اسمي في صفحة الوفيات
بقلم : مجدي السماك
هاتفني بالموبايل.. صديق قديم لي.. من مدينة القدس.. وقال محدثا..
الأرض هي حياة عمر وإيقاعها.. يذهب صباح كل يوم إلى حقله و يعود في المساء.. لا يغير هذا الإيقاع سوى حدث جلل.. كان يحب أرضه حبا جما.. يحرثها و يبذرها، يقلمها ويرويها. لقد أصبح روحه وجسده جزءا من أرضه بعد هذه السنين الطوال. كانت أرضه ملاصقة لإحدى المستوطنات الإسرائيلية.. و كثيرا ما كان يتشاجر مع سكانها بسبب مضايقتهم له، و كان دائما يقول : من يفقد أرضه يفقد عرضه وحريته، و من يفقد رجولته يفقد القدرة على استرجاع الأرض والحرية.. لا فائدة ترجى من حرية لا تدافع عن حق. تسلم إيعازا بضرورة إخلاء أرضه، و ذلك بهدف توسيع المستوطنة. جن جنونه، و أخذ يصرخ ويشتم بأعلى صوته.. بقدر ما تسمح به حنجرته .
ذهب ذات صباح كالعادة إلى حقله.. تفاجأ بوجود الجرافات الإسرائيلية و الدبابات، و العدة و العتاد اللازمة للاستيلاء على أرضه الوحيدة.. اشتبك أبناؤه مع الجنود في محاولة لمنع هذه الطامة. قتل أحد أبنائه، و أصيب آخر . لقد سرقوا أرضه وقتلوا ابنه.. نعم.. فالأرض لهم هي الوجود بذاته .
يقع بيته بالقرب من الأرض المسلوبة التي أصبحت ضمن المستوطنة. أصبح دون مصدر رزق.. اضطر أبناؤه إلى العمل بالأجرة في المدينة.. و فقد عمر عقله أو قد يكون في صدمة نفسية أثرها عميق.
أصبحت الأسرة فقيرة.. تحول عمر من مالك للأرض إلى فقير معدم و مجنون.. و هكذا دخلت الأسرة في إيقاع من نوع ومذاق آخر مختلف.. له طعم المرارة و العذاب.
في كل صباح يستيقظ عمر مبكرا.. و يتألم وهو يطلب من زوجته أن تتأكد إن كان ما يزال على قيد الحياة. و كانت تحاول جاهدة إقناعه بأنه حي، ويرزق. كان لا يصدق إلا إذا أحضرت له الصحيفة.. كي يتفقد اسمه في صفحة الوفيات و يطمئن إلى غياب اسمه منها، أصبح ثمن الصحيفة عبئا ثقيلا .
إيقاع جديد للحياة.. و لازمة يومية، سؤال يوجهه عمر في كل صباح : هل اسمي موجود في صفحة الوفيات.. ثم شراء الصحيفة، ثم التوجه إلى صفحة الوفيات، فالإقناع، فالهدوء و السكينة .
ذات صباح وجد عمر اسما مطابقا لاسمه في صفحة الوفيات.. يا الهي من هذه الصدفة! أصبح عمر في حالة عصبية شديدة.. مثل الثور الهائج.. لم يتحمل الصدمة.. لقد تصور أنه مات و طالبهم بدفنه.. وليس بمقدوره تصور أنه حي. اضطرت زوجته إلى بيع شيء من أثاث المنزل، و إرسال زوجها إلى الطبيب النفسي. استمر العلاج عدة جلسات.. تحسن وضع عمر بعض الشيء.. و كف عن السؤال عن وجود اسمه في صفحة الوفيات .
دق جرس الباب في صباح باكر.. على غير ما هو مألوف.. فتحت زوجة عمر الباب.. كان الطبيب النفسي المعالج واقفا مضطربا، ويرجف.. أعطته الزوجة الإذن بالدخول.. لكن الطبيب النفسي سألها وهو خائف ومصدوم : هل اسمي موجود في صفحة الوفيات .
Magdi_samak@yahoo.com
22-5-2007
بقلم : مجدي السماك
هاتفني بالموبايل.. صديق قديم لي.. من مدينة القدس.. وقال محدثا..
الأرض هي حياة عمر وإيقاعها.. يذهب صباح كل يوم إلى حقله و يعود في المساء.. لا يغير هذا الإيقاع سوى حدث جلل.. كان يحب أرضه حبا جما.. يحرثها و يبذرها، يقلمها ويرويها. لقد أصبح روحه وجسده جزءا من أرضه بعد هذه السنين الطوال. كانت أرضه ملاصقة لإحدى المستوطنات الإسرائيلية.. و كثيرا ما كان يتشاجر مع سكانها بسبب مضايقتهم له، و كان دائما يقول : من يفقد أرضه يفقد عرضه وحريته، و من يفقد رجولته يفقد القدرة على استرجاع الأرض والحرية.. لا فائدة ترجى من حرية لا تدافع عن حق. تسلم إيعازا بضرورة إخلاء أرضه، و ذلك بهدف توسيع المستوطنة. جن جنونه، و أخذ يصرخ ويشتم بأعلى صوته.. بقدر ما تسمح به حنجرته .
ذهب ذات صباح كالعادة إلى حقله.. تفاجأ بوجود الجرافات الإسرائيلية و الدبابات، و العدة و العتاد اللازمة للاستيلاء على أرضه الوحيدة.. اشتبك أبناؤه مع الجنود في محاولة لمنع هذه الطامة. قتل أحد أبنائه، و أصيب آخر . لقد سرقوا أرضه وقتلوا ابنه.. نعم.. فالأرض لهم هي الوجود بذاته .
يقع بيته بالقرب من الأرض المسلوبة التي أصبحت ضمن المستوطنة. أصبح دون مصدر رزق.. اضطر أبناؤه إلى العمل بالأجرة في المدينة.. و فقد عمر عقله أو قد يكون في صدمة نفسية أثرها عميق.
أصبحت الأسرة فقيرة.. تحول عمر من مالك للأرض إلى فقير معدم و مجنون.. و هكذا دخلت الأسرة في إيقاع من نوع ومذاق آخر مختلف.. له طعم المرارة و العذاب.
في كل صباح يستيقظ عمر مبكرا.. و يتألم وهو يطلب من زوجته أن تتأكد إن كان ما يزال على قيد الحياة. و كانت تحاول جاهدة إقناعه بأنه حي، ويرزق. كان لا يصدق إلا إذا أحضرت له الصحيفة.. كي يتفقد اسمه في صفحة الوفيات و يطمئن إلى غياب اسمه منها، أصبح ثمن الصحيفة عبئا ثقيلا .
إيقاع جديد للحياة.. و لازمة يومية، سؤال يوجهه عمر في كل صباح : هل اسمي موجود في صفحة الوفيات.. ثم شراء الصحيفة، ثم التوجه إلى صفحة الوفيات، فالإقناع، فالهدوء و السكينة .
ذات صباح وجد عمر اسما مطابقا لاسمه في صفحة الوفيات.. يا الهي من هذه الصدفة! أصبح عمر في حالة عصبية شديدة.. مثل الثور الهائج.. لم يتحمل الصدمة.. لقد تصور أنه مات و طالبهم بدفنه.. وليس بمقدوره تصور أنه حي. اضطرت زوجته إلى بيع شيء من أثاث المنزل، و إرسال زوجها إلى الطبيب النفسي. استمر العلاج عدة جلسات.. تحسن وضع عمر بعض الشيء.. و كف عن السؤال عن وجود اسمه في صفحة الوفيات .
دق جرس الباب في صباح باكر.. على غير ما هو مألوف.. فتحت زوجة عمر الباب.. كان الطبيب النفسي المعالج واقفا مضطربا، ويرجف.. أعطته الزوجة الإذن بالدخول.. لكن الطبيب النفسي سألها وهو خائف ومصدوم : هل اسمي موجود في صفحة الوفيات .
Magdi_samak@yahoo.com
22-5-2007
تعليق