، ويعقوب وقد نزل عن خازوقه. وخالتي أم أسعد (المخصية). وحتى هي كانت تزغرد.
                        ورأيت يعاد ترفع رأسها إلى السماء وتشير نحونا وتقول:
                        حين تمضي هذه الغيمة تشرق الشمس!
                        للحقيقة والتاريخ

                        يرغب المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، أن يبلغكم بأنها كانت ترد عليه مدموغة في بريد عكا. ولذلك ظل يبحث في عكا عن مصدرها حتى قادته قدماه إلى مستشفى الأمراض العقلية داخل السور على شاطئ البحر.
                        فرحب به المسؤولون أجمل ترحيب. وبالمناسبة طلبوا منه أن يكتب عن استيائهم الشديد من الحكومة التي تصر على إبقاء المستشفى في هذا المكان الذي كان في زمن الانتداب البريطاني سجنًا رهيبًا، وفيه غرفة الإعدام التي شنق الإنجليز فيها عددًا من محاربي منظمة (ايتسل)، أي المنظمة العسكرية القومية. وهذه الغرفة حولت، منذ قيام الدولة، إلى متحف مصون لصون ذكراهم. ومستشفى الأمراض العقلية، القائم في البناء نفسه، يسيء إلى كرامة هذا المزار.
                        ويدعي المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة. بأنه أبدي دهشته، أمام المسؤولين لخلو غرفة الإعدام، المتحف، من أي ذكر للعرب الذين شنقهم الإنجليز فيها.
                        فأجابوه: هذا واجب أهلهم.
                        قال: أين?
                        قالوا: ليبدأوا بأن يصونوا قبورهم.
                        قال: فهل يزورونها?
                        قالوا: تلك مسألة أخرى.
                        حينئذ انتقل المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، إلى المسألة الأخرى، وهي المسألة التي زار مستشفى الأمراض العقلية من أجل حلها. أي معرفة من يكون سعيد أبو النحس المتشائل، هذا.
                        ففتشوا في دفاتر المستشفى عن نزلائه منذ قيام الدولة. فلم يهتدوا إلى هذا الاسم. فبحثوا عن أقرب الأسماء إليه فوجدوا اسمًا يثير الظن. وهو سعدي نحاس، الملقب أبو الثوم. ويقال: أبو الشوم. وقالوا: إن امرأة شابة زارت المستشفى مؤخرًا فسألت عنه معلنة أنها من أقربائه وقادمة من بيروت عبر الجسر. فأخبروها بأنه توفي منذ حوالي العام. فقالت إنه استراح وأراح.
                        ومضت عبر الجسر.
                        كذلك مضى المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، وفي قلبه رغبة في أن تساعدوه في البحث عن سعيد هذا.
                        ولكن، أين ستبحثون?
                        فإذا صدقتم حكاية التجائه إلى إخوته الفضائيين ورحتم تبحثون عنه في دياميس عكا القديمة فقد يصيبكم ما أصاب المحامي مع المجنون: المحامي الذي صدق مجنونًا فراح يبحث عن كنزه المطمور، كما ادعى، في الأرض بالقرب من شجرة خروب. فظل يحفر إلى الشرق وإلى الشمال وإلى الغرب وإلى الجنوب حتى اقتلع الشجرة كلها ولم يجد كنزًا. وكان المجنون، في هذه الأثناء، يصرف وقته بطلاء حائط في المستشفي بفرشاة يغمسها بدلو بلا قاع. فلما عاد المحامي إليه يتصبب عرقًا سأله المجنون: هل اقتلعت الشجرة? قال: اقتلعتها من جذورها ولم أعثر على كنزك.
                        قال المجنون: إذن هات فرشاة ودلوا بلا قاع وقف إلى جانبي وادهن!
                        - فكيف ستعثرون عليه، يا سادة يا كرام، دون أن تتعثروا به?!...

                        ورأيت الشاب، الذي يتأبط الجريدة، وقد تأبط فأسًا. ثم رأيته يهوي بفأسه على قاعدة الخازوق وهو يقول: أريد أن أنقذك! فصحت به أن كف لئلا أقع. وتشبثت بخازوقي.
                        وفيما أنا في هذه الحيرة من أمري، وقد تقوس ظهري، إذا بهيئة رجل طويل القامة، حتى ليبلغني وأنا في موضعي العالي، يقترب مني بطيئًا كغيمة سارحة. فلم أر في وجهه سوى تجاعيد أشبه بصفحة البحر حين تلفحه نسمة شرقية. فعرفته من أول وهلة. فخفق له قلبي شوقًا. ولولا خوفي من الوقوع لأكببت عليه ألثم خده.
                        صحت: سيدي شيخ الفضائيين ليس لي غيرك!
                        قال: أعرف ذلك.
                        قلت: جئت في وقتك!
                        قال: لا أجيئكم إلاّ في وقتي.
                        قلت: أنقذني يا ذا المهابة.
                        قال: أردت أن أقول: هذا شأنكم. حين لا تطيقون احتمال واقعكم التعس ولا تطيقون دفع الثمن اللازم لتغييره تلتجئون إليّ.
                        إلاّ أنني أرى أن هذا الأمر أصبح شأنك وحدك. قل: إن شاء الله، واركب على ظهري ولنمض.
                        وفيما نحن طائران في الفضاء، وأنا محمول على ظهره أناجي أرواح أجدادي، منذ جدي الأكبر، أبجر بن أبجر حتى عمي الذي لقي كنز العائلة، وأدعوها أن تحضر، فترى، فتتباهى بابنها الفالح.
                        إذا بي أسمع، على الأرض من تحتي، زغاريد.
                        فنظرت إلى تحت. فرأيت الشاب المتأبط الجريدة، وما زال يحمل فأسه. ورأيت يعاد ورأيت أخاها سعيدًا. وأبا محمود. وأطفاله يحملون أغطيتهم على ظهورهم ويقومون. والجارات، وكنّ يزغردن. والعامل (أخت) من وادي الجمال يحمل مزودته ويذهب إلى عمله، ويعقوب وقد نزل عن خازوقه. وخالتي أم أسعد (المخصية). وحتى هي كانت تزغرد.
                        ورأيت يعاد ترفع رأسها إلى السماء وتشير نحونا وتقول:
                        حين تمضي هذه الغيمة تشرق الشمس!
                        للحقيقة والتاريخ

                        يرغب المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، أن يبلغكم بأنها كانت ترد عليه مدموغة في بريد عكا. ولذلك ظل يبحث في عكا عن مصدرها حتى قادته قدماه إلى مستشفى الأمراض العقلية داخل السور على شاطئ البحر.
                        فرحب به المسؤولون أجمل ترحيب. وبالمناسبة طلبوا منه أن يكتب عن استيائهم الشديد من الحكومة التي تصر على إبقاء المستشفى في هذا المكان الذي كان في زمن الانتداب البريطاني سجنًا رهيبًا، وفيه غرفة الإعدام التي شنق الإنجليز فيها عددًا من محاربي منظمة (ايتسل)، أي المنظمة العسكرية القومية. وهذه الغرفة حولت، منذ قيام الدولة، إلى متحف مصون لصون ذكراهم. ومستشفى الأمراض العقلية، القائم في البناء نفسه، يسيء إلى كرامة هذا المزار.
                        ويدعي المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة. بأنه أبدي دهشته، أمام المسؤولين لخلو غرفة الإعدام، المتحف، من أي ذكر للعرب الذين شنقهم الإنجليز فيها.
                        فأجابوه: هذا واجب أهلهم.
                        قال: أين?
                        قالوا: ليبدأوا بأن يصونوا قبورهم.
                        قال: فهل يزورونها?
                        قالوا: تلك مسألة أخرى.
                        حينئذ انتقل المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، إلى المسألة الأخرى، وهي المسألة التي زار مستشفى الأمراض العقلية من أجل حلها. أي معرفة من يكون سعيد أبو النحس المتشائل، هذا.
                        ففتشوا في دفاتر المستشفى عن نزلائه منذ قيام الدولة. فلم يهتدوا إلى هذا الاسم. فبحثوا عن أقرب الأسماء إليه فوجدوا اسمًا يثير الظن. وهو سعدي نحاس، الملقب أبو الثوم. ويقال: أبو الشوم. وقالوا: إن امرأة شابة زارت المستشفى مؤخرًا فسألت عنه معلنة أنها من أقربائه وقادمة من بيروت عبر الجسر. فأخبروها بأنه توفي منذ حوالي العام. فقالت إنه استراح وأراح.
                        ومضت عبر الجسر.
                        كذلك مضى المحترم، الذي تلقى هذه الرسائل العجيبة، وفي قلبه رغبة في أن تساعدوه في البحث عن سعيد هذا.
                        ولكن، أين ستبحثون?
                        فإذا صدقتم حكاية التجائه إلى إخوته الفضائيين ورحتم تبحثون عنه في دياميس عكا القديمة فقد يصيبكم ما أصاب المحامي مع المجنون: المحامي الذي صدق مجنونًا فراح يبحث عن كنزه المطمور، كما ادعى، في الأرض بالقرب من شجرة خروب. فظل يحفر إلى الشرق وإلى الشمال وإلى الغرب وإلى الجنوب حتى اقتلع الشجرة كلها ولم يجد كنزًا. وكان المجنون، في هذه الأثناء، يصرف وقته بطلاء حائط في المستشفي بفرشاة يغمسها بدلو بلا قاع. فلما عاد المحامي إليه يتصبب عرقًا سأله المجنون: هل اقتلعت الشجرة? قال: اقتلعتها من جذورها ولم أعثر على كنزك.
                        قال المجنون: إذن هات فرشاة ودلوا بلا قاع وقف إلى جانبي وادهن!
                        - فكيف ستعثرون عليه، يا سادة يا كرام، دون أن تتعثروا به?!...

                        تمت
                        sigpic

                        تعليق

                        • مجدي السماك
                          أديب وقاص
                          • 23-10-2007
                          • 600

                          #13
                          تحياتي

                          اروعنا ربيع عقب الباب..تحياتي ايها المبدع الكبير
                          جهد ضخم تشكر عليه..كان الله في عونك.
                          نعم اميل حبيبي من اعلام الادب الفلسطيني..بل هو علم في راسه نار.لع فلسفة تجعلني اقول انه بذات وطن..وتاريخ.
                          خالص احترامي
                          عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

                          تعليق

                          • د. نديم حسين
                            شاعر وناقد
                            رئيس ملتقى الديوان
                            • 17-11-2009
                            • 1298

                            #14
                            ألرَّاقي ربيع عقب آلباب تحيتي آلقلبية وبعد ،
                            لقد كانَ من حسنِ حظي أن عايشتُ آلكبار : محمود درويش وسميح آلقاسم وإميل حبيبي وإميل توما وتوفيق زياد وصليبا خميس وراشد حسين وفدوى طوقان وغيرهم طفلاً وفتىً وشابًّا ورجلاً وشاعِرًا أيضًا ! لأنني وكشقيق سميح كنتُ أراهُم في بيتنا في قرية آلرامة آلجليليَّةِ ، وفي مكاتب جريدة آلإتحاد في حيفا . وأستطيعُ وبدون مبالغةٍ أن أُؤلِّفَ مجلَّدًا كاملاً عنهُم يفيضُ عن جوانبهِ طرائفَ وحكاياتٍ وقصصاً لم يعرفها أحدٌ عنهم ! وفي هذا آلسِّياقِ أريدُ أن أسرُدَ واقعةً طريفةً عن آلكبير "حبيبي" :
                            في آلعام 1977 كنتُ أعملُ في مكاتب "درجِ آلموارنةِ" آلتابعة للحزبِ آلشيوعي مسؤولاً عن آلترجمة بطلبٍ من آلمرحوم صليبا خميس . وكنتُ إذذاكَ أكتب مقالة في آلإتحاد بناءً على طلبِ آلرفيق إميل شخصيًّا لكَوني " طويلَ آللسانِ وآلأَنفِ " كما قال . وفي أحدِ آلمقالاتِ كنتُ قد آستشهدتُ بمقولةٍ للشيخ "حسن آلبنَّا " . جاءني من يقول : يا نديم أنتَ مطلوبٌ لدى آلرفيق إميل حالاً ! ولم أكن أعرفُ آلسَّبب . ومن آلذُّعرِ آلذي كانَ يتصَبَّبُ من قَسَماتِ مُبَلِّغي بهذا آلأمرِ فَهمتُ أن آلأمرَ خطير ! وكان إميل حبيبي شخصًا كاريزماتيًا لا يرحمُ أو قُلْ: " كاثوليكيًّا أكثرَ من آلبابا " في كلِّ ما يخصُّ آلحزب ! وعندما دخلتُ مكتبهُ شممتُ رائحةَ آلغضبِ فبادرني حانِقًا : كيفَ تجرؤُ يا رفيق على ذكرِ " آلبنَّا " في صحيفتنا هذه ؟ فقُلتُ : وما آلغريبُ في آلأمرِ يا رفيق ؟ ألا نذكُرُ قادَةَ آلدولةِ آلعبريَّةِ فيها ؟ نذكُرُهُم لأعمالهم آلقبيحةِ ومقولاتهم آلعنصريَّةِ ، فما آلضَيرُ من آقتباسٍ للشيخِ "آلبنَّا" جميلٍ وصادقٍ ؟ قالَ : إذهب وآحضِر لي كتابهُ ! فقُلتُ أخافُ عليكَ يا رفيق أن تنتقلَ للإخوانِ آلمسلمين !! فقالَ : أُصمُت ونفِّذ ما قلتُهُ لك ! وآستوقفني أثناء خروجي من مكتبهِ قائِلاً : إسمَع أنتَ من آلآن فصاعدًا آلشيخ آلرفيق نديم !! وعندما قرأ تذييلَ مقالتي للأُسبوع آلذي تلا .. كادَ أن يُغمى عليه !! ِ
                            التعديل الأخير تم بواسطة د. نديم حسين; الساعة 15-12-2009, 23:19.

                            تعليق

                            • يسري راغب
                              أديب وكاتب
                              • 22-07-2008
                              • 6247

                              #15
                              الراقي الكبير
                              الاستاذ ربيع الموقر
                              ملف من المراجع عن اميل حبيبي وكل ما بعده تكميل للجميل وفيه اشارك بمقاله صغيره لعلها تحظى برقي هذا الملف العظيم
                              دمت راقيا قدير
                              ------------
                              اميل حبيبي والهوية العربيه الفلسطينية :
                              ---------------------------------
                              بالنظر إلي الأديب والسياسي الروائي اليساري الفلسطيني " إميل حبيبى " كواحد من النخبة الفلسطينية ، والتي تمثل عرب 1948م والذي كان واحدا من الأعضاء القياديين في الحزب الشيوعي الإسرائيلي نجده يتخلي عن مقعده ، في الكنيست الإسرائيلي سنة 1972 ، ويتفرغ للكتابة معبراً عن ذاتيته الفلسطينية الوطنية بحرية واستقلاليه ، عن أي تأثيرات حزبيه ، وهو نموذج متميز للنخبة ، الفلسطينية سعى منذ العام 1948م ، علي دعوة الفلسطينيين بعدم الرحيل من مدنهم وقراهم رغم ، المذابح التي واجهوها ابتداء في دير ياسين سنة 1948 ثم كفر قاسم سنة 1956 ، وكان التشبث بالأرض والهوية هي محور نضاله السياسي ، كما كانت تمثل أفكاره الأدبية الأساسية مع قبوله ، الانضواء تحت لواء الجنسية الإسرائيلية بمفهوم " المتشائل" ، وليس المتفائل أو المتشائم ، بما تحمله هذه الكلمة من تناقض يعيشه عرب 1948م ، مابين الذاتية الوطنية الفلسطينية والجنسية الإسرائيلية ، ويمكن التعرف إلى هذه المعاني في روايته الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل " .
                              وكان الأدب والشعر لعرب 1948م هو المعبر عن همومهم الوطنية والقومية ، فلم يكن لهم أحزاب سياسة خالصة ، تتحدث باسمهم ، وان وجدوا الحزب الشيوعي الإسرائيلي – حاضنا لهم – فكان / محمود درويش ، وتوفيق زياد ، وسميح القاسم ، واميل حبيبى – في تلك الفترة ما قبل نكسه يونيه سنة 1967 قبل التواصل مع شعبهم الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية – يدركون ان هويتهم الوطنية والقومية ، الفلسطينية العربية هي الدرع الواقي لهم فكانوا ولازالوا لسان عرب المقاومة والتي عبر عنها " سميح القاسم " قائلا : طمئنوا كل مطاول .... ان قتلي محض باطل .فأنا باق ....إلي ما شئت .. أحيا وأقاتل" .. بل انهم ينددون بقمع الأنظمة العربية لحركة المقاومة ، فيقول " القاسم " في ديوان " سقوط الأقنعة " – جميع الأقنعة .. سقطت فإما رايتى تبقي .. وكأسي المترعة ...أو جثتي والزوبعة .. !! ومن " مفكرة أيوب " تقر لسميح ايضا:
                              "متتصب القامة امشي .. مرفوع الهامة امشي .. في كفي قصفه زيتون .. وعلي كتفي نعشى ..وانا امشي .. وهو الذي قال : "عنقي علي السكين ياوطني .. ولكني اقول لك انتظرني .. ويداي ، خلف ظهري .. مقيدتان ..ولكنى اغني .. لك .. أه ياجرحي " وهو الذي استخفض الإسلام قائلاً : " آن أن نبعث الثائر المصطفي. آن ان تشهر الثورة الرمح والمصحفا..آن أن يعلم اللص والقاتل . إنه زائل . زائل "

                              تعليق

                              يعمل...
                              X