اسمي في صفحة الوفيات

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مجدي السماك
    أديب وقاص
    • 23-10-2007
    • 600

    اسمي في صفحة الوفيات

    اسمي في صفحة الوفيات
    بقلم : مجدي السماك


    هاتفني بالموبايل.. صديق قديم لي.. من مدينة القدس.. وقال محدثا..
    الأرض هي حياة عمر وإيقاعها.. يذهب صباح كل يوم إلى حقله و يعود في المساء.. لا يغير هذا الإيقاع سوى حدث جلل.. كان يحب أرضه حبا جما.. يحرثها و يبذرها، يقلمها ويرويها. لقد أصبح روحه وجسده جزءا من أرضه بعد هذه السنين الطوال. كانت أرضه ملاصقة لإحدى المستوطنات الإسرائيلية.. و كثيرا ما كان يتشاجر مع سكانها بسبب مضايقتهم له، و كان دائما يقول : من يفقد أرضه يفقد عرضه وحريته، و من يفقد رجولته يفقد القدرة على استرجاع الأرض والحرية.. لا فائدة ترجى من حرية لا تدافع عن حق. تسلم إيعازا بضرورة إخلاء أرضه، و ذلك بهدف توسيع المستوطنة. جن جنونه، و أخذ يصرخ ويشتم بأعلى صوته.. بقدر ما تسمح به حنجرته .
    ذهب ذات صباح كالعادة إلى حقله.. تفاجأ بوجود الجرافات الإسرائيلية و الدبابات، و العدة و العتاد اللازمة للاستيلاء على أرضه الوحيدة.. اشتبك أبناؤه مع الجنود في محاولة لمنع هذه الطامة. قتل أحد أبنائه، و أصيب آخر . لقد سرقوا أرضه وقتلوا ابنه.. نعم.. فالأرض لهم هي الوجود بذاته .
    يقع بيته بالقرب من الأرض المسلوبة التي أصبحت ضمن المستوطنة. أصبح دون مصدر رزق.. اضطر أبناؤه إلى العمل بالأجرة في المدينة.. و فقد عمر عقله أو قد يكون في صدمة نفسية أثرها عميق.
    أصبحت الأسرة فقيرة.. تحول عمر من مالك للأرض إلى فقير معدم و مجنون.. و هكذا دخلت الأسرة في إيقاع من نوع ومذاق آخر مختلف.. له طعم المرارة و العذاب.
    في كل صباح يستيقظ عمر مبكرا.. و يتألم وهو يطلب من زوجته أن تتأكد إن كان ما يزال على قيد الحياة. و كانت تحاول جاهدة إقناعه بأنه حي، ويرزق. كان لا يصدق إلا إذا أحضرت له الصحيفة.. كي يتفقد اسمه في صفحة الوفيات و يطمئن إلى غياب اسمه منها، أصبح ثمن الصحيفة عبئا ثقيلا .
    إيقاع جديد للحياة.. و لازمة يومية، سؤال يوجهه عمر في كل صباح : هل اسمي موجود في صفحة الوفيات.. ثم شراء الصحيفة، ثم التوجه إلى صفحة الوفيات، فالإقناع، فالهدوء و السكينة .
    ذات صباح وجد عمر اسما مطابقا لاسمه في صفحة الوفيات.. يا الهي من هذه الصدفة! أصبح عمر في حالة عصبية شديدة.. مثل الثور الهائج.. لم يتحمل الصدمة.. لقد تصور أنه مات و طالبهم بدفنه.. وليس بمقدوره تصور أنه حي. اضطرت زوجته إلى بيع شيء من أثاث المنزل، و إرسال زوجها إلى الطبيب النفسي. استمر العلاج عدة جلسات.. تحسن وضع عمر بعض الشيء.. و كف عن السؤال عن وجود اسمه في صفحة الوفيات .
    دق جرس الباب في صباح باكر.. على غير ما هو مألوف.. فتحت زوجة عمر الباب.. كان الطبيب النفسي المعالج واقفا مضطربا، ويرجف.. أعطته الزوجة الإذن بالدخول.. لكن الطبيب النفسي سألها وهو خائف ومصدوم : هل اسمي موجود في صفحة الوفيات .
    Magdi_samak@yahoo.com


    22-5-2007
    عرفت شيئا وغابت عنك اشياء
  • دريسي مولاي عبد الرحمان
    أديب وكاتب
    • 23-08-2008
    • 1049

    #2
    مجدي العزيز الى قلبي...مساء الخير.
    شممت رائحة الأرض والقضية بين ثنايا قصتك...الجسد حاضر والروح غائبة تحاول جاهدة أن تتقمض نهايتها...
    بهذا التحدي الأخرق والذي وقفت ألما ازاءه...عشت محنة التأويل النفسي عندما يستعصي عليه الغوص في سواد اللاشعور من أجل معرفة حقيقة الأنا والأنا الاعلى...
    كل مؤول يحتاج الى تأويل...وحتى مشهدنا السياسي والفلسطيني الاستيطاني خصوصا يحتاج مقاربة سيكولوجية من نوع خاص حتما ستؤدي الى الفوضى العارمة.
    ليكن هذا ضربا من الجنون النفسي من أجل الحرية والأرض.
    دمت صديقي الرائع مجدي.
    محبتي.

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة مجدي السماك مشاهدة المشاركة
      اسمي في صفحة الوفيات

      بقلم : مجدي السماك

      هاتفني بالموبايل.. صديق قديم لي.. من مدينة القدس.. وقال محدثا..
      الأرض هي حياة عمر وإيقاعها.. يذهب صباح كل يوم إلى حقله و يعود في المساء.. لا يغير هذا الإيقاع سوى حدث جلل.. كان يحب أرضه حبا جما.. يحرثها و يبذرها، يقلمها ويرويها. لقد أصبح روحه وجسده جزءا من أرضه بعد هذه السنين الطوال. كانت أرضه ملاصقة لإحدى المستوطنات الإسرائيلية.. و كثيرا ما كان يتشاجر مع سكانها بسبب مضايقتهم له، و كان دائما يقول : من يفقد أرضه يفقد عرضه وحريته، و من يفقد رجولته يفقد القدرة على استرجاع الأرض والحرية.. لا فائدة ترجى من حرية لا تدافع عن حق. تسلم إيعازا بضرورة إخلاء أرضه، و ذلك بهدف توسيع المستوطنة. جن جنونه، و أخذ يصرخ ويشتم بأعلى صوته.. بقدر ما تسمح به حنجرته .
      ذهب ذات صباح كالعادة إلى حقله.. تفاجأ بوجود الجرافات الإسرائيلية و الدبابات، و العدة و العتاد اللازمة للاستيلاء على أرضه الوحيدة.. اشتبك أبناؤه مع الجنود في محاولة لمنع هذه الطامة. قتل أحد أبنائه، و أصيب آخر . لقد سرقوا أرضه وقتلوا ابنه.. نعم.. فالأرض لهم هي الوجود بذاته .
      يقع بيته بالقرب من الأرض المسلوبة التي أصبحت ضمن المستوطنة. أصبح دون مصدر رزق.. اضطر أبناؤه إلى العمل بالأجرة في المدينة.. و فقد عمر عقله أو قد يكون في صدمة نفسية أثرها عميق.
      أصبحت الأسرة فقيرة.. تحول عمر من مالك للأرض إلى فقير معدم و مجنون.. و هكذا دخلت الأسرة في إيقاع من نوع ومذاق آخر مختلف.. له طعم المرارة و العذاب.
      في كل صباح يستيقظ عمر مبكرا.. و يتألم وهو يطلب من زوجته أن تتأكد إن كان ما يزال على قيد الحياة. و كانت تحاول جاهدة إقناعه بأنه حي، ويرزق. كان لا يصدق إلا إذا أحضرت له الصحيفة.. كي يتفقد اسمه في صفحة الوفيات و يطمئن إلى غياب اسمه منها، أصبح ثمن الصحيفة عبئا ثقيلا .
      إيقاع جديد للحياة.. و لازمة يومية، سؤال يوجهه عمر في كل صباح : هل اسمي موجود في صفحة الوفيات.. ثم شراء الصحيفة، ثم التوجه إلى صفحة الوفيات، فالإقناع، فالهدوء و السكينة .
      ذات صباح وجد عمر اسما مطابقا لاسمه في صفحة الوفيات.. يا الهي من هذه الصدفة! أصبح عمر في حالة عصبية شديدة.. مثل الثور الهائج.. لم يتحمل الصدمة.. لقد تصور أنه مات و طالبهم بدفنه.. وليس بمقدوره تصور أنه حي. اضطرت زوجته إلى بيع شيء من أثاث المنزل، و إرسال زوجها إلى الطبيب النفسي. استمر العلاج عدة جلسات.. تحسن وضع عمر بعض الشيء.. و كف عن السؤال عن وجود اسمه في صفحة الوفيات .
      دق جرس الباب في صباح باكر.. على غير ما هو مألوف.. فتحت زوجة عمر الباب.. كان الطبيب النفسي المعالج واقفا مضطربا، ويرجف.. أعطته الزوجة الإذن بالدخول.. لكن الطبيب النفسي سألها وهو خائف ومصدوم : هل اسمي موجود في صفحة الوفيات .
      magdi_samak@yahoo.com


      22-5-2007

      نص يثقب القلب ويوجع الروح استاذ مجدي
      تتراءى أمام أعيننا حقيقة السراب وندرك أننا نعود القهقري لنتقزم أمام أنفسنا
      ألا يحق لنا أن نبكي ..!!
      تحية وتقدير استاذ مجدي
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • ربيع عقب الباب
        مستشار أدبي
        طائر النورس
        • 29-07-2008
        • 25792

        #4
        قضيتك .. ضميرتك
        ياضيق الأفق
        عش لا تشك
        وغن للملوك
        للصعلوك
        للسماء
        للبرك
        إياك أن تغادر الحلك
        لاحلم بالصباح
        لا ضيق بالمتاح
        ونم على الطوى
        على الرصيف و احترق
        وقدم الوطن فى لقمة لقاتلك !!

        مريرة قصتك مجدى السماك
        حارقة الكلمات و المعانى
        حتى لو تجملت .. لو لبست بعض تهكم وسخرية
        الأرض عرض
        و إذا ما ضاع عرضك
        فمت لأجله
        أو أشنق نفسك وولدك
        و رح طاهرا
        ليظل الدود و اليهود على امتداد أرض الله
        وفى كتبه السماوية !!

        آسف
        غير قادر على التحليل

        كن بألف خير وخير
        sigpic

        تعليق

        • م. زياد صيدم
          كاتب وقاص
          • 16-05-2007
          • 3505

          #5
          ** الراقى مجدى.......

          لقد اثر بمنطقيته على طبيبه النفسى فشفى هو مرض الطبيب.. لان المنطق بالاحداث يجعل الانسان يبدو مريضا وما هو بمريض وانما...!!!

          تحايا عبقة............
          أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
          http://zsaidam.maktoobblog.com

          تعليق

          يعمل...
          X