خروج
كانت البداية لعلاقة الحب الجارف في مصح عقلي, لقاءه بها حديث عابر, جلسة استفسار تحولت إلى صداقة وتعاون, على كسر حاجز الوحدة, وبرودة الجدران الصفراء.
هو لم يكن سوى إنسانا حرا, لا يطيق تلك الحدود الحمراء الوهمية, يبحث عن أي نافذة, ليخرج منها محلقاً في هذا العالم الواسع. لكن واقع مدينته, لا يعرف النوافذ المطلة على شرفات الأرض .
اختار الكبت والانزواء في عالم من صنعه, لم يكن ما اختاره يرضي بقية الأطراف, ولا حتى السفلية منها . وصل به الأمر إلى ترك عمله, هناك لا مجال لان يكون الفرد بدون رقم. لذلك اختاروا له رقماً في مصحة,وهو الحل الأسلم في بلد يسأل الإنسان عما لم يفكر به.
انتهى به الأمر إلى مقعد خشبي وحديقة, وفتاة أصابها الخوف والندم, وتملكها الشعور بالمشاركة في المأساة الكبرى. فقد كانت في غرفتها تدرس, عندما عاد والدها من العمل في ذلك اليوم من صيف 1983. دخل غرفته, ثم غاب الوقت, كما غاب الوعي عن الحضور اليومي لما تفعل هي. تأتي إلى غرفة والدها تحييه بقبلة صغيرة, وتسأله إن كان يريد شيء قبل موعد الغداء.
تركت الكتاب فجأة, حين شعرت بانقباض في صدرها الصغير, هرعت إلى غرفته, وإذ هي أمام جسد معلق في وسط الغرفة. صاحت بصوت يختنق, جاءت الأم من المطبخ, وأصابها ذهول صامت, مع حشرجة النبرة والوعي. وبقيت هكذا حتى هذا اليوم, تحمل الجسد المعلق على سفر الأيام.
لم يكن ساذجاً يشكو العجز المادي, ولا فاشلا يهرب من عينيه وعيون الآخرين. عالم في علم الذرة, يعمل في مؤسسة للدولة, قويا منفتحاً, يملك الوعي والحنان وروح الأسرة. لم يعلق وحده في ذلك اليوم على جدار الزمن, بل اثنان من أصدقاءه, وفي نفس الوقت, ولكن في أماكن مختلفة وأمام وعي صغير, لا يفهم معنى الخروج .
خرجت من المصح إلى دائرة الأحوال المدنية, رغم رفض الأهل, لا احد يفهم كيف ستكون العلاقة الغريبة نوع من تواصل اجتماعي سوي. لكن الأمور سارت حسب جنون الفكرة, وانتهت إلى بيت بلا أثاث, بعض الأشرطة الموسيقية, أريكة ضخمة مريحة, وعاء من زجاج بحجم القمر, تملؤه الماء الملونة بالأزرق, كتب وأقلام وبقايا ذاكرة الهدايا القديمة. حب على طريقة التشرد البارد, وطفل صغير رائع وجميل.
لا أعرف من معنى هذا التكوين, سوى فكرة أنها أخت زوجتي, ونسيبي القادم. ضحكت دون أن ادري ما تحمله الأيام المقبلة, من حديث ظننته عبث غربي, بعض عشوائية الزمن لكنني مررت عن الأمور بشكل عارض. لم تكن حكاية تقف مثل أحجار ملونة في طريقي, هي طرفة أحببتها جداً. نصاب برعشة الدهشة حين نصادف أمورا لا تعنيها السلوكيات الرمادية, هكذا كانت بداية المعرفة, لكن إلى أين؟.
بدأت أحمل أوقاتي على احتمالات جديدة, هي حياة اخترت جزءا منها, لكن أن تندرج تحت طيات الذاكرة القادمة, فهذا لم يكن في حساب المغامرة.
أمضيت فترة زمنية في بيت يرسم على جدرانه لحظة انتحار. غادر من الباب الخلفي, ترك زوجة في مقتبل العمر, وثلاث فتيات صغيرات عالم لا ينتهي إلى سكينة, وصراع يدور.
كانت تقف على قبره كل يوم أحد, وتقول له: أحببتك, لكني لن أسامح لك بقائي وحدي. هل تراب القبر يكفيك .... لا أعلم. تعود إلى طرقات الزمن, وجوه صغيرة بعيون حائرة, كانت أقوى من برودة شتاء الشمال. انتهت الأيام نحو تقاطيع قاسية, ونظرة لا تعرف معنى الأمان. والفتيات صرن مثل أشجار الرصيف الباسقة. إلا تلك الوسطى, فقدت معنى السير على طرقات تحمل على آخر دربها مشنقة من هروب. بقيت مثل شعلة من نار تتسارع نحو رماد, خائفة على كل من حولها, فهناك خطر كامن في عقلها. ترتقب أن تعود إليها الغفلة عمن حولها, تعيش اللحظات باضطراب, توتر يتعدى شعورها حتى يقلق إحساس الآخرين.
لم يكن يهدأ لها بال, حتى يعود زوجها وابنها إلى البيت, تغلق الباب على الخوف, وتعود إلى غرفتها. كنت أراها أحيانا حين تخرج مسرعة من هناك, تبحث عن صوت الباب ومن خرج. تتفقد النائم حتى لا يغادر عالمها موت جديد, آخر ما وصلت إليه, هو الوجوم بعد القلق, والبقاء أمام جهاز التلفزيون لا تراقب شيء, سوى الوميض المتقطع. إلى متى يبقى الرجع القديم؟. لم تخبرني الجدران الحائرة في البيت العالق وسط انتحار السكينة.
النهاية
قصة ... وحقيقة
كانت البداية لعلاقة الحب الجارف في مصح عقلي, لقاءه بها حديث عابر, جلسة استفسار تحولت إلى صداقة وتعاون, على كسر حاجز الوحدة, وبرودة الجدران الصفراء.
هو لم يكن سوى إنسانا حرا, لا يطيق تلك الحدود الحمراء الوهمية, يبحث عن أي نافذة, ليخرج منها محلقاً في هذا العالم الواسع. لكن واقع مدينته, لا يعرف النوافذ المطلة على شرفات الأرض .
اختار الكبت والانزواء في عالم من صنعه, لم يكن ما اختاره يرضي بقية الأطراف, ولا حتى السفلية منها . وصل به الأمر إلى ترك عمله, هناك لا مجال لان يكون الفرد بدون رقم. لذلك اختاروا له رقماً في مصحة,وهو الحل الأسلم في بلد يسأل الإنسان عما لم يفكر به.
انتهى به الأمر إلى مقعد خشبي وحديقة, وفتاة أصابها الخوف والندم, وتملكها الشعور بالمشاركة في المأساة الكبرى. فقد كانت في غرفتها تدرس, عندما عاد والدها من العمل في ذلك اليوم من صيف 1983. دخل غرفته, ثم غاب الوقت, كما غاب الوعي عن الحضور اليومي لما تفعل هي. تأتي إلى غرفة والدها تحييه بقبلة صغيرة, وتسأله إن كان يريد شيء قبل موعد الغداء.
تركت الكتاب فجأة, حين شعرت بانقباض في صدرها الصغير, هرعت إلى غرفته, وإذ هي أمام جسد معلق في وسط الغرفة. صاحت بصوت يختنق, جاءت الأم من المطبخ, وأصابها ذهول صامت, مع حشرجة النبرة والوعي. وبقيت هكذا حتى هذا اليوم, تحمل الجسد المعلق على سفر الأيام.
لم يكن ساذجاً يشكو العجز المادي, ولا فاشلا يهرب من عينيه وعيون الآخرين. عالم في علم الذرة, يعمل في مؤسسة للدولة, قويا منفتحاً, يملك الوعي والحنان وروح الأسرة. لم يعلق وحده في ذلك اليوم على جدار الزمن, بل اثنان من أصدقاءه, وفي نفس الوقت, ولكن في أماكن مختلفة وأمام وعي صغير, لا يفهم معنى الخروج .
خرجت من المصح إلى دائرة الأحوال المدنية, رغم رفض الأهل, لا احد يفهم كيف ستكون العلاقة الغريبة نوع من تواصل اجتماعي سوي. لكن الأمور سارت حسب جنون الفكرة, وانتهت إلى بيت بلا أثاث, بعض الأشرطة الموسيقية, أريكة ضخمة مريحة, وعاء من زجاج بحجم القمر, تملؤه الماء الملونة بالأزرق, كتب وأقلام وبقايا ذاكرة الهدايا القديمة. حب على طريقة التشرد البارد, وطفل صغير رائع وجميل.
لا أعرف من معنى هذا التكوين, سوى فكرة أنها أخت زوجتي, ونسيبي القادم. ضحكت دون أن ادري ما تحمله الأيام المقبلة, من حديث ظننته عبث غربي, بعض عشوائية الزمن لكنني مررت عن الأمور بشكل عارض. لم تكن حكاية تقف مثل أحجار ملونة في طريقي, هي طرفة أحببتها جداً. نصاب برعشة الدهشة حين نصادف أمورا لا تعنيها السلوكيات الرمادية, هكذا كانت بداية المعرفة, لكن إلى أين؟.
بدأت أحمل أوقاتي على احتمالات جديدة, هي حياة اخترت جزءا منها, لكن أن تندرج تحت طيات الذاكرة القادمة, فهذا لم يكن في حساب المغامرة.
أمضيت فترة زمنية في بيت يرسم على جدرانه لحظة انتحار. غادر من الباب الخلفي, ترك زوجة في مقتبل العمر, وثلاث فتيات صغيرات عالم لا ينتهي إلى سكينة, وصراع يدور.
كانت تقف على قبره كل يوم أحد, وتقول له: أحببتك, لكني لن أسامح لك بقائي وحدي. هل تراب القبر يكفيك .... لا أعلم. تعود إلى طرقات الزمن, وجوه صغيرة بعيون حائرة, كانت أقوى من برودة شتاء الشمال. انتهت الأيام نحو تقاطيع قاسية, ونظرة لا تعرف معنى الأمان. والفتيات صرن مثل أشجار الرصيف الباسقة. إلا تلك الوسطى, فقدت معنى السير على طرقات تحمل على آخر دربها مشنقة من هروب. بقيت مثل شعلة من نار تتسارع نحو رماد, خائفة على كل من حولها, فهناك خطر كامن في عقلها. ترتقب أن تعود إليها الغفلة عمن حولها, تعيش اللحظات باضطراب, توتر يتعدى شعورها حتى يقلق إحساس الآخرين.
لم يكن يهدأ لها بال, حتى يعود زوجها وابنها إلى البيت, تغلق الباب على الخوف, وتعود إلى غرفتها. كنت أراها أحيانا حين تخرج مسرعة من هناك, تبحث عن صوت الباب ومن خرج. تتفقد النائم حتى لا يغادر عالمها موت جديد, آخر ما وصلت إليه, هو الوجوم بعد القلق, والبقاء أمام جهاز التلفزيون لا تراقب شيء, سوى الوميض المتقطع. إلى متى يبقى الرجع القديم؟. لم تخبرني الجدران الحائرة في البيت العالق وسط انتحار السكينة.
النهاية
قصة ... وحقيقة