لن انسى صباح ذلك العيد حين كنت في السادسة من عمري وكان ذلك احد ايام العيد القديمة الرائعة التي كانت تفوح اريج الطفولة العذبة وتشع دفء التآلف العائلي الذي كان فيه القلب ينبض نبضا واحدا والعروق يسري فيها دم واحد والعيون تتعانق منها النظرات حتى لتصبح المقل ترى صورة واحدة ملؤها الحب والقرب والطيبة.
كان شراء ملابس العيد في تلك الأيام حدثا فريدا حيث كان جود النفوس مما كانت تجود به الأرض من محصولها المحدود او جيوب موظف بسيط او ما توفره الأم من نقود شحيحة طوال العام استعدادا للعيد علها تشتري بعض الفرح لعيون أطفالها تجابه به عنت الفقر وجحوده
تأخرت الملابس ذلك العيد ربما كان بسبب انشغال والدي ببناء البيت الكبير في المدينة حيث كان العيش فيها حلم الفقراء وخلاص المقيمين في القرية زمنا طويلا.بالإضافة لما سبب البناء من قلة حيلة امي واستسلام قدرتها على توفير بعض المال اللازم للشراء .
قبل أسبوع من قدوم العيد زارنا ابو حسين خال والدي وهو رجل كبير في السن لكن عطفه علينا كان بحجم املنا بالعيد وفرحته.كان يسكن في المدينة وكانت ابنته تعمل في خياطة الملابس فكان الإتفاق ان تخيط لي ولأختي ملابس العيد.
بدأت رحلة الأحلام .حلم بلونها وآخر بشكلها وكلما مر يوم يزداد الحلم تجسدا والفرح قربا والأمل تنفسا.كانت الليالي تمر مثقلة بعبء الانتظار والعيون تكتحل ببريق الاندهاش كلما طرق الذهن صورة الثوب الجديد وبهجة العيد.مر ذلك الأسبوع بطيئا ثقل الانتظار وسريعا خفة الفرح في الوصول الى عيوننا الصغيرة البريئة التي كانت تمتلئ بالصور والأحلام وشوق لذلك اليوم الذي كان يطرقها لتفتح له ابوابها مرحبة مهللة كأنه كل العمر.
تلك الليلة كانت بطول انتظار من غاب ولن يأتي ، تلك الليلة كانت بثقل الهم على قلب من لم يعرف في عمره الا الحرمان ولم يذق الا الخيبة ولم يعش الا طفولة مسروقة ومن لم يحرم الا الحنان والاهتمام.كانت ليلة زاد ظلمة غياب نور الفانوس فيها غياب الأمل بالفرح والحبور.كانت ليلة العيد!وأي عيد؟!لم يصلنا أي خبر عن الملابس الجديدة بل لم يصلنا أي خبر عن العيد.كانت كل بنات الحي وبنات عمي وبنات عمتي يتباهين بثيابهن وحليهن وأنا اطالع فرحهن بعيني الطفلة المحرومة ونفسها الحزينة وقلبها الباكي.كنت أطالعهن بروح من غاب عنها العيد هي وحدها دون غيرها في هذا العالم الجاحد الذي حرمها حتى من يوم اهداها اياه الله.
لكن صباح العيد كان اكثر حزنا ورطوبته الرائعة النضرة كانت تحرق قلبي الصغير وصوت ضحكات اقراني يؤلم عمري الغض وألوانهم البهية الزاهية تحجب الشمس عن عيني فأحاول النظر من خلال الدموع لكنها كانت ابعد من ان اراها والدموع كانت أغزر من أن تسمح لشعاع واحد بالوصول.
كان ابو حسين كعادته في صباح كل عيد يأتي مبكرا حاملا حقيبة فيها احلام الصغار:هدايا وألعاب وكل الفرح .كنا نركض اليه ونجري مختصرين المسافة لنصله قبل ان يصلنا عله يفتح حقيبته ليوزع على قلوبنا الفرح وعلى عيوننا البهجة وعلى عمرنا الطفولة.جاء مبكرا هذا العيد أبكر مما اعتدنا.جرى الصغار إليه أسرع مما اعتادوا ولزمت أنا مكاني فلم أجر معهم لكن عيني سبقتهم إليه وكأنها أسرعت لتقول له انظر إلي انا ما زارني العيد وما أنارت وجهي بهجته.وصله الجميع هاتفين له منشدين حروف اسمه باصواتهم الرقيقة وأنا خلفهم صامتة أردد اسمه بحزن وابتهال الى الله ان يكون عيدي في حقيبته.كانت نظراتي إليه أقوى من أيديهم التي كانت تشد يده والحقيبة ،وكان رجائي سعة ما في الطفولة من عيد.كانت يداه وهما تفتحان الحقيبة مفتاح صندوق العجائب في زمن لم يكن فيها من العجائب الا حقيبته.وعندما فتحها فاح منها عطر مازال لليوم يضوع في عمري وانتشر نور مازال لليوم يضيئ أيامي ويشدني الى طفولة خلت أني فقدتها ذاك اليوم.فتحها وأخرج منها العيد: حلة رائعة احتضنتها يداه وأقبل إلي انا وحدي دون كل الأطفال وقدمها لي لأضمها بشوق الغائب دهرا ودفء من عانى من البرد ما جمد قلبه حتى شاخ وهو في السادسة.ضممتها الى جسدي الصغير وفي عيني امتنان مازال فيهما لليوم وعلى لساني دعاء اردده عمري كله .
كان شراء ملابس العيد في تلك الأيام حدثا فريدا حيث كان جود النفوس مما كانت تجود به الأرض من محصولها المحدود او جيوب موظف بسيط او ما توفره الأم من نقود شحيحة طوال العام استعدادا للعيد علها تشتري بعض الفرح لعيون أطفالها تجابه به عنت الفقر وجحوده
تأخرت الملابس ذلك العيد ربما كان بسبب انشغال والدي ببناء البيت الكبير في المدينة حيث كان العيش فيها حلم الفقراء وخلاص المقيمين في القرية زمنا طويلا.بالإضافة لما سبب البناء من قلة حيلة امي واستسلام قدرتها على توفير بعض المال اللازم للشراء .
قبل أسبوع من قدوم العيد زارنا ابو حسين خال والدي وهو رجل كبير في السن لكن عطفه علينا كان بحجم املنا بالعيد وفرحته.كان يسكن في المدينة وكانت ابنته تعمل في خياطة الملابس فكان الإتفاق ان تخيط لي ولأختي ملابس العيد.
بدأت رحلة الأحلام .حلم بلونها وآخر بشكلها وكلما مر يوم يزداد الحلم تجسدا والفرح قربا والأمل تنفسا.كانت الليالي تمر مثقلة بعبء الانتظار والعيون تكتحل ببريق الاندهاش كلما طرق الذهن صورة الثوب الجديد وبهجة العيد.مر ذلك الأسبوع بطيئا ثقل الانتظار وسريعا خفة الفرح في الوصول الى عيوننا الصغيرة البريئة التي كانت تمتلئ بالصور والأحلام وشوق لذلك اليوم الذي كان يطرقها لتفتح له ابوابها مرحبة مهللة كأنه كل العمر.
تلك الليلة كانت بطول انتظار من غاب ولن يأتي ، تلك الليلة كانت بثقل الهم على قلب من لم يعرف في عمره الا الحرمان ولم يذق الا الخيبة ولم يعش الا طفولة مسروقة ومن لم يحرم الا الحنان والاهتمام.كانت ليلة زاد ظلمة غياب نور الفانوس فيها غياب الأمل بالفرح والحبور.كانت ليلة العيد!وأي عيد؟!لم يصلنا أي خبر عن الملابس الجديدة بل لم يصلنا أي خبر عن العيد.كانت كل بنات الحي وبنات عمي وبنات عمتي يتباهين بثيابهن وحليهن وأنا اطالع فرحهن بعيني الطفلة المحرومة ونفسها الحزينة وقلبها الباكي.كنت أطالعهن بروح من غاب عنها العيد هي وحدها دون غيرها في هذا العالم الجاحد الذي حرمها حتى من يوم اهداها اياه الله.
لكن صباح العيد كان اكثر حزنا ورطوبته الرائعة النضرة كانت تحرق قلبي الصغير وصوت ضحكات اقراني يؤلم عمري الغض وألوانهم البهية الزاهية تحجب الشمس عن عيني فأحاول النظر من خلال الدموع لكنها كانت ابعد من ان اراها والدموع كانت أغزر من أن تسمح لشعاع واحد بالوصول.
كان ابو حسين كعادته في صباح كل عيد يأتي مبكرا حاملا حقيبة فيها احلام الصغار:هدايا وألعاب وكل الفرح .كنا نركض اليه ونجري مختصرين المسافة لنصله قبل ان يصلنا عله يفتح حقيبته ليوزع على قلوبنا الفرح وعلى عيوننا البهجة وعلى عمرنا الطفولة.جاء مبكرا هذا العيد أبكر مما اعتدنا.جرى الصغار إليه أسرع مما اعتادوا ولزمت أنا مكاني فلم أجر معهم لكن عيني سبقتهم إليه وكأنها أسرعت لتقول له انظر إلي انا ما زارني العيد وما أنارت وجهي بهجته.وصله الجميع هاتفين له منشدين حروف اسمه باصواتهم الرقيقة وأنا خلفهم صامتة أردد اسمه بحزن وابتهال الى الله ان يكون عيدي في حقيبته.كانت نظراتي إليه أقوى من أيديهم التي كانت تشد يده والحقيبة ،وكان رجائي سعة ما في الطفولة من عيد.كانت يداه وهما تفتحان الحقيبة مفتاح صندوق العجائب في زمن لم يكن فيها من العجائب الا حقيبته.وعندما فتحها فاح منها عطر مازال لليوم يضوع في عمري وانتشر نور مازال لليوم يضيئ أيامي ويشدني الى طفولة خلت أني فقدتها ذاك اليوم.فتحها وأخرج منها العيد: حلة رائعة احتضنتها يداه وأقبل إلي انا وحدي دون كل الأطفال وقدمها لي لأضمها بشوق الغائب دهرا ودفء من عانى من البرد ما جمد قلبه حتى شاخ وهو في السادسة.ضممتها الى جسدي الصغير وفي عيني امتنان مازال فيهما لليوم وعلى لساني دعاء اردده عمري كله .
تعليق